جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

السبت, 17 ديسمبر 2016

وسقط التقسيم

حفلات الزار «نصرةً لحلب» معروفة الدوافع مكشوفة الأهداف. آخر ما يعنيها طرد العفاريت، بل هي تستحضرها بتأجيج طائفي يشعل المزيد من النار ويلتهم المزيد من البشر والحجر.

القوى التي تنظم هذه الحفلات وتتعهدها -ليس المقصود طبعاً المشاركين فيها. فكثيرون منهم مثاليون تحركهم دوافع التضامن الانساني الحقيقي- تلك القوى تعرف أن عودة ثاني المدن السورية الى الدولة طعنة استراتيجية كبرى لها، ولمشاريع التقسيم والتفتيت، خصوصاً أنه سيتبعها قريباً تحرير الموصل وعودتها إلى الدولة العراقية.. وبذلك تفقد القوى الظلامية أهم موقعين لها في المشرق العربي وتُمنى بأكبر هزيمة تحجّمها، وتحولها إلى مجرد فلول وعصابات وخلايا إرهابية معزولة. هذا الألم الناتج عن الخسارة الكبرى هو الدافع الأساسي للصراخ من استانبول إلى عواصم عربية محدودة العدد. وليس هناك عربي حريص أو مسلم أو إنسان من أي دين لا يتعاطف مع مأساة حلب وسوريا كلها والعراق واليمن وليبيا. وهو يريد أن تبقى هذه البلدان موحدة.
أما الهدف الحقيقي فليس بالتأكيد حلب فهذه قد سقطت ولم يعد البكاء على الأطلال ينفع، بل هو اختبار مكشوف للقوة، وقياس قدرة القوى المتأسلمة على التعبئة والحشد استعدادا للدخول في مواجهات في أماكن أخرى غير سوريا والعراق.يصرخون ضد روسيا، ويقدمون الخدمات الجليلة للثلاثي الأميركي - الإسرائيلي- التركي.
أما الأصوات الليبرالية، بما فيها وسائل الإعلام التي تقدم نفسها بهذه الصفة هنا وهناك، فهي تبتلع الطعم مرة جديدة، فتؤكد عجزها أو قصورها، ليس فقط عن الفعل، بل وقبل ذلك عن الفهم. تعتبر «أن الأسد يربح حلب ويخسر سوريا»، في استعادة هزلية مشوّهة لمعادلة المغني الشعبي الثائر الشيخ إمام عندما صرخ في مواجهة كمب ديفيد بين مصر وإسرائيل «يا خوفي من يوم النصر، ترجع سينا وتروح مصر».
ينسى هؤلاء «الليبراليون» أن التنظيمات الإرهابية التي تقاتل في حلب وسوريا كما في الموصل والعراق ليست في موقع صراع أو مواجهة مع إسرائيل، لأن فلسطين بما فيها القدس، لم تكن يوماً جزءاً من استراتيجيتها ولا حتى في تكتيكها ولو من باب ذر الرماد في العيون.
ليس مفهوماً كيف تقع قوى تسمي نفسها ليبرالية في مستنقع التأجيج الطائفي، وصب المزيد من الزيت على نيرانه! وكيف يغيب عنها أن ما فرضته قوى التخلف والإرهاب على السياسة والمستقبل في العالم العربي ليس خياراً بين الحسن والأحسن، إنما بين السيئ والاقل سوءاً.
المنظمات التي سيطرت على حلب قبل أربع سنوات، هي أساساً تنظيم القاعدة وغيره عشرات المنظمات الإرهابية والمتطرفة وعصابات مرتزقة من أوروبا وأميركا وأنحاء الأرض. أما الليبراليون السوريون والمناضلون من أجل الحرية والكرامة أو المعارضة المعتدلة فقد اضطهدهم هؤلاء، وفرضوا عليهم الانضمام إليهم أو الهرب، فهم الآن موجودون في المكاتب خارج سوريا، في أوروبا وأميركا، لا في ساحات القتال التي تركت لأشد التنظيمات رجعية وتطرفاً وإرهاباً، وهذه حكماً لا تؤمن بتلك الشعارات النبيلة والمحقة.
بتحرير حلب، يكون النظام السوري قد استعاد «سوريا المفيدة» أو «قلب سوريا» أي المدن الخمس الكبرى الغنية اقتصادياً والكثيفة بشرياً وعمرانياً، فسقطت بالتالي خطة أميركا وإسرائيل وتركيا التي تنفذها المنظمات الارهابية لتقسيم سوريا والعراق، إلى كيانات طائفية صغيرة لا حول لها ولا قوة، تبرر الكيان العنصري في إسرائيل.
كما أنها أطلقت يد السلطة المركزية استعداداً لمعركة إدلب، وهي مع الرقة آخر مواقع مهمة تحت سيطرة داعش وبقية الفصائل الإرهابية.

د. أحمد طقشة
 

الثلاثاء, 13 ديسمبر 2016

أبو وضاح والغواصات !

