جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

السبت, 12 نوفمبر 2016

ترامب ليس تراجيديا!

بالنسبة للأكثرية فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية كابوس، ولآخرين كوميديا.. بالنسبة للعرب، تشير ردود فعلهم إلى أن أغلبهم قد وقع في فخ غياب الرؤى في التعامل مع الرئيس الأميركي الجديد.

نعم، العالم متفاجئ ومصدوم وقلق من فوز ترامب، أما ردود الفعل العربية فتعكس، الى كل هذا، ضياعاً مؤسفاً، وليس إرباكاً فقط. تماماً كما فعلت «الوقائع الغريبة» بسعيد أبي النحس بطل قصة الأديب الفلسطيني الكبير الراحل اميل حبيبي الذي صوّر حالة العرب قبل 40 سنة فيقول عن نفسه: «خذني أنا مثلاً، فإنني لا أميز التشاؤم عن التفاؤل. فأسأل نفسي من أنا؟ أمتشائم أنا أم متفائل؟», ولذلك ابتدع له كلمة جديدة في العربية وسماه «المتشائل».
والعرب هم هم, على حالهم اليوم، تائهون كيف ستتلاعب بهم الأقدار مع شخص اختبروه حوالي عامين في الحملات الانتخابية، شعبوياً، عنصرياً، بذيئاً، كان ذلك مسموحاً قبيل الانتخابات، أما بعدها فيوم آخر ومعطيات مختلفة.
ربما كان فوز ترامب زلزالاً، كما البركسيت البريطاني قبل خمسة أشهر، لكن ذلك ليس تراجيدياً بالضرورة. المهم إدراك كيف يتغير العالم، والأسباب التي تؤدي الى الزلزال والعواصف التي يعيشها ومنطقتنا تعيش أشدها وأعتاها.
نحن أمام مشهد جديد في السياسة العالمية، أنتج ترامب والبركسيت وغيرهما، أبرز ملامحه في أميركا وأوروبا وخارجهما ان الانتخابات لم يكن فيها للأفكار أو البرامج قيمة تذكر، بل عبّر الناس الذين يعيشون الإحباط وخيبات الأمل وعدم الارتياح من حاضرهم والقلق على مستقبلهم عن ارادتهم في التغيير، ورغبتهم في مستقبل جديد أفضل. في الدول حيث الأنظمة ديمقراطية مستقرة يتم التغيير عبر صناديق الاقتراع، اما بلداننا فمبتلية بمحاولات تغيير بالعنف والدم والخراب.
لا داعي للخوف من ترامب، اذا كان العرب يعرفون ماذا يريدون، واذا تجاوزوا نزعة التبعية والغرق في مستنقع الهيمنة والطائفية والمذهبية والقبلية، والنزوع للسيطرة والاحتكار وحرمان الآخر المختلف.
لقد كان خطابه الانتخابي صادماً ومنحطاً ومقززاً بعنصريته، لكن هذا المجنون كان يعرف ما يقول. وان هذا الأسلوب يوصله إلى البيت الأبيض. وهذا ما حصل بالفعل، لقد انتبه إلى أن النخبة السياسية الحاكمة في أميركا، كما في الكثير من دول العالم، لا تستوعب توجهات مجتمعاتها، ففعل هو.
ترامب، هو مزيج «الشوبيزنيس» صناعة الاستعراض والمصالح. يعرف كيف يجذب الجمهور،  لكنه لم يخسر في الوقت ذاته القدرة على الحسابات الباردة، وإلا لما كان قادراً على بناء إمبراطوريته المالية والعقارية.
لقد وضع في خطاب الفوز حداً فاصلاً مع أدائه عندما كان مرشحاً، ليقول إن الرئيس شخص آخر مختلف متسامح يريد أن يجمع الأمة ويوحدها، وان يتعامل مع العالم كله بعدالة لا بعدوانية. أما الأكثر دهشة فكان حديثه عن منافسته هيلاري كلينتون، التي فازت بنحو ربع مليون صوت أكثر منه، لكن خذلها النظام الانتخابي الأميركي. خلال الحملة قال انه سيسجنها لكن أول جملة نطق بها بعد الفوز كانت «شكراً لها على كل عملها للولايات المتحدة».
مع القول ترامب ليس تراجيدياً، من الضروري الحذر من عنصريته بل من موجة العنصرية التي تقسم المجتمع الأميركي وتكبر في كل أوروبا، كما في منطقتنا حيث تتجلى عندنا بالطائفية والمذهبية والإرهاب، ومعرفة العرب بالظروف المستجدة وماذا يريدون. وبعدها فليكن ترامب كابوساً، أو كوميدياً، أو رئيساً عادياً.

الثلاثاء, 08 نوفمبر 2016

لا خلافة ولا سلطنة!

