جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

السبت, 10 سبتمبر 2016

ساسة موظفون لدى «البيزنس»

يزداد عدد الدول في الكرة الأرضية، لكن رجال الدولة يصبحون قلة نادرة، وكأنهم كائنات غابرة إلى الانقراض أقرب، وهذا تهديد حقيقي لعالمنا المتحوّل بسرعة نحو الأسوأ!

من التحولات المقلقة في حاضرنا أن الذين يصلون الى سدة الحكم أصغر من بلدانهم والأدوار التي تلعبها أو المنوطة بها. .هذا حال معظم اوروبا والأمر سيكون سيئا أيضا مع من ستفرزه انتخابات نوفمبر المقبل رئيسا لأميركا.
أما في منطقتنا فعليه العوض ومنه العوض. جدباء قاحلة عدا قلة نادرة جدا من رجال دولة، لا نخالف الحقيقة إذا أوردنا سمو أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد في المقدمة منهم. خصائص رجل الدولة تكرست في أدائه حتى في أصعب المواقف وأكثرها تعقيدا وخطورة.ثاقب الرؤية يفهم منطقته وعصره فيؤثر ايجابا في حياة بلده وشعبه.
قيادته المتميزة ببعد النظر والمنطق والعقلانية والسلاسة ،لحمتها وسداها مصلحة الكويت كلها وشعبها بجميع مكوناته دون استثناء. فحماها في محيط متفجر مشتعل.
قبل خمسين سنة عرّف ونستون تشرشل العظيم رجل الدولة بأنه يمتلك رؤية لعشر سنوات، خمسين سنة، مئة سنة لكيف ينبغي أن يكون المسار الذي يتخذه بلده، والعالم أيضا، والى أين يصل.
الشرق الأوسط أكثر مناطق الكرة الأرضية يدفع ضريبة غياب رجال الدولة. دمار أوطان وخرابها، موت شعوب وتشردها، تدهور مريع الى العصور الحجرية السحيقة.
أوروبا أيضا تدفع ثمن المرض أزمات عنيفة وحادة تتراكم فيها. الأيام الذهبية للقارة العجوز قد ولت. لن تشهد حربا كبرى أو كوارث دموية كالتي تعيشها منطقتنا، لكن هناك تحت الأزمات المتعددة الأشكال والمتنوعة الأحجام نيراناً كثيرة تتفاعل وقد تكون سببا في انفجارات وصراعات عسكرية، وإن محدودة، داخل أكثر من دولة أوروبية.
لم يعد فيها ونستون تشرشل، ولا شارل ديغول أو كونراد ادينهاور، كما لم يعدّ في أميركا جون كيندي، ولا نلسون مانديلا في جنوب افريقيا. ظهر دونالد ترامب وهيلاري كلينتون في أميركا، وهولاند ولوبان في فرنسا، وفاراج وجونسون في بريطانيا، وميلوش زيمان بدل مساريك أو هافل في تشيكيا، ساسة يتولون مواقع القيادة، خاصة في الدول التي تؤثر في مصير العالم،ليست لديهم مواصفات القادة ويفرغون السياسة من جوهرها. وبدلا من ان يفعلوا شيئا لبلدانهم والعالم، يريدون أن يفعل هؤلاء شيئا لهم.
سياسيون قصيرو النظر، عاجزون، مثيرون للملل، وبعضهم للاشمئزاز . بدل حل المشاكل يصبحون جزءا منها، يؤججونها ليتعايشوا عليها. فعيونهم ليست على المستقبل انما على الكرسي.
الخيار المفضل لشخصيات من هذا النوع والقاسم المشترك بينها، سياسة شعبوية مقيتة، عمادها أنصاف الحقائق، وتسطيح الحلول، وتخويف الناس للتلاعب بعقولهم، يزرعون الكراهية والعنصرية خصوصا تجاه الإسلام والمسلمين، وكل الشعوب المبتلية. كتبت أكثر من مرة في هذه الزاوية عن ندرة رجال الدولة والمآسي المترتبة عليها. بعض الذين ناقشتهم لأفهم الظاهرة، يرون أن التدهور لا يصيب السياسة وحدها. إنه في قطاعات كثيرة. الفكر والثقافة والفن.حيث تطغى نزعة التجارة والربح والاستهلاك السريع على روح الإبداع والخلق.امافي السياسة فإن السبب الأول، بين أسباب أخرى، هو أن الناس الموهوبين يتجهون في السنوات العشرين او الثلاثين الماضية إلى «البيزنس»، وأعطوا ظهورهم للسياسة فانحدر الساسة من قادة ورجال دولة إلى موظفين لدى رجال المال والأعمال!