كان لي صديق بعمر والدي، في صدره قلب طفل وحماسة شاب، عشقه العدل والمساواة بين الناس قاده إلى الاشتراكية، ومنها إلى نصير متحمس للاتحاد السوفياتي، وربما أسعفه القدر أنه رحل قبل أن يعيش سقوطه لأنه لم يكن النموذج الأمثل للحلم الذي عاش 80 عاماً من أجله.
ذهب أبو وضاح مرة ضمن وفد إلى باريس، وعندما كان يتمشى في شوارع عاصمة النور، شاهد شباباً وشابات يتبادلون العناق والقبل علانية وأمام الناس حتى طفح الكيل به، فانطلق يشتم «الأفعال الفاضحة» و«قلة الأدب والانحطاط»، واستنتج من ذلك «أن الرأسمالية ليست فقط تدمّر حقوق الناس بل أخلاق المجتمع أيضاً، وهذا الفسق العلني هو الدليل على بشاعة الرأسمالية وانعدام أخلاقها».
من باريس، انتقل الوفد إلى موسكو، قبلة أبي وضاح وعاصمة الدنيا بالنسبة له. هناك أيضاً يتعانق الشبان والفتيات ويتبادلون القبل في الأماكن العامة، توقع الجميع أن تكون المشاهد صدمة لزميلهم وأن يكون رأيه فيها مطابقاً لرأيه في ما رآه في باريس، لكن أبا وضاح فاجأهم بتفسيره: «انظروا ماذا تصنع الاشتراكية بالناس. تجعلهم يحبون بعضهم، تزرع فيهم الحنان والمحبة، وهم يتفاخرون بهما، ولا يتحرّجون في التعبير عنهما علناً».
ما فعله أبو وضاح تكرره وسائل إعلام ناطقة باسم إيران أو قريبة منها بشأن صفقة
3 غواصات ألمانية إلى إسرائيل، لكن الحكاية مع الأول طرفة ومع الثانية مأساة، لأنها تجعل الإعلام وسيلة تضليل.
اعتبرت تلك الوسائل الصفقة «خرقاً إيرانياً» لأمن اسرائيل، و«صدمة إسرائيلية من يد إيرانية»، وصولاً إلى أن هذه  اليد «تزلزل طاولة القرار الإسرائيلي»، ذلك كله دون أي قرينة أو إثبات سوى أن لإيران أسهما في الشركة الألمانية المصنعة للغواصات.
إنها مجرد صفقة تجارية بين الشركة الالمانية ولا علاقة لايران بها. ملكيتها فيها قديمة تعود إلى عهد الشاه انخفضت من 7.5 ٪ الى 4.5 ٪ بضغط أميركي واخرج بالتالي ممثلها من مجلس الادارة.
تلك معلومات منشورة في الشبكة العنكبوتية ومتاحة لأي كان، فكيف بالنسبة للموساد الإسرائيلي وهو من اكفأ أجهزة المخابرت في العالم؟!
منطق الحماس الزائد والانتصار الانشائي يعني أن إيران على علم بالصفقة وأعطت الضوء الاخضر لاتمامها أو سكتت عن ذلك ولم تعترض لسببين:
الأول أن تكون الصفقة مدخلا لمعرفة أسرار عسكرية إسرائيلية وهذا مستحيل لأن المساهمة الإيرانية مكشوفة ومعروفة
ولا تخولها الاطلاع على أسرار الشركة، وغير ذلك يؤدي إلى افلاسها.
أما الاحتمال الثاني، فإن إيران التي تعرف أن تل أبيب تعرف، قد تكون أرادت أن تبعث للدولة العبرية برسالة عن استعدادها للتعاون.. وأن مبالغة وسائل إعلامها وتضخيمها الكسب الإيراني إنما الغاية منهما حجب هذه الحقيقة بالذات.
لا داعي للبحث كثيراً عن الحقيقة الضائعة!
 


 

الثلاثاء, 06 ديسمبر 2016

«حرب عصابات» حتى آخر سوري!

أكثر العرب لا يتعلمون. لا عِبرة من الماضي، ولا درساً من الحاضر. فيأتي المستقبل من سيئ إلى أسوأ، يصنعه سياسيون عاجزون عن رؤية المصالح الحقيقية لأوطانهم وشعوبهم، تُزين لهم «بوقيةٌ» تعطل عقول النُخب وتشوه الإعلام ودورهما الريادي والتنويري، فينتج كل هذا مزيداً من الجنون يتجسد الآن في الدعوات لحرب عصابات في حلب.
ليست الدعوة لهذا النوع من الحرب، بينما توشك معركة الشهباء على النهاية، مجرد دموع تماسيح تذرف كذباً بل غايتها إبقاء نار الأزمة مشتعلة. إنها «طفولة سياسية» إذا حسنت النوايا -وهذا مستبعد- لأن جهنم مبلطة بأصحاب النوايا الحسنة. هي في جوهرها تحريض على القتل حتى آخر سوري، واستكمال تدمير سوريا حجراً وبشراً وركائز دولة. إنها باختصار، دعوة شريرة للانتحار.
لا ينطلق رفض هذا النوع من القتال، والذي هو مواصلة للحرب الأهلية بوسائل أخرى، من فذلكة الظروف الموضوعية والذاتية المهيأة أو غير المهيأة، إنما من موقف مبدئي يرفض أساساً، استخدام العنف والسلاح والحروب في الخلاف بين المكونات المجتمعية للدول العربية مهما سمت الأهداف وكانت المطالب مشروعة ومحقة، واشتد الصراع بشأنها. فمحاولات التغيير بالعنف، إن جاء بغزو خارجي كحالة العراق وليبيا، أو بصيغة حرب أهلية كما حدث في لبنان سبعينات القرن الماضي، ويحدث الآن في اليمن وسوريا، لا يمكن أن تنتهي إلا بالموت والتشرد والخراب، وحال البلدان الخمسة شاهد صارخ على هذا الاستنتاج.
الحروب الأهلية لا تنتهي بمنتصر ومهزوم. كل المشاركين فيها خاسرون. التجربة تثبت أن التغيير بالعنف غير ممكن، وإذا حصل بقوة التدخل الخارجي الذي أسقط النظامين العراقي والليبي، فنتيجته كارثية، لأن النظام الجديد يأتي تابعاً وعاجزاً عن إعادة بناء البلد الذي يبقى كسيحاً، وفي حالة حرب أهلية دائمة.
كما لا يمكن لسلطة، مهما كان جبروتها، أن تدّعي الفوز على شعبها وخنق مطالبه في الحرية والكرامة ورفض التسلط والاستفراد بالحكم، وإبعاد الآخر المختلف وقهره. فمطالب من هذا النوع المصيري
لا يمكن أن تموت، تبقى ناراً تحت الرماد، تشتعل في كل وقت وزمن حتى تتحقق وتصبح واقعاً.
أما القوى المدعوّة لإطلاق حرب عصابات، فمجموعات صغيرة منها معتدلة، تضم مناضلين حقيقيين تحركهم المثل للوطنية والإنسانية والمستقبل الأفضل لسوريا، لكن مثل هذه المعارضة أصبحت هامشية جداً، أما أغلب تلك القوى فمنظمات إرهابية عمودها الفقري «النصرة» التابعة «للقاعدة»، وجماعات مسلحة فرختها بالعشرات تركيا ودول عربية، جندت فيها الإرهابيين والمرتزقة والمجرمين من المنطقة كما من بلدان أجنبية كثيرة. جماعات في جوهرها وآيديولوجيتها معادية لكل طموح نبيل يريده الشعب السوري، وهدفها الحقيقي إسقاط دولته ومؤسساته المدنية والعسكرية، والوطن السوري نفسه، لإقامة دولة داعشية وطالبانية نموذجها دولة البغدادي.
لا حلول سهلة لواحدة من أعقد الأزمات العالمية في عصرنا. ولكن من المؤكد أن حلها لا يمكن إلا سلمياً، على أساس سوريا دولة علمانية غير طائفية لا استحواذ فيها ولا إلغاء تصون حقوق جميع طوائفها وأعراقها.
 