كلّما اشتدت الأزمة الداخلية التي يتخبط فيها الرئيس التركي رجب أردوغان، كبُرت أحلام يقظته وأوهامه، وزاد خطره على تركيا نفسها والجيران.
آخر إجراءاته القمعية اعتقال قادة حزب الشعوب الديمقراطي المتعاطف مع الأكراد ونوابه،واستمرار تلك التي بدأها ضد معارضيه ومن لا يؤيده منذ محاولة الانقلاب في يوليو الماضي، وطالت الجيش والاكاديميين والإعلاميين ومئات ألوف الموظفين اعتقالاً أو فصلاً من الوظيفة.
العراق منزعج من الوجود العسكري التركي على أراضيه باعتباره خزقاً لسيادته، ومتوجس من الحشود التركية على حدوده الشمالية، ومحاولة أنقرة بكل الوسائل، وضع إصبع لها في معركة الموصل، مع أن خطة تحريرها لم تلحظ أي دور لتركيا فيها.
ضغط أردوغان على سوريا يتصاعد عسكرياً ويتسع جغرافياً وينتقل من تكتيك التأثير غير المباشر عبر جبهة النصرة وتنظيمات إرهابية أخرى، إلى التدخل العسكري المباشر.
يهدد الرئيس التركي اليونان ويشكك في اتفاقية لوزان لعام 1923 التي ترسم الحدود بين البلدين،وإضافة إلى ادعاءاته في أراضي شمال العراق وسوريا، خاصة مدن الموصل وكركوك وحلب، يدّعي حقوقاً جغرافية في الجزر اليونانية.
أردوغان يلعب بأوراق معظمها خاسر، يرزح تحت عبء أزمة داخلية تشتد عمقاً واتساعاً في السياسة والاقتصاد والعلاقات الخارجية،فيلجأ إلى أخطر تلك الأوراق،وهي إثارة الطائفية فيقدم نفسه حامياً للسنة في العراق وسوريا دون تفويض من هؤلاء، أو معظمهم على الأقل، ويسعى لتحقيق هدفين:
الأول تبرير علاقات أنقرة مع التنظيمات الإرهابية من النصرة وأخواتها وحتى داعش، قبل أن يرتد الأخير عليه، بتبريرات فاشلة كترويض الإرهابيين أو استمالتهم. والهدف الثاني عرقلة معالجة الأسباب التي أدت إلى نشوء داعش في العراق، وفي مقدمتها عدم الإنصاف في توزيع السلطة العراقية، وحرمان السنة من حصة عادلة فيها وتهميشهم، إضافة إلى انتشار الفقر والبطالة، وهي الأسباب التي مازالت موجودة ولم تكشف الحكومة العراقية بعد ما إذا كانت لديها خطط للمعالجة، أم أن الأمور ستبقى على حالها، فيتكرّس تقسيم العراق إلى أقاليم مذهبية، وهذا ما تريده تركيا للعراق.
تكتيك أردوغان مُستهلك، يُلهي الناس بخطر خارجي ويرمي المسؤولية على الخارج، لشد عصب الأتراك بحقوق مزعومة في البلدان الأخرى تحت شعار «تركيا الكبرى» يحكمها هو كسلطان جديد.
أوهام القيادة التركية خطيرة، فالخلافة ماضٍ قد مضى، والسلطنة مرضت ودُفِنت وتخطاها الزمن، والعثمانية الجديدة أو تركيا العظمى حلم يقظة. لكن يبقى سؤال مهم: إلى أين سيصل أردوغان المريض بخيالاته الموهومة، وهل سيغامر أكثر مما يفعل الآن وأية وسائل سيعتمد؟!
هل يُشفى «الرجل المريض» بالأوهام قبل أن يكون الوقت قد فات، ولا يبقى خيار عندها سوى قصقصة أجنحته؟!

السبت, 05 نوفمبر 2016

انفجار الأربعاء!

فجر الأربعاء المقبل سنعرف الرئيس الأميركي الجديد، الديمقراطية هيلاري كلينتون أم الجمهوري دونالد ترامب. لن تكون اميركا محظوظة بها أو به.
المفاجآت والفضائح لا تنتهي في مراثون الانتخابات الرئاسية، خصوصاً أن الملياردير الساذج سياسياً ترامب شخصية فضائحية بامتياز، ومنافسته السيدة كلينتون شخصية تفتقد الكاريزما والشعبية.
سخرية الزمن ستحقق، فعيوب النظام الديمقراطي الأميركي أنه سيحمل أحدهما الى منصب أقوى رجل في العالم، مسجلاً مهزلة كبيرة، خطيرة طبعاً، في زمن يشكو العالم من ندرة رجال الدولة القادرين على معالجة الأزمات الكثيرة والمعقدة.
المعطيات، كما استطلاعات الرأي، إلا النادر منها، يعطي السيدة كلينتون الأرجحية في الفوز. كما تتردد معلومات، يصعب تأكيدها طبعاً، عن أن «الاستابيلشمنت» أو المؤسسة التي ترسم قواعد اللعبة وتتحكم بتركيب المفاصل الرئيسية في الإدارة الأميركية وتوجهاتها العامة، قد اختارت المرشحة الديمقراطية في مسعى ثانٍ بعد اختيار رئيس أسود، باراك أوباما، لاعطاء الديمقراطية الأميركية المصابة بالوهن، دفعاً جديداً والايحاء بأنها تجدد نفسها، وأن أبواب أعلى المناصب متاحة للأميركي رجلاً أو امرأة، أبيض أو أسود. مع أن العروق الجافة في النظام الديمقراطي الأميركي تتطلب عملاً أكبر لتجديد جريان الدماء فيها. وليس أدل على أن ذلك النظام يعرج فعلاً من وصول الثنائي كلينتون - ترامب إلى آخر مراحل التنافس، وان أحدهما سيكون سيدة أو سيد البيت الأبيض، وكلاهما قدّم على مدى أشهر الحملة الانتخابية مشاهد فجة للكذب والانحطاط الفكري والسياسي.
ترامب نصّاب شعبوي، متهرب من الضرائب يعزف لحن العنصرية والتطرف ضد المسلمين والعرب والمهاجرين،متناسياً أن الشعب الأميركي شعب مهاجرين أصلاً. وكلينتون إذا فازت ستكون من أضعف الرؤساء الأميركيين وأقلهم كفاءة،انفجرت فيها فجأة عند خط النهاية قنبلة مدوية: تسريبات البريد الالكتروني الخاص بها، دليل على عدم الكفاءة، ثم العفو الذي منحه زوجها الرئيس الأسبق في آخر يوم من ولايته 20 يناير 2011 لملياردير هارب متهم بصفقات مشبوهة وتهرب ضريبي، بعدما تبرع بنصف مليون دولار لمكتبة كلينتون، ما يعكس انتهازية فجة والاستفادة الشخصية من المنصب، وأخيراً الحصول على معلومات مسبقة قدمتها إحدى صحافيات الـCNN عن أسئلة متوقعة في إحدى المناظرات الثلاث مع منافسها، ما يعكس ميلاً فجاً للغش والتدليس، ما لا يرقى إلى مستوى من يسعى إلى المنصب الرفيع.
أما نتائج استطلاعات الرأي التي أعادت ترامب السبت الماضي الى الصدارة بفارق نقطة مئوية واحدة، ثم أعطت الخميس كلينتون السبق بفارق ثلاث نقاط، فليس مؤكداً أن نتائجها هي نفسها التي تفرزها صناديق الانتخاب. فهناك فقط النتائج الحقيقية.
طبعاً، ستؤثر الفضائح المثارة بوجه هذا المرشح أو ذاك، على بعض الناخبين، لكن من المستبعد إن يكون لها القول الفصل في النتيجة النهائية.
العالم كله، والشرق الأوسط خصوصاً سيتأثر بقنبلة الأربعاء وشظاياها، فحسب الواشنطن بوست إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لا يدعم ترامب علناً، لكنه فعلاً ينسجم معه أكثر تجاه القضية الفلسطينية.
علاقات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أفضل مع ترامب.
وهو ما أظهره لقاء السيسي مع كل منهما، كلينتون التي تعتبر الإخوان المسلمين أقرب إليها، ألحّت على التمسك بحقوق الإنسان، فيما أبدى ترامب دعماً كاملاً لسياسات السيسي.
اللافت أيضاً أن الرئيس التركي رجب أردوغان من داعمي ترامب، فالأول يقدر للثاني تفهمه الإجراءات القمعية التي يمعن فيها أردوغان ضد معارضيه.
بعد الأربعاء، سيكون ضرورياً البحث عن تأثير شظايا الانفجار الأميركي على أزمات الشرق الأوسط ومشاكله، فالمنطقة منكودة أيهما أتى رئيساً.

