جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

في أجواء بدء عملية تحرير الموصل من داعش الذي احتلها قبل عامين، تطرح اسئلة مهمة كثيرة وسؤال محوري تحت عنوان العراق إلى أين يسير، وهل تساهم استعادة المدينة إلى حضن الوطن في اخراجه من أزماته الخانقة، أو تدفعه إلى اتون أزمات جديدة؟
هل من عوائق امام المعركة؟ من سيكون اللاعب الاول فيها والمستفيد الأكبر منها؟ هل هناك انزعاج أميركي من الدور الإيراني؟ هل هناك تشجيع أميركي لتركيا كي تتدخل في العراق من بوابة المعركة؟ والسؤال المركزي طبعاً هل يحتكم العراق إلى وحدته شعباً وأرضاً بكل مكوناته القومية والدينية والطائفية، بعد تحرير ثاني أكبر مدنه؟
تشير المعطيات إلى انه لا عوائق جدية سياسياً أو عسكرياً أمام المعركة التي بدأت فجر أمس الاثنين، وان استمر الصوت المذهبي المرتفع من انقرة، فهذا يشوش ولا يعطل في انتظار الاتفاق على الثمن، الطرف الأميركي هو اللاعب الأساسي والمستفيد الأكبر، في يده معظم الخيوط يحركها في الاتجاه الذي يعزز قبضته على العراق، ويستعيد بريقاً افتقده أو غطى عليه الدور الروسي، في الحرب على الإرهاب. وهو الذي يرسم أدوار بقية اللاعبين، وخصوصاً تركيا وإيران، ويوزع الانصاب عليهم.
الرئيس أردوغان الذي يتواجد حوالي ألفين من قواته قرب الموصل، يطالب بحصة أنقرة بلغة عدائية فجة غير لائقة، يبررها بأن العراق «لا يمكنه بمفرده طرد داعش» وتضامناً «مع اخواننا السنة والتركمان».وتتقصد إيران من جهتها، ابراز حركة جنرالها قاسم سليماني قائد فيلق القدس الذي تسميه طهران «سيف آية الله» ويحضّره محافظوها لانتخابات الرئاسة الإيرانية. وهي تضمن حصتها عبر نفوذها على الحكومة العراقية وسيطرتها على ميليشيا «الحشد الشعبي».
الحكومة العراقية بين الرابحين،طبعاً، من تحرير الموصل.اول مكاسبها انها ستمحو العار اللاحق بها جراء هزيمتها وفقدانها المدينة.لكنها بعد ذلك ستكون على مفترق الاجابة عن السؤال الاهم: هل يكون التحرير مدخلا لعراق موحد ذي دولة مركزية فاعلة عادلة تمثل جميع مكونات الشعب العراقي، أم لمزيد من تفككه بتسميات مختلفة؟
المحك الحقيقي سيكون قدرة الحكومة العراقية على تجاوز الصيغة الطائفية الحالية، وقابليتها على التعامل مع المكون السني كشريك متساوي الحقوق في المواطنة والحكم حسب حجمه وتمثيله، فالعراق كمعظم البلدان العربية، مجموعة أقليات، فلا تستطيع أقلية منها الاستئثار بالسلطة بدعوى انها الاكثر عدداً من الجماعات الأخرى.
الصيغة الحالية في حكم العراق، اذا استمرت على حالها واصر الطرف المسيطر الآن باسم الأغلبية السكانية، فستجعل من تحرير الموصل أساسا لنشوء نوع من الحكم الذاتي في المحافظات الشمالية ذات الاكثرية السنية، وسيكون الثاني من نوعه بعد كردستان، وربما يشرّع الأبواب امام صيغة مماثلة في الجنوب ذي الأغلبية الشيعية. عندها يكون على العراق الموّحد السلام، وتنتعش اطماع تقاسمه حصصاً بين تركيا وإيران برعاية أميركية، كما حصل في اتفاقية ارض اروم بين الدولتين في القرن التاسع عشر برعاية بريطانيا.
وهكذا يستمر البلد في صراع مستمر ومخاضات مفتوحة على ولادات مجهولة, لأن الانتصار المذهبي كما الانهزام الطائفي، مستحيلان في نهاية المطاف, وسيبقى أي منهما ناراً تحت الرماد، ويدفع بقوة نحو التسلط والطغيان فالانفجار.


 

السبت, 15 أكتوير 2016

تركيا ليست وصية ولا إيران!