رد موسكو السريع على سقطة الرئيس رجب أردوغان بأن القوات التركية دخلت سوريا للإطاحة بالرئيس بشار الأسد، ألقى الكثير من الأضواء على معركة حلب المستعرة الآن.
لم تكن هذه المرة الأولى التي تتكشف فيها العدوانية العثمانية، والأزمة المتفاقمة التي يتخبط فيها أردوغان، ويحاول حتى اليأس، أن يصدّرها للخارج. مرة إلى الاتحاد الأوروبي، وأخرى إلى العراق، وغالباً إلى سوريا.
لكن موسكو وردود دمشق وطهران فرضت عليه التراجع، كالعادة، فأعلن أن عسكره في سوريا «يستهدفون الإرهابيين فقط وليس أي شخص محدد».
يبقى الأهم من الشكل، أن موسكو حددت الهدف من معركة حلب، وكذلك رؤيتها لمستقبل سوريا. فهي تسعى مع دمشق وحلفائها إلى «تطهير المدينة من الإرهابيين تماماً كما يجري في الموصل والرقة. ونسعى إلى إنجاز هذه المهمة قبل نهاية العام». ما يعني أن الموعد مرتبط مع تسلم الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب مهام منصبه في 20 يناير المقبل. وأصبح معروفاً أن روسيا على تواصل مع فريق الرئيس الجديد بشأن سوريا.
موسكو ربطت بذكاء تحرير المدينتين الموصل وحلب. فالشبه بينهما كثير من حيث التركيبة السكانية، والأهمية الاقتصادية، والتاريخ العريق، وكلاهما المدينة الثانية بعد العاصمة. معركة تحرير الأولى كرّست أميركا اللاعب الرئيسي في العراق، وتكرّس معركة الثانية روسيا اللاعب الرئيسي في سوريا. والمدينتان يمكن أن تكونا مدخلاً لتسوية الازمة في كل من البلدين.
فعودة حلب إلى كنف السلطة تحقق جملة أهداف استراتيجية.
-1 تسقط مخطط تقسيم سوريا إلى ثلاثة كيانات سنية، علوية،كردية. ما يعني إفشال فرض خارطة جيوسياسية جديدة.
-2 تتغير حكماً الهيكلية التنظيمية والسياسية للنظام. ويجري الاعتراف بحقوق جميع مكونات المجتمع كشركاء متساوين في المواطنة والحكم.
-3 يرُجّح، بل مؤكد، أن نقاشات تجري في هذا الشأن على قاعدة أن القديم يستحيل أن يعود ويجب أن يتغير، بين روسيا وقوى تقاتل في حلب، وبمتابعة أميركا، تمهيداً لإطلاق حوار شامل بين السوريين، كما تقول المصادر الروسية.
إن سوريا تعيش في إعصار لعبة الأمم، وصراع القوى العظمى ويمكن ان تكون استعادة حلب، على ما فيها من مآس بشرية وكوارث اقتصادية وعمرانية، بداية الخروج من التراجيديا السورية.
هنا تأتي أهمية رؤية روسيا لمستقبل سوريا التي تراها موسكو «دولة علمانية حرة، تعيش فيها كل المجموعات الدينية والأثنية بسلام ووئام». ومن الصعب أن تتملص موسكو من هذا الالتزام وهي التي جاءت إلى سوريا لتبقى في الشرق الاوسط.
 

الثلاثاء, 29 نوفمبر 2016

شعوذة الإعلام!