الثلاثاء, 01 نوفمبر 2016

ليالي الشمال الحزينة *

بعد أسبوعين على انطلاق عملية تحرير الموصل العراقية من داعش الارهابي، تتكشف مصالح الاطراف المتعددة المتداخلة فيها, ومعطيات يومية تؤكد أنها لن تكون مجرد عملية عسكرية صعبة، فهي محسومة من هذه الناحية، وستنتهي باستعادتها من مقاتلي داعش وطردهم، أقله من العراق. لكن من غير الواضح ما ستكون نتائجها سياسيا، وما اذا ستحمل في طياتها تغيرات جغرافية لن تأتي بالتأكيد في مصلحة عراق موحد، ودولة مركزية قوية فيه.
تبرر هذه المخاوف والاسئلة عن المستقبل تطورات كرستها الأيام القليلة الماضية:
1 - الارتباط الوثيق بين معركتي شمال العراق وشمال سوريا فمعظم اللاعبين في الموصل وحلب والرقة هم أنفسهم.
2 - عودة أميركية عسكرية إلى العراق حيث يتواجد فيه حاليا نحو ستة آلاف عسكري أميركي، وهو اكبر حشد منذ الانسحاب الذي قرره الرئيس أوباما نهاية العام 2011. جزء رئيسي من القوات في قاعدة القيارة جنوب الموصل، تكتفي حتى الان بتقديم الإسناد المدفعي للقوات العراقية والبيشمركة التي تتقدم باتجاه المدينة، وتستخدمها أيضاً طائرات الشحن العسكرية التي تنقل الجنود والمعدات والمؤن.
3 - العودة الاميركية الى العراق مفاجئة الى حد ما، الهدف منها غير واضح ولا المهمات الموكلة إلى الوحدات العائدة، هناك تفسيران متداولان: رغبة واشنطن بأن تكرس دورها لاعبا رئيسيا في العراق ومستقبله، وان ترد على الحشد العسكري الروسي غير المعتاد في سوريا، واخيرا ربما رغبة الرئيس اوباما التسريع في تحرير الموصل قبل انتهاء ولايته في يناير المقبل، لم يعط البنتاغون العملية اي اسم كما جرت العادة ويسميها عسكريون اميركيون «عملية اوباما».
4 - تسابق تركي - ايراني على تكريس وقائع تضمن نصيب انقرة وطهران. ليس واضحا إن كان بينهما صراع مكبوت أو تنسيق واتفاق مسبق لكن التمايز واضح جدا في الاداء.
تركيا وايران من اللاعبين الاقليميين الاساسيين في الأزمتين السورية والعراقية، لكن ايا منهما ليس لاعبا اول. هذا الدور لاميركا في العراق ولروسيا في سوريا.
5 - تعتمد تركيا خطاباً توسعياً صارخا ويجدد الرئيس طيب اردوغان ما يسميه «تركيا العظمى» حلم السلطان المفتوحة شهيته على قضم جزء من العراق وسوريا وان تكون شمال البلدين بما في ذلك مدينتا الموصل وحلب تحت السيطرة التركية «لان ارواحنا هناك» حسب اردوغان، ناسيا ان تركيا كلها كانت تحت سيطرة بغداد عندما كانت هذه عاصمة الخلافة الاسلامية.
اطماع اردوغان غير مشروعة وهي اكبر من ان تتحملها بغداد أو دمشق لذا تحاول الحكومتان السورية والعراقية ان تبقيا تركيا بعيدا عن مدنهما الرئيسية بغداد ترفض مساعدتها في معركة الموصل.
6 - أداء ايران اقل صخبا فدورها معترف به من الحكومتين السورية والعراقية وتعتمد على قوى داخلية تؤمن مصالحها لكنها تسعى الى اعتراف إقليمي ودولي بتلك المصالح.
7 - اقليم كردستان العراق المتمتع بحكم ذاتي واسع يسعى للاستقلال وسيطالب به حال تحرير الموصل، وحسب رئيس وزراء الاقليم نيجيرفان البرزاني «فور تحرير الموصل سنجتمع مع شركائنا في بغداد لنتباحث في استقلالنا».
تحرير الموصل سيكون حدثا مفصليا،لكنه لن يكون خاتمة الاحزان في سوريا والعراق، الارجح ان يكون بداية لليالي حزينة في الشمال.
البلدان أمام صيغة إعادة نفوذ بين روسيا وأميركا، تركيا تقفز على أزمتها الداخلية لتغطيها بمكسب، إيران تسعى لتكريس دورها في مستقبل البلدين.
     أغنية للسيدة فيروز.
 