الثلاثاء, 06 سبتمبر 2016

الطائفية مراراً وتكراراً!

الفساد دائما في أقدام الاحتلال وحكم التسلط، فردياً كان أو حزبياً أو طائفيا. كلاهما جعل العراق أحد ثلاثة بلدان تسودها أبشع أنواع الفساد والخراب المتعدد الأشكال والأحجام.
يتأكد كل يوم،ان الغزو الأميركي للعراق 2003، أنجب حكماً طائفياً تابعاً عاجزاً، ولّد بدوره سلطةً فشل القائمون عليها في ادارتها بمنطق عراقي وطني،  وتمخض كلاهما، الاحتلال والحكم الطائفي، عن كوارث ومآس وويلات، تجاوزت كثيراً ما قاله السياب الكبير قبل ستين عاماً في رائعته أنشودة المطر «ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع». إذ لا تمرُّ في أيامنا لحظة وأرض السواد ليس فيها جوع، ومرض، وموت، وقتل، وظلم، وقهر، وإرهاب، وقمع، وسرقة، ونهب، وتخريب وسوء استخدام سلطة وانهيار البلد، حتى بات أشلاء تابعاً لنفوذ خارجي، أو فاقداً ثلثه لسيطرة تنظيم داعش الارهابي.
هذا ليس كل شيء، فالآتي أعظم وأسوأ، لأن أطفال العراق، جيله الجديد، أصبحوا بفعل انعدام كفاءة ساسته، أحد أكبر مشاكله اليوم.
وهو أصبح كما تقول منظمة الطفولة العالمية «يونيسيف» أحد أخطر بلدان العالم لعيش الأطفال، ولم يعد البلد الذي يريد الأهل ان يكبر أطفالهم فيه.
600 ألف طفل عراقي تركوا مقاعد الدراسة أو لم يجلسوا عليها أصلاً، وهو ضعف العدد الذي كانه هؤلاء العام 1990 قبل نحو ثلاثين عاماً.
لا يذهب الأطفال الى المدرسة إما لأنهم مجبرون على إعالة أهلهم، أو لأن لا مدارس تستوعبهم، مع ان التعليم الابتدائي كان الزاميا قبل خمسين عاما في العراق.
وأقفل خُمس مدارس البلاد بسبب الأوضاع الأمنية، أو لسوء الادارة التي من المؤكد انها لا تولي التعليم والثقافة الأهمية الضرورية، وتضعهما في آخر اهتماماتها ولا توفر لهما الموارد المطلوبة. يزيد المشكلة تعقيداً ان عدم الاهتمام المواكب لانهيار البلاد، والعنف المستمر، والبطالة وانعدام  فرص العمل والدخل، وقبلها موت الأهل وفقدان المعيل، تجبر المزيد من العائلات على دفع أطفالها الى سوق العمل منذ سن مبكرة جداً، وأعمارهم في كثير من الأحيان لا تتجاوز 7-8 سنوات، يعملون ساعات طويلة وفي أماكن خطرة، وبأجور زهيدة جداً.
وحسب الأمم المتحدة، أصبح في الشوارع أكثر من ثلاثة ملايين طفل ذكور وإناث، مهددون بالموت والاعتداءات الجنسية وحتى الاستعباد، وكل الأشكال الأخرى من العنف.
يخسر العراق جيلاً كاملاً من شعبه، وربما جيلا تالياً اذا استمر الحال فيه على ما هو عليه. هذا الوضع الميؤوس منه يستفيد منه الإرهابيون والميليشيات والجماعات المسلحة خارج الدولة، تغري الأطفال بوسائل وأساليب مختلفة للالتحاق بها، فيقعون بسهولة في أحضانها، أو يتحولون الى حرامية وقتلة ومجرمين وسفاحين.
حلّ الأزمات المستعصية، وبينها أزمة أطفال العراق، يحتاج رؤية مختلفة. هذه ليست متوفرة في قياداته السياسية والحزبية، ابتعدت عن المصلحة الوطنية، والقيادة بمنطق وعقلانية. حتى أغرقت البلاد في الخماسي القاتل: التبعية للخارج، والطائفية، والفساد، والإرهاب، والتقسيم.