يعرف المعلقون الأذكياء أن التنبؤ غير ممكن في الإعلام، لكن بعض الزملاء في أيامنا
لا يستطيعون تجنب هذا المرض، وينقلونه إلى «الميديا» علّ وعسى يصيب منهم توقع فينقلهم إلى خانة المشاهير، كما يفعل العرافون، لا يهمهم التلاعب بالعقول، أو حتى تحقير أدوارهم.
هذه الممارسة الغريبة عن دور الإعلام في نشر الحقائق والتعليق على الوقائع والمواقف، أصبحت تعاني منها كثرة من صحف العالم، وانتقلت على نحو مشوّه إلى الصحافة العربية، خصوصاً اللبنانية، في محاولة لمعالجة أزمتها واسترجاع ما يمكن من القراء. وبلغت حداً لافتاً مع فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية، والعماد ميشال عون باللبنانية. في العالم يتعاملون مع التنبؤ كأحد أبواب التسلية والامتاع، لكن بعض الصحافة اللبنانية ربطته بمواقف سياسية مؤذية للبنان، مسّت سيادته،وللرئيس الجديد، لأنها تشكك باستقلاليته.
بعد فوز ترامب، انتشرت معلومة أن المسلسل الكرتوني الأميركي «سيمبسون» تنبأ بفوز ترامب قبل 16 عاماً، وتحديداً في حلقة بثت العام 2000، عممتها مواقع التواصل الاجتماعي، وعمدت مطبوعات مرموقة إلى اعتمادها غلافاً.
اعتبر البعض الأمر حقيقة. وربطه آخرون بتخطيط مسبق للأحداث العالمية، تصنعه حفنة خفية مخابراتية أو ماسونية أو مجمعات صناعة الأسلحة والمال. قليلون انتبهوا أن شخصية سيمبسون الذي جسّد ترامب نُشرت في السابع من يوليو العام الماضي وليس قبل 16 عاماً، وكان ترامب قد ترشح للرئاسة منذ 15 يونيو، أي قبل بث الحلقة بثلاثة أسابيع، وبالتأكيد لن يكون صعباً على منتجي المسلسل المحترفين تقليد حركات ترامب وسط حشده الانتخابي الذي التقط صوراً بهواتف آيفون الذكية، وهذه لم تصنعها شركة أبل سوى في العام 2006.
«الاندبندنت» اليومية و«ديلي اكسبرس» الأسبوعية البريطانيتان، ذهبتا أبعد من ذلك، واعتبرتا فوز ترامب تحقيقاً لنبوءة توقعها المنجم الفرنسي نوستراداموس في القرن السادس عشر، أي قبل مئات السنين، ودليلاً على اقتراب نهاية العالم. وذهبت «النهار» اللبنانية في المنحى نفسه وترجمت عنهما.
وسائل الإعلام أدوات تنوير أساساً،والامتاع أحد أدوارها الجانبية.حال العرب البائس جعل قارئي الطالع والمنجمين نجوما، رغم الخيبات والمطبات الكثيرة التي يقعون فيها. كما حصل مع العرافة اللبنانية السيدة ليلى عبداللطيف التي تقول أن كثيرين من المسؤولين العرب وشخصيات سياسية واقتصادية واجتماعية يلجأون إليها لمعرفة مستقبلهم، توقعت فوز سليمان فرنجية أو جان عبيد في لبنان، وهيلاري كلينتون في أميركا، فأخفقت هنا وهناك.
ربما مثل هذه البرامج تسطح تفكير المتلقي، وتبعده عن قضايا جوهرية. لكنها في النهاية تسليه.
المشكلة في التبصير السياسي الذي يسعى غالبا لتمرير مواقف مسبقة منحازة لفكرة معينة، بغض النظر عن عدم صدقيتها وعمّا تحمله من إساءة وضرر. أبشع نماذجه محاولات التنجيم في الصحافة اللبنانية المستمرة منذ انتخاب عون رئيساً. ومحورها التساؤلات شبه اليومية «عمّن التزم للسعودية بسرقة عون من المحور؟» والمقصود المحور الإيراني
- السوري- حزب الله، ليتواصل التنجيم بأن الأخير «مطمئن لأن الرياض لن تنجح باجتذاب عون!»، ناهيك عن أن فوزه هو انتصار «لخطنا» و«محورنا»! مقصود بنون الجماعة هنا الثلاثي الوارد أعلاه.
يتجاوز هذا النوع من التنجيم حدود الإمتاع والتسلية، فهو إساءة خالصة للبنان السيد المستقل ولرئيسه، حينما يضعه بخفة في هذا المحور أو ذاك بدلاً من أن يكون رئيسا لشعب مرفوع الرأس بعزته الوطنية.
يفسد الإعلام عندما يكون تابعاً وعندما يستسهل الإعلامي الشعوذة والسحر بدل الحقيقة.

السبت, 26 نوفمبر 2016

دولة كسيحة أخرى!

سوريا، البلد، الشعب، الناس، جرح غائر وألم. أهلها الطيبون أهلي وأحبتي، فرحت عندما هتفوا بالحرية والكرامة. فهم شعب كريم مقدام يستحقهما.

أثناء الغزو الإسرائيلي لبلدي لبنان صيف 1982 واحتلال بيروت، تلقى العاملون في جريدة «النداء» وأنا منهم، تعليمات بإخراج زوجاتهم وأطفالهم من العاصمة، وبقاء الرجال لضمان استمرار الصدور دون أعباء وهموم عائلية. ولأن زوجتي كانت حاملاً في الأشهر المتقدمة لم يسمح الطبيب بسفرها الى تشيكوسلوفاكيا حيث درسنا، ولأن مدينتي صور الجنوبية أصبحت محتلة، رفضت هي الذهاب الى أهلي هناك كي لا تشاهد الجنود الإسرائيليين. بقيت دمشق، وإليها ذهبت سميرة مع أسيل التي كانت في الثانية من عمرها.
عندما أزف الوقت، تلقيت برقية للحضور فوراً ونقلنا سميرة الى مستشفى لم أعد أذكر اسمه. استمرت الولادة نحو ست ساعات حتى أبصر طارق النور. خرج الطبيب منهكاً وطمني باسماً: «مبروك ولد، الأم سليمة والطفل خرج بصعوبة لأنه كان طويلاً».
عندما حان وقت الخروج والعودة الى منزل العائلة التي استضافتنا، تقدمت الى الصندوق للمحاسبة ردت الموظفة: «لا شيء»، فوجئت وطلبت الطبيب لأعرف ماذا يجري.. كرر: أبداً لا شيء. الحمد لله على سلامتهما. هذا أقل ما يمكن أن نقدمه لإخوة لبنانيين في محنتهم.
لم نكن قد التقينا أبدا ولا نعرف بعضنا. لم يسألني عن ديني أو مذهبي. ولم اسأله طبعاً سوى عن اسمه. عرفت لاحقاً انه خريج فرنسا، مسيحي من بلدة معلولا، البلدة الوحيدة في الشرق التي ما زالت تتحدث لغة السيد المسيح. نهبها إرهابيو المنظمات الإسلامية. حلم الكرامة والحرية التي شارك كثيرون السوريين فيه عندما هتفوا به، صار أبشع مآسي العرب عندما حُوِّلت الحركة السلمية أو تحولت الى حرب أهلية مسلحة. نتائجها مرعبة، وضعت مصير سوريا. كياناً ودولة وشعباً على محك أن تبقى أو لا تبقى.
لم تكن سوريا يوماً بلداً منقسماً دينيا أو مذهبياً. وهي البلد العربي الوحيد الذي حكم فيها رئيس وزراء مسيحي، وآخر كردي. في هذه اللحظة يعاني السوريون جميعاً من نار الحرب الأهلية ونتائجها المرعبة.
نصف مليون قتيل، 200 ألف مفقود لا يعرف عنهم شيء. 300 ألف معتقل في سجون الحكومة أو داعش وبقية التنظيمات الإرهابية. 12 مليونا هُجّروا من منازلهم تعيش أغلبيتهم في مخيمات البلدان المجاورة في ظروف غير إنسانية، وجزء منهم ركب أمواج الرعب والموت مهاجراً الى أوروبا وأميركا واستراليا. مليون طفل لم يذهبوا الى المدارس طوال خمس سنوات فصاروا أميين، عدد المسيحيين تراجع من مليونين الى 100 ألف نسمة في أسوأ الأحوال، ونصف مليون في أحسنها، نصف الشعب السوري تصنفه الأمم المتحدة ضحايا. عرباً، أكراداً، أرمن، مسلمين، مسيحيين، سنة، علويين، شيعة.
في سوريا مأساة إنسانية، لا مأساة دينية أو طائفية. تقسيم الناس الى قوميات ومذاهب، كرّسته المنظمات الإرهابية. وهذا نتاج أجندة سياسية في دهاليز حكومات ومخابرات الغرب وإسرائيل لأهداف سياسية محددة. انضمت اليها تركيا، وبلع بعض العرب الطعم.
الحروب الأهلية في لبنان والجزائر واليمن أرهقت جيوش بلدانها، الغزو الأميركي للعراق أزال جيشه من الوجود. عدوان الاطلسي والحرب القبلية دمرا الجيش الليبي، ففقدت أحد أهم مقومات وركائز وجود الدول وهو المصير الذي يراد للجيش السوري الآن.. وسيدفع العرب جميعاً الثمن.