الجنون هو فقدان الحكم السليم،اخطر أنواعه ما يرتكبه الساسة اصحاب القرار.عوارض هذا المرض تتفشى سريعا في انقرة.بدا للوهلة الاولى ان اشدها اصاب رئيس الوزراء  بن علي يلديريم عندما وصف  طلب العراق سحب القوات التركية من شماله بانه «خطير واستفزازي»،لكن تبين ان المرض في مرحلة متقدمة جدا ،وذلك عندما تحدث الرئيس رجب اردوغان عن الازمة التركية-العراقية وليته لم يفعل.
التوتر بين بغداد وانقرة يتصاعد منذ العام الماضي بعدما ارسلت الاخيرة حوالي الفي جندي من قواتها الى شمال العراق بدعوة من حكومة اقليم كردستان «لمقاتلة الجماعات الارهابية في العراق وسوريا» ولم تحدد من هي تلك الجماعات وان كان المفهوم ضمنا  انها لا تقصد داعش وجدها، بل أيضا حزب العمال الكرد ستاني.في المقابل تؤكد الحكومة العراقية المركزية انها لم تستدع تلك القوات،وان وجودها غير شرعي،فهي بالتالي قوات احتلال. وأيدت واشنطن هذا الموقف مؤكدة «ان القوات الاجنبية ينبغي ان تحظى بموافقة الحكومة المركزية في العراق كي تتواجد على أراضيه».
بعد البيان مباشرة،اطلق الرئيس اردوغان مواقف غير مسؤولة سياسياً،بعيدة عن اللياقة دبلوماسياً وشخصياً،عندما خاطب رئيس الوزراء العراقي د.حيدر العبادي الذي طالب بانسجاب القوات التركية من أراضي بلاده بقوله: «أنت لست بمستواي ولست ندي..صراخك ليس مهما فنحن سنفعل ما نشاء»!
بمنطق اردوغان: على المستوى الشخصي هو ليس ندا للعبادي هو ابن عائلة قروية فقيرة ،والفقر ليس عيبا بل الغطرسة، هجرت قريتها الى اسطنبول،باع  البطيخ والسميط ليعين عائلته،درس في مدرسة دينية، ونال شهادة إدارة أعمال من جامعة مرمرة.فيما العبادي ابن منطقة الكرادة قلب بغداد،والده طبيب ومفتش الصحة العامة العراقية،نال الماجستير والدكتوراه في الهندسة الكهربائية من جامعة مانشستر العريقة.
اما سياسيا،فالعبادي رئيس وزراء للعراق مهد الحضارة قبل أن توجد تركيا،وبلد الخلافة قبل ان تنتقل في غفلة من العرب إلى أسطنبول وتنتهي فيها،كلاهما ينتمي الى حزب إسلامي،أردوغان إخوان مسلمين،العبادي من قياديي الدعوة،حكم العبادي والعراق كله في أزمة طاحنة،حكم أردوغان انهى مرحلة الصعود،وبدأ مع تركيا هبوطاً حاداً أقوى دلالته كان الانقلاب العسكري الفاشل في يونيو الماضي.
الخطاب التركي المتشنج والمنفعل لم يعكس فقط جهلا بطبيعة العراقي المعتد وان كان ضعيفا،إنما يحاول إضفاء شرعية غير ممكنة على غزو أجنبي لبلد مستقل.ما يعكس حجم الأزمة التي تمر بها تركيا ويتخبط فيها أردوغان وحكومته، ويسعى لتصديرها الى خارج الحدود.
على خلفية الأزمة المركبة سياسة واقتصادا يبحث الحكم التركي عن دور في المنطقة بعد انحسار دوره في سوريا، فلم يعد أمامه نقطة مناسبة غير معركة الموصل التي تعد بغداد مع التحالف الدولي ساعة الصفر لها، وتشير المعطيات أنها باتت قريبة. تعتمد انقرة في مسعاها على بعض الأطراف الموصلية كأسامة النجيفي رئيس البرلمان العراقي،أو الكردية خصوصا مسعود البرزاني.
تهدف أنقرة من محاولتها التدخل في معركة الموصل إلى أمرين مهمين: أن تكون طرفا في ترتيب أوضاع الموصل بعد تحريرها،وثانياً قطع الطريق على اي مكاسب قد يحققها حزب العمال الكرستاني بعد إقامة حكومة محلية يساهم فيها الكرد من أبناء الموصل.
في هذه الحشرة بدأت أنقرة تلعب على الوتر الطائفي،وتحديداً حماية السنة وهم الأكثرية الساحقة في المحافظة،وهي النغمة نفسها التى تعزفها إيران أي حماية الشيعة، لتبرر هي الأخرى تدخلها في الشأن العربي.
الأكثرية الساحقة من العرب، سنة وشيعة،لا يقرون لتركيا أو لإيران بالوصاية.القرار الواضح المعلن من بغداد هو الاشتباك مع القوات التركية إذا لم ترحل أو تدخلت في معركة الموصل القادمة.
المنطقة أمام إندلاع نار جديدة فيها!

الثلاثاء, 11 أكتوير 2016

الرؤوس الحامية

العالم يتغير ويتأزم.يتسع  فيه العنف،يزداد التوتر،تتمدد النزاعات الدموية،تقوى النزعات العنصرية،تنتشر الميول الانفصالية.هذه العوامل السلبية تواكبها أزمات اقتصادية متلاحقة تزيدها تعقيداً في ظل قادة يرقى قليلون منهم فقط الى مستوى رجال دولة قادرين على معالجة الازمات الكبرى دون الغرق في اتون الحروب،ما يطرح سؤالا مقلقاً: هل يتجه العالم الى حرب كونية ثالثة؟
هناك 19 دولة تعيش حالياً حروباً أهلية طائفية،مذهبية،قبلية،ارهابية،معظمها عربية في آسيا وأفريقيا،وواحدة في أوروبا.
ومع أن بعض هذه الحروب واقساها في سوريا والعراق واليمن وليبيا وجنوب السودان مشتعلة منذ سنوات، الملفت ان الاعلام حول العالم،خصوصا الاوروبي،كما بعض الاوساط السياسية والدبلوماسية بدأت في الآونة الأخيرة تتساءل بإلحاح،عما اذا كانت هذه الحروب الوطنية او الاقليمية قد تكون الشرارة التي قد تشعل حرباً عالمية جديدة؟
حافظ العالم حتى الان على درجة صحية من الجنون جنبته الأسوأ،عدا منطقتنا الفاقدة عقلها والغارقة في جنون كامل.يشاركنا، وان في مستويات اقل،الجيران الاتراك والايرانيون المنغمسون بدورهم في النزاعات الداخلية والحروب المندلعة في الاقليم.
من سوريا تأتي اولى ملامح الاجابة عن السؤال الكبير، فالحرب الاهلية البشعة فيها،اصبحت حرباً عالمية باردة حولها تنخرط فيها عشرات الدول بينها القوتان العظميان اميركا وروسيا.وهي مرشحة ان تتحول في كل لحظة الى حرب حقيقية ساخنة.. وكذلك الحرب الروسية - الاوكرانية.
على خلفية الأزمتين، يتصاعد التوتر سريعاً بين اميركا وروسيا. الاولى لا تكتفي بالعقوبات التي فرضتها مع اوروبا على الثانية،بل تصر على محاصرتها عسكرياً عبر توسيع حلف الناتو الى البلدان المحيطة بها، ونشر دروع صاروخية على حدودها، وأخيراً تسريب تقارير اميركية حول نية الولايات المتحدة ضرب المطارات السورية بصواريخ مجنحة، ما يعني ضمنا ضرب الطائرات الحربية والمعدات العسكرية الروسية الموجودة في تلك المطارات.
في هذا الوقت،تبحث دول الاتحاد الاوروبي الاجراءات الدفاعية والامنية بعد قرار انسحاب بريطانيا منه،وطرحت بعض دوله انشاء جيش اوروبي موحد تحسباً من الخطر الروسي كما تقول، وعمد بعضها الى فرض التجنيد الالزامي كما فعلت تشيكيا والسويد التي لم تخض منذ مائتي عام أي حرب.
هل هو شعور الخوف لدى الغرب؟ الموقف السلبي من بوتين؟ الفوبيا من روسيا حسب تعبير وزير خارجيتها لافروف؟ استفزاز أو حتى استدراج لها؟ الرغبة في ان تثبت الولايات المتحدة انها القوة العظمى الوحيدة وعلى روسيا أن تسير في الطريق الذي ترسمه واشنطن وإلا؟
لا شك أن هذه الاسئلة تطرحها موسكو التي ترى ان رؤوساً حامية في واشنطن،ليس بينها الرئيس اوباما،تفكر في عمل عسكري يستهدف روسيا، وعلى الارجح ان تكون سوريا ساحته.
ولان الدول لا تعتمد في سياساتها على النوايا،بل على ما يحمي امنها ويضمن مصالحها،ردت موسكو بسلسلة اجراءات عسكرية واسعة: وضعت سوريا تحت مظلة دفاع جوي روسية،وارسلت إليها احدث منظومات صواريخها،ونشرت في الوقت نفسه نظاما صاروخياً يحمل رؤوساً نووية في منطقة كالينينغراد المواجهة لجمهوريات البلطيق الثلاث،ما يعني ان القواعد الجوية الروسية اصبحت ممتدة من المحيط الهادئ الى سوريا.وعلق الرئيس بوتين الاتفاقية مع اميركا المتعلقة بخفض مخزون البلوتونيوم المستخدم في انتاج اسلحة نووية،ولوحت موسكو بأنها ستجدد انشاء قواعد عسكرية لها في فيتنام «آسيا» وفي كوبا «الحدود الاميركية».
لن تقبل روسيا ان تُحشَر في زاوية. اللعب بالنار قائم،واليد على الزناد،فهل تطلق الرصاصة الاولى؟ ومن يطلقها؟ وهل ستؤول الامور في سوريا أو اوكرانيا الى مواجهة عسكرية اميركية - روسية؟
ما زالت موسكو تراهن على ان هذا السيناريو لن يحصل وان الرؤوس الحامية ستبرد لان الرئيس أوباما لا يوافق عليه!


 

السبت, 08 أكتوير 2016

من السياسة إلى المال!

يروي الاديب اللبناني الكبير مارون عبود أن لبنانياً  من آل الخازن سعى لدى المتصرف العثماني للبنان حين كان لا يزال امارة في القرن التاسع عشر،كي يعينه قائمقاما على أحد اقضية الجبل وقدم له المقسوم وكان اصبعا من ذهب،وضعه المتصرف في جيبه الخلفي ودق على قفاه حيث الجيب قائلا: طمّن بالك يا رشيد ..انت هنا.

مرّت الايام، ورشيد يجيء ويروح دون ان يحصل على مبتغاه حتى نفد صبره.فعاد ليقدم للمتصرف اصبعا ظنه هذا ذهبا كما في السابق،لكنه عندما فتحه انتفض وصرخ: ما هذا يا رشيد؟! فأجابه: هذا اصبع ملح انجليزي يا افندينا حتى تخرجني من ذلك الموقع.
سخرية مارون عبود ذكّرتني بمسخرة المرشح الجمهوري للرئاسة الاميركية دونالد ترامب، المعروف عنه انه مشعوذ نصاب،لكن موقع politico الاميركي الرصين،كشف جانباً بشعاً آخر في شخصيته.وهو انه يتكسب مالياً من موقعه السياسي كمرشح،اي حتى قبل ان يصل الى البيت الابيض ويجلس على كرسي المكتب البيضاوي يقضم من ميزانية حملته الانتخابية، ونصفها على الاقل مال متبرعين،ويحوّل الى جيبه الخاص.
ليس المقصود أبداً الترويج لمنافسته هيلاري كلينتون،فهذه أيضاً غارقة في عيوبها السياسية،وكلاهما الاقل شعبية ومصداقية في تاريخ الانتخابات الاميركية.لكن ترامب يتجاوز الخطوط الحمر السياسية والاخلاقية،ويُدخِل إلى السباق الرئاسي سلوكيات عالمثالثية. المقصود أنه يجعل المنصب أو الموقع السياسي وسيلة للثروة الشخصية أو العائلية، أو ما يسميه البعض ساخراً تحويل مجرى سير العام الى الخاص والتربع فوقه.
ظاهرة يعاني منها العالم الثالث واكثرية البلدان العربية التي حكمتها الانقلابات العسكرية.اشخاص يصلون الى مواقع السلطة مداخيلهم عادية اساسها الراتب،يستبيحون ما للدولة ويتكسّبون منها،أو بتعبير ساخر آخر «يعيدون تموضعها» حتى يتخموا بثروات تفوح روائحها كما لو ان معجزة حدثت لهم.
المرشح الجمهوري ترامب يبيع منتجاته حتى الستيك على حملته الانتخابية،يستأجر فنادقه ومنتجعاته لمهرجاناته الانتخابية،وطائرات شركته للتنقل بين الولايات وكذلك الأمن والحراسة.لم يسمح اي مرشح في تاريخ الانتخابات الرئاسية الاميركية حتى الاغنى من ترامب لنفسه بأمر مماثل،لان المرشحين خافوا اذا ما حشوا جيوبهم من أن ينعكس ذلك سلباً في صناديق الاقتراع،  فكانوا يفصلون اعمالهم الخاصة عن حملاتهم الانتخابية.
أن يحوّل السياسي أو الموظف من الميزانية العامة الى خزائنه، سلوك ينخر الديمقراطية من داخلها حتى تصبح ضعيفة هشة.ما دفع صحيفة يو.اس.توداي. المحافظة وثالث أكبر الصحف الاميركية انتشارا والتي التزمت منذ تأسيسها قبل 34 عاما الحياد في الانتخابات الرئاسية،لان تتخلى عن هذا التقليد، فأصدرت هيئة تحريرها الخميس الماضي،ولأول مرة في تاريخها،بياناً  دعت فيه قراءها للامتناع عن انتخاب ترامب، وأوردت ثمانية أسباب تبرر هذا الطلب،وهي ان ترامب: غير متوازن،غير مهيأ ليكون القائد الاعلى للجيش،احكامه مسبقة،نشاطه التجاري فيه بقع كثيرة،ليس صادقاً مع الاميركيين،متهور مريض بالكذب،عنصري،يفسد النقاش العام، في إشارة إلى أنه يستشهد بعضوه التناسلي في أحاديثه العامة، أو يعبر عن اشتهاء ابنته لو لم تكن من صلبه!
لم تدع الصحيفة الى انتخاب هيلاري كلينتون فهذه ثقتها بنفسها زائدة،تنقصها الصراحة،غير حريصة على اسرار الدولة وتتعامل معها بخفة. وقالت لقرائها:«انتخبوا حسب قناعتكم،لكن لا تنتخبوا دونالد ترامب».

اخبرني صديق درس في احدى دول اوروبا الشرقية قبل حوالي ثلاثين عاما عندما كانت لا تزال ذات نظام اشتراكي،أن سواحا عربا كانوا يقصدونها للاستجمام أو العلاج، لجمال طبيعتها وتوفر المصحات المشهورة عالميا فيها،ولرخص المعيشة بسبب تغيير العملة الصعبة في السوق السوداء.بعضهم كان يتصل به للترجمة فيفاجأ دائما بطلبهم ارشادهم الى «مكان فيه بنات»-والتعبير ينقله عنهم-الا ان احدا منهم لم يطلب منه،ولو مرة،مرافقته الى متحف او مسرح او عرض فني او معلم تاريخي مع ان البلد المعني
غني بها!
روى صديقي قصته بعدما اطلعته على دراسة عن ثلاث عشرة دولة يصل متوسط اعمار سكانها الى اكثر من ثمانين عاما،ليس بينها أي بلد عربي.بل ان اربعة بلدان عربية كانت الاهم او بين الاهم تاريخيا،تتصدر الآن الدول الاكثر تعاسة في العالم، وهي كما صنفتها الدراسة: العراق،مصر،سوريا،لبنان،ناهيك عن اليمن والسودان وليبيا.
واستغرَبَ تهافت العرب على الجنس مع ان دراسات متخصصة كثيرة تؤكد عدم تميزّهم في هذا المجال بل هم الى الضعف اقرب،عكس ادعاءاتهم وتباهيهم ومبالغتهم في الحديث عنه.وفي دراسة شملت العالم كله اجرتها شركة ديوركس لإنتاج الواقيات الذكرية،فان العرب لا يظهرون ابدا في قائمة الدول الاكثرسعادة جنسيا أو في قائمة الشعوب الاكثر ممارسة للجنس،وان شعوب بلدان اكثر فقرا كالمكسيك ونيجيريا وحتى الهند تتقدم عليهم في القائمتين.
بعض وسائل الاعلام تناولت الدراسة فاعادت غياب العرب عن المواقع المتقدمة في الجنس،كماً واستمتاعا،الى كونهم لا يحبّون استخدام الواقي،الا ان صديقي يعيد الامر الى اسباب اكثر جوهرية. وتحديدا الواقع الذي يعيش فيه العرب حاليا،وشروطه الصعبة،التي تحد من القدرة وتحجم الرغبة.فأزمة العرب شاملة  تضرب بعنف كل مناحي حياتهم،السياسية والاقتصادية والاجتماعية والرياضية والفنية،فتنهك قدراتهم الجسدية والعقلية والفكرية والنفسية وتتراجع.
فكيف تندلع كل هذه الحروب الاهلية العبثية باسم الطوائف والمذاهب والقبائل،ثم يبقى اهلها اصحاء في ابدانهم وعقولهم ونفسياتهم وامزجتهم؟!
يخرج العربي بسرعة قصوى من تيار الحضارة والتمدن والبناء واعمار بلده ونفسه حتى ينعمان بخيرات التقدم والازدهار والاستقرار،ومنها تحسّن صحته وارتفاع معدل العمر ونوعية الحياة العامة والخاصة،بما فيها كفاءته الجنسية ونوعيتها، ويغوص بدلا من ذلك الى قاع سحيقة من التخلف والهمجية وأبشع أشكال السترتيز والتعري السياسي.
عُرينا الفاضح على كل المستويات،يتجسد يوميا في عشرات الاحداث،اخرها  الاكثر بؤسا مشاركة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في جنازة الرئيس الاسرائيلي السابق شيمون بيرز،حيث اخذته العبرة وبكى!
رئيس شعب مكافح يقاتل الدولة العبرية منذ ستين عاما لاستعادة ارضه وحقوقه،يبكي امام الكاميرات على أحد مؤسسي دولة العدوان واركانها،مجرم قاتل سفاح يداه مخضبتان بالدم العربي على امتداد فلسطين الى قانا وأطفالها في لبنان!
ابو مازن الضحية حين يعزي قاتله،يعكس ازمة يعيشها العرب كلهم الذين ينسون ان ليس كل من يبحر الى الهند يكتشف اميركا!
وفي خضم التيه والانهيار تتلاشى القدرات وتنكمش الأفعال. فلا يعيش العربي طويلا ولا يستمتع بجنس ولا يميز بين السياسة والتعري فيها، وسيبقى عاجزاً طالما شعاره: اذا لم يكن من ديني وطائفتي ومذهبي ورأيي، فهو عدوي!

السبت, 01 أكتوير 2016

حميرنا أكبر!

تمنيت أن يكتب عن هذا الموضوع  الزميل نبيل الخضر مدير تحرير الشاهد،فهو،دون مبالغة،أهم الكتّاب الساخرين في الكويت حالياً وبين طليعتهم عربياً،بعد أن انتقل الزميل الكبير محمد مساعد الصالح الى دار البقاء ورافقه اليها الكبيران محمود السعدني في مصر وغازي قهوجي في لبنان رحمهم الله جميعاً. وبقي نبيل بين المميزين في هذا النوع من الكتابة،الى جانب الزميل خالد القشطيني العراقي اللندني اطال الله عمريهما.لكني اعرف أن أبا بدر مشغول بغير الحمير.فعقلت وتوكلت بعدما أدركتُ ان في الحمير جزءا من المأساة التي يحياها العرب.
الموضوع ان الحمير تختفي من دول افريقية عديدة بسبب الصين المفتوحة شهيتها على شراء تلك الحيوانات الوديعة وتحولها بحماس الى زجاجات ومراهم تعرض في واجهات صيدلياتها.فالصينيون مقتنعون بأن للحمير معجزات صحية، وفي جلودها علاج شافٍ لامراض عديدة،ومفعولها سحري في المناعة، والدورة الدموية،وإزالة التجاعيد، والأهم ان المراهم المصنّعة من جلودها منشط شديد الفعالية، افضل وأأمن  من الحبوب الحديثة المستخدمة في الرياضة أو الجنس،وتضاهي في اهميتها العقاقير المستخرجة من قرن وحيد القرن.
الموضة هي الموضة، والمعتقدات هي المعتقدات مهما كانت غريبة.وعندما تصبح قناعة راسخة لدى 1.4 مليار صيني، يدفع الحمير،كالعادة،الثمن.
العام الماضي وحده اشترت الصين نحو ربع مليون حمار من دول افريقيا الاشد فقرا. فبدأ سعرها يرتفع صاروخياً، أربعة أو خمسة أضعاف عما قبل الغزو الصيني،ثم بدأت هذه الكائنات تختفي وباتت بعض المناطق كما في مالي وناميبيا، شديدة الهدوء لم يعد يسمع فيها نهيق اتان. ثم لوحظ ان عدد الحمير يتراجع بسرعة في النيجر وزامبيا وزيمبابوي وبوركينا فاسو وبيتسوانا.احتارت الحكومات،أو تظاهرت انها كذلك،فالحمار مهم جداً لشعوب تلك البلدان يقدم لها خدمات جليلة في النقل والتنقل.فصدرت الاوامر بعدم تصديرها أو ذبحها،ذلك لم يوقف المجزرة اذ للفساد ألف باب وباب.ونشأت سوق سوداء وازدهرت عمليات التهريب على نطاق واسع.
أزمة الحمير في افريقيا،انعشت أمل البعض في أن تنتبه الصين للحمير عندنا في العالم العربي.فأعدادها هنا لا بأس بها، ومن المؤكد انها تتزايد اذا اخذنا في الاعتبار عدد الحمير بين الناس،في الجزئين الاسيوي والافريقي، سوريا، لبنان،العراق،اليمن،ليبيا،السودان.. إلخ.وربما لهذا السبب تأسس في العراق قبل عامين «حزب الحمير».
لكن الصين تعرف على ما يبدو ان الحمير انواع ولها مواصفات تختلف من بلد لاخر،كما للامم والثقافات المختلفة تقديرات متباينة لهذا الحيوان وان اتفقت على انه صبور وعنيد وغبي.
ربما ترى الصين ان في حمير العرب ميزات فهي مَعلوفة بالطائفية،مُسمنّة بنزعات الانقسام والتفتّت،تسيطر عليها غريزة الانعزال،تنهق برفض الاخر المختلف وإبادته،طلباً للعيش في قطيع من لون واحد وفكر احادي لا تنوع فيه أو تعدد، وهذه صفات ادنى كثيرا مما للحمير في افريقيا.
فتلك التي فيها علاج للناس كائنات اجتماعية  ذات نزعة غريزية لرفض الوحدة وتفضل العيش المشترك مع الاخرين وان اختلفوا عنها،الغنم والماعز والكلاب.اما عناد الحمار عندما «يتنّح»فيتوقف ولا يسير وإن جرّه صاحبه أو ضربه،فيعكس حاسة قوية عنده في تقدير الخطر يشعر به عبر ذبذبات الاصوات والحركات يرصدها بأذنيه الكبيرتين مهما تكن بعيدة،ولا يستأنف سيره إلا بعد تأكده من زوال الخطر،ما يعني انه عنيد بالحق.بينما الحمير من البشر عندنا متهورون  تعميهم العصبيات والآفات  من كل نوع،الطائفية والمذهبية والقبلية،فيرمون اوطانهم وشعوبها في اتون النار والدمار.الحمار الحيوان شغيل، صبور، مسالم،اما حمارنا فكسول، طفيلي، يمارس ابشع انواع العدوان والاجرام اي الارهاب، كما تفعل داعش والنصرة.
كل ذلك أقنع الصين أن الحمر العربية لا فائدة مرجوة منها،فتركتها رغم انها اكبر من الحمر التي تشتريها في افريقيا.

الثلاثاء, 27 سبتمبر 2016

لو العالم بدون مسلمين!

كيف كان العالم ليبدو لو لم يوجد فيه مسلمون؟!
السؤال في ظاهره عنصري واستفزازي على غرار السؤال عن العالم بدون مسيحيين أو يهود أو بوذيين وهندوس، أو حتى ملاحدة وغير مؤمنين، لكن صحيفة «الاندبندنت» البريطانية طرحته بجرأة في الذكرى الـ 15 للهجمات الإرهابية التي استهدفت أميركا في 11 سبتمبر 2001.
ولقد تغيّر العالم بعد تلك الهجمات لكن ليس بفعلها فقط وإن استخدمت ذريعة للتغيير. فالغزو الاميركي الذي تلاها لكل من أفغانستان وبعدها العراق تحت ستار ما سمي يومها الحرب الشاملة على الارهاب، أصبح المصدر الاكبر والاخطر لانفجار موجات متزايدة من العنف في الشرق الاوسط ومنه الى العالم الذي يئن تحت وطأة الانتشار السريع للنزعات والسياسات العنصرية ومعاداة العرب والمسلمين، وايضا الاسلام كعقيدة ودين. وهي ظاهرة تقوى وتتسع في اميركا واوروبا خصوصا منها الدول الشيوعية سابقا!
لكن أوروبا الغارقة في ازمات مركّبة، سياسية واقتصادية وقيادية وتعاني ايضا من الاسلاموفوبيا، لم تفقد عقلها وتفكيرها السليم. فكانت اجابة «الاندبندنت» على السؤال الاستفزازي سهلة، رصينة، مفحمة بعلميتها، غنية بحقائقها.
اعتمدت اليومية البريطانية العريقة السهل الممتنع، فأحصت بعض ما اخترعه المسلمون أو اكتشفوه أو طوّروه، وبه ساهموا في بناء حضارة العالم التي يستفيد منها البشر كلهم بغض النظر عن دياناتهم وقومياتهم ومعتقداتهم.
1 - القهوة 2 - آلة التصوير (أول كاميرا اخترعها ابن الهيثم)، 3 - الفيزياء التطبيقية 4 - الشطرنج 5 - الصابون 6 - الروائح والعطور 7 - الري 8 - ناقل الحركة، المحرك العامل بالاحتراق الداخلي، الصبابات، المكابس 9 - الأقفال 10 - الابتكارات المعمارية الهندسية والفنية (اعتمدت الكاتدرائيات والكنائس ذات الطراز القوطي المنتشرة في جميع أرجاء أوروبا على التقنيات المعمارية التي ابدعها المسلمون وتجعل البناء امتن واطول عمرا واكثر جمالا، وفيه القبب والابراج المستديرة والاقواس والنوافذ المفتوحة على الشمس والهواء.. إلخ) 11 - أدوات الجراحة 12 - التخدير 13 - طواحين الهواء 14 - علاج الجدري والتلقيح 15 - قلم الحبر 16 - الجبر وعلم المثلثات 17 - علم التشفير والترميز 18 - الكريستال الزجاجي 19 - نظام الترقيم 20 - الأكل في ثلاث وجبات 21 - السجاد 22 - السند المالي والشيك 23 - استخدام الحدائق للتنزه والاستجمام والتأمل وليس فقط لزراعة الخضراوات للمطبخ 24 - البصريات 25 - الكيمياء 26 - النوتة الموسيقية 27 - فرشاة الأسنان 28 - المشفى 29 - الاستحمام 30 - اللحاف 31 - المشروبات الخفيفة 32 - الرموش وتظليل العيون للتجميل 33 - الجراحة التجميلية 34 - فن الخط 35 - إنتاج الورق والأقمشة  36 - المظلات والطيران.
ودون ان تستعرض مجالات الفلسفة وعلم الاجتماع والادب نثرا وشعرا، تثبت «الاندبندنت» دور المسلمين في تقدم العالم ومدنيته قبل ان تسيطر عليهم العقلية العثمانية ذات النزعة العسكرية والحربية التي ادخلتهم في هاوية الجمود والتخلف والانحطاط، تلا ذلك بعد الحرب العالمية الأولى الاستعمار الأوروبي للدول العربية والكثير من الدول الاسلامية والاحتلال  الاسرائيلي لفلسطين. وبذلك تسخّف الصحيفة مقولة صراع الحضارات أو حرب الاديان. فالحرب المندلعة في العالم ليست حربا دينية ابدا، بل هي حرب مصالح وسيطرة اولا واخيرا، مهما كانت المبررات التي تُعطى لها، او الاقنعة التي تختفي وراءها. العرب والمسلمون كلهم ادوات فيها واول ضحاياها، رغم ان بعضهم منخرط فيها ويمارس ابشع سلوكيات الحرب دموية واجراما.

عندما يتراجع دخل المجرم فانه يعمد ،غالبا، إلى تصعيد إجرامه، معتمدا اساليب جديدة،ومستهدفا ضحايا جدد. هكذا يفعل تنظيم داعش الارهابي.فهو اذ يواجه صعوبات مالية متزايدة،يلجأ الى نوع جديد من التجارة القذرة ،او بالأحرى يوسعه،يتمثل في بيع أعضاء عناصره القتلى أو المصابين بجروح بليغة،والأمر نفسه يشمل المرضى المدنيين الذين يعالجون في مراكزه الصحية ولا يسأل عنهم أحد،وفق معلومات يؤكدها أكثر من مصدر!

أصبح معروفا ان داعش أقام نظاما ماليا دقيقا إلى حد لافت. متقدما عن ذاك الذي يعتمده التنظيم الإرهابي الاخر «القاعدة»،وعلى غرار الشبكة المالية المتطورة للإخوان المسلمين حول العالم،وانه ليس مقاتلين وعسكر وميليشيا وأمنا ومخابرات فقط،بل تتوفر فيه إضافة لمواصفات العصابات الإجرامية والمافيا، تلك الشبيهة لما للدولة.
فالتنظيم يسيطر على أراضى عراقية وسورية متصلة ومأهولة بالسكان يمارس عليها سلطة دولته.يجبي الضرائب،يدير المدارس والمستشفيات وإدارات مدنية شبيهة بالوزارات،يوفر سلسلة خدمات بينها الكهرباء والماء والنقل والموبايل،يتلقى التبرعات والهبات والمساعدات من حكومات وأفراد مناصرين أو متعاطفين من أنحاء العالم،حتى فرض رقابة كاملة على المصادر المالية لـ«دولته»،استكملها بسك عملته الخاصة وهذه أيضا من وسائل سرقة سكان المناطق التي يسيطر عليها،«يشفط» من جيوبهم أموالا معترفا بها ويجبرهم على تداول عملته التي لا قيمة لها في أي مكان آخر غير «أرض الخلافة».
أما الممارسات المافيوية فتشمل السطو على المؤسسات المالية، كما حصل بالنسبة لفرع البنك المركزي العراقي في الموصل،وفرض الخوات والاتاوات،وابتزاز الأغنياء بالتهديد او الخطف للحصول على فدية،وسرقة السيارات والمنازل،وتفكيك المصانع السورية وبيعها خارج الحدود، كذلك تهريب الآثار التاريخية من سوريا والعراق وبيعها في أسواق أميركا وأوروبا،كما بيع النساء والفتيات للاستعباد الجنسي،وحسب الأمم المتحدة أن بين 5000 و7000 امرأة وطفل ازيدي خطفوا على يد داعش وبيعوا في أسواق النخاسة.
طبعا يبقى بيع النفط العراقي والسوري المهرب الى تركيا المصدر الاكبر لتمويل داعش .يقدر دخله اليومي من بيع الذهب الاسود في السوق السوداء بين 1.3 و3 ملايين دولار يوميا. لكنه تراجع منذ مطلع عام 2016 الحالي الى الثلث تقريبا بسبب الهزائم العسكرية المتتالية التي مني بها وقصف الطيران الروسي والتحالف الدولي ،وضرب قوافل الصهاريج وكذلك بعض التشدد التركي ومراقبة المعابر.
الخسائر المالية الملحوظة تضعف قدرة داعش الذي أصبح يتواجد في 35 بلدا حسب تقديرات مخابراتية،على تمويل نشاطاته وإدارة المناطق التي يسيطر عليها.فيتمادى في جرائمه إلى أبعد ما يتصوره الخيال.وباشر  في توسيع نوع قذر من التجارة هو بيع الأعضاء البشرية لتأمين مصادر دخل بديلة.هذا النوع، يوفر مبالغ لا بأس بها لأن زبائنه من الأغنياء القادرين على الدفع.
داعش بدل أن «يكّرم» قتلاه الذاهبين إلى الجنة والنعيم فورا دون حساب حسب زعمه،ويهتم بمعالجة جرحاه ومصابيه،فإنه يستأصل أعضاءهم  ويبيعها. هذه التجارة قائمة منذ العام 2014 يشرف عليها أطباء عرب وأكثرية مرتزقة من الألبان تحديدا،لديهم خبرة في هذا النوع من العمل الإجرامي اللا إنساني من مناطق أخرى شهددت او تعيش حروبا أهلية،كما في كوسوفو قبل سنوات والان في اوكرانيا.
ولأن الطلب كبير، يبدو ان التنظيم الإرهابي قرر توسيع تجارته هذه،فانشأ وحدات طبية متخصصة لاستئصال الأعضاء مجهزة بوسائل النقل والحفظ الضرورية، وتدار التجارة التي تشمل جميع المراكز الصحية تحت سيطرة التنظيم في العراق وسوريا،من مستشفى الموصل،تنقل إليه الأعضاء ومنه إلى الأسواق الرئيسية في تركيا إضافة إلى بلدان أخرى.
الفتاوى والتعليل الديني متوفران لدى كل أفّاق في داعش وغيره من التنظيمات المتطرفة لتبرير كل جريمة وأي إثم. ارهاب،قتل، استعباد جنسي، بيع اعضاء بشرية،وطبعا ام الجرائم  تدمير اوطاننا  وتمزيق النسيج الاجتماعي لشعوبنا بتفرقة دينية ومذهبية وطائفية وقومية وعرقية.

الثلاثاء, 20 سبتمبر 2016

الأربع الأسوأ !

أوافق على فكرة أن مفهومي اليسار واليمين قد عفى عليهما الزمن ولم يعودا يعبران عن الأوضاع المستجدة والانقسامات السياسية والنزاعات التي يعيشها العالم وهو ينجرف نحو المزيد من التطرف والتشدد.
أبرز سمات عالم اليوم معاداة الآخر المختلف، دينيا، قوميا، عرقيا، لونا، طبعاً سياسياً. المرض الذي ينخر بمنطقتنا، ينهش أيضا جسد أميركا واوروبا، ويدفعهما الى اعطاء الظهر لمبادئ الديمقراطية والإنسانية، والانجراف في موجات عنصرية تتجلى في معاداة الاسلام والعرب واللاجئين جميعا من مختلف الجنسيات والاديان.
أوروبا التي تعاني من ازمات كثيرة دفعة واحدة، تنوء أيضاً بأزمة التطرف والعنصرية وهذه تتفاعل في معظم بلدانها، من جنوبها الى الشمال ومن غربها الى الشرق. وان كانت الاصابة متفاوتة، فإن ما يعرف باسم دول فيسغراد الاربع، او مجموعة الـ V4: التشيك، وبولندا، والمجر، وسلوفاكيا وسط القارة، هي اكثر النافخين في نار التشدد العنصري. تتسع فيها أشكال عديدة من عدائية بشعة، ولا تترك صفة سيئة أو سلوكا مشينا إلا وتلصقه بالمسلمين والعرب وإن كذباً، وتشغّل ماكينتها السياسية والاعلامية لتعميم التطرف في اوروبا كلها تحت غطاء تصورات عنصرية عن مشكلة اللاجئين من سوريا والعراق وليبيا وافغانستان وافريقيا.
صفات الكراهية والتمييز ضد هؤلاء جاهزة: «يغيرون الحضارة الاوروبية..يتعيشون على حسابنا.. يثيرون الفوضى والجريمة.. مشاريع ارهاب.. نقبل إيواء بعض المسيحيين منهم فقط.. نرفض مشروع الاتحاد الاوروبي لتوزيعهم حسب الكوتا».
تواكب الحملة اجراءات مستوحاة من الفكر  الانعزالي نفسه: جدران العزل كالتي تبنيها المجر أو تخطط لمثلها دول اخرى لمنع دخول الهاربين من الحرب والموت والجوع.
يتصرف الساسة في تلك الدول بأسلوب هستيري جارح، ويبنون سياساتهم على الخوف والتخويف من اللاجئين. ياروسلاف كازينسكي رئيس وزراء بولندا ونظيراه المجري فيكتور اوروبان والسلوفاكي روبير فيكو، وطبعا أكثرهم إثارة للاشمئزاز الرئيس التشيكي ميلوش زمان الملّقب في بلده «الفم المفتوح» و«النصاب» أو «مولينكس الثرثرة».
الرئيس زمان يثبت دائما قابليته للصدم بآرائه العدائية والمتطرفة والشوارعية تجاه المسلمين، وآخرها ما قاله الأسبوع الماضي لصحيفة الغارديان «إن تطرف المسلمين مثل تطرف النازيين في المانيا قبل الحرب العالمية الثانية، بل ان التطرف الاسلامي ينشأ على نحو اسهل وينتشر اسرع من النازي لأن الاسلام ايديولوجية متطرفة مستمدة من دين»!
المثير للسخرية ايضا أن الاعلام التشيكي يدعو لمنع لباس البحر «البوركيني» فيما تشيكيا دولة داخلية لا بحر عندها ولا شواطئ! وبالطريقة المهينة نفسها يعاملون العرب الذين يذهبون اليهم للعلاج او السياحة!
هستيريا قادة الدول الاربعة تثير الاستياء حتى في اوساط الاتحاد الاوروبي الذي بدأ بعض مسؤوليه يصرّح علنا بأن ضم تلك الدول الى الاتحاد كان خطأ. لأن الـ V4 دول طفيلية النزعة, تتعيش قدر الامكان على ابتزاز مصادر الاتحاد, وتدوس مبادئ الديمقراطية وتتجه مجددا نحو اقامة حكومات تسلطية وحكم الحزب الواحد كحالها عندما كانت جزءا من المعسكر الاشتراكي ايام الاتحاد السوفياتي، تصادر استقلال القضاء, وحرية الصحافة والاعلام, ويقبض على مواقع السلطة فيها حيتان رأسمال فاسدون.
المؤلم في الأمر أن اوروبا تتذمر من ممارسات الاربعة حتى دعا مسؤولون اوروبيون كبار لإخراج هذه الدول من الاتحاد لأنها تهبط به إلى القعر سياسيا واقتصاديا،وتمارس سلوكا دون بعد أخلاقي أو إنساني فيه، لكننا لم نر موقفا عربيا يعبر عن الاشمئزاز والرفض، أو إجراءً يؤلم المسيء اقتصادياً دفاعا عن ديننا وقوميتنا وكرامتنا وناسنا.

السبت, 17 سبتمبر 2016

بن لادن؟ بوش؟ الموساد؟

كنت مديرا لتحرير جريدة القبس عندما وقعت عملية تفجير برجي التجارة في نيويورك في 9 أيلول 2001. كان رئيس التحرير يقضي إجازته خارج البلاد، وكذلك عدد من الزملاء الذين يمكن ان اعتمد

عليهم لمتابعة الحدث الكبير. قررت ان أتولى الامر بنفسي.
جعلت من ديوانية التحرير غرفة للعمليات بدلا من مكتبي. حررت المادة الخبرية كلها التي امتدت على حوالي عشرين صفحة على ما اذكر، واخترت الصور،وتواصلت مع شبكة المراسلين في واشنطن والعالم، كتبت الخبر الرئيسي والمانشيت، ووجهت الإخراج بتغيير هيكلية الجريدة كليا، بحيث لا يبدأ العدد كالمعتاد بالاخبار  المحلية، فالاقتصاد، بل ان يكون حدث اليوم،وان خارجيا،هو البداية. واظن انها كانت سابقة في الصحافة الكويتية لاقت استحسانا.
من يومها وانا أتابع ما يتعلق بأكبر عملية ارهابية في التاريخ اصابت عظمة اميركا وجبروتها، مدركا ان الأسد الجريح لن يكتفي بأن يلعق جرحه ويصمت. وهي اثارت, ولا تزال رغم مرور 15 عاما، ما لا يحصى من الأسئلة والتوقعات والتخمينات والاحتمالات،اختلط فيها الحقيقي بالخرافة، وازدهر الكثير من نظريات المؤامرة، وهي الجزئية التي أتناولها هنا.
اول الأسئلة كان يومها من خطط ورسم السيناريو ومن نفذ؟ هل كان عملا ارهابيا من صنع القاعدة، ام عملية دبرتها الإدارة الأميركية يومها تحت علم مزيف والبستها القاعدة؟ ولماذا؟
ارتبطت بهذا السؤال الجوهري مئات التفسيرات المصنفة ضمن نظريات المؤامرة،انخفضت مع تكشف بعض الحقائق والمعلومات الى حوالي ثلاثين نظرية عاشت مدة،حتى استقرت اليوم في الذكرى الـ15 للعملية،على حوالي ست،قاسمها المشترك التشكيك بالتفسير الرسمي الذي أعطته ادارة بوش او بأجزاء منه.
• أولى تلك النظريات ان عملية 11 سبتمبر هي من اخراج وتنفيذ إدارة بوش وأجهزتها الاستخبارية والأمنية. فتلك الإدارة المحافظة المشبعة بالتطرف والرغبة في السيطرة على العالم، كانت تحلم بنظام عالمي جديد وتسعى اليه.يضمن سيطرة أميركا على العالم،ويكون الاعتداء على البرجين مبرر التحرك لفرض ذلك النظام،الذي يفترض ان يبدأ من الشرق الأوسط الغني بالنفط والمواد الأولية.
• النظرية الثانية شبيهة بالأولى، وهي ان الموساد الاسرائيلي وراء التفجير ليستفز اميركا ويدفعها لعمل عسكري عنيف ضد العرب والمسلمين، وهذا ما حصل بغزو أفغانستان ثم العراق الذي كان سقوط دولته بداية لانهيار النظام العربي، ثم تواصل في ما سمي الربيع العربي الذي دفع دولا عربية مركزية وأخرى مهمة الى الفوضى والنار والدمار، ووضعها على مشارف التمزيق والتقسيم.
• تكمل النظريتين ثالثة على القدر نفسه من الانتشار، وهي ان سقوط البرجين يستحيل ان يكون بسبب ارتطام الطائرتين بهما والحريق الذي اندلع فيهما، بل تم التفجير بتفخيخهما من الداخل.
هذه النظريات التي تتهم مباشرة ادارة بوش الابن والتي ضمت مسؤولين متطرفين تجمعهم فكرة احتقار الشعوب الأخرى،ومعها المجمع الصناعي العسكري، وإسرائيل والصهيونية العالمية، تواكبها نظريات اقل تسييسا، فتتهم الكارتيل المالي وتعتقد ان وول ستريت كان على علم مسبق بالعملية، دليلها التداول غير المسبوق على سهم أميركان ايرلاينز الشركة التي استخدمت طائراتها في الهجوم، أو تلك التي تقول إن كائنات غير أرضية شنت الهجوم للسيطرة على كوكبنا والفضاء كله.
نظريات المؤامرة على غرابتها ولا معقولية بعض معطياتها تعيش 15 عاما ليس فقط في مواقع الانترنت، بل في ابحاث ودراسات كثيرة بعضها مرموق مزدحم بالمعلومات والتحليلات ذات المستوى. حتى انها أرغمت FBI واجهزة أمنية أميركية اخرى على التحقيق فيها، ولا تزال نقاشات كثيرة لا شك في علميتها وجديتها تجرى بشأنها.
ان تصنف بعض تفسيرات ما جرى في 11 سبتمبر ضمن نظريات المؤامرة، لا يعني انها بدون معنى ولا قيمة لها. بل العكس يمكن ان تكون فيها معطيات واقعية كثيرة تساعدنا في رؤية ما يجري امام بصرنا وتحت اقدامنا. خاصة ان استطلاعات عدة للرأي تؤكد ان 15٪ من الأميركيين، مازالوا يشككون بصحة التفسير الرسمي للحدث.

الصفحة 5 من 12