السبت, 03 سبتمبر 2016

«زوج الست»!

ليست هيلاري كلينتون أول امرأة ارادت أن تصبح رئيسة للولايات المتحدة الأميركية، قبلها بمئة وخمسين عاما سعت لهذا المنصب فيكتوريا وولد هول لكنها انتهت في السجن. ناشطة من أجل حقوق المرأة أثارت المجتمع الأميركي انذاك عندما نبّهت خصوصا الى «خيانة الرجل»، ودعت الى «الحب الحر»، ففسره المجتمع الذكوري يومها بأنه دعوة للاباحة والفسق، بينما كان المعنى الحقيقي منح المرأة حق الطلاق، اذا كان الرجل فاسداً ويدمر العائلة. أطلقوا عليها «السيدة شيطان»، وصبيحة يوم الانتخاب اعتقلوها مع شقيقتها فلم تكن مرشحة رسميا لأن المرأة لم تكن كسبت هذا الحق بعد.بل ترشحت تحديا ثم هاجرت الى بريطانيا، حيث كانت أول امرأة تقود سيارة في شوارع لندن.

انتخابات نوفمبر المقبل الرئاسية لا تحمل فقط مؤشرا على تقدم البشرية حيث صار من حق المرأة أن تصبح رئيسة، وليست المفارقة فيها فقط ان المتنافسين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب لا يُصنّفان بين رجال او سيدات الدولة، تنقصهما الشعبية والكاريزما وسمات قيادية ضرورية لهذا المنصب الرفيع. طبعا إنها المفارقة الأخطر.  لكن هناك أيضا مفارقة طريفة، مزحة وليست مأساة كالتي تعرضت وولدهول لها.
مرّت 15 عاما على مغادرة بيل كلينتون المكتب البيضاوي، ذهب الى الظّل مكتفيا بالمحاضرات او «الحكواتي» الأغلى سعراً، لكن يمكن أن يعود الآن لا الى ذلك المكتب بل الى البيت الابيض اذا فازت هيلاري في السباق اليه. فماذا سيكون لقبه، واي دور سيقوم به؟
عندما سلّم الرئاسة عام 2001 لخلفه جورج دبليو بوش، ترك وراءه ثماني سنوات من الحكم تناوبت خلالها نجاحات اقتصادية، وقرارات متناقضة في السياسة الخارجية، وفضيحة جنسية مع مونيكا لونيسكي كادت ان تكلفه الرئاسة لكنه نجا منها. الآن هو في السابعة والستين من عمره ليس معروفا ماذا سيكون وضعه اذا فازت زوجته!
لا تتفق وسائل الإعلام الأميركية على تسمية لبيل اذا فازت هيلاري: «السيد الاول»، «الرجل الأول» «الشريك الأول».
هيلاري اختارت في الاجابة المزاح متسائلة: «الشاب الأول؟ الزوج الأول؟ السيد الأول؟ لست متأكدة».
بيل أيضا يمزح: «سأنتزع من النساء دور شريكة الرئيس. واقترح بدل الرجل الأول أن يسموني آدم»، قبل أن يعطي بعدا آخر للمسألة: «كلنا نعيش في وهم ان السيدة الأولى يجب أن تكون امرأة. هذا تقليد وروتين انا اريد ان اكسره».
لو عرفت هيلاري وبيل الثقافة العربية لتجنبا المعاناة. سيكون «زوج الست». وهما في كل الأحوال يظهران على الجمهور كثنائي منسجم تجاوز فضيحة الزوج مع لوينسكي. وعلى الارجح فإن هذه لا تؤثر على حملتها الانتخابية. ربما العكس. يمكن أن تستفيد منها لأن الناس تتعاطف مع الضحية وهيلاري كذلك. ضغطت على نفسها و«بلعت» الخيانة لتحفظ عائلتها.
وهي لن تتخلى عنه اذا فازت. فهو رجل دولة مجرّب، تتيح خبرته السياسية في أن يقوم بدور غير شكلي كالسيدات الأول. ليس وارداً أن تنصّبه وزيرا، لكن للرئيس الأميركي فريقا كبيرا من المستشارين. وعلى الارجح ان تختاره الرئيسة هيلاري واحدا من هؤلاء ليقوم بدور مهم، فتكلفه بانعاش الاقتصاد، استنادا الى المرحلة الذهبية التي عرفها الاقتصاد الأميركي اثناء حكمه, وقبل ان يتعرض لأزمة كبرى في زمن بوش الابن مستمرة حتى اليوم.
الانتخابات الأميركية ستقرر الصفة الجديدة للرئيس السابق.