بغداد، ومنذ بناها الخليفة المنصور قبل حوالي 1400 سنة، مدينة عظيمة بالعلم والثقافة والمدارس والآثار والمتاحف، لكنها أيضاً مدينة الحانات والملاهي والخمارات. الصفات الأولى اندثرت، للأسف، بفعل نظام ديكتاتوري، ثم احتلال، ثم نظام طائفي. والعراقيون ورثة باقة من أعظم الائمة، علي بن أبي طالب والحسين والكاظم وأبو حنيفة، ملتزمون بدينهم، والصحيح أديانهم، لأنهم شعب متعدد الأديان والأعراق والمذاهب، يؤدون واجباتهم الدينية وطقوسهم، ويتباهى معظمهم، قبل أبي نواس وبعده، بالشرب والسهر والوناسة، حتى شاعت بينهم الهوسة الجميلة الراقية: «محمد بدينه..  وعيسى بدينه.. وموسى بدينه».

نادرون جداً الخلفاء أو الحكام الذين منعوا الشرب في بغداد والعراق عموماً.صدام حسين فعلها في السنوات الاخيرة من حكمه، عندما ارتدى عباءة إسلامية وأطلق في العام 2000 ما أسماه «الحملة الإيمانية» وسيلةً لكسب التعاطف. ثم عادت الأمور إلى ما كانت عليه بعد سقوطه، وأقر الحكم الجديد دستوراً يوجب احترام الحريات الشخصية.
لكن الأحزاب الدينية، وهي وريثة صدام ووجهه الآخر، تحمل توجهاته القمعية والاحادية نفسها وإن بغطاء مذهب مختلف، أقرت الأسبوع الماضي بأكثريتها النيابية منع تصنيع الخمور واستيرادها وبيعها وشرائها، ما أثار جدلاً واستغراباً ورفضاً شعبياً واسعاً. فالنظام العراقي ليس دينياً وإن كانت الأحزاب الدينية تتحكم فيه وتسيّره، ما جعل التساؤلات كثيرة عن الدوافع الحقيقية والتوقيت فيما البلاد تخوض حرباً مفصلية لتحرير الموصل ثاني مدنها من تنظيم داعش، وترزح تحت بلاوي لا حصر لها، طائفية مقيتة، فساد مريع، فقر، بطالة، بل ان مصير العراق كله ووحدة شعبه وأرضه وحكمه على المحك.
أهملت الاحزاب الدينية كل هذه المخاطر وذهبت إلى الخمرة، لكن سرعان ما هدأت الغبار المثارة بموجة إيمان مفتعلة وبانت الاهداف الحقيقية والمصالح المادية الكامنة وراء القرار.
في بغداد عدد كبير من صالات القمار عائدها اليومي حوالي 2 مليون دولار يحميها حزب ديني مقابل نصف مليون دولار يومياً. وفيها مئات الملاهي للرقص والدعارة يحميها ويستفيد منها حزب إسلامي ميليشياوي آخر، ومثلها البارات التي يحميها حزب إسلامي ثالث. منع الخمر من السوق سيرفع سعرها في هذه الأماكن تحديداً لأن روادها «لن يشربوا الشربت ولا اللبن»، ما يزيد دخلها فتزداد حصة الأحزاب التي تقدم الحماية.
هناك أيضاً تقليد لتجربة إيران التي منعت الخمرة فارتفعت فيها نسبة تعاطي المخدرات على أنواعها، وبالفعل بدأت نبتة الخشخاش ومنها الحشيشة تزرع في جنوب العراق. كما أن المخدرات تهرّب على نطاق واسع، وبدل الكأس سيبحث العراقيون عن الحبوب.
إلى جانب هذا وذاك، ستشرّع الحدود، خصوصاً مع إقليم كردستان، أمام تهريب الخمور ومنه إلى داخل العراق بجميع محافظاته، لأن الدولة سائبة والكلمة العليا هي للميليشيات والمافيات.
باختصار، إن أحزاباً دينية ومافيات تهريب وفساد ستغرق العراق بالمشروبات والمخدرات، فمن يريد الخمرة سيجدها إنما بأسعار مضاعفة، ومن تعييه الحيلة سيلجأ إلى المخدرات، وقد ردّ العراقيون بسخريتهم الجارحة المحببة على برلمانهم بهوسة تشير إلى المستفيد: «يا ويسكي لا تزعل .. باكر العمامة ترحل».

