جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

السبت, 21 يناير 2017

أصولي نموذجي

بدأ العالم, ويفترض نحن العرب ايضا، الاختبار الفعلي للتوجهات الحقيقية لدونالد ترامب الرئيس الأميركي الذي فاجأ العالم  ثم أقلقه بفوزه أولا وبتصريحاته المثيرة تاليا، والغرائب التي رافقت معركته الانتخابية طوال عام، ثم فوزه.
آخر حلقات السيرك الذي نادرا ما شهدته رئاسة أميركية، أو انها لم تشهده مطلقا، تحذير الرئيس الروسي بوتين نظيره الأميركي الجديد من «انقلاب» ضده!
العرض الهزلي الكبير، اساسا، صناعة أميركية خالصة. لم يعرف المسرح السياسي الاميركي مثيلا له. فبركات صنعتها اجهزة مخابرات ومؤسسات حزبية، انجرف اليها الاعلام وروجها، بقيت دون اثبات وان صدقها كثيرون.
من الحرب الالكترونية الروسية التي رجحت ترامب على منافسته السيدة هيلاري كلينتون، قادتها هاكرز روسية لم تبلغ الثانية والثلاثين من عمرها، فحسمت معركة انتخابية كلفت كلينتون 1.54 مليار دولار وترامب 930 مليونا، فلماذا التضحية بمبلغ ضخم يمكن ان تتلاعب بنتيجته عملية قرصنة تقوم بها فتاة شابة من خارج الحدود؟!
ثم اذا كان لهذا السطو الدور الحاسم فلماذا حصلت كلينتون على مليوني صوت اكثر من منافسها الذي فاز لحصوله على أغلبية أصوات المجمع الانتخابي، وهذا عيب تكرر اكثر من مرة، ما يعني ان الخلل يكمن في النظام الانتخابي وان فيه ثغرة جدية تشوه الديمقراطية الاميركية.
اضف الى سيرك العروض، التقارير عن الملف المحرج الذي جمعته المخابرات الروسية عن الرئيس الجديد لإحراجه وابتزازه عند الحاجة. وكأن رجل الفضائح تهمه أو تؤثر فيه خبرية جنسية من هنا، أو حدث نسائي من هناك.
على الأرجح، فإن «الشو» الضخم، نتاج عدم قدرة الحزب الديمقراطي على الاعتراف بالهزيمة.
مع ذلك انتهى السيرك وجرى تنصيب ترامب، ومن الطبيعي أن يركز العالم على السؤال الجوهري الكبير: أي سياسة خارجية سيعتمدها الرئيس الجديد، سؤالنا الأهم  ماذا سيكون نهجه تجاه منطقتنا تحديدا؟!
ترامب قال عن نفسه انه «ليس سياسيا» مع انه يشغل اهم موقع سياسي في العالم. «لن اخرج لاقول سافعل هذا وسأفعل ذاك. سافعل ما يجب ان اعمله». بتصريحه يؤكد بوضوح انه ليس جمهوريا نموذجيا، ولا ديمقراطيا نموذجيا، وهو كان، بالفعل، في مسيرته السياسية كليهما. ما يعني انه لن ينظر الى مفهوم «مصالح اميركا» الذي يسترشد به الرؤساء الأميركيون بخلفية ايديولوجية. وهي الخلفية التي دفع العرب، وما زالوا، ثمنا باهظا لها!
استرشد بوش الابن وادارته الاكثر تطرفا وعدوانية بالليبرالية الجديدة فسببت كارثة عالمية بالازمة الاقتصادية 2008, سبقتها كارثة  سياسية بغزو العراق الذي تبعه انهيار النظام العربي.
واسترشد الديمقراطي باراك اوباما بنظرية التغيير وتصدير الديمقراطية الاميركية، فواصل العرب دفع الاثمان الباهظة وكأنهم حقل تجارب. لم يحاول مع وزير خارجيته كلينتون إصلاح ما خربه سلفهما، انما اعتمدا خيارا كارثيا جديدا: فرض أنظمة إسلامية بدل العسكرية، وكلاهما ذوا طبيعة شمولية واستبدادية،ما رمى المنطقة الى نار جديدة تشتعل بالارهاب والخراب المتمدد الى مناطق كثيرة خارجها.
لن يكون ترامب لا هذا ولا ذاك. انه اصولي أميركي نموذجي، تحكمه القيم الاميركية التي تحكم الاميركي العادي. معرفته السياسية بالعالم محدودة، تكوينه المهني كرجل اعمال وبيزنس شو يبعده عن الأفكار المركبة، وهو ما عكسه بوضوح في شعاره «لتعد اميركا دولة عظمى». بمعنى انه لن ينظر الى العالم بنظارات ايديولوجية، بل بما يشبه العملية التجارية، اي انطلاقا من الرؤية الجيوسياسية، أي المصلحة، وهذا تحديدا ما يمكن ان يجعله مرنا او متصلبا. رجل تسويات حيث هي ممكنة وفيها مصلحة، ورجل حرب حيث يحتاجها ولأميركا فيها مصلحة.
لذا فان تقاربه مع روسيا زاد جدا، كما ان خلافه مع اوروبا، او نزاعه مع الصين احتمال واقعي، وحربه على الارهاب خيار حتمي.
الأسوأ مع ترامب سيكون سياسته تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي والقضية الفلسطينية. فهو منحاز بشدة الى اسرائيل. لكن طبيعته تفسح في الوقت نفسه للعرب للعب في هامش أوسع، فترامب معتاد على أن يختبر خططه ومشاريعه وأن يغيرهما عندما تستدعي مصلحته ذلك، وفي هذه المساحة يمكن أن يلعب العرب دفاعا عن مصالحهم الحقيقية، إذا أدركوها فعلا.