الثلاثاء, 30 أغسطس 2016

أوروبا المريضة

يرتبط الحديث عن أوروبا في الآونة الأخيرة بالأحوال الصعبة التي يعيشها اتحادها.. هناك من يصفها بـ«الأزمة الكبرى»، بينما يتوقع آخرون للاتحاد مصيراً مشابهاً لما تعرضت له امبراطورية النمسا- المجر بعد الحرب العالمية الأولى، والاتحاد السوفياتي في تسعينات القرن العشرين الماضي، ثم يوغسلافيا بداية القرن الحالي، أي التفكك، وبالنسبة لهم أن انهيار الاتحاد الأوروبي مسألة حتمية، لكن السؤال هو متى؟
فأوروبا تواجه سلسلة أزمات اندلعت في وقت واحد: اللجوء وتدفق اللاجئين، «البركسيت» وخيار بريطانيا إعطاء ظهرها للاتحاد، النتائج الاقتصادية السيئة في منطقة اليورو باستثناء ألمانيا، إفلاس وديون وعجز وركود وهدر فلكي في جنوب القارة: اليونان والبرتغال واسبانيا ومعهم ايرلندا في الغرب، النار الملتهبة والمنذرة بالاشتعال شرقي القارة على الحدود الأوكرانية- الروسية، وما يرتبط بها من إجراءات عقابية ضد روسيا مقاطعة وحصاراً تجارياً وعسكرياً يزيدان حدة التوتر، اهتزاز الأمن وهجمات إرهابية في فرنسا وبلجيكا وألمانيا، التوتر مع تركيا، وأخيراً لا آخر تنامي العنصرية وانتشارها.
يضاف إلى هذا الجبل من الأزمات، سياسة انتهازية تميز حكومات بلدان وسط أوروبا الأربعة: بولندا، والتشيك، وسلوفاكيا والمجر، أي الـ V4، أو كما يسميهم البعض استهزاء، الرأسماليون الجدد، إذ تخلت عن أنظمتها الاشتراكية، ولم تتعلم بعد من الرأسمالية إلاّ أسوأ ما فيها، الفساد والطفيلية والتكسُب غير المشروع ونشر التوجهات الشوفينية في الحكم والشارع.
وإذا كان مو قفها العنصري تجاه اللاجئين معروفاً، فإنها لا تكف عن اختراع وسائل ابتزاز جديدة لسحب المزيد من الأموال من بروكسل، وآخرها فكرة إنشاء «جيش أوروبي موحد» المنطلقة الآن من براغ عاصمة التشيك بدعوى «ردع روسيا»!   
ليست الفكرة جديدة ولا أصيلة وهي تطل برأسها بين حين وآخر، لكن الابتزاز فيها هذه المرة واضح جداً، فهي لا تقلق روسيا بقدر ما تزعج أميركا المسيطرة على أوروبا عسكرياً عبر حلف الناتو، أما المتضرر الأكبر من إعادة فكرة ميتة إلى الحياة فهو الاتحاد الأوروبي نفسه، فلماذا يحتاج إلى إطار عسكري جديد، وجيوشه ضمن قوات الناتو؟ ثم كيف يؤسس جيشا لا تجمع الدول التي سيتكون منها نهج وأهداف سياسية واحدة؟!
وراء اثارة الفكرة القديمة: التغطية على الموقف العنصري اللا انساني للدول الأربعة في رفض استقبال اللاجئين.
يروّج دعاة الجيش الأوروبي له، بأن أوروبا أخطأت عندما وقعت في تسعينات القرن الماضي في وَهْم أن استخدام القوة في السياسة الدولية لم يعد ضرورياً، وأن الأهم هو الاقتصاد.
الخداع في هذا المنطق جلي جداً، فدول أوروبا تزيد سنوياً ميزانياتها العسكرية، أضف أن دولاً كثيرة منها، بينها التشيك بالذات، تورطت كحليف تابع، في حروب كثيرة خاضتها أميركا على العراق وأفغانستان قبل 13 عاماً، وعلى ليبيا قبل 7 سنوات، وبالتالي لا مبرر للجيش الموحد، سوى التكسب المالي وصرف الانظار عن قضايا فعلية.
الأزمات والخلافات العميقة تتفاعل داخل الاتحاد دون أن يتبلور موقف موحد ومشترك من الحلول الضرورية. وهي تزداد حدة لأن دول الاتحاد، عدا ألمانيا، تختار على رأسها قادة ضعفاء تشحب ألوانهم في ظل امرأة دولة قوية وحيدة الآن في أوروبا التي تعاني من غياب رجال الدولة الأقوياء، المستشارة الألمانية انجيلا ميركل.
ميركل التي يتكرس دورها قائدة للاتحاد الأوروبي، التقت الأسبوع الماضي في ماراثون طويل، 15 رئيس وزراء أوروبي لتحذر من «قرارات سياسية متسرعة»، عشية القمة الأوروبية الشهر المقبل في براتيسلاف عاصمة سلوفاكيا، بوادر التسرع تتأكد في سلسلة مواقف تجاه أزمات الاتحاد، وتشير الى ان أوروبا تسير الى انقسام واضح، حول دول مركز، أساسه المانيا وفرنسا ودول الشمال، ودول أطراف ملحقة تتعيش على الأولى. لذا، فإن القمة ستكون محطة مهمة: لمعالجة الأزمة الكبرى للاتحاد، أو مشكلة جديدة له؟!