الثلاثاء, 25 أكتوير 2016

بداية ونهاية

تراودني فكرة أتوقف عندها كثيراً.في المسار السياسي لمنطقتنا هناك عوامل مخفية لا ترصدها قراءة وتتفلت من أي تحليل،تظهر فجأة،تغيّر الاتجاه المفترض وتأتي بغير النتائج المتوقعة.
العراق الذي كان موعوداً بنظام ديمقراطي نموذج للمنطقة،أخذه الغزو الأميركي إلى أبشع أنواع الطائفية والفساد. وبدلاً من أن يكون إسقاط نظام الطاغية صدام حسين مدخلاً للحلم الوردي، أصبح بداية لسقوط النظام العربي حلقات متتابعة.
سوريا التي اندفعت بعض قواها المصنّفة آنئذ تقدمية إلى ما سمي «الربيع العربي» تحت شعار الكرامة والحرية،غرقت في أفظع مستنقعات الإرهاب،بل تحول ذلك الربيع أينما حل،إلى مآسٍ وكوابيس بعدما حمل إلى الحكم حزب الإخوان المسلمين ذا النهج التسلطي واحتكار السلطة.
تركيا التي عاشت السنوات العشر الأولى من القرن الحادي والعشرين في خط تصاعدي تنميةً ودوراً حتى أصبحت نموذجاً لشعوب المنطقة،كسرها نزوع حكمها إلى التسلط والنزعة السلطانية.
إيران التي تحمل إرثاً تاريخياً حضارياً مشهوداً،تتعسكر وتعاني من وهم الحكم الإمبراطوري تتدهور اقتصاداً وتنميةً،لأن العسكرة عكس التقدم والحضارة على طول الخط.
هذه القطبة المخفية في تفاعل أوضاعنا لا تحمل فقط صورة سوداوية دائماً. فمصر حررت سيناء،الكويت تحرّرت من الاحتلال العراقي،المقاومة الوطنية والإسلامية اللبنانية هزمت الجيش الإسرائيلي الذي كان «لا يهزم».
معركة مدينة الموصل المندلعة حالياً لتحريرها من تنظيم داعش الارهابي فيها الكثير من القاعدة نفسها.الأراضي التركية كانت لفترة طويلة معبراً لعناصر داعش إلى سوريا والعراق.والأراضي السورية معبرهم من دول العالم، بما فيها بعض دول الخليج،إلى بلاد الرافدين.
الآن يسير الإرهابيون في الطريق المعاكس،يفرون من الموصل الى الرقة السورية حصنهم الأخير.
قبل عامين كانت ثاني أكبر المدن العراقية رمزا لانتصار التنظيم الإرهابي وزعيمه أبو بكر البغدادي، منها أعلن «دولة الخلافة»، لكنها اليوم المدينة حيث تُكتَب هزيمته.
لكن السؤال الكبير هل تكون هزيمته الحتمية في الموصل نهاية داعش؟
لا إجابة حاسمة لأننا هنا أيضاً قي متاهة أحداث لا تخضع دائماً لقانون تطور حتمي أو حتى عقلاني.الحتميات في منطقتنا تعرج غالباً.لكن الواضح حتى الان:
-تُركت الحدود الغربية للعراق مفتوحة،وهي التي تصل بين جناحي «الخلافة» العراقي والسوري،وعبرها يهرب مسلحو داعش إلى الرقة حصنهم الثاني.
-إلحاح تركي وإيراني لجوج على التدخل وفرض وصاية على جزء من الشعب العراقي.
-تستعيد واشنطن الامساك بالعراق وتعود اللاعب الرئيسي فيه،وهي التي توزع الادوار والانصاب على إيران وتركيا.
-القضاء على داعش والتخلص منه نهائيا ليسا على جدول الأعمال.سيحصل ذلك في العراق فقط.الهدف الآن اضعاف التنظيم وتركيعه وحصر تواجده في سوريا وإقامة كيان له على أراضيها يمكن احتواؤه ومنع تمدده.
-تكريس عودة روسيا من البوابة السورية إلى المنطقة. مع إبقاء داعش وسيلةً لاستدراجها واستنزافها وفقاً لنموذج القاعدة وطالبان في أفغانستان.
هل المنطقة العربية أمام صيغة اقتسام نفوذ جديدة أميركية –روسية مع حصة لتركيا وإيران،ولا نتكلم على حصة إسرائيل فهي مضمونة؟
- هل «الغياب» مكتوب على اثنين معاً: داعش والسيادة العراقية؟!


 

السبت, 22 أكتوير 2016

ما يعلو كل اعتبار

أتجنّب، عادة، الكتابة عن الشأن المحلي الكويتي الا ما ندر.لم يطلب أحد مني ذلك طوال ثلاثين عاما،لا مباشرة ولا ايحاء. إنما هي قناعتي بأن أهل الكويت أدرى بشؤونها. لكن ما حفّزني على  الكتابة اليوم  تشخيص الأوضاع الإقليمية التي استوجبت حل مجلس الأمة واجراء انتخابات نيابية مبكرة.
صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد مشهود له بأنه بين اكثر
القادة الحاليين في منطقتنا والعالم خبرةً بأحوال الإقليم واتجاهات السياسات الدولية، من هنا يكتسب التشخيص الذي تضمنه مرسوم الحل أهميته.
«ظروف دقيقة- تطورات مستجدة- تحديات أمنية تحمل مخاطر ومحاذير». هي جزء لا يتجزأ من التطورات السلبية والخطيرة التي يعيشها العالم تنعكس في بلداننا، تتأثر بها وتكون غالبا ضحية لها.
المخاطر التي تعصف بالعالم شديدة الوضوح، أساسها الأزمات على أنواعها، السياسية والاقتصادية. يزداد الإرهاب والعنف انتشاراً، يرتفع منسوب التوتر،النزاعات الدموية المسلحة والحروب العبثية تنتشر في الإقليم قريباً من الكويت،هي تنعم بالأمن والاستقرار لكنها مطوّقة بزنار نار يشتد اشتعالا ولهيبا في العراق، سوريا، اليمن، ثم اندلعت للتو حرب جديدة  ستكون مفصلية ضد الارهاب  على الأراضي العراقية. بدأ شررها يتطاير إلى هنا، إذ إن عناصر وقيادات من داعش يفرون نحو الخليج وفقاً لمعلومات تتردد. وهناك حروب أبعد جغرافيا عن الكويت، لكنها معنية بها، في ليبيا وجنوب السودان، حتى أصبحت منطقتنا أكثر مناطق العالم تأزماً وسخونة.
وتقوى يومياً في الأجواء رائحة حرب عالمية ثالثة. التعبير الذي أصبح يتردد في الإعلام الروسي والأوروبي عموماً، يومياً تقريباً، وعلى نحو لم يحصل مطلقاً منذ سقوط الاتحاد السوفياتي وانهيار المعسكر الاشتراكي قبل 30 عاماً.
في هذه الأجواء باشرت دول أوروبية كثيرة الاستعداد للأسوأ. روسيا أجرت بين 4 و7 أكتوبر الحالي تجربة دفاع مدني شارك فيها 40 مليون مواطن روسي، وأبلغت مواطنيها أن الملاجئ المقاومة للقصف متوافرة لهم في حال نشوب الحرب، وسيحصل كل مواطن على 300 غرام من الخبز يومياً لمدة 20 يوماً، ناهيك عن الحرب الإلكترونية العنيفة المندلعة حالياً بين واشنطن وموسكو.
السويد البلد المسالم المحايد الذي لم يخض حرباً طوال مئتي عام فرض التجنيد الإجباري.
دول الاتحاد الأوروبي أعادت الحياة لفكرة إنشاء جيش أوروبي موحد.
هنا، في الشرق الأوسط، كما في أوروبا وآسيا، يمكن أن تقع مواجهة عسكرية أميركية - روسية، أي شرارة منها قد تشعل حرباً عالمية.. والخوف الاكبر من أن يقع بين الجبارين مصادمات غيرمحسوبة،  بصدفة أو خطأ على أراضي دولة ثالثة، حيث للجانبين ترسانات ضخمة من الأسلحة بكل أنواعها، كما هو الحال في سوريا تحديداً والتي أعدت موسكو على أراضيها «خطة عسكرية دبلوماسية شاملة لمواجهة مشاريع واشنطن».
واذا كانت المواجهة النووية مستبعدة حتى الآن، فمن يدري كيف يكون الأمر مع تطور الحرب، وإذا ما لجأ أحد المتحاربين إلى الكبس على الزر الأخطر في العالم. فيما يملك الجانبان ترسانة نووية يكفي قليل منها لتدمير الكوكب عشرات المرات.
السيناريوهات المرعبة الأخرى عديدة، فماذا لو وقع سلاح نووي بأيدي الإرهابيين، وهو احتمال لا يمكن اعتباره صفراً.وماذا لو حدث،في زحمة تحريك الأسلحة النووية  المكثّف والسريع،برا وبحرا بين القارات، أن انفجر صاروخ برأس نووي بسبب قدمه او لخلل في انتاجه؟!
لقد تصرف سمو الشيخ صباح الاحمد وفق مبدأ سام يلتزم به القائد الحريص على بلده وشعبه،وهو ضمان سلامة الكويت التي تعلو كل اعتبار.

في أجواء بدء عملية تحرير الموصل من داعش الذي احتلها قبل عامين، تطرح اسئلة مهمة كثيرة وسؤال محوري تحت عنوان العراق إلى أين يسير، وهل تساهم استعادة المدينة إلى حضن الوطن في اخراجه من أزماته الخانقة، أو تدفعه إلى اتون أزمات جديدة؟
هل من عوائق امام المعركة؟ من سيكون اللاعب الاول فيها والمستفيد الأكبر منها؟ هل هناك انزعاج أميركي من الدور الإيراني؟ هل هناك تشجيع أميركي لتركيا كي تتدخل في العراق من بوابة المعركة؟ والسؤال المركزي طبعاً هل يحتكم العراق إلى وحدته شعباً وأرضاً بكل مكوناته القومية والدينية والطائفية، بعد تحرير ثاني أكبر مدنه؟
تشير المعطيات إلى انه لا عوائق جدية سياسياً أو عسكرياً أمام المعركة التي بدأت فجر أمس الاثنين، وان استمر الصوت المذهبي المرتفع من انقرة، فهذا يشوش ولا يعطل في انتظار الاتفاق على الثمن، الطرف الأميركي هو اللاعب الأساسي والمستفيد الأكبر، في يده معظم الخيوط يحركها في الاتجاه الذي يعزز قبضته على العراق، ويستعيد بريقاً افتقده أو غطى عليه الدور الروسي، في الحرب على الإرهاب. وهو الذي يرسم أدوار بقية اللاعبين، وخصوصاً تركيا وإيران، ويوزع الانصاب عليهم.
الرئيس أردوغان الذي يتواجد حوالي ألفين من قواته قرب الموصل، يطالب بحصة أنقرة بلغة عدائية فجة غير لائقة، يبررها بأن العراق «لا يمكنه بمفرده طرد داعش» وتضامناً «مع اخواننا السنة والتركمان».وتتقصد إيران من جهتها، ابراز حركة جنرالها قاسم سليماني قائد فيلق القدس الذي تسميه طهران «سيف آية الله» ويحضّره محافظوها لانتخابات الرئاسة الإيرانية. وهي تضمن حصتها عبر نفوذها على الحكومة العراقية وسيطرتها على ميليشيا «الحشد الشعبي».
الحكومة العراقية بين الرابحين،طبعاً، من تحرير الموصل.اول مكاسبها انها ستمحو العار اللاحق بها جراء هزيمتها وفقدانها المدينة.لكنها بعد ذلك ستكون على مفترق الاجابة عن السؤال الاهم: هل يكون التحرير مدخلا لعراق موحد ذي دولة مركزية فاعلة عادلة تمثل جميع مكونات الشعب العراقي، أم لمزيد من تفككه بتسميات مختلفة؟
المحك الحقيقي سيكون قدرة الحكومة العراقية على تجاوز الصيغة الطائفية الحالية، وقابليتها على التعامل مع المكون السني كشريك متساوي الحقوق في المواطنة والحكم حسب حجمه وتمثيله، فالعراق كمعظم البلدان العربية، مجموعة أقليات، فلا تستطيع أقلية منها الاستئثار بالسلطة بدعوى انها الاكثر عدداً من الجماعات الأخرى.
الصيغة الحالية في حكم العراق، اذا استمرت على حالها واصر الطرف المسيطر الآن باسم الأغلبية السكانية، فستجعل من تحرير الموصل أساسا لنشوء نوع من الحكم الذاتي في المحافظات الشمالية ذات الاكثرية السنية، وسيكون الثاني من نوعه بعد كردستان، وربما يشرّع الأبواب امام صيغة مماثلة في الجنوب ذي الأغلبية الشيعية. عندها يكون على العراق الموّحد السلام، وتنتعش اطماع تقاسمه حصصاً بين تركيا وإيران برعاية أميركية، كما حصل في اتفاقية ارض اروم بين الدولتين في القرن التاسع عشر برعاية بريطانيا.
وهكذا يستمر البلد في صراع مستمر ومخاضات مفتوحة على ولادات مجهولة, لأن الانتصار المذهبي كما الانهزام الطائفي، مستحيلان في نهاية المطاف, وسيبقى أي منهما ناراً تحت الرماد، ويدفع بقوة نحو التسلط والطغيان فالانفجار.


 

السبت, 15 أكتوير 2016

تركيا ليست وصية ولا إيران!

الجنون هو فقدان الحكم السليم،اخطر أنواعه ما يرتكبه الساسة اصحاب القرار.عوارض هذا المرض تتفشى سريعا في انقرة.بدا للوهلة الاولى ان اشدها اصاب رئيس الوزراء  بن علي يلديريم عندما وصف  طلب العراق سحب القوات التركية من شماله بانه «خطير واستفزازي»،لكن تبين ان المرض في مرحلة متقدمة جدا ،وذلك عندما تحدث الرئيس رجب اردوغان عن الازمة التركية-العراقية وليته لم يفعل.
التوتر بين بغداد وانقرة يتصاعد منذ العام الماضي بعدما ارسلت الاخيرة حوالي الفي جندي من قواتها الى شمال العراق بدعوة من حكومة اقليم كردستان «لمقاتلة الجماعات الارهابية في العراق وسوريا» ولم تحدد من هي تلك الجماعات وان كان المفهوم ضمنا  انها لا تقصد داعش وجدها، بل أيضا حزب العمال الكرد ستاني.في المقابل تؤكد الحكومة العراقية المركزية انها لم تستدع تلك القوات،وان وجودها غير شرعي،فهي بالتالي قوات احتلال. وأيدت واشنطن هذا الموقف مؤكدة «ان القوات الاجنبية ينبغي ان تحظى بموافقة الحكومة المركزية في العراق كي تتواجد على أراضيه».
بعد البيان مباشرة،اطلق الرئيس اردوغان مواقف غير مسؤولة سياسياً،بعيدة عن اللياقة دبلوماسياً وشخصياً،عندما خاطب رئيس الوزراء العراقي د.حيدر العبادي الذي طالب بانسجاب القوات التركية من أراضي بلاده بقوله: «أنت لست بمستواي ولست ندي..صراخك ليس مهما فنحن سنفعل ما نشاء»!
بمنطق اردوغان: على المستوى الشخصي هو ليس ندا للعبادي هو ابن عائلة قروية فقيرة ،والفقر ليس عيبا بل الغطرسة، هجرت قريتها الى اسطنبول،باع  البطيخ والسميط ليعين عائلته،درس في مدرسة دينية، ونال شهادة إدارة أعمال من جامعة مرمرة.فيما العبادي ابن منطقة الكرادة قلب بغداد،والده طبيب ومفتش الصحة العامة العراقية،نال الماجستير والدكتوراه في الهندسة الكهربائية من جامعة مانشستر العريقة.
اما سياسيا،فالعبادي رئيس وزراء للعراق مهد الحضارة قبل أن توجد تركيا،وبلد الخلافة قبل ان تنتقل في غفلة من العرب إلى أسطنبول وتنتهي فيها،كلاهما ينتمي الى حزب إسلامي،أردوغان إخوان مسلمين،العبادي من قياديي الدعوة،حكم العبادي والعراق كله في أزمة طاحنة،حكم أردوغان انهى مرحلة الصعود،وبدأ مع تركيا هبوطاً حاداً أقوى دلالته كان الانقلاب العسكري الفاشل في يونيو الماضي.
الخطاب التركي المتشنج والمنفعل لم يعكس فقط جهلا بطبيعة العراقي المعتد وان كان ضعيفا،إنما يحاول إضفاء شرعية غير ممكنة على غزو أجنبي لبلد مستقل.ما يعكس حجم الأزمة التي تمر بها تركيا ويتخبط فيها أردوغان وحكومته، ويسعى لتصديرها الى خارج الحدود.
على خلفية الأزمة المركبة سياسة واقتصادا يبحث الحكم التركي عن دور في المنطقة بعد انحسار دوره في سوريا، فلم يعد أمامه نقطة مناسبة غير معركة الموصل التي تعد بغداد مع التحالف الدولي ساعة الصفر لها، وتشير المعطيات أنها باتت قريبة. تعتمد انقرة في مسعاها على بعض الأطراف الموصلية كأسامة النجيفي رئيس البرلمان العراقي،أو الكردية خصوصا مسعود البرزاني.
تهدف أنقرة من محاولتها التدخل في معركة الموصل إلى أمرين مهمين: أن تكون طرفا في ترتيب أوضاع الموصل بعد تحريرها،وثانياً قطع الطريق على اي مكاسب قد يحققها حزب العمال الكرستاني بعد إقامة حكومة محلية يساهم فيها الكرد من أبناء الموصل.
في هذه الحشرة بدأت أنقرة تلعب على الوتر الطائفي،وتحديداً حماية السنة وهم الأكثرية الساحقة في المحافظة،وهي النغمة نفسها التى تعزفها إيران أي حماية الشيعة، لتبرر هي الأخرى تدخلها في الشأن العربي.
الأكثرية الساحقة من العرب، سنة وشيعة،لا يقرون لتركيا أو لإيران بالوصاية.القرار الواضح المعلن من بغداد هو الاشتباك مع القوات التركية إذا لم ترحل أو تدخلت في معركة الموصل القادمة.
المنطقة أمام إندلاع نار جديدة فيها!

الثلاثاء, 11 أكتوير 2016

الرؤوس الحامية

العالم يتغير ويتأزم.يتسع  فيه العنف،يزداد التوتر،تتمدد النزاعات الدموية،تقوى النزعات العنصرية،تنتشر الميول الانفصالية.هذه العوامل السلبية تواكبها أزمات اقتصادية متلاحقة تزيدها تعقيداً في ظل قادة يرقى قليلون منهم فقط الى مستوى رجال دولة قادرين على معالجة الازمات الكبرى دون الغرق في اتون الحروب،ما يطرح سؤالا مقلقاً: هل يتجه العالم الى حرب كونية ثالثة؟
هناك 19 دولة تعيش حالياً حروباً أهلية طائفية،مذهبية،قبلية،ارهابية،معظمها عربية في آسيا وأفريقيا،وواحدة في أوروبا.
ومع أن بعض هذه الحروب واقساها في سوريا والعراق واليمن وليبيا وجنوب السودان مشتعلة منذ سنوات، الملفت ان الاعلام حول العالم،خصوصا الاوروبي،كما بعض الاوساط السياسية والدبلوماسية بدأت في الآونة الأخيرة تتساءل بإلحاح،عما اذا كانت هذه الحروب الوطنية او الاقليمية قد تكون الشرارة التي قد تشعل حرباً عالمية جديدة؟
حافظ العالم حتى الان على درجة صحية من الجنون جنبته الأسوأ،عدا منطقتنا الفاقدة عقلها والغارقة في جنون كامل.يشاركنا، وان في مستويات اقل،الجيران الاتراك والايرانيون المنغمسون بدورهم في النزاعات الداخلية والحروب المندلعة في الاقليم.
من سوريا تأتي اولى ملامح الاجابة عن السؤال الكبير، فالحرب الاهلية البشعة فيها،اصبحت حرباً عالمية باردة حولها تنخرط فيها عشرات الدول بينها القوتان العظميان اميركا وروسيا.وهي مرشحة ان تتحول في كل لحظة الى حرب حقيقية ساخنة.. وكذلك الحرب الروسية - الاوكرانية.
على خلفية الأزمتين، يتصاعد التوتر سريعاً بين اميركا وروسيا. الاولى لا تكتفي بالعقوبات التي فرضتها مع اوروبا على الثانية،بل تصر على محاصرتها عسكرياً عبر توسيع حلف الناتو الى البلدان المحيطة بها، ونشر دروع صاروخية على حدودها، وأخيراً تسريب تقارير اميركية حول نية الولايات المتحدة ضرب المطارات السورية بصواريخ مجنحة، ما يعني ضمنا ضرب الطائرات الحربية والمعدات العسكرية الروسية الموجودة في تلك المطارات.
في هذا الوقت،تبحث دول الاتحاد الاوروبي الاجراءات الدفاعية والامنية بعد قرار انسحاب بريطانيا منه،وطرحت بعض دوله انشاء جيش اوروبي موحد تحسباً من الخطر الروسي كما تقول، وعمد بعضها الى فرض التجنيد الالزامي كما فعلت تشيكيا والسويد التي لم تخض منذ مائتي عام أي حرب.
هل هو شعور الخوف لدى الغرب؟ الموقف السلبي من بوتين؟ الفوبيا من روسيا حسب تعبير وزير خارجيتها لافروف؟ استفزاز أو حتى استدراج لها؟ الرغبة في ان تثبت الولايات المتحدة انها القوة العظمى الوحيدة وعلى روسيا أن تسير في الطريق الذي ترسمه واشنطن وإلا؟
لا شك أن هذه الاسئلة تطرحها موسكو التي ترى ان رؤوساً حامية في واشنطن،ليس بينها الرئيس اوباما،تفكر في عمل عسكري يستهدف روسيا، وعلى الارجح ان تكون سوريا ساحته.
ولان الدول لا تعتمد في سياساتها على النوايا،بل على ما يحمي امنها ويضمن مصالحها،ردت موسكو بسلسلة اجراءات عسكرية واسعة: وضعت سوريا تحت مظلة دفاع جوي روسية،وارسلت إليها احدث منظومات صواريخها،ونشرت في الوقت نفسه نظاما صاروخياً يحمل رؤوساً نووية في منطقة كالينينغراد المواجهة لجمهوريات البلطيق الثلاث،ما يعني ان القواعد الجوية الروسية اصبحت ممتدة من المحيط الهادئ الى سوريا.وعلق الرئيس بوتين الاتفاقية مع اميركا المتعلقة بخفض مخزون البلوتونيوم المستخدم في انتاج اسلحة نووية،ولوحت موسكو بأنها ستجدد انشاء قواعد عسكرية لها في فيتنام «آسيا» وفي كوبا «الحدود الاميركية».
لن تقبل روسيا ان تُحشَر في زاوية. اللعب بالنار قائم،واليد على الزناد،فهل تطلق الرصاصة الاولى؟ ومن يطلقها؟ وهل ستؤول الامور في سوريا أو اوكرانيا الى مواجهة عسكرية اميركية - روسية؟
ما زالت موسكو تراهن على ان هذا السيناريو لن يحصل وان الرؤوس الحامية ستبرد لان الرئيس أوباما لا يوافق عليه!


 

الصفحة 6 من 14