الثلاثاء, 10 يناير 2017

يزداد وزنك فلا تحزن!

عندما يزداد وزنك لا تحزن، لأن نيوتن قال: كلما زادت الكتلة زادت الجاذبية.
نيوتن طبعا لا يكذب، لأن ليس له مصلحة في الكذب كما يفعل رجال دين كثر في أيامنا. فأي معادلة كان سيضعها عن إصرار هؤلاء على تحريم الفرح والموسيقى والفن واللهو البريء!
وماذا كان سيقول في المدفعية الثقيلة التي يوجهها محترفو التحريم أعداء الفرح لدار الأوبرا في الكويت؟
المعادلة هنا لا تحتاج عبقرية نيوتن، لأنها واضحة وللمسلمين معها تجارب دموية. فكلما تراجعت كتلة الفرح اتسعت مساحة التطرف والتزلف وتمدد الإرهاب والموت، وانتعشت مصالح المتاجرين باسم الدين.
أفكار التحريم المتفجرة، هي ولاّدة الأحزمة الناسفة، وحاضنة السيارات المفخخة.
الفن أرقى إنتاج للبشرية. والموسيقى أعلى أساليب التواصل الإنساني. اسمع فيروز يتعدل مزاجك، وتشعر بفرح منعش للروح والجسد، ويجعلك مقبلا على الحياة، وتقدير الجمال وحب الآخر وينسيك البغض والكراهية، فكيف تصبح دار الأوبرا «ملهى»، وكيف يمكن أن يكون نشاطه «غير قانوني ولا دستوري»، وكيف نصدق أن فيه «معصية للخالق» أو «ما يغضب الرب»؟!
إنه منطق دولة الفتاوى المتحجرة، توأم داعش، وليس منطق دولة القانون التي يريدها الناس، ودستورها المدني الذي يعيشون في ظله.
وكيف سنقتنع بمنطقهم، وبسلامة نواياهم وصدق مقاصدهم، فيما أهم أدوار الأوبرا أنشأتها الخلافة الإسلامية بالذات، ففي استانبول التي انتقلت اليها الخلافة أنشئت أول أوبرا بالعالم الإسلامي في القرن الثامن عشر.
وفي القاهرة،  مقر الأزهر الشريف افتتحت دار الأوبرا الخديوية عام 1860. وأوبرا دمشق عاصمة الجامع الأموي.  والأوبرا السلطانية في مسقط الأولى من نوعها في منطقة الخليج العربي، تلتها دار دبي للأوبرا من الروائع الهندسية للمعمارية العالمية العراقية المسلمة الراحلة زها حديد.
وأخيرا، مع كل الأمنيات بألا تكون الأخيرة. دار أوبرا الكويت درة الخليج. تحفة فنية ومعلم رائع من معالم الحضارة والثقافة والرقي.
لا يريدون البهجة لتبقى القنبلة.
يحاربون اللحن والأغنية والرقصة والمسرحية ليصنعوا الأحزمة والمتفجرات.

السبت, 07 يناير 2017

تجربة الواشنطن بوست

في صباح يوم بارد وقف رجل في إحدى محطات المترو في العاصمة الأميركية واشنطن  يعزف الكمان.
عزف مقاطع مختارة من ارقي مقطوعات موسيقي العبقري باخ  نحو 45 دقيقة.
خلال ذلك «كانت ساعة الذروة» مر نحو 1100 شخص في محطة المترو، معظمهم في طريقهم إلى العمل.
مرت ثلاث دقائق.
تباطأ رجل في منتصف العمر في سيره وتوقف لبضع ثوان،  يستمع لمقطوعة الموسيقي، ثم أسرع كي لا يفوته الوقت.
بعدها بدقيقة ، تلقی عازف الكمان الدولار الأول . امرأة ألقت له المال دون ان تتوقف وواصلت المسير!
شخصٌ استند إلى الجدار للاستماع إليه لبضع دقائق، ثم نظر إلی ساعته واستأنف  المشي ،فمن الواضح أنه تأخر عن العمل..
اكثر من أبدى  اهتماما،  طفل عمره
3 سَنَوات، كانت والدته تحثه علی السير لكنه  عاندها وتوقف  لإلقاء نظرة على عازف الكمان..
وأخيراً، واصل الطفل المشي، مديراً رأسه طوال الوقت، وكرر هذا الأمر العديد من الأطفال الآخرين..
جميع الآباء، دون استثناء، أجبروا أطفالهم على مواصلة السير وجميع الأطفال دون استثناء حاولوا التوقف والاستماع..
طوال 45 دقيقة من العزف، لم يتوقف  ويستمع لمدة من الوقت سوى 6 أشخاص..
من الذين مروا حوالي 20 رموا المال للعازف، ثم واصلوا السير بوتيرة طبيعية.
كان عائد 45 دقيقة من العزف مبلغ
32 دولارا.
عندما أنتهى العزف  وران الصمت،
لم يلاحظ ذلك احد، ولم يصفق أحد!
لم ينتبه احد  أن عازف الكمان  كان جوشو بيل احد اكبر الموسيقيين الموهوبين في العالم ومن أشهرهم.
وأنه عزف مجموعة من القطع الموسيقية الأكثر روعة و تعقيداً.
وانه يعزف علی كمان قيمته 3.5 ملايين دولار.
وانه قبل يومين من عزفه في مترو الإنفاق، بيعت بطاقة الدخول لحفلته في أحد المسارح في بوسطن بمعدل مئة دولار.
جوشو بيل عزف في محطة المترو ضمن تجربة نظمتها واشنطن بوست كدراسة اجتماعية حول الإدراك وأولويات البشر.
كانت الفكرة الاساسية  من الصحيفة الرائدة هي:
- هل ندرك الجمال في جو غير مناسب، وفي توقيت غير مناسب؟
- هل نتوقف لنقدّره؟
- هل نتعرف على الموهبة في سياق  غير متوقع؟
من الاستنتاجات الممكنة من هذه التجربة :
إذا لم يكن لدينا لحظة للتوقف والإستماع إلى واحد من أفضل الموسيقيين في العالم يعزف أفضل موسيقى كتبت لآلة الكمان!
فكم من الأشياء حولنا تفوتناأثناء مسيرة الحياة ونحن لم نستمتع بها؟