السبت, 27 أغسطس 2016

القادة إذا فقدوا الثقة!

باريس من أحب المدن التي أعرفها أو شاهدتها. أزورها، عندما يُسعد الحال، في الخريف. أتجنّب زحمة صيفها، واستمتع بسحر لوحات أشجارها وألوانها في ذلك الفصل.

في السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة، صرت أشعر بأن شيئا ما يتسرّب من رونق عاصمة النور، ويزحف إلى أسلوب حياتها ما لا يتناسب مع بهائها وعظمتها. اضطراب، وقلق، ونزعات عنصرية تقوى، وخشونة تتسع.
زملاء فرنسيون أو يعيشون في فرنسا، يؤكدون أنها تتغير فعلا، وتصبح أكثر عبوسا وتوتراً. لكنهم لا يحصرون السبب في العمليات الارهابية الدامية التي تعرضت لها، وهزت أمنها المعرّض دائما لخطر مماثل، ولا الى اللاجئين، أو أزمة الاتحاد الأوروبي.
يضيفون الى ذلك سببا رئيسا اخر. لم تعانِ فرنسا في كل تاريخها الحديث من ندرة السياسيين اللامعين والقادة الاكفاء كما اليوم. ولم يحصل أن تبوأ رئاستها شخص ضعيف الشعبية والأداء كالرئيس الحالي فرنسوا هولاند «62 عاماً».
أظهر استبيان معهد «ايفوب» المرموق بعد هجوم نيس الارهابي في يوليو الماضي، إن 17 ٪ فقط من الفرنسيين قالوا إنهم راضون عن اداء رئيسهم. وعلّق جيروم فوركيه رئيس ايفوب ان هولاند «فقد اخر ذرة ثقة بصفته رأسا للدولة».
الوضع السيئ جدا لا يعني الاستسلام عشية الانتخابات الرئاسية المقررة في الربيع المقبل. اللافت أن هولاند لم يربط إعادة ترشحه من عدمها بالحرب على الارهاب أو أمن فرنسا واللاجئين، بل بوضعها الاقتصادي، وهذا شهد تحسنا. اذ هبط معدل البطالة بنسبة 0.3 ٪ إلى 9.6 ٪ فقط. وهذه ادنى نسبة منذ العام 2012، أي خلال فترة حكم هولاند كلها.
حسب المختصين فإن نسبة الـ 0.3 ٪، وإن طفيفة، تحسِّن وضع هولاند انما جزئيا فقط، لكنها لا تجعله المرشح المفضل. ويتكهن الخبراء أن يصوّت الناخبون في الرئاسيات الفرنسية المقبلة، كما في الانتخابات الرئاسية الاميركية قبلها في نوفمبر، بالاقتراع السلبي، حيث يحسم الناخب خياره في ضوء الاجابة على سؤال بسيط: مَن مِن المرشحين أقل ضررا وسوءا؟
ينطبق ذلك ليس على الرئيس الحالي وحده، بل على منافسيه الأبرز من اليمين، الرئيس السابق نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء الاسبق رئيس بلدية مدينة بوردو الحالي الان جوبيه، كما على زعيمة اليمين المتطرف ماريان لوبان.
بناء على هذا التوقع سأل معهد «إيفوب» الفرنسيين عمّن يرفضون أن يتولى رئاسة البلاد في أي حال من الاحوال. استحق هولاند نسبة الرفض الاكبر «73 ٪» وساركوزي «66 ٪» ولوبان «63 ٪».
قد يعيد الحزب الاشتراكي ترشيح هولاند، مع احتمال قائم أن ينتفض الحزب فيختار مرشحا آخر، يمكن أن يكون الشاب الطموح ايمانويل مكرون وزير الاقتصاد الذي لم يبلغ الاربعين بعد.
اما في معسكر اليمين، فيتنافس حتى الان عشرة مرشحين ابرزهم اضافة الى ساركوزي
«61 عاما»، السبعيني الان جوبيه لكنه مثل الاخرين لا يحظى من الناخبين سوى بدعم محدود جدا.
لوبان لاحظَّ لها تقريبا لكنه ليس صفرا، وربما ينتعش ويكبر ارتباطا بهجمات ارهابية جديدة ترافق المعمعة الانتخابية، فتنفخ في أشرعتها، خصوصا انها تعتمد على قاعدة متنامية بفعل اتساع المد الشعبوي في فرنسا كما في اوروبا كلها وأميركا.
«جورنال دو ديمونش» ترى ان الانتخابات في فرنسا تحسمها الطبقة الوسطى وضواحي المدن التي تتركز فيها تحديدا النسبة الاكبر من المهاجرين، وتعتبر مختبرا لجميع القضايا الاجتماعية التي تتفاعل في المجتمع الفرنسي, الذي يبدو، وللأسف الشديد، أنه يرزح تحت سيطرة اجواء خريف ربما يطول، وسيكون من الصعب ايجاد حلول لأزمات فرنسا بالأسماء المتداولة لرئاستها!