صورة أطفال اليمن خائري القوى وقد حوّلهم الجوع إلى أشباح من جلد وعظم،يذكّرون بأطفال مجاعات أفريقيا، وبأيام العرب الكارثية، ومأساتهم الوجودية، صناعة أياديهم التي يعيشونها الآن وتكبر مع الأيام.
مشاهد تضغط بقوة على إنسانيتنا، وتقرع بعنف ضمائرنا وعقولنا.. تذكّرنا بعدمية الحروب الأهلية والطائفية العربية- العربية التي نحترق بنارها، وتأتي على أخضر العرب ويابسهم!
اليمن أحد بلاد العرب العزيزة التي ينتشر فيها الموت والخراب بسبب الحرب المستعرة بين اليمنيين أنفسهم، ثم بين جزء منهم يدعمه رئيس سابق متمرد وأحد أسباب المأساة، وبين التحالف العسكري العربي بقيادة المملكة العربية السعودية لأكثر من عام.
حتى الآن عشرة آلاف قتيل، ثلاثة ملايين نازح، ملايين اليمنيين يعانون نقص الغذاء والحاجيات الضرورية الأساسية، طعاماً وطبابة وتعليماً، مناطق مدمّرة بكاملها. تنظيم القاعدة الإرهابي وجد أرضاً خصبة لتثبيت جذوره وتوسيع عملياته ضد الجميع، فكلهم أعداؤه.
حسب الأمم المتحدة، فإن نصف الـ 28 مليون يمني يعاني شح الطعام وندرته، الأطفال أكثر المتضررين. 370 ألفاً منهم في حالة خطرة نتيجة سوء التغذية، ونحو 1.5 مليون طفل آخر يتضورون جوعاً.
لعل الهدنة ووقف الأعمال الحربية التي أعلنها التحالف السبت لمدة يومين، تكون ضوءاً في نهاية النفق المظلم، وبداية تجدد الأمل الذي بعثته محادثات الطرفين المتقاتلين التي استضافتها الكويت في يوليو الماضي في انتهاء الحرب العدمية.
كل الحروب بين العرب ضد المنطق السليم. المهزوم فيها خاسر، والمنتصر خاسر، فهذه أمة واحدة تعددت طوائفها ومذاهبها وأعراقها.
التنوع والتعدد كانا دائماً أهم أسباب ازدهار الأمة العربية كلها، وكل بلد عربي على حدة. بينما محاولات إلغاء الآخر أهم عوامل انحطاطها وتخلفها، تتصارع مع بعضها وتدمِّر، بدل أن تتعاون وتتكامل لتعمر.
الحرب اللبنانية المستمرة منذ 1974 بوسائل عسكرية مرة وسياسية مرات، الغزو الأميركي للعراق 2003، كوارث ما سمي الربيع العربي، عوامل أدت إلى انهيار النظام العربي، ولما يولد نظام جديد بديل بعد. مصر عمود العرب وركيزتهم الأولى تعاني، العراق وسوريا في شبه انهيار.
انتعشت احتمالية إعادة تقسيم العرب إلى مناطق نفوذ أميركي- روسي، وفي هذا الحيز تزدهر أيضاً أطماع القوى الإقليمية إسرائيل وتركيا وإيران لتكريس حصص ومواقع هيمنة لها.
دول مجلس التعاون الخليجي المنظومة العربية الوحيدة المتماسكة. حتمية التطور دفعتها إلى الأمام بغض النظر عما إذا كانت تريد هذا الدور أو غير راغبة فيه، وأصبح عليها، والمملكة العربية السعودية في المقدمة، أن تبذل الدور الأكبر، لتنتشل العرب من حال الصراع المسلح والعجز والشلل، وتطفئ الحروب بينهم وبؤر التوتر في بلدانهم.
الأمة بحاجة الى الحكمة أكثر من الرصاص بعدما جربت انواع الحروب فأوصلتها إلى هاوية عميقة.
لدى قادة مجلس التعاون خبرات غنية متراكمة على مدى عقود.
نماذج للحكمة والحوار وبعد النظر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ووضع حد نهائي حازم لعملية الانتحار الذاتي والتناحر بين مكونات العرب ليعود السلام والأمن والطمأنينة للأمة كلها. تنهض من الركام لتنطلق في ورشة تنمية وبناء تأخرنا كثيرا فيها.

***
• سقطت الهدنة،مات الطفل اليمني بسوء التغذية. كاتب هذا المقال أخطأ التقدير فاستعجل الأمل. المطبعة أيضاً خذلته ولم تترك له وقتاً لسحب المقال إلى الأرشيف حيث مستقبل العرب كلهم وهذه حالهم!
 

السبت, 19 نوفمبر 2016

ترامب.. هلع أم فرصة للعرب؟

ساسة ومعلقون عرب أصابهم الدوار بعد فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية. بشأن اتجاه سياسته الخارجية.
هذا حال العالم كله. أقلية تفرح بالنتيجة، وأكثرية مرتبكة لتقديرها أن العالم مع ترامب سيكون غيره قبله. لكن بعد العاصفة يحل الهدوء ويسود العقل بعد الانفعال. أو هكذا يفترض.
ترامب داخل البيت الأبيض غيره خارجه. انتهى منطق الحملة ليحل منطق الحكم. لعل هامش حركته في السياسة الداخلية، أوسع من المتوفر له في السياسة الخارجية، لذا - من المبكر الحديث عن «تغيير جذري» فيها تجاه العالم.
لأن هذه تقوم تاريخياً على 3 أسس راسخة - المصالح، المؤسسات، الأشخاص الأساسيين - الركن الأخير من الثالوث فقط طرأ عليه تغيير لم تكتمل صورته بعد.
مصالح أميركا لم تتغير بانتخاب ترامب، أهمها كان ويبقى المصالح الاقتصادية والأمن.  العالم كله حريص على الأولى لأنه مرتبط بها، أما الثاني فلا يهدده جدياً سوى تحالف معاد من عدة قوى عظمى، وهذا غير وارد أبداً. الإدارة الجديدة لن ترمي حلفاءها، خصوصاً الأوروبيين، من السفينة، أو تغامر في دفعهم إلى تحالف مع روسيا.
ترامب كرر ما قاله أوباما، إنما بشكل فظ. الرئيس المنتهية ولايته قال إن إدارته ضاقت ذرعاً بـ«الراكبين مجاناً» بينما طالب الرئيس الآتي حلفاءه بأن يدفعوا «بالعدل» حصتهم في ميزانية الناتو مقابل الحماية. فأميركا فقط من بين دوله الـ 28 تدفع حصتها           الـ 3 ٪ من إجمالي إنتاجها القومي لميزانية الحلف.
ترامب يريد أيضاً من حلفائه في الشرق الأوسط وقد سمى الرياض تحديداً «المبلغ العادل مقابل الحماية»،  وهو ما سيطبقه على بقية دول الخليج. ملمحاً إلى المساهمة في سداد الدين الأميركي البالغ 19 تريليون دولار.
في الإطار المؤسسي للسياسة الخارجية الأميركية، التغّير الجذري صعب جداً كذلك. تغير الرئيس لكنه سيعمل مع النظام نفسه الذي عمل معه سلفه. يتجدد الوزراء والنخبة الأعلى، لكن بيروقراطية الدولة باقية كما هي موظفين وآلية عمل.
التغيير الجوهري يتمثل في شخص الرئيس وفريقه الأقرب، وهو لم يكتمل وإن ضمت نواته أشباه محترفين. اكثرهم معادٍ للعرب وبعضهم معادٍ للسامية. مع  الإشارة إلى أن ترامب أطلق الكثير من الوعود بتغيرات جذرية، لكن في الوقت نفسه لا مشكلة لديه في تغيير آرائه، وترك المتطرف منها عند أول احتكاك بالواقع.
لا تعني هذه المعطيات أن السياسة الخارجية الأميركية لن تتغير. وإن كان ترامب ملزماً بالمسار الذي يحفظ مصالح الامبراطورية الأميركية. مثل هذا الاحتمال وارد دائماً.
أمام العرب فرصة ثمينة للتعامل وفق القاعدة التي يريدها ترامب.  المصلحة اولاً، ربما هذا دافع لهم للتخفيف من الارتباط القوي بالسياسة الأميركية في عهدها الجديد وتقديم مصالحهم أكثر. اضافة إلى خيار مهم جداً بل تاريخي، وهو أن يكون التغيير في واشنطن حافزاً لإجراء تسويات عربية - عربية، تنهي الصراعات العدمية بينهم، وتضمن لهم وزناً أثقل وفعلاً أكبر وأقل كلفة في المشهد الدولي الجديد، ما يشكل أساساً صلباً للتعامل مع أي تغييرات محتملة في سياسات واشنطن أياً كان حجمها.

الثلاثاء, 15 نوفمبر 2016

انتخاب الصورة لا الشخص!

كُثر أولئك الذين أصابتهم ضربات متفاوتة أثناء الانتخابات الأميركية، أو تأثروا سلباً بنتائجها التي حملت دونالد ترامب إلى البيت الأبيض رئيساً.

هيلاري كلينتون تلقّت ضربة قاضية، لأن النظام الانتخابي الأميركي أعدمها سياسياً. حصلت على ربع مليون صوت أكثر من منافسها الذي احتل المكتب البيضاوي بأصوات أغلبية المندوبين، ما أظهر مجدداً الخلل الكبير في النظام الانتخابي نفسه، البعيد عن تأمين الأوزان المتساوية، أو على الأقل المتقاربة لأصوات المواطنين.
أكدت الانتخابات التراجع الكبير الحاصل في تأثير وسائل الإعلام التقليدية، الصحافة المطبوعة، التلفزيون، الإذاعة، معظمها عارض ترامب بشدة. من مئات الصحف اليومية الصادرة في الولايات المتحدة لم تؤيده سوى صحيفتين، مقابل مئتين يومية بما فيها الثلاث الكبرى: «واشنطن بوست»،«نيويورك تايمز»،و«يو.إس، إي. توداي»، عدا القنوات التلفزيونية الأساسية، ساندت كلينتون وخاضت معركتها وكأنها ناطقة باسمها.
كلها دارت في حلقة تكاد تكون نفسها، ركّزت على عدم أهلية ترامب لقيادة أميركا، وانعدام خبرته السياسية، قصفته بأشد المواد الإعلامية فتكاً وإثارة، ورمته بما يمكن من قاذورات: كذاب، نصاب، غارق في الفضائح المالية والجنسية، متحرش، عنصري.
الجمهور لم يبلع الطُعم، فأتت النتائج مخيبة للإعلام ومرشحته. لو جرت الانتخابات نفسها قبل سنوات وتعرض مرشح لحملة إعلامية بهذا الاتساع والحدة، لكسرت ظهره حتماً، كما فعلت بالرئيس الأسبق بيل كلينتون زوج هيلاري قبل عشرين سنة. حينها، فرض الإعلام التقليدي على القضاء محاكمته بفضيحة جنسية، لم يُعزل لكنه أكمل بقية ولايته مكسوراً معنوياً، ولهذا السبب خسر نائبه المرشح الديمقراطي يومها آل غور الانتخابات الرئاسية لصالح الجمهوري جورج بوش الابن بمندوبي المجمع الانتخابي أيضاً.
فهم ترامب اللعبة جيداً، لأنه قريب من صناعة الإعلام، فاستخدم سلاحاً أثبت أنه أكثر قوة وفاعلية وإن كان أقل صدقاً وعمراً.
اعتبر الإعلام التقليدي خصماً «غير محايد»، ووجد المفتاح في وسائل الإعلام الحديثة تويتر وفيسبوك وآلاف المواقع الإخبارية، حيث كوّن جمهوراً من ملايين المتابعين والأنصار والمتلقين، خاضوا معركته في العالم الافتراضي، ودافعوا عنه، ونشروا أخباره، وروّجوا لحملته الانتخابية، امتلك جيشاً تكنولوجياً مهاجماً مزوّداً بوسائل الإعلام الحديثة، فاستطاع أن يحوّل مسار أي حدث ويجيره لمصلحته، ولو بالقليل من الحقائق، والكثير من أنصافها وحتى بالوقائع الكاذبة والأخبار المفبركة.
خلافاً للقاعدة الأساسية في الميديا الكلاسيكية، وهي الالتزام بالحقائق واعتماد التحليل والتقويم، فإن تلك الحديثة، خاصة التي يقودها شخص كترامب، لا تهتم بمصداقية ما تنشره ولا تراقب مدى صحته، المقياس الأساسي عندها هو الكم وإغواء المتلقي، وهذا ضغط كبير على الوسائل التقليدية لا تستطيع أن تقاومه، وأزاحها عن عرش احتكار الأخبار، والتأثير في الرأي العام.
وبما أن الناس مستعجلون دائماً، ويميلون لقبول الأخبار التي يريدون سماعها ويتجاهلون تلك التي لا يوافقون عليها، يستفيد تويتر وفيسبوك وبقية عائلة الشبكة العنكبوتية من هذا المستجد لنشر ما تستطيع من أخبار، ولا تراقب ما إذا كان الذي تقدمه حقيقة أم كذباً.
لاشك أن ترامب وفريقه استخدموا بحرفية عالية هذه الخصائص، ودعوا أنصارهم لعدم تصديق وسائل الإعلام التقليدية التي سماها «فاسدة»، نجح في تعطيل فاعلية الأخبار السلبية عنه، واستطاع أن يخلق «حقيقة موازية» ليس مهماً صحتها، حسب أستاذ الميديا غابريال خان من جامعة «ساوث» كاليفورنيا.
تتميز الحملات الانتخابية في أميركا، بأن الاميركيين لا ينتخبون الشخص بل صورته التي تصنع في مطابخ التأثير على الرأي العام، وتقدمها الميديا التقليدية.
انتخاب ترامب كشف أن هناك مروجاً جديداً صانعاً للرأي العام،وهو الميديا الحديثة الاقوى من التقليدية.

السبت, 12 نوفمبر 2016

ترامب ليس تراجيديا!

بالنسبة للأكثرية فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية كابوس، ولآخرين كوميديا.. بالنسبة للعرب، تشير ردود فعلهم إلى أن أغلبهم قد وقع في فخ غياب الرؤى في التعامل مع الرئيس الأميركي الجديد.

نعم، العالم متفاجئ ومصدوم وقلق من فوز ترامب، أما ردود الفعل العربية فتعكس، الى كل هذا، ضياعاً مؤسفاً، وليس إرباكاً فقط. تماماً كما فعلت «الوقائع الغريبة» بسعيد أبي النحس بطل قصة الأديب الفلسطيني الكبير الراحل اميل حبيبي الذي صوّر حالة العرب قبل 40 سنة فيقول عن نفسه: «خذني أنا مثلاً، فإنني لا أميز التشاؤم عن التفاؤل. فأسأل نفسي من أنا؟ أمتشائم أنا أم متفائل؟», ولذلك ابتدع له كلمة جديدة في العربية وسماه «المتشائل».
والعرب هم هم, على حالهم اليوم، تائهون كيف ستتلاعب بهم الأقدار مع شخص اختبروه حوالي عامين في الحملات الانتخابية، شعبوياً، عنصرياً، بذيئاً، كان ذلك مسموحاً قبيل الانتخابات، أما بعدها فيوم آخر ومعطيات مختلفة.
ربما كان فوز ترامب زلزالاً، كما البركسيت البريطاني قبل خمسة أشهر، لكن ذلك ليس تراجيدياً بالضرورة. المهم إدراك كيف يتغير العالم، والأسباب التي تؤدي الى الزلزال والعواصف التي يعيشها ومنطقتنا تعيش أشدها وأعتاها.
نحن أمام مشهد جديد في السياسة العالمية، أنتج ترامب والبركسيت وغيرهما، أبرز ملامحه في أميركا وأوروبا وخارجهما ان الانتخابات لم يكن فيها للأفكار أو البرامج قيمة تذكر، بل عبّر الناس الذين يعيشون الإحباط وخيبات الأمل وعدم الارتياح من حاضرهم والقلق على مستقبلهم عن ارادتهم في التغيير، ورغبتهم في مستقبل جديد أفضل. في الدول حيث الأنظمة ديمقراطية مستقرة يتم التغيير عبر صناديق الاقتراع، اما بلداننا فمبتلية بمحاولات تغيير بالعنف والدم والخراب.
لا داعي للخوف من ترامب، اذا كان العرب يعرفون ماذا يريدون، واذا تجاوزوا نزعة التبعية والغرق في مستنقع الهيمنة والطائفية والمذهبية والقبلية، والنزوع للسيطرة والاحتكار وحرمان الآخر المختلف.
لقد كان خطابه الانتخابي صادماً ومنحطاً ومقززاً بعنصريته، لكن هذا المجنون كان يعرف ما يقول. وان هذا الأسلوب يوصله إلى البيت الأبيض. وهذا ما حصل بالفعل، لقد انتبه إلى أن النخبة السياسية الحاكمة في أميركا، كما في الكثير من دول العالم، لا تستوعب توجهات مجتمعاتها، ففعل هو.
ترامب، هو مزيج «الشوبيزنيس» صناعة الاستعراض والمصالح. يعرف كيف يجذب الجمهور،  لكنه لم يخسر في الوقت ذاته القدرة على الحسابات الباردة، وإلا لما كان قادراً على بناء إمبراطوريته المالية والعقارية.
لقد وضع في خطاب الفوز حداً فاصلاً مع أدائه عندما كان مرشحاً، ليقول إن الرئيس شخص آخر مختلف متسامح يريد أن يجمع الأمة ويوحدها، وان يتعامل مع العالم كله بعدالة لا بعدوانية. أما الأكثر دهشة فكان حديثه عن منافسته هيلاري كلينتون، التي فازت بنحو ربع مليون صوت أكثر منه، لكن خذلها النظام الانتخابي الأميركي. خلال الحملة قال انه سيسجنها لكن أول جملة نطق بها بعد الفوز كانت «شكراً لها على كل عملها للولايات المتحدة».
مع القول ترامب ليس تراجيدياً، من الضروري الحذر من عنصريته بل من موجة العنصرية التي تقسم المجتمع الأميركي وتكبر في كل أوروبا، كما في منطقتنا حيث تتجلى عندنا بالطائفية والمذهبية والإرهاب، ومعرفة العرب بالظروف المستجدة وماذا يريدون. وبعدها فليكن ترامب كابوساً، أو كوميدياً، أو رئيساً عادياً.

الصفحة 5 من 14