وكم تغرينا أحيانا المظاهر !
• • • • •

هذا النص تلقيته من الصديق علي
عبد العزيز النمش مترجما عن الواشنطن بوست. اعجبني الاستنتاج الجميل، وإضافة اليه لفتتني الأساليب الجديدة التي تعتمدها الصحافة الورقية حول العالم في محاولة للخروج من نفق أزمتها التي كان من آخر ضحاياها جريدة السفير اللبنانية التي توقفت عن الصدور مع بداية العام الجديد، وأراد ناشرها الزميل الصديق طلال سلمان، ان يخفف عن نفسه وعنا بافتتاحية عنونها «السفير تغيب ولا تنطفئ».

الثلاثاء, 03 يناير 2017

ما يريد أو ما يستحق؟

من الإشكاليات التي واجهتني، الخلط بين أن يحصل الشخص على ما يريد في العام الجديد أو على ما يستحق. ثم انتبهت إلى أن الأمر ليس مطباً لغوياً، بل مسألة شعورية، وفيها الكثير من الحشرية، فليس من حق إنسان أن يحدد ما يستحقه الآخر أو لا يستحق.
هذا الالتباس، إضافة إلى مهنتي، كان دافعي للتدقيق في عبارات شائعة في الخطاب العربي السياسي والإعلامي، جعلها سياسيون بخزعبلاتهم وإعلاميون بانتهازيتهم، لازمة في صناعة الدجل التي يتقنونها.
اللغة من حال أمتها تطوراً أو تخلفاً. والعربية الآن كالعرب في يومهم البشع هذا، لا صديق يفرح ولا عدو يحزن. يتراجع رونقها وأناقتها، والأسوأ أنها تخسر دقتها ووضوحها ويحل محلهما الحشو والغُلو والتفنيص السياسي والديني والطائفي، وتصبح أكثر فأكثر من أسلحة الإلغاء ونفي الآخر المختلف، بدل أن تكون، كما هي مواصفات اللغة وبين أدوارها، وسيلة اندماج وتكامل وأداة توحيد.
أسوأ ما أنتجه هؤلاء السياسيون والإعلاميون مصطلح «القوى الوطنية» «والشخصيات الوطنية».
يقسم الشعب الواحد الى معسكرين: وطني من يشاركني رؤيتي ومشروعي السياسي، أما الآخر المختلف رؤية ومشروعا فمنزوع عنه الوطنية التي تصبح احتكارا لا يحتمل التعدد والاختلاف أو حتى الاجتهاد.
احتكارا يجعل الوطن أنا ونحن،وليس أنا وأنت وهو، نحن وأنتم وهم. في هذا المصطلح تنمو فكرة بذرة التسلط والتفرد ويدفن التنوع والتعدد.
إنه مصطلح يكشف الهوية المأزومة التي لا تتسع لكل أبنائها وبناتها، ولا يمكن أن يستثنى منها إلا خائن في مواجهة محتل أو مستعمر. ومثل هؤلاء قلة تافهة في كل أمة.
• من المضحكات المبكيات مصطلح «تمر الأمة في أسوأ وأخطر مرحلة في تاريخها». وهو الذي يتكرر من تاريخ تجاوز أعمارنا. مبك لأنه صحيح، ومضحك لأن من يزعجنا بها هم الذين أوصلوا الأمة إليها.
• ليس السياسيون وحدهم من يرتكبون الآثام خصوصا في «مرحلتنا الأسوأ» التي يختفي منها رجال الدولة،ويتكاثر فيها انتهازيو السياسة المتمصلحون كالفطر بعد الشتاء،فبعض الإعلام لا يقل ضررا،فهو الذي يروج ويبرر ويزين. من آثامه تسمية الإرهابيين في داعش والنصرة وغيرهم من فصيلتهم «الثوار» أو «المتمردين».
الثورة في تعريفها الدارج هي التغيير نحو الأحسن والأفضل، والثوار هم الذين يصنعونها، فكيف يبرر ضمير الإعلامي أن يسمي قتلة ومجرمين وإرهابيين آكلي لحوم البشر وأعداء الحياة ثوارا؟ وهل هناك مصير أسوأ مما يأخذون الناس إليه؟
• عندما بدأت أقرأ الصحف،ثم درست الصحافة وعملت فيها، كانت تلفتني جملة في رأس الصفحة الاولى تحت العنوان «صحيفة يومية مستقلة شاملة». كنت أصدق. مع الأيام لاحظت أن شيئا ما يختفي من العبارة. هي صحيفة، ويومية، بعضها بقي شاملا، ولم يعد كذلك. هذا صحيح. أما مستقلة فمعظمها فقد هذه الصفة الرائعة والضرورية للإعلام. الإعلام يتراجع ويفقد صفته التنويرية وتقديم الحقائق والرأي الحر للناس. أغلبه يغرق في الحزبية والطائفية والمذهبية، فيخسر القارئ والمشاهد.يفك صلاته الوثيقة بهم، ويرتبط بصاحب المال والسلطة. فيغني لمن يأكل خبزه.


 

السبت, 31 ديسمبر 2016

«اللبننة» لا يُحتذى بها!

يتردد في أوساط سياسية وإعلامية عربية أن جهات دولية وإقليمية تروّج «الصيغة اللبنانية» حلاً للأزمات على مستوى الإقليم، وتحديداً في سوريا والعراق أولاً، ثم اليمن وليبيا تالياً. وترى أن «الصيغة صالحة بحسناتها وعلاتها نموذجاً يقتدى به» لإخراج الدول الأربع من أتون الحرب الأهلية، فهل يمكن فعلاً ان تكون «اللبننة» حلاً حقيقياً مناسباً؟!
«الصيغة اللبنانية» التي يتباهى بها لبنانيون، ويعتبرها آخرون «لعنة»، وتستوحيها الآن قوى فاعلة لتعميمها في الإقليم، أساسها دستور مدوّن، وميثاق وطني عبارة عن أعراف وتقاليد غير مكتوبة. والوثيقتان أساس لنظام طائفي يوزع السلطة بمنافعها ومواقعها والوظائف العامة بين طوائف البلد الـ18، ويصنّف المواطنين وفق طوائفهم لا وفق انتمائهم إلى لبنان الوطن.
طبعاً الحصة الأساسية للطائفة الأقوى وتستمد هذه جزءاً مهماً من قوتها من علاقاتها مع الخارج، في الإقليم أو على المستوى الدولي، وهي غالباً، بل دائماً، علاقة تبعية.
الموارنة كانوا هذه الطائفة حتى اتفاق الطائف 1989 الذي أنهى الحرب الأهلية، لكنه كرّس خسارتهم تلك الحرب، فنقل معظم الصلاحيات من رئيس الجمهورية الماروني الى مجلس الوزراء مجتمعاً الذي يترأسه سني. وأبقى الموقع الثاني، السلطة التشريعية، للطائفة الشيعية التي تتحول الى طائفة مهيمنة بفعل فائض القوة لدى حزب الله.
من علامات فشل أي حكم العودة الى أساليب الماضي وأنظمته وطرقه، فكيف في استنباط صيغة عمرها مئة عام إلا قليلاً، جلبت للبنان سلسلة من الحروب الأهلية،تبيع وهم الحرية،والتنمية والتقدم والتطور، بينما تدفعه حقيقة إلى الخلف كما تثبت التجارب الدموية المريرة.
تحوّل النظام الطائفي الذي يحمل بذرة العنف والتقاتل في أحشائه، إلى حكم زعماء طوائف وأمراء حرب، قسّموا الوطن إلى إقطاعات ومنافع بينهم. فإذا كان التنوع القومي الديني والطائفي مصدر قوة وازدهار لأي بلد، فإن الطائفية آفة ضعف وانهيار باعتبارها صيغة دائمة للتقاتل بين مكونات المجتمع،تجعل زعماء الطوائف أقوى من الدولة، وتفرض هيمنة الطائفة الأقوى، ما يدفع الآخرين، طال الزمان أو قصر، إلى مقاومتها لأن الهيمنة لغم قابل للانفجار دائما،ً لن تقر به طائفة.
لم تنجح «اللبننة» في دمج اللبنانيين وصهرهم في شعب واحد. أبقتهم جماعات طائفية متجاورة، يسميها بعض المفكرين «شعوباً» بينها «عيش مشترك» بدل «عيش واحد»، تلتقي حيناً وتتصارع حيناً على المكاسب والمغانم والمزايا.. كما عجزت الصيغة عن جعل اللبنانيين مواطنين متساوي الحقوق، وعززت طائفيتهم بدل أن تنّمي وطنيتهم.
«اللبننة» أو نظام المحاصصة الطائفية صيغة تتلاشى حسناتها من جيل إلى جيل، إذا كانت تلك الحسنات موجودة حقاً في وقت ما. أما علاتها البنيوية فباقية وتتفاقم حتى الانفجار الدموي، وتجعل مصير البلد نفسه في مهب الريح، وبالتالي فهي ليست صيغة جديرة بأن يُقتدى بها، ظاهرها رحمة موهومة، وجوهرها نقمة فعلية، ناهيك عن أنها تكرس حكم الطوائف وهذا ما أثبت فشله.
ما الحل؟
نظام علماني مدني، يضمن حقوقاً متساوية لجميع مكونات المجتمع العرقية والدينية والطائفية، تمثيلاً ومشاركة في الحكم وفق أحجامها، كمقدمة للانخراط والتكامل وإحلال المواطنة بدل الطائفة.
فهل يكون صمت السلاح الذي بدأ ليل الخميس مدخلاً لحل سلمي في سوريا، وصيغة للحكم تضمن حقوق الكل؟

الثلاثاء, 27 ديسمبر 2016

عنزة ولو طارت !

سجّلت نهاية معركة حلب منعطفاً جديداً في الأزمة السورية: فوز للسلطة المركزية وحلفائها، في مقدمتهم روسيا، هزيمة كبرى للتنظيمات الإرهابية والتكفيرية ولحلفائها، في مقدمتهم تركيا، أما الخاسر الأكبر فهو سوريا، كما هي نتائج الحروب الأهلية دائماً.
شعبُها بقتلاه وجرحاه ومشرديه ولاجئيه، عمرانُها تحوَّل معظمه إلى خراب، اقتصادها فقد أكثر من نصفه وجعل سوريا أكبر خاسر عالمي بسبب الحروب وطار 54 في المئة من قيمته خلال سنوات الحرب الخمس، والحبل على الجرار.
إلى كل هذا جُرحت سيادة سوريا وتراجع دورها الإقليمي، وتضاءل تأثيرها في الصراع العربي- الإسرائيلي لمصلحة الدولة العبرية،وهذا خسارة للعرب جميعاً.
هذه الصورة الواقعية فرزت معسكرين استمراراً للاصطفاف الداخلي والعربي والإقليمي والدولي بشأن المسألة السورية، التي تشبه حرباً عالمية ساخنة وباردة من حيث القوى والمصالح المنخرطة فيها.
معسكر طليعته واللاعب الأول فيه روسيا، يحظى وفقاً لما تشير المعطيات، ولو ضمناً، بدعم أميركي وأوروبي، ويرى أن حلب وفّرت الفرصة للعمل على تسوية بين النظام والمعارضة غير المصنّفة إرهابية في الداخل والخارج وحافظت على شعاراتها في الحرية والكرامة وقيام نظام علماني يمثل جميع مكونات الشعب السوري بتنوعه، وهو تعهد يضع مصداقية موسكو على المحك، التي ستواصل في الوقت نفسه العمل العسكري حتى إنزال الهزيمة النهائية بالتنظيمات الإرهابية خصوصاً «داعش» والقاعدة.
المعسكر الثاني، محوره في الداخل السوري الجماعات الإرهابية، وفي الخارج داعموها في الدول العربية والإقليم، والتنظيمات الإسلامية والجماعات الطائفية. يصرّ هذا المحور على التأجيج، يذرف دموعاً كاذبة على حلب، يصبّ الزيت على الحريق الطائفي، ويبذل جهوداً استثنائية لإبقائه مشتعلاً في سوريا، قطعاً للطريق على أي حل سياسي قادم، ويعمل في الوقت ذاته على مدّه إلى دول عربية ظلّت بمنأى حتى الآن، لأنه يدرك أن هزيمته النهائية في سوريا والعراق، تعني نهايته في المشرق العربي كحركة منظمة لها قواعدها وكيانها، وإلا ماذا يفهم من تهديد داعش الخليج العربي «بحدث قريب»؟!
للأسف، بإدراك أو من دونه،ينخرط في هذا التوجه موتورون طائفيون قصيرو النظر أصحاب مرض وغرض، ومخلصون يأخذهم الحماس، فيصنّفون كل دعوة لحل سلمي في سوريا على أنها موقف طائفي منحاز لنظام الأسد وروسيا وإيران وحزب الله اللبناني، وكأن مأساة حلب لا يشعر بها كل إنسان أيا كان دينه وعقيدته، بينما هم يريدون من بوابتها إحياء مشروعهم الإلغائي على حساب سوريا كلها وعلى حساب بلدانهم أيضاً.
اثنان من قادة المعارضة السورية البارزين، إسلامي وليبرالي يردون على هؤلاء.
الشيخ معاذ الخطيب الرئيس السابق للائتلاف المعارض والشخصية التي تحظى بالتقدير قال في ما أسماه «بق البحصة» عن التنظيمات الإرهابية والتكفيرية: «هذه التنظيمات لم تأت من فراغ، بل هي أدوات دول إقليمية، وان أسوأ ما قامت به هو شيطنة الإسلام كله، وتخريب سوريا في كل مفاصلها، لفرض فكر التكفير والذبح والدم».
أما ميشال كيلو الشخصية المحترمة في المعارضة الليبرالية فيرى أن التنظيمات التي سيطرت على المعارضة «متخلفة ومعادية للحرية لا تملك فكرة العدالة وتجهل فكرة الدولة والمجتمع ولا تؤمن بمساواة الناس».
وهذا ما أسماه كيلو «المشروع البديل للديمقراطية الذي لم يوافق العالم عليه، لذا أصبح بشار الأسد هو الخيار الأفضل للعالم».
ليتوقف العقلاء في التنظيمات الإسلامية عن سياسة «عنزة ولو طارت»، فكفى خراباً تتسبب فيه تنظيماتهم وما فرّخته من إرهاب وتكفير!
 

تجاوزت والدتي الحاجة أم أحمد الخامسة والثمانين، أطال الله في عمرها، وأمدها بالصحة وأدام عقلها المنفتح وهمتها الشبابية وعاداتها الجميلة التي تعوّدنا عليها منذ طفولتنا، ومنها تزيين بيتنا في مدينة صور بشجرة الميلاد التي سألت عنها الأربعاء الماضي فعلمت أنها في المكان الذي تتواجد فيه كل عام.
كنت في الصف الأول الابتدائي، أي في السادسة، عندما كان المرحوم والدي وهو ينتمي إلى عائلة مسلمة سنية من مدينة صيدا عاصمة جنوب لبنان، كان يعود أواخر كل عام من أحد البساتين التي يعمل فيها، حاملا فرعاً من شجرة سرو أخضر نضر، تعده الوالدة المسلمة الشيعية من جبل عامل، وتضعه في إحدى زوايا غرفة الجلوس على قاعدة تصنعها له.
لم يكن في الشجرة مصابيح تضيء وتنطفئ لأن مثلها لم يكن موجوداً آنئذ، وربما لأن الكهرباء غالية، لكن الشجرة على تواضعها كانت تضفي جواً مميزاً وتحمل البهجة والفرح لنا نحن الأطفال.. فهي مزينة بتفاح أحمر، وتحتها تين مجفف وجوز ولوز وزبيب.
ومع السنوات، أصبحت ألاحظ أن الوالد يحمل أكثر من غصن، يوزعها على الجيران الذين كانوا يطلبونها منه، ما يشعر أم أحمد بالبهجة لأنها السبب في تعميم شجرة الميلاد في الحي.
مع السنوات كبرنا وتوزعنا في أماكن الله الواسعة، لكن أم أحمد لم تتخلَّ عن عادتها في بيت العائلة، ومازالت مثابرة على نصب شجرة الميلاد، الفرق أنها أصبحت اصطناعية، مضاءة بالألوان والزينة، يلتف حولها بدلا من أولادها، أحفادها وأولادهم وأحفادهم، فتنتشي بالحبور والرضا من جَمّعتهم حولها، ومن الفرح الذي تصنعه لهم.
مضى ستون عاماً، نصبت خلالها أم أحمد ستين شجرة ميلاد، أحضر عددا منها
أبو أحمد حتى انتقل إلى رحمته تعالى. ولم أسمعهما يوماً يتحدثان، ولو من باب الشك، عن حلال أو حرام في ما يفعلان رغم التزامهما القوي بالدين صلاة وصوماً وزكاة وبقية العبادات والواجبات وتربيةً لأطفالهما.
لذا أستغرب ممن يحرّمون شجرة الميلاد اليوم. فهل يريدون أن أشكك بصحة إيمان والديّ، خصوصاً أن أبي كان من أوائل حفظة القرآن في مدينة صور،  وأمي حجت واعتمرت وزارت، ولم أسمع منهما أن الفرح والسعادة للصغار والكبار محرم؟
هل يريد دعاة التحريم حرماننا من سماع تراتيل الميلاد الجميلة بصوت فيروز يصدح منتصف ليل الرابع والعشرين من ديسمبر فنحلق معها في سمو الخلق وبهجته؟!
لنترك المشاعر، ونذهب الى السياسة، فهل يريد هؤلاء أن يستسلم أهلنا في فلسطين للاحتلال الإسرائيلي، فيتوقفوا مسيحيين ومسلمين، عن نصب شجرة الميلاد في كنيسة المهد، ، يفعلون ذلك معاً إيماناً  بوحدتهم وتحدياً للاحتلال وتمسكاً بالأرض التي بنيت عليها الكنيسة في موقع ميلاد السيد المسيح في بيت لحم؟!
هل يريدون أن نتوقف عن اعتماد الفرح بين وسائل مقاومة الإرهاب لنعيش في تورا بورا كما يحلمون ويسعون، فينتعش الإرهاب ويقوى ممارسوه؟!
علّمنا أهلنا أن الإسلام نور، وأن الدين هو ما أنزله الرحمن على رسله ينشرونه بين الناس، وليس الخزعبلات والخرافات يفصّلونها على مقاسات مصالحهم ثم يرفعونها من الأرض إلى السماء ويجعلونها ديناً يغلّفون به مصالحهم، وهذا ما يفعله سارقو الفرح، صانعو الشر والكراهية، قتلة الأبرياء.
شجرة الميلاد ليست حكراً على دين، إنها نتاج للحضارة والإنسانية، وجميع الناس يستحقون الفرح، حتى أولئك الذين
لا يقدّرونه، ويحاولون مصادرته وحرمان الآخرين منه.  كل الناس بغض النظر عن أديانهم وطوائفهم يحتاجونه لتكون الحياة أجمل، ويحتاجه أكثر العرب والمسلمون في ظروفهم المقيتة الآن، فكلما تزداد نسبة الفرح، تتقلص مساحة الإرهاب، ويتأنسن الإرهابيون ويتناقص عددهم وتتضاءل دوافعهم.
ميلاد مجيد وعام جديد سعيد لوالدتي ولكل من يصنع الفرح ويعيشه، أو يتمناه ويتوق إليه.

الثلاثاء, 20 ديسمبر 2016

تسطيل - تطييف

حسب صديق متخصص في علم الاجتماع، أنه لو قيد له أن يختار كلمة لوصف حالة العرب في عام 2016 لاستعار ما وصف به الألمان عامهم معدلة قليلا لتصبح «ما وراء المعقول وذروة الجنون».
«كلمة العام» ابتدعها الألمان منذ 1971 لتشخيص حال ألمانيا وشعبها والقضية الاساسية فيها ذلك العام.  فيعرف المجتمع نفسه، مشاكله ومعاناته وما عليه أن يتصدى له ويعالجه.
«العدوى الألمانية» الجميلة والمفيدة، انتقلت ليس فقط الى أمم متقدمة كثيرة، انما ايضا الى أمم طبيعية، يهمها ان تعرف حالها وأحوالها وكيف تفكر كجماعة، لكن العرب مازالوا بعيدين عن هذه المحاولة.
في أستراليا اختار المركز القومي للغة «ديمقراطية الصوصج» كلمة العام ربطا بالانتخابات النيابية في يوليو الماضي، حيث انتشرت امام مراكز الاقتراع اكشاك بيع الوجبات السريعة وكان اشهرها الصوصج المشوي.
مجمع اللغة الألمانية اختار «pastfakhtisk»، ومعناها التقريبي «ما وراء الحقيقة» ومضمونها أن الوقائع والحقائق الموضوعية أصبح تأثيرها أقل من المشاعر والانطباعات على تكوين الرأي العام.
اعتبرت الكلمة «رمزا للتحولات العميقة في المجتمع، تعكس عدم ثقة الناس بالنخب والسياسات القائمة ما يدفعهم الى تجاهل الوقائع وقبول الاكاذيب». يدعم هذا التفسير الزلزال الذي تمثل بـ «البركسيت» أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ثم فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية.
يتفق المختصون ان ما عزز الظاهرة هو وسائل التواصل الاجتماعي، التي لا تُخضع ما تنشره للقواعد الصارمة المفترض أنها متبعة في الصحافة التقليدية، ما جعل المتلقي يبتلع الكذب والمعلومات المشوهة.
العرب لا دافع عندهم لمعرفة أنفسهم والوقوف على الجديد فيهم. مع ذلك أجريتُ اختبارا سريعا بين الاصدقاء والزملاء فكانت النتيجة تعدد كلمات العام: «تهبيل الأمة»، «تسطيل»، «تطييف»،«الانحطــاط الطــائـفي»، «تحطيم الدول والتفتيت»، «السباحة في الدم».
أما شخصيا فأحتفظ بالعبارة التي اخترتها لوصف عام العرب لأن اللسان اللبناني يستسهل استخدام المفردات والتعابير الاباحية، وانا
لا اريد ان اعرض «الشاهد» ونفسي للمساءلة .. فصدرُ قانون المطبوعات ضيق.. والنمامون التافهون قصيرو النظر سيرقصون في كل عرس كما فعلوا تجاه مقالي السبت الماضي عن حلب وسقوط تقسيم سوريا،ففسروه بماليس فيّ ولا فيه! لكني أريد القول ساخراً، إنه يكفي مقال آخر أو اثنان رفضاً للتغيير بالعنف والسلاح
أو تفتيت المجتمعات العربية طائفياً، لأني أحب شعبي وأمتي كإنسان، وأحترم الوقائع والحقائق كصحافي، حتى ينفجر المتصحيفون والطائفيون بشحنات «ما وراء الحقيقة» المفخخون بها، ليدمروا مستقبلنا جميعاً.


 

السبت, 17 ديسمبر 2016

وسقط التقسيم

حفلات الزار «نصرةً لحلب» معروفة الدوافع مكشوفة الأهداف. آخر ما يعنيها طرد العفاريت، بل هي تستحضرها بتأجيج طائفي يشعل المزيد من النار ويلتهم المزيد من البشر والحجر.

القوى التي تنظم هذه الحفلات وتتعهدها -ليس المقصود طبعاً المشاركين فيها. فكثيرون منهم مثاليون تحركهم دوافع التضامن الانساني الحقيقي- تلك القوى تعرف أن عودة ثاني المدن السورية الى الدولة طعنة استراتيجية كبرى لها، ولمشاريع التقسيم والتفتيت، خصوصاً أنه سيتبعها قريباً تحرير الموصل وعودتها إلى الدولة العراقية.. وبذلك تفقد القوى الظلامية أهم موقعين لها في المشرق العربي وتُمنى بأكبر هزيمة تحجّمها، وتحولها إلى مجرد فلول وعصابات وخلايا إرهابية معزولة. هذا الألم الناتج عن الخسارة الكبرى هو الدافع الأساسي للصراخ من استانبول إلى عواصم عربية محدودة العدد. وليس هناك عربي حريص أو مسلم أو إنسان من أي دين لا يتعاطف مع مأساة حلب وسوريا كلها والعراق واليمن وليبيا. وهو يريد أن تبقى هذه البلدان موحدة.
أما الهدف الحقيقي فليس بالتأكيد حلب فهذه قد سقطت ولم يعد البكاء على الأطلال ينفع، بل هو اختبار مكشوف للقوة، وقياس قدرة القوى المتأسلمة على التعبئة والحشد استعدادا للدخول في مواجهات في أماكن أخرى غير سوريا والعراق.يصرخون ضد روسيا، ويقدمون الخدمات الجليلة للثلاثي الأميركي - الإسرائيلي- التركي.
أما الأصوات الليبرالية، بما فيها وسائل الإعلام التي تقدم نفسها بهذه الصفة هنا وهناك، فهي تبتلع الطعم مرة جديدة، فتؤكد عجزها أو قصورها، ليس فقط عن الفعل، بل وقبل ذلك عن الفهم. تعتبر «أن الأسد يربح حلب ويخسر سوريا»، في استعادة هزلية مشوّهة لمعادلة المغني الشعبي الثائر الشيخ إمام عندما صرخ في مواجهة كمب ديفيد بين مصر وإسرائيل «يا خوفي من يوم النصر، ترجع سينا وتروح مصر».
ينسى هؤلاء «الليبراليون» أن التنظيمات الإرهابية التي تقاتل في حلب وسوريا كما في الموصل والعراق ليست في موقع صراع أو مواجهة مع إسرائيل، لأن فلسطين بما فيها القدس، لم تكن يوماً جزءاً من استراتيجيتها ولا حتى في تكتيكها ولو من باب ذر الرماد في العيون.
ليس مفهوماً كيف تقع قوى تسمي نفسها ليبرالية في مستنقع التأجيج الطائفي، وصب المزيد من الزيت على نيرانه! وكيف يغيب عنها أن ما فرضته قوى التخلف والإرهاب على السياسة والمستقبل في العالم العربي ليس خياراً بين الحسن والأحسن، إنما بين السيئ والاقل سوءاً.
المنظمات التي سيطرت على حلب قبل أربع سنوات، هي أساساً تنظيم القاعدة وغيره عشرات المنظمات الإرهابية والمتطرفة وعصابات مرتزقة من أوروبا وأميركا وأنحاء الأرض. أما الليبراليون السوريون والمناضلون من أجل الحرية والكرامة أو المعارضة المعتدلة فقد اضطهدهم هؤلاء، وفرضوا عليهم الانضمام إليهم أو الهرب، فهم الآن موجودون في المكاتب خارج سوريا، في أوروبا وأميركا، لا في ساحات القتال التي تركت لأشد التنظيمات رجعية وتطرفاً وإرهاباً، وهذه حكماً لا تؤمن بتلك الشعارات النبيلة والمحقة.
بتحرير حلب، يكون النظام السوري قد استعاد «سوريا المفيدة» أو «قلب سوريا» أي المدن الخمس الكبرى الغنية اقتصادياً والكثيفة بشرياً وعمرانياً، فسقطت بالتالي خطة أميركا وإسرائيل وتركيا التي تنفذها المنظمات الارهابية لتقسيم سوريا والعراق، إلى كيانات طائفية صغيرة لا حول لها ولا قوة، تبرر الكيان العنصري في إسرائيل.
كما أنها أطلقت يد السلطة المركزية استعداداً لمعركة إدلب، وهي مع الرقة آخر مواقع مهمة تحت سيطرة داعش وبقية الفصائل الإرهابية.

د. أحمد طقشة
 

الثلاثاء, 13 ديسمبر 2016

أبو وضاح والغواصات !

كان لي صديق بعمر والدي، في صدره قلب طفل وحماسة شاب، عشقه العدل والمساواة بين الناس قاده إلى الاشتراكية، ومنها إلى نصير متحمس للاتحاد السوفياتي، وربما أسعفه القدر أنه رحل قبل أن يعيش سقوطه لأنه لم يكن النموذج الأمثل للحلم الذي عاش 80 عاماً من أجله.
ذهب أبو وضاح مرة ضمن وفد إلى باريس، وعندما كان يتمشى في شوارع عاصمة النور، شاهد شباباً وشابات يتبادلون العناق والقبل علانية وأمام الناس حتى طفح الكيل به، فانطلق يشتم «الأفعال الفاضحة» و«قلة الأدب والانحطاط»، واستنتج من ذلك «أن الرأسمالية ليست فقط تدمّر حقوق الناس بل أخلاق المجتمع أيضاً، وهذا الفسق العلني هو الدليل على بشاعة الرأسمالية وانعدام أخلاقها».
من باريس، انتقل الوفد إلى موسكو، قبلة أبي وضاح وعاصمة الدنيا بالنسبة له. هناك أيضاً يتعانق الشبان والفتيات ويتبادلون القبل في الأماكن العامة، توقع الجميع أن تكون المشاهد صدمة لزميلهم وأن يكون رأيه فيها مطابقاً لرأيه في ما رآه في باريس، لكن أبا وضاح فاجأهم بتفسيره: «انظروا ماذا تصنع الاشتراكية بالناس. تجعلهم يحبون بعضهم، تزرع فيهم الحنان والمحبة، وهم يتفاخرون بهما، ولا يتحرّجون في التعبير عنهما علناً».
ما فعله أبو وضاح تكرره وسائل إعلام ناطقة باسم إيران أو قريبة منها بشأن صفقة
3 غواصات ألمانية إلى إسرائيل، لكن الحكاية مع الأول طرفة ومع الثانية مأساة، لأنها تجعل الإعلام وسيلة تضليل.
اعتبرت تلك الوسائل الصفقة «خرقاً إيرانياً» لأمن اسرائيل، و«صدمة إسرائيلية من يد إيرانية»، وصولاً إلى أن هذه  اليد «تزلزل طاولة القرار الإسرائيلي»، ذلك كله دون أي قرينة أو إثبات سوى أن لإيران أسهما في الشركة الألمانية المصنعة للغواصات.
إنها مجرد صفقة تجارية بين الشركة الالمانية ولا علاقة لايران بها. ملكيتها فيها قديمة تعود إلى عهد الشاه انخفضت من 7.5 ٪ الى 4.5 ٪ بضغط أميركي واخرج بالتالي ممثلها من مجلس الادارة.
تلك معلومات منشورة في الشبكة العنكبوتية ومتاحة لأي كان، فكيف بالنسبة للموساد الإسرائيلي وهو من اكفأ أجهزة المخابرت في العالم؟!
منطق الحماس الزائد والانتصار الانشائي يعني أن إيران على علم بالصفقة وأعطت الضوء الاخضر لاتمامها أو سكتت عن ذلك ولم تعترض لسببين:
الأول أن تكون الصفقة مدخلا لمعرفة أسرار عسكرية إسرائيلية وهذا مستحيل لأن المساهمة الإيرانية مكشوفة ومعروفة
ولا تخولها الاطلاع على أسرار الشركة، وغير ذلك يؤدي إلى افلاسها.
أما الاحتمال الثاني، فإن إيران التي تعرف أن تل أبيب تعرف، قد تكون أرادت أن تبعث للدولة العبرية برسالة عن استعدادها للتعاون.. وأن مبالغة وسائل إعلامها وتضخيمها الكسب الإيراني إنما الغاية منهما حجب هذه الحقيقة بالذات.
لا داعي للبحث كثيراً عن الحقيقة الضائعة!
 


 

الصفحة 6 من 15