الثلاثاء, 23 أغسطس 2016

سياسة الاتجار بالخوف!

إذا كان صحيحا أن العالم يتغيرّ بسرعة، وهو صحيح، فإن هذه العملية تتخذ مساراً سلبياً، يجعل كوكبنا أقل يقينا. مناطق الحروب الأهلية والطائفية، تتسع في آسيا وافريقيا، وبؤر التوتر تزداد سخونة وخطورة حتى في أوروبا، كما في النزاع الروسي - الأوكراني، ومثله في منطقة البلطيق.
شواهد عديدة على أن كوكبنا يتجه للوقوف مقلوبا على رأسه:
لم تستكمل أزمة 2008 الاقتصادية العالمية الكبرى دورتها، ولم تُعالج انعكاساتها السلبية الكثيرة بعد، وها هي أزمة اقتصادية عالمية جديدة تطل برأسها!
الولايات المتحدة الأميركية، القوة العظمى الوحيدة، أقوى جيش بإمكانيات عسكرية خيالية وأكبر اقتصاد، لم تعد كما كانت عليه. يتفلّت مقود القيادة العالمية من يديها، وليس مستبعدا أن يهتز أكثر بعد نوفمبر المقبل. فالناخبون الأميركيون سيختارون رأس دولتهم  الشخص الأقل ضرراً من بين مرشحين: دونالد ترامب وهيلاري كلينتون. وكلاهما ضعيف الامكانيات والشعبية والمواصفات القيادية، مع ذلك، فإن احدهما سيجلس على كرسي أقوى رجل في العالم.
أوروبا «يتبهدل» معظمها برؤساء دون مستوى بلدانهم، بعد أن أصيبت بمرض ندرة القادة والزعماء، ها هي القارة العجوز تهتز بعدة أزمات من اللاجئين الى انسحاب بريطانيا من اتحادها.
شرقنا الأوسط بمكوناته الأساسية الفاعلة الأربعة: العرب، تركيا، ايران، اسرائيل، في مهب الريح، لكل مكوّن علته أو علله، وليس في الأفق ما يشير إلى أن الارهاب الأسود من داعش واخواته سيكون آخرها!
في هذه اللوحة التشاؤمية، تتميز روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين. فلعله الوحيد الذي يراكم نقاطا على عدة جبهات: أوروبا، إيران، سوريا، وأخيراً تركيا، ليس لأن ظروف بلاده هي الأفضل، بل العكس، فهي تواجه تحديات أصعب من الآخرين، خاصة اقتصاديا، وعسكريا أيضاً، إذ يحاول حلف الناتو تكوين كماشة تحاصرها من دول معادية لها وقد قطع شوطا في ذلك.
لكن الضابط السابق في أقوى جهاز مخابرات عالمي ووريث امبراطورية عظمى تحطمت مرتين، قيصرية وشيوعية، لكنها لم تفقد حلمها، المنبعث بقوة مع بوتين الذي يستفيد من أخطاء الآخرين فأعاد روسيا لاعبا ثانيا في السياسة الدولية، كما كان الاتحاد السوفياتي.
على هذه الخلفية يتصاعد التوتر بين روسيا واوكرانيا. لا تظهر كييف كثيرا من العقل الاستراتيجي. حشدت على حدود القرم اكثر انواع اسلحتها تطورا واعلنت تأهبا أقصى بين قواتها، لكن الخبراء يتوقعون هزيمة عسكرية جديدة لها في حال الحرب. ويعتبرون استعادة القرم مجرد وهم، وأن تهورها قد يدفع بوتين للسيطرة على شرق أوكرانيا حيث الموالاة لموسكو هي الشعور السائد بين السكان.
حسب المعلق بيتر أوبس في «رويترز»، فإن بوتين قد يفكر بتصعيد النزاع مع كييف أو لا يفكر، لكنه يريد في جميع الأحوال اثبات أن في استطاعته أن يفعل إذا أراد، ما يعني أن استقلال اوكرانيا موجود بقدر ما تسمح به موسكو. وهكذا فإن الضابط المحنك يطبّق مبدأ قيصريا قديما ان الخطأ بحق روسيا لا يغتفر، وقواعد مدرسة «كي. جي. بي» وأهمها البحث عن عدو خارجي، وحتى افتعاله إذا لم يكن موجودا.
هذه حقيقة لا تستوعبها كييف، فتذّكر بأن التاريخ مليء بالأمثلة على أن القادة يرتكبون أخطاء استراتيجية. وهو ما يفعله الرئيس الاوكراني بترو بوروشينكو الذي «يشد الظهر» بالناتو ولا يدرك حقيقتين: الأولى، أن موسكو لن ترضى في أي حال أن تكون مطوّقة ببلدان معادية،والثانية، وهي الأهم، أن العالم تزدهر فيه سياسة الاتجار بالخوف، ولموسكو فيها سهم، وليس من المستبعد تالياً، أن يعاد تقسيمه مجددا بين القوى العظمى. ذلك احتمال يقوى.

هناك شبحُ وباءٍ داهم جديد يحوم فوق العرب وإيران وتركيا. الارتفاع الاستثنائي في الحرارة خطر شديد، إضافي، على الناس والطبيعة والاقتصاد والحياة في عدة بلدان ومناطق من الشرق الأوسط. والأخطر قصور الحكومات العاجزة عن إدراك ما نحن فيه، وعجزها الفاضح عن مواجهته، فيما هي تتواجه، مباشرة أو بالواسطة، بوحشية وغرائز منفلتة، في ساحات الموت والخراب!
حرارة الصيف الحالي في المنطقة تجاوزت جميع الأرقام القياسية المسجلة، وتلحق بمعظم بلدان المنطقة، خصوصاً العراق المنكوب بألف بلاء وبلاء، خسائر بشرية: زيادة في الوفيات والأمراض، وبجميعها،خسائر اقتصادية فادحة: تراجعاً في الإنتاج الزراعي والحيواني، وتدنياً في انتاجية العاملين.
الحاصل الآن، وحسب خبراء المناخ، مجرد نذير بمستقبل صعب، واذا ما صدقت توقعاتهم، فإن الارتفاع المتزايد في حرارة المنطقة، وما يرافقه من شح المياه، ونقص الطاقة، وجفاف، وتصحّر، قد تتسبب كلها بأزمة نزوح وهجرة أوسع من الحالية بفعل الحروب الأهلية، وربما تفجّر «حروب مياه» تصبح احتمالاً وارداً أكثر فأكثر.
الأسوأ من كل ذلك، أن دول المنطقة وحكوماتها ليست في مستوى هذه التحديات المناخية، وغير مستعدة لمواجهتها، ومقصّرة في بلورة إجراءات عملية تضعها موضع التنفيذ للمعالجة كما تقول صحيفة «الواشنطن بوست».
ليست الحرارة الزائدة عن معدلاتها في المنطقة خلال السنوات الأخيرة ظاهرة جديدة. من أسبابها الحروب المتعددة والمتواصلة التي تشهدها، وأنواع الأسلحة المختلفة المستخدمة فيها، من النووي الى الكيماوي واليورانيوم كما في الغزو الأميركي للعراق 2003، والعدوان الاسرائيلي على لبنان 2006،والحرب في سوريا منذ 5 سنوات، وفي اليمن، لكن طقس العام الحالي أتى أكثر قساوة وخطورة.
قفز مؤشر الحرارة والرطوبة في بعض مناطق الإمارات ومدينة جدة والمغرب وإسرائيل الى مستويات لاتكاد تصدق. وإذا ما أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية رقم الـ54 درجة المسجل أخيراً في مطربة الكويتية، فسيكون ارتفاعاً غير مسبوق في النصف الشرقي من الكرة الأرضية كله.
ما يحصل مناخياً في الشرق الأوسط ليس مفاجأة للخبراء ومنظمات الأمم المتحدة المعنية. فهؤلاء يكررون التحذير منذ سنوات من أن موجات الحر في ضفتي الخليج العربي والمنطقة عموما، ترتفع الى مستويات تهدد الحياة: موتاً، وأمراضاً، وهجرة، ونزوحاً، وتعطيلاً للإنتاج، وتهديداً للموارد، لكن لا حكومات تسمع ولا سلطات تتحرك، ويستمر الوباء القاتل في التقدم دونما مقاومة تذكر!
سكان المنطقة وعددهم الآن يقارب الـ600 مليون نسمة، لا يدفعون فقط ضرائب الاحتباس الحراري وحده، هم يدفعون قبل ذلك أثماناً باهظة لانعدام الرؤى المستقبلية، وغياب الإرادة التنموية لدى معظم الحكومات. فالتصورات غائبة، والحلول العلمية ضعيفة أو غير ذي جدوى لاستيعاب معضلات النمو السكاني السريع، والتغيرات المناخية، ونقص الموارد.بدلا من ذلك يسود الكسل والتقصير في إعطاء المشاكل من هذا النوع، الاهتمام المعقول، ولا نقول الشامل.
إيران تنغمس في نهج مدمر ذي اتجاهين، داخلي لعسكرة مجتمعها، وخارجي يكرس الانجراف وراء «تصدير الثورة»، وأوهام الهيمنة والتمدد وتوسيع النفوذ في المحيط العربي، وهو ما لن يسلّم العرب لها به. تركيا تتراجع استقراراً وتنمية، بفعل نزعات سلطوية وحكم فردي. حكومات عربية كثيرة تحرق بلدانها وشعوبها بحروب أهلية وصراعات وتصدعّات طائفية.
في هذه الصورة المأساوية، تتعمق الكراهية، وتزداد القبور وتتراجع التنمية وينعدم الازدهار، وتحترق الموارد بنار الحروب العبثية، ما يعرض شعوب المنطقة لمزيد من الكوارث والهجرة، أو العودة لعصور التشرد بحثاً عن الماء والكلأ!

الخميس, 18 أغسطس 2016

طربوش الوطنية!

ليس اليوم موعد «كلمات»، لكن استفزني قرار السلطات التركية الإفراج عن 38 ألف سجين بأحكام إجرائية مختلفة ولمدد متباينة، حتى توفّر أمكنة للمعتقلين والموقوفين بتهمة الانقلاب العسكري الشهر الماضي!
قبلها بيومين هدّد الرئيس رجب أردوغان المصارف التركية التي خفضت مستوى إقراض بعض المؤسسات والمستثمرين واتهمها بـ«انعدام الوطنية» و«إشاعة الفوضى». هذه المصارف تخشى على مصالح المودعين، وهم مئات الآلاف، وربما ملايين المواطنين الأتراك، تأخذ بالاعتبار الأوضاع الاقتصادية غير المستقرة في البلاد، والتي تزيدها الاجراءات القمعية لأردوغان نفسه، اهتزازاً  وفوضى. فلماذا هذا الموقف الأردوغاني العنيف وغير المنطقي منها؟!
ولأن أي ديكتاتور يتوهم نفسه مثال الوطنية ومقياس الحرص على الشعب، لم يتردد أردوغان عن اتهام  تلك المصارف بـ«الخيانة»، ممعناً في التحريض عليها بدعوى انه «ليس من حقنا أن نأسف لأولئك الذين لا يشعرون مع بