جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

الثلاثاء, 28 فبراير 2017

احتكاك كلامي فقط؟!

كيف سينعكس «التخبيص» الذي يمارسه دونالد ترامب على الشرق الأوسط؟! وهل باتت المنطقة على حافة حرب جديدة؟ وهل التهديدات المتبادلة حالياً بين حزب الله اللبناني وطهران من جهة وإسرائيل من جهة أخرى وكذلك التصريحات والتسريبات من واشنطن وطهران والضاحية الجنوبية لبيروت، والحرب الكلامية المتصاعدة الحدة ستبقى كذلك، أم ستتحول إلى حرب فعلية؟!
ينهي ترامب اليوم أسبوعاً سادساً مشحوناً رئيساً للولايات المتحدة، لا يمكن لأي مراقب أن يتهمه بالكسل أو حتى التريث. بل هو يسعى يومياً ليثبت أنه رئيس حيوي نشيط وفاعل، رجل أفعال لا اقوال- مع انه ثرثار بامتياز - مصمم على تنفيذ وعوده الانتخابية، يعمل أكثر ما يمكن في أسرع وقت ممكن، رغم الفوضى العارمة التي يثيرها.
ورغم أن كثراً يعتبرون كل ذلك نتيجة متوقعة من شخص لم يسبق له طوال 70 سنة من عمره أن تولى منصباً سياسياً أو عاماًَ، إلا أنه من الضروري ألا يغطي كل الغبار شيئاً مما قد يحضر للمنطقة!
خارجياً هو واضح جداً في التعاطف مع إسرائيل، والتعالي على دول الخليج التي يعتبرها مجرد خزنة ليس فيها إلا المال، والتصعيد المتواصل ضد إيران، ومع الطرفين الاخيرين  احتك كلامياً، ويميزه أيضاً العداء الصريح للدول التي يعتبرها مصدراً للمهاجرين، وهذه في معظمها عربية أو إسلامية.
وبعيداً عن قراءة في بلورة سحرية للنتائج المتوقعة لسياسته في الشرق الأوسط،  يمكن استشراف بعض المؤشرات من قراءة تسريبات الأوساط القريبة من واشنطن، وتلك المقربة من طهران، أما إسرائيل فهي تنفخ في النار دائماً.
تسرّب أوساط واشنطن أحياناً وتصرّح حيناً بأن هدف إدارة ترامب هو إعادة إيران إلى داخل حدودها بدون أي أذرع خارجية، في العراق ولبنان وسوريا واليمن والبحرين وأي مكان آخر. هذه الدول لا مكان لإيران فيها، وإذا كان لابد من عراق شيعي مثلاً، فينبغي ألا يكون تابعاً لطهران بل نداً لها، وهي، كما يصفها البعض، رغبة في «صدام شيعي». وتعتقد تلك الاوساط أن تحقيق هدف واشنطن لن يتم إلا بعد ضربة عسكرية قوية جداً لإيران. وتتردد معلومات بأن طهران قد تبلّغت هذا التوجه، ما يفسر التصعيد خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، وذروته تهديد السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله اللبناني بقصف مفاعل ديمونة النووي الإسرائيلي، ما اعتبرته إسرائيل تصعيداً بالغ الخطورة، وأوساط عديدة بأنه «مبالغة غير موفقة»، وراجت على أثره إشاعات بأن هناك توجهاً إيرانياً لاستبدال نصر الله.
أما الأوساط القريبة من إيران، فترى أن «القراءة الخفية» للمشهد في المنطقة هي أن ترامب الآن في مرحلة «الجباية الحثيثة» من الخليج ولا ضربة لإيران أبداً، بل مجرد ضغوط فقط، وتعرف إيران ذلك بدقة، لأن الضربة تعني حرباً شاملة في المنطقة. أما استبدال نصر الله فغير منطقي أبداً حتى إن استبدال المرشد خامنئي أكثر معقولية، وأن ترامب يريد أن يحلب لا أن يقتل.
سلوك ترامب في السياسة الخارجية يشير إلى أنه يسعى  لحل الأزمات بسرعة، وهو ميال بطبعه إلى القوة الصلفة والضغط، كلامياً حتى الآن، وربما فعلياً لاحقاً.
مع ترامب لم يتوقع أحد مسبقاً ماذا سيأتي لاحقاً، الواضح فقط أنه يظهر أسناناً حادة ويتصرف كثور هائج في محل خزف.
 

السبت, 25 فبراير 2017

حرب تقرع الأبواب!

لا يحتاج الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب مهلة المئة يوم للتعرف على شخصه،  وتعامله مع الأزمات العالمية والإقليمية المختلفة .
إن تصريحاته ومواقفه خلال عام من حملته الانتخابية، ثم الأسابيع الخمسة التي قضاها حتى الآن في البيت الأبيض، كشفت الكثير: شخصياً هو إلى السذاجة أقرب، يتعامل مع موقعه الخطير والمهم كما لو أنه بيزنيس، مدعٍ، استعراضي، معادٍ للصحافة أهم وسائل الحريات، نصاب يضيق بالرأي الآخر، إلى بقية الصفات التي تجعله أقرب إلى ديكتاتور مبتدئ. عماده  المال الذي يجمع إليه الآن أقوى سلطة في العالم،  وهذه خصائص تساهم في تكوين شخصية فاشية سلطوية وتبرر له الكذب  ،أضف الى حشد  غير مسبوق من الجنرالات في ادارته.
آخر الأمثلة على الكذب، عندما فاجأ ترامب العالم قبل اسبوعين وهو يتحدث أمام أنصاره في فلوريدا عن خطر الهجرة وارتباطها بالإرهاب، ليحثهم على دعم إجراءاته ضد المهاجرين إلى أميركا: « انظروا كيف عانت ألمانيا... وماذا حدث أمس في السويد.. من كان يتوقع أن يحدث هذا؟ السويد؟!».
ذهلت السلطات السويدية، فلم تكن لديها معلومات عن اي حادث امني حصل أمس. شَغَل المسؤولون السويديون رؤوسهم دون نتيجة. حتى وزير الخارجية السويدي السابق كارك بدلوت علق مستغرباً:«السويد؟ هجوم إرهابي؟ هذا الشخص ماذا يدخن؟!». واستفسرت ستوكهولم رسمياً من واشنطن عما جرى.
بدا أن ترامب يكذب كعادته. لكن بعد مضي 48 ساعة وبحلول الاثنين، وقعت أحداث عنف بين مهاجرين والشرطة في إحدى المدن السويدية .. فطغى احتمال آخر أن المخابرات الأميركية كانت بحوزتها معلومات عن حدث ما، لكن ترامب أفشاها قبل وقوعها.
هذا النموذج غير المسؤول في التعاطي، سيعممه ترامب تجاه أزمات أكبر.
معروف ان نظرية « الركاب المجانيين» تعود إلى الرئيس السابق باراك اوباما، كان يقصد بها دول الخليج، فأخذها ترامب ووسعها لتشمل كل اصدقاء أميركا وحلفائها. فالخليجيون«ليس لديهم إلا المال» وعليهم أن يمولوا مشاريعه، أولها الآن مناطق آمنة يريدها في سوريا، كذلك دول حلف الأطلسي التي عليها أن تدفع مقابل تأمين الحماية الأميركية لها. وان تدفع الاثنين في المئة من دخلها القومي الإجمالي لميزانية الحلف.
السذاجة التي يقارب فيها ترامب الأوضاع الدولية والضغوط التي يمارسها على حلفائه وغيرهم من الدول للتخويف والابتزاز، تكشف عن نهج أكثر خطورة، وتحديداً إطلاق جولة جديدة من سباق التسلح الذي ارتاح منه العالم لحوالي ربع قرن منذ انتهاء الحرب الباردة، وما سينتج عنه من حروب ساخنة إضافية حول العالم، يواكبها حتما تأجيج حرب باردة جديدة غير معروف مداها بعد.
ترامب نفسه أعطى إشارة البدء لسباق تسلح جديد، وباخطر أنواع الأسلحة وأكثرها فتكاً أسلحة الدمار الشامل. عندما أعلن « إن المخزون النووي الأميركي يتخلف... علينا أن نعيد بناءه ليكون الأفضل مما لدى الجميع»، واتهم موسكو بأنها «تخرق معاهدات الحد من التسلح وتخفيضه»، وفي الوقت نفسه نشر أنظمة صواريخ أكثر تطوراً في اليابان وكوريا الشمالية، ودول البلطيق المجاورة لروسيا.
أوروبا بدأت ترضخ . أعلنت ألمانيا أنها سترفع ميزانيتها الدفاعية إلى 2 في المئة من اجمالي انتاجها. وستزيدها تالياً 30 مليار يورو. وستكون برلين  نموذجاً يدفع دولاً أوروبية أخرى كي تحذو حذوها، وتنخرط بحجم أكبر في سباق التسلح.
موسكو المنتشية بالتطورات العالمية لم تتأخر في الرد. فأحيت مقولة قديمة كان يرددها القيصر إلكسندر الثالث:«حليفان وفيان لروسيا..الجيش والأسطول..».
وزادت روسيا بوتين حليفاً قويا هو المجمع الصناعي العسكري: ليصبح الحلفاء ثلاثة: قوة وحرب واستعداد لخوضها.
أما الجديد الذي سيزيد سباق التسلح اشتعالا، هو أن الجيش الصيني استطاع اللحاق بالآلة العسكرية الغربية، نمر من ورق وبلا أنياب أصبح مستعدا  لمقارعة الخصم بكفاءة، بعدما وظفت فيه ميزانيات كثيرة لجزء من النمو الذي شهدته الصين خلال السنوات الثلاثين الماضية، فأصبح قوة صاروخية وجوية خاصة. وفرض شبه سيطرة كاملة على بحر الصين الجنوبي بإنشاء جزر اصطناعية حولها إلى مخازن صواريخ وقواعد عسكرية جوية.
الشرق الأوسط، حتماً، جزء لا يتجزأ من هذا التوتر المستجد المتصاعد، وصعب أن يكون الخليج بعيداً عنه.
المنطقة أمام سباق تسلح، وإعادة تقاسم نفوذ.

اعتاد زميل قديم أن يكرر سؤاله عما سأكتبه. هذا الأسبوع عدل عن السؤال لإخباري أن ترامب سيوفر على الصحافيين والمعلقين عناء البحث عن موضوع لأنه سيوفر لهم مادة دائمة للتعليق. فبرأيه ان الرئيس الأميركي ليس من أولوياته ان يكون سياسياً محترفاً، بقدر جموحه لأن يصبح نجماً دائماً في الإعلام طوال سنواته الاربع المقبلة في البيت الأبيض، وكذلك في السنوات الاربع التي تليها.
ترامب يُتعب أي معلق. فهو «مولينكس» كلام، لذلك توقف جون ماكين أحد أشهر السياسيين الجمهوريين ومنافسي ترامب على الرئاسة عن التعليق على كل ما يقوله الأخير، «فمن الصعب اللحاق به».
ويقول معلقون تهكماً «يجب ان تكون سكراناً كي تأخذ تصريحات الرئيس الأميركي الجديد على محمل الجد، رغم خطورة الكثير منها»، فضلاً عن اداء ترامب المرتبك، والاسابيع السوداء الخمسة التي مرّت عليه في البيت الأبيض، وتبشير ادارته بحربين كبريّين في عهده، إحداهما في بحر الصين، والثانية في الشرق الاوسط طبعاً. وليس مستبعدا أن يكون الخليج، لا سمح الله، مسرحها، تحت شعار «إعادة إيران إلى حجمها». وتكرير الإهانة السمجة لدول الخليج التي يكرر انها «لا تملك شيئاً سوى المال»!
ولأن السكر في الكويت نادر للارتفاع الجنوني في اسعاره اخترت أن استكمل «كلمات» السبت الماضي عن الحب والفرح، مكرراً قناعتي أننا في أشد الحاجة إليهما، وان أعداء الفرح هم أعداء الإنسان، والعكس صحيح أيضاً. يثيرون الكراهية والحقد والحروب والخراب والموت. لا يستطيع أحد منهم أن يكتب شعراً، أو يتذوق لوحة، أو يستمتع بموسيقى، أو يبدع لحناً، أو يفرح برقصة شعبية، أو يرقص في عرس، أو ينتشي بأغنية أو موال، أو يستوعب فكرة. فتتفجر قلوبهم السوداء بمعاداة كل ما هو جميل، ويشدّون الأمة والإسلام إلى أبشع مهاوي التخلف والانحطاط.
بعد نحو  18 عقداً من الفالنتاين الذي صب عليه أعداء الحياة حقدهم الاسبوع الماضي، ينخرط علماء في اكثر من بلد متحضر في اكتشاف عوامل لتسهيل ظروف الحب وتعميقه بين الجنسين عبر معادلات اجتماعية ونفسية.
ويجري علماء بريطانيون تجارب مخبرية يفترض ان تنتهي إلى وضع قواعد تساهم في توفير أسباب الحب، وتشيع التقارب بين الجنسين.
يعتمد الاختبار أسئلة محددة، رغم ادراك العلماء القائمين عليه أن الحب ظاهرة معقدة من الصعب اخضاعها لقياسات علمية وقواعد منطقية صارمة. لكنهم يأملون في أن تمكن تجربة الـ 36 سؤالاً الأشخاص الخاضعين للتجربة أن يقيموا فيما بينهم علاقات عميقة حميمة.
سُميّت التجربة «أسئلة للعاشقين».. ويشارك فيها حتى الآن عشرات الوف الاشخاص، في مؤشر واضح على كم يحتاج الناس، بغض النظر عن الجنس والدين والعرق، إلى هذا الشعور الرباني الراقي.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فإن آخر الإبداعات البريطانية توجيه العاملين في وزارة الصحة الى استخدام تعبير «إنسان حامل» بدل «امرأة حامل».. أخذاً في الاعتبار ان الحامل قد يكون رجلاً يريد ان يساعد شريكته ويتحمل جزءاً من معاناتها أو متحولاً جنسياً، فتجرح التسمية شعوره وينزعج
ما يؤثر سلباً على الجنين!
 

أيام دراستي الجامعية في بلد أوروبي كاثوليكي لم أسمع بفالنتاين، ولا عندما بدأت حياتي العملية في صحيفة يسارية شيوعية في بيروت.. المفاجأة أني سمعت به، لأول مرة، هنا في الكويت.
لا أذكر متى بالضبط. الأرجح أن ذلك كان بعد تحرير الكويت. عندما بدأت تطغى أجواء تطرف ديني، شملت أشياء جميلة كثيرة، بما فيها كل ما هو أحمر، من ورد وقلوب ودببة، ليس لأنه لون الشيوعية، وكانت وقتها بدأت تتراجع وتنهار، بل لأنه رمز لذلك الفالنتاين. ما دفعني للبحث عنه والتعرف إليه. وقد أعجبت بذلك القديس واحترمته من يومها.
اكتشفت انه راهب مفعم بحب الإنسان والخير له. قاوم الظلم والاستبداد. لم يأبه للموت تكريساً للحب، فواجه الإمبراطور مانع زواج المحبين، وزوّجهم في كنيسته معرضاً نفسه للموت. لم يفرق بين مسيحي ووثني، فالحب عابر للأديان.
وبهذا الإيمان طوّبته الكنيسة أحد قديسيها. وأصبح مع الزمن محبوباً  للناس كلهم، خصوصاً الشباب. لكنه لم يصبح بهذه الشهرة مع أنه كان موجوداً قبل نحو 1750 عاماً.. فماذا جرى؟
لاشك أن الإنسان منذ وجد يحتاج الحب. وفي أيامنا الصعبة يحتاجه أكثر، وهذا ما انتبه إليه أباطرة أيامنا في العرض والطلب في التجارة والدين معاً وحولوهما إلى مصدر كسب.
التجار جعلوا القديس مناسبة يتربحون منها مادياً بسلع ارتبطت بها يروجونها كل عام، من الوردة وحتى الذهب والماس اللذين لم يكن المسكين حتى يحلم بهما أو يهمانه.
تجار الدين يتربحون معنوياً بشحن الاتباع وزراعة المزيد من التطرف والتوحش والكراهية في نفوسهم بدعوى الدفاع عن الإسلام وإبعاد المسلمين عن الوقوع في لهيب البدع والضلالة والنار!
الفئتان تعرفان مبدأ العرض والطلب جيداً. تتكسبان به ومنه بحرفنة. المأساة في القطيع، وتحديداً في بعضه، الذي يعتبر ان في إهداء وردة حمراء وقلب أو دعوة للفرح البريء، فساداً وحراماً وهلاكاً، وكأن الحب ليس شعوراً سماوياً، بل شيطانياً بالنسبة لهم!
لو قدّر لي الرحمن، سأنقهر إن عادت واحدة من حفيداتي وقد أصبحن مراهقات إلى المنزل وليس معها  وردة حمراء، وإذا لم يقدم أحد من أحفادي هدية حمراء.
• • •
وبما أن نتائج الحب بالحب تذكر، فإن رئيس تحريرنا الشيخ صباح المحمد، لا يفوت فرصة للحديث عن فيض الحب المخزون بحراً وحتى محيطاً لدى مديرنا الزميل نبيل الخضر.
لم أوفق في معرفة نوع الحب الذي يقصده الشيخ، فهو صاحب نكتة وتورية، أفضل ألا أحشر جمله في معنى واحد، فيحشرني بالمثل الذي يردده: كل يرى الناس بعين طبعه. فأنا عرفت أبا بدر من زمان علماً إعلامياً معلمَ مهنة أستاذاً، وبعدما تعرفت إليه عن قرب، اكتشفت فيه صفات إضافية، نبع إنسانية وعفة لسان وحب الزملاء، وعصبية لا تصل حكماً إلى ما عندي، ينهيها دائماً بعبارة محببة «جواد اشتغل زين»، مرفقة بابتسامة طبيعية تبدد أي توتر، وكأنه يصوغ بهزلية شفوية أحد مقالاته الساخرة الجميلة.
بالطبع لا يوفر الرئيس، الملاكين عن يمينه ويساره، الزميل جعفر محمد وأنا «الإذاعة الاسرائيلية» كما يسمينا لكثرة تعليقاتنا ومشاغبتنا الكلامية. لكنه غير منصف. فشخصياً أضع الزميل أبا أنور أولاً. أسطوانة لا تتوقف بحكم المهنة. مقدم برامج متفوق، بثقافة دينية وتراثية وفنية وموسيقية وشعرية عميقة ومميزة تعززها ذاكرة أمسك الخشب على حضورها وحديديتها. يضاف إلى تلك المواهب «ثعلبة» بريئة.
بين مطرقة صباح المحمد وجعفر محمد، وجد نبيل الخضر نفسه بسبب جملة أقفل بها مقالته الجمعة الماضي نصها: «لمن اتهمني بكتابة مقالات رئيس التحرير الشيخ صباح المحمد، أقسم بالله العظيم أنه يكتبها بنفسه بالفاصلة والضمة».
«الخباثة» فسرّت العبارة بأنها من باب «تأكيد المؤكد»، فما الداعي لها، بينما قالت «الزغالة» إنه «تأكيد في معرض النفي»، فيما انا اشهد أن نبيلاً صدق في ما ذهب إليه.
كنت ممن توهموا عن بعد أنه يفعل ذلك. لكني بعد انضمامي إلى أسرة «الشاهد» عرفت جديداً أعجبني وقدرته. وهو أن صباح المحمد رئيس التحرير الوحيد ممن عملت معهم يكتب افتتاحياته بنفسه. وهو أول من كرس استخدام اللهجة العامية الكويتية في الافتتاحية.
براءة أبا بدر. لكن أرجو مشاركتك في  اقناع رئيس التحرير بأن تنتظم افتتاحياته، فهو لم يقتنع بذلك بعد مني. فنستفيد على الأقل من غزله الذي لا يتوقف فيك.

منذ العام 2015 تكشف الاحصاءات أن واحداً في المئة فقط من سكان كوكبنا يملكون أكثر من بقية سكان العالم مجتمعين في العام نفسه كانت ملكية 62 شخصاً الأغنى تساوي كل ملكية نصف البشرية الأفقر!
في العام الماضي انخفض عدد فاحشي الثراء من 62 شخصاً الى 8 أشخاص فقط لا غير. الأرقام المفزعة أحصتها المنظمة الخيرية الدولية أوكسفام وهي الاحصائية نفسها التي استخدمتها مؤخراً المجموعة الاستثمارية العالمية كريدي سويس.
ولتجنب أي تفسير خطأ للدوافع فإن هدف أوكسفام وهي منظمة تحظى بالإقدام وتسعى ليس الى ازالة الفقر وعدم تساوي الفرص من العالم بل القضاء على أسبابها أولا: وعندما نفكر في النتائج التي تضعها امام العالم سنوياً ليس من الصعب ان نعمم الاستنتاج المفزع التالي: الأغنياء يزدادون غنى، ويحتكرون الوسائل والأدوات عددهم في العالم مجرد حفنة قليلة ومن المنطقي والحال هذه أن تفقر البقية الى أقل من مئة شخص تدنى عدد الذين يملكون أكثر من نصف البشرية، أي نحو 3.6 مليارات نسمة والعرب طبعا من ضمنهم وهم يزدادون فقراً بسبب الأنظمة العاجزة أغلبيتها الكبرى عن التنمية والانخراط في حضارة الانتاج المادي والروحي أهم شروط التقدم والتطور.
ازدياد احتكار الثروات وانعدام المساواة في توزيعها هما من أخطر أسباب عدم الاستقرار في العالم ومن المؤكد ان يرتفع منسوب الخطر الى مستويات غير مسبوقة مع تفجر الحروب الأهلية والطائفية والنزاعات المسلحة التي تستر المصالح بالدين والهجرة والنزوح وتناقص الموارد في أكثر من قارة وأمة الى كل هذا يتقدم الى الحكم في الدول العظمى، معتوهون تحركهم العدوانية ويتوهمون أن حل مشاكل العالم المتراكمة يكمن في استخدام القوة والتهديد ويفتقرون الى الإرادة الحسنة والرؤية العميقة لجذور تلك المشاكل وأساليب معالجتها.
بالمال أيضا يتم شراء التأثير السياسي والإعلامي فكم من فضائح فساد سياسي ومالي وإعلامي تتفجر في العالم - العرب ليسوا استثناء طبعا - حتى أصبح معروفاً ان الفقير يشتري صحيفة بينما الثري يشتري رئيس التحرير، والفقير ينتخب والغني يصادر البرلمانات أو أجنحة منها والحكومات لا تخلو من متورط أو شريك وهذا كله يزيد الفروقات باستمرار ويعمقها دائما وتتجمع في يد القلة القليلة المال والسلطة فتتضخم الثروات والعضلات وتتقلص العقول فيصبح الاصلاح والتنمية وهماً هل أمام العرب من مخرج وأمل؟ السؤال المهم عن المخارج والحلول ينبغي ان يوجه الى قياداتهم. ليسوا كلهم طبعاً فمعظمهم هم أنفسهم سبب مآسي شعوبهم.
 

الثلاثاء, 07 فبراير 2017

العرب من وجهة نظر يابانية

كنت قررت، مرغما، ان تغيب «كلمات» اليوم ايضا لانهماكي المتعب ،جسديا ونفسيا، مع زوجتي التي دخلت المستشفى بفيروس سببه تلوث الجو في لبنان كما افاد الأطباء.
لكني تلقيت فجرا رسالة من زميلة عزيزة أحترمها وأقدرها جدا لأنها من الندرة الذين تغلبوا على غول الفساد والإفساد في الاعلام، وأصرت على متابعة الشأن العام على اساس المبدأ والإيمان بمستقبل افضل للإنسان .
تضمنت الرسالة تلخيصا لكتاب ياباني عن العرب، وصفته بأنه صادق وموضوعي ، وهذا رأيي ايضا بعدما قرأته، واخترت ان أشارك فيه من يقرؤني.

• • •
نوبواكي نوتوهارا كاتب و مترجم و أستاذ جامعي ياباني، درس الأدب العربي في جامعة طوكيو ثم عمل مدرسا فيها للادب العربي المعاصر. عايش العرب حوالي 40 عاما. وفي عام 2003، كتب كتابا كاملا اسمه «العرب من وجهة نظر يابانية» يتحدث فيه عن انطباعاته عن العرب أهمها:
- العرب متدينون جدا، وفاسدون جدا.
- الحكومات لا تعامل الناس بجدية، بل تسخر منهم وتضحك عليهم.
- في مجتمع كالمجتمع الياباني نضيف حقائق جديدة، بينما يكتفي العربي باستعادة الحقائق التي اكتشفها في الماضي البعيد.
- الدين أهم ما يتم تعليمه، لكنه لم يمنع الفساد وتدني قيمة الاحترام.
- مشكلة العرب أنهم يعتقدون أن الدين أعطاهم كل العلم ! عرفت شخصا لمدة 20 عاما، ولم يكن يقرأ الا القرآن. بقي هو ذاته، ولم يتغير.
- المجتمع العربي مشغول بفكرة النمط الواحد، على غرار الحاكم الواحد، لذلك يحاول الناس أن يوحدوا أفكارهم وملابسهم.
- عقولنا في اليابان عاجزة عن فهم أن يمدح الكاتب السلطة. نحن نستغرب ظاهرة مديح الحاكم، كما نستغرب رفع صوره في أوضاع مختلفة كأنه نجم سينمائي.
- في الدول العربية التوتر يغطي الشارع .. هذا التوتر يجعل الناس يتبادلون نظرات عدوانية ويزيد توتر المدينة نفسها أكثر فأكثر.
- اول ما اكتشفت في المجتمع العربي هو غياب العدالة الاجتماعية وهذا يعني غياب المبدأ الاساسي الذي يعتمد عليه الناس .. ما يؤدي الى الفوضى.
- الرجل العربي له قيمتان، واحدة في البيت وأخرى في الحياة العامة ..  وهذان الوجهان المتناقضان غالباً ينتج عنهما اشكال لا حصر لها من الرياء والخداع والقمع
- سيطرة العسكر على الشعب هي سبب دخول البلاد في حروب مجنونة.
- المجتمع العربي عامة ليس عنده استعداد ليربي المواهب ويقويها.
- السجناء السياسيون في البلاد العربية ضحوا من أجل الشعب، ولكن الشعب نفسه يضحي بأولئك الشجعان. انعدام حس المسؤولية طاغ في مجتمعاتهم.
- حين يدمر العرب الممتلكات العامة، فهم يعتقدون أنهم يدمرون ممتلكات الحكومة،
لا ممتلكاتهم!   
- ومازال العرب يستخدمون القمع والتهديد والضرب خلال التعليم، ويسألون متى بدأ القمع؟
- أستغرب لماذا تستعمل كلمة «ديمقراطية» كثيرا في العالم العربي!
- مفهوم الشرف والعار يسيطر على مفهوم الثقة في مجالات واسعة من الحياة العربية.
- العرب مورست عليهم العنصرية، ومع هذا فقد شعرت عميقا بأنهم يمارسونها ضد بعضهم البعض.
لخص ابن سينا الكتاب منذ مئات السنين حين قال «بلينا بقوم يظنون أن الله لم يهدي
إلا سواهم».
 

السبت, 28 يناير 2017

عين ترامب على ثرواتكم!

20 يناير 2017 ليس فقط اليوم الذي أدهش العالم بتنصيب الملياردير السبعيني دونالد ترامب رئيساً لأقوى دولة عسكرياً وأكبرها اقتصاداً، بل هو، كما يراه الرئيس، اليوم الذي استعاد فيه الشعب الأميركي السلطة مجدداً، يعني أرقى أنواع الديمقراطية اليونانية، حكم الشعب للشعب!
ويقولون إن ترامب محدود الفكر والثقافة ولا يعرف! وابتداء من ذلك التاريخ «المشهود» -الكلمة ليست لي بل استعرتها من عسكر الانقلابات العسكرية العربية التعيسة- سيعتمد شعاراً واحداً فقط: أميركا أولاً. وعليه، فإن الشعب الذي تديره حكومة مليارديرية والموعود بالرفاه والنعيم، سيستعيد الوظائف المغتصبة والرخاء والأحلام التي صادرها الأجانب المهاجرون من أصقاع الدنيا إلى أرض الفرص. بالمناسبة ترامب نفسه حفيد مباشر لمهاجر ألماني جنى ثروته من المواخير وعلب الليل ثم رفضت ألمانيا إعادة جنسيته لسلوكه المشين أخلاقياً ونصباً، أي انه أميركي منذ جيلين فقط، زوجته الأولى مهاجرة من تشيكيا وزوجته الحالية السيدة الأولى مهاجرة من سلوفينيا.
وسيسترجع الشعب أيضاً حدود دولته التي انتهكها الأجانب ببناء   جدار سيكون الأطول في العالم «3200 كلم»، أين منه جدار الصين العظيم.
فوراً ارتفعت أسهم شركات البناء والمقاولات أي القطاع الذي يعمل فيه ترامب.
ليس هذا كل شيء، ترامب يرى أن البنية التحتية في أميركا متهالكة،فسيبني الطرق السريعة الجديدة، الجسور، المطارات، الأنفاق، سكك الحديد، ولا ننسى ناطحات السحاب، الكازينوهات، المنتجعات، لأن سلالة ترامب تقدر الترفيه على أنواعه.
وفوق هذا كله سيشتري الشعب البضائع الأميركية لأنها موجودة، وينظر بتعالٍ إلى تلك الأجنبية، كما إلى كل ما هو غير أميركي، فالرئيس سيرفع الجمارك عليها حتى أربعين في المئة. مرسيدس وتويوتا وبي أم دبليو وغيرها لن تحلم حتى بالمنافسة، ولتذهب إلى الكساد، والاتحاد الأوروبي إلى التفكك لأنه ستار لألمانيا قوية.
أما التمويل فليس لدى الملياردير ترامب مشكلة فيه أبداً. يعرف المداخل والمخارج يمارسها وإن اتهموه بالنصب والتحايل والتلاعب. السر الأكبر أن يمد يده بعد عينه إلى جيوب الآخرين، يعني الشعوب والبلدان الأخرى. وهو، كما يقول، لديه  تصور واضح وخطة متكاملة،وإن تكن معقدة بعض الشيء، من أين يأتي بالأموال اللازمة؟
هو اعتاد في أعماله الخاصة الاحتيال والنصب، وسيطبقهما الآن مع الدول الأخرى متسلحاً بقدرته على الابتزاز والفرض.
الكويت حاضرة في ذهنه وأطماعه، والعراق كذلك، وطبعاً السعودية، ناهيك عن المكسيك.
عن الكويت يقول إن الولايات المتحدة حررتها من الاحتلال العراقي «ولم تدفع مطلقاً ثمن السخاء المفرط»، وهو التصريح الذي وصف بأنه الأكثر غباء، لأن الكويت دفعت عشرين ملياراً.
التصريح نفسه يكرره عن العراق، «يتعين على الولايات المتحدة أن تستولي على النفط العراقي كي تعوض نفسها عن تكلفة غزو تلك الدولة واحتلالها». ولم يقل إنها احتلتها ودمرتها وأعادتها إلى القرون الوسطى بزعم تدمير أسلحة دمار شامل لم تكن موجودة، وبالتالي على إدارته أن تعوض هي الدمار الذي تسببت به للعراق وشعبه!
ورد عليه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بأن الدستور العراقي حاسم في أن نفط العراق للعراقيين.
أما المكسيك فسيرغمها على دفع تكاليف السور، فرد رئيسها بإلغاء زيارة مقررة لواشنطن.
هذا بعض  ما ستكونه أميركا في ظل رئيسها الجديد. ولن يكون الحال سياسياً أفضل، فهو يعد الأميركيين بأنه سيوقف سفك دمائهم من أجل الآخرين، أي لن يزجهم في حروب جديدة، لكنه يؤكد بقوة أنه سيوحد العالم المتحضر ضد الإرهاب الهمجي من الدول الإسلامية وسيمسحه عن وجه الكرة الأرضيّة.
طبعاً لم يقل كيف سيحاربه اذا لن تكون هناك معارك ودماء، هل يفكر ترامب بالقنبلة النووية؟!

الثلاثاء, 24 يناير 2017

كاسترو في البيت الأبيض !

عن سلطة الشعب سمعنا كثيرا في عالمنا العربي. لكن أحدا لم يتخيل أن شعارا مماثلا سيطلقه رئيس أميركي في واشنطن كما فعل دونالد ترامب في خطاب تنصيبه الجمعة الماضي!
«لا تنتقل السلطة  من يد رئيس الى يد رئيس آخر، ولا من حزب الى حزب، لكننا ننقلها اليوم من واشنطن الى الشعب»!
عبارة كان يمكن عدم التوقف عندها او الالتفات اليها لو ان ترامب لم يكملها بعبارة تصمم على مضمونها : «لزمن طويل استفادت حفنة قليلة في واشنطن وعاشت في مستوى رفيع، بينما لم يكن للشعب شيء من خيرات بلده. نصرهم لم يكن انتصارا لكم ، وبينما كانوا هم يتمتعون ويحتفلون لم يكن لدى الشعب سوى القليل مما يمكن ان يحتفل به. هذا قد تغير ، والتغيير يبدأ الآن»!
  ولم يغب عن ترامب طبعا ان يستنتج: «لقد مضى وقت الكلام المنمق ودقت ساعة العمل. ولا تسمحوا لأحد بأن يقول إننا لا نستطيع»!
المشكلة ان ترامب ليس ثائرا ملتحيا ، كفيديل كاسترو يهبط من الجبال ، او يزحف من الغابات على رأس مجموعة ثوار، ولا قاد كتيبة او فرقة عسكرية، بل هو ملياردير وأغنى رئيس على الإطلاق يدخل البيت الأبيض وشكل أغنى حكومة في تاريخ اميركا، وقد استفاد كثيرا من النظام الاميركي القائم ، وهو ابنه ونتاجه، رأسمالي فاحش الثراء مشكوك في نزاهته واستقامته، لذا اثار خطابه مخاوف مثلما فعل أولئك الذين كانوا يصرخون بشعار السلطة للشعب، لأن الجميع يعلم انها لم تكن يوما كذلك . كانت سلطة عليه وليست له.
كلام ترامب مقلق لعدة اسباب . اولا اذا كان يقصده فعلا ، ويريد ان ينتقم من «الزعران» في واشنطن الذين أذلوه طويلا ويستمرون في إهانته واستفزازه حتى بعد فوزه بالرئاسة وهزيمتهم. وثانيا لأنه تضمن الكثير من المعطيات المنافية للحقائق سياسيا واقتصاديا وعسكريا ما لا يليق برئيس دولة، ولأنه ثالثا ، يدفع باتجاه إغلاق اميركا وانعزاليتها، ويعطي، رابعا، المزيد من الاشارات الى انه تنضج في أوساط القيادة الاميركية، وتحديدا الفريق الذي اختاره ترامب بعناية ، فكرة ان اميركا لن تبقى قطبا وحيدا يقود العالم، وأنها تسير نحو خيار إعادة تقاسمه الى مناطق نفوذ، وأنها ستقدم خدمات الحماية لمن يدفع.
لم يتحدث ترامب في اول خطاب له كرئيس محافظ، ولم يحرص على بلاغة راقية، بل اعتمد لغة استفزازية، تضمنت ترهات  كثيرة ما جعل كثرا من المعلقين حول العالم يحذرون من ان اللغة الصادمة قد تدفع اميركا والعالم كله الى الفوضى. بينما ذهبت الغارديان البريطانية ابعد كثيرا، فاعتبرت الخطاب « اعلان حرب سياسية».
اللافت ان الهدف الوحيد الذي تكلم عنه في سياسته الخارجية  على نحو ملموس، كان عن «توحيد العالم المتحضر ضد الارهاب الاسلامي وسنمسحه»، ما جعل وكالة الصحافة الفرنسية تتساءل مستغربة ما اذا كانت هذه العبارة تعني ضمنا ان ترامب يصنف العالم الاسلامي على انه همجي او غير متحضر على اقل تقدير!
بعد خطاب تنصيب ترامب لم يعد هناك شيء أكيد أو متوقع في سياسة الرجل، المتقلب اصلا، باستثناء ثابت واضح  هو ان شعبوية فظة قد سيطرت على البيت الأبيض بقيادة نرجسي ديماغوجي من الدرجة الاولى، اول أهدافها  ايقاظ الوطنية الاميركية وانعزالية مؤذية تحت شعار «اميركا اولا»،بمعنى ان الاولوية للمصالح الاميركية ولمصالح نفوذها قبل مصالح العالم كله، مع ما في ذلك من رشوة الناخب الاميركي  ووعده بتحسين أوضاعه على حساب الشعوب الاخرى.
من هذا الثابت تتفرع حقائق معروفة في الحياة والتاريخ. الوطنية يمكن ان تتحول عند  تضخيمها والنفخ فيها، او عندما تواجه ازمة ما، او حين تعجز عن تحقيق الأهداف والشعارات التي تدغدغ، الى عنصرية وتمييز وتصبح سببا للحروب والنزاعات العسكرية. لانه عندما لا تنجح سياسة  من هذا النوع، اي غير واقعية، يعمد القائمون عليها الى إيجاد عدو او أعداء لتحميله او تحميلهم مسؤولية الفشل. وترامب يلعب هذه الورقة طوال حملته الانتخابية. يهاجم النظام القائم في واشنطن ويصنفه عدوا داخليا، ويكرر الهجوم على المهاجرين والمسلمين. وهو في خطاب التنصيب يأخذ في الاعتبار احتمال العجز عن تحقيق ما وعد به طوال حملته ، وكان كثيرا جدا. وأتى خطاب التنصيب  تضليليا بقالب ثوري، ليقطع الطريق على امكانية تحميله مسؤولية الفشل اذا وقع، وتهيئة الاجواء لرميها على اكتاف الآخرين في الداخل او الخارج.
ليس الجالس الجديد في البيت الأبيض ترامب آخر إنما هو نفسه، وسنتعرف على وجوهه الأخرى، التي ستظهر تباعا قريبا.
 

السبت, 21 يناير 2017

أصولي نموذجي

بدأ العالم, ويفترض نحن العرب ايضا، الاختبار الفعلي للتوجهات الحقيقية لدونالد ترامب الرئيس الأميركي الذي فاجأ العالم  ثم أقلقه بفوزه أولا وبتصريحاته المثيرة تاليا، والغرائب التي رافقت معركته الانتخابية طوال عام، ثم فوزه.
آخر حلقات السيرك الذي نادرا ما شهدته رئاسة أميركية، أو انها لم تشهده مطلقا، تحذير الرئيس الروسي بوتين نظيره الأميركي الجديد من «انقلاب» ضده!
العرض الهزلي الكبير، اساسا، صناعة أميركية خالصة. لم يعرف المسرح السياسي الاميركي مثيلا له. فبركات صنعتها اجهزة مخابرات ومؤسسات حزبية، انجرف اليها الاعلام وروجها، بقيت دون اثبات وان صدقها كثيرون.
من الحرب الالكترونية الروسية التي رجحت ترامب على منافسته السيدة هيلاري كلينتون، قادتها هاكرز روسية لم تبلغ الثانية والثلاثين من عمرها، فحسمت معركة انتخابية كلفت كلينتون 1.54 مليار دولار وترامب 930 مليونا، فلماذا التضحية بمبلغ ضخم يمكن ان تتلاعب بنتيجته عملية قرصنة تقوم بها فتاة شابة من خارج الحدود؟!
ثم اذا كان لهذا السطو الدور الحاسم فلماذا حصلت كلينتون على مليوني صوت اكثر من منافسها الذي فاز لحصوله على أغلبية أصوات المجمع الانتخابي، وهذا عيب تكرر اكثر من مرة، ما يعني ان الخلل يكمن في النظام الانتخابي وان فيه ثغرة جدية تشوه الديمقراطية الاميركية.
اضف الى سيرك العروض، التقارير عن الملف المحرج الذي جمعته المخابرات الروسية عن الرئيس الجديد لإحراجه وابتزازه عند الحاجة. وكأن رجل الفضائح تهمه أو تؤثر فيه خبرية جنسية من هنا، أو حدث نسائي من هناك.
على الأرجح، فإن «الشو» الضخم، نتاج عدم قدرة الحزب الديمقراطي على الاعتراف بالهزيمة.
مع ذلك انتهى السيرك وجرى تنصيب ترامب، ومن الطبيعي أن يركز العالم على السؤال الجوهري الكبير: أي سياسة خارجية سيعتمدها الرئيس الجديد، سؤالنا الأهم  ماذا سيكون نهجه تجاه منطقتنا تحديدا؟!
ترامب قال عن نفسه انه «ليس سياسيا» مع انه يشغل اهم موقع سياسي في العالم. «لن اخرج لاقول سافعل هذا وسأفعل ذاك. سافعل ما يجب ان اعمله». بتصريحه يؤكد بوضوح انه ليس جمهوريا نموذجيا، ولا ديمقراطيا نموذجيا، وهو كان، بالفعل، في مسيرته السياسية كليهما. ما يعني انه لن ينظر الى مفهوم «مصالح اميركا» الذي يسترشد به الرؤساء الأميركيون بخلفية ايديولوجية. وهي الخلفية التي دفع العرب، وما زالوا، ثمنا باهظا لها!
استرشد بوش الابن وادارته الاكثر تطرفا وعدوانية بالليبرالية الجديدة فسببت كارثة عالمية بالازمة الاقتصادية 2008, سبقتها كارثة  سياسية بغزو العراق الذي تبعه انهيار النظام العربي.
واسترشد الديمقراطي باراك اوباما بنظرية التغيير وتصدير الديمقراطية الاميركية، فواصل العرب دفع الاثمان الباهظة وكأنهم حقل تجارب. لم يحاول مع وزير خارجيته كلينتون إصلاح ما خربه سلفهما، انما اعتمدا خيارا كارثيا جديدا: فرض أنظمة إسلامية بدل العسكرية، وكلاهما ذوا طبيعة شمولية واستبدادية،ما رمى المنطقة الى نار جديدة تشتعل بالارهاب والخراب المتمدد الى مناطق كثيرة خارجها.
لن يكون ترامب لا هذا ولا ذاك. انه اصولي أميركي نموذجي، تحكمه القيم الاميركية التي تحكم الاميركي العادي. معرفته السياسية بالعالم محدودة، تكوينه المهني كرجل اعمال وبيزنس شو يبعده عن الأفكار المركبة، وهو ما عكسه بوضوح في شعاره «لتعد اميركا دولة عظمى». بمعنى انه لن ينظر الى العالم بنظارات ايديولوجية، بل بما يشبه العملية التجارية، اي انطلاقا من الرؤية الجيوسياسية، أي المصلحة، وهذا تحديدا ما يمكن ان يجعله مرنا او متصلبا. رجل تسويات حيث هي ممكنة وفيها مصلحة، ورجل حرب حيث يحتاجها ولأميركا فيها مصلحة.
لذا فان تقاربه مع روسيا زاد جدا، كما ان خلافه مع اوروبا، او نزاعه مع الصين احتمال واقعي، وحربه على الارهاب خيار حتمي.
الأسوأ مع ترامب سيكون سياسته تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي والقضية الفلسطينية. فهو منحاز بشدة الى اسرائيل. لكن طبيعته تفسح في الوقت نفسه للعرب للعب في هامش أوسع، فترامب معتاد على أن يختبر خططه ومشاريعه وأن يغيرهما عندما تستدعي مصلحته ذلك، وفي هذه المساحة يمكن أن يلعب العرب دفاعا عن مصالحهم الحقيقية، إذا أدركوها فعلا.

الثلاثاء, 10 يناير 2017

يزداد وزنك فلا تحزن!

عندما يزداد وزنك لا تحزن، لأن نيوتن قال: كلما زادت الكتلة زادت الجاذبية.
نيوتن طبعا لا يكذب، لأن ليس له مصلحة في الكذب كما يفعل رجال دين كثر في أيامنا. فأي معادلة كان سيضعها عن إصرار هؤلاء على تحريم الفرح والموسيقى والفن واللهو البريء!
وماذا كان سيقول في المدفعية الثقيلة التي يوجهها محترفو التحريم أعداء الفرح لدار الأوبرا في الكويت؟
المعادلة هنا لا تحتاج عبقرية نيوتن، لأنها واضحة وللمسلمين معها تجارب دموية. فكلما تراجعت كتلة الفرح اتسعت مساحة التطرف والتزلف وتمدد الإرهاب والموت، وانتعشت مصالح المتاجرين باسم الدين.
أفكار التحريم المتفجرة، هي ولاّدة الأحزمة الناسفة، وحاضنة السيارات المفخخة.
الفن أرقى إنتاج للبشرية. والموسيقى أعلى أساليب التواصل الإنساني. اسمع فيروز يتعدل مزاجك، وتشعر بفرح منعش للروح والجسد، ويجعلك مقبلا على الحياة، وتقدير الجمال وحب الآخر وينسيك البغض والكراهية، فكيف تصبح دار الأوبرا «ملهى»، وكيف يمكن أن يكون نشاطه «غير قانوني ولا دستوري»، وكيف نصدق أن فيه «معصية للخالق» أو «ما يغضب الرب»؟!
إنه منطق دولة الفتاوى المتحجرة، توأم داعش، وليس منطق دولة القانون التي يريدها الناس، ودستورها المدني الذي يعيشون في ظله.
وكيف سنقتنع بمنطقهم، وبسلامة نواياهم وصدق مقاصدهم، فيما أهم أدوار الأوبرا أنشأتها الخلافة الإسلامية بالذات، ففي استانبول التي انتقلت اليها الخلافة أنشئت أول أوبرا بالعالم الإسلامي في القرن الثامن عشر.
وفي القاهرة،  مقر الأزهر الشريف افتتحت دار الأوبرا الخديوية عام 1860. وأوبرا دمشق عاصمة الجامع الأموي.  والأوبرا السلطانية في مسقط الأولى من نوعها في منطقة الخليج العربي، تلتها دار دبي للأوبرا من الروائع الهندسية للمعمارية العالمية العراقية المسلمة الراحلة زها حديد.
وأخيرا، مع كل الأمنيات بألا تكون الأخيرة. دار أوبرا الكويت درة الخليج. تحفة فنية ومعلم رائع من معالم الحضارة والثقافة والرقي.
لا يريدون البهجة لتبقى القنبلة.
يحاربون اللحن والأغنية والرقصة والمسرحية ليصنعوا الأحزمة والمتفجرات.

الصفحة 5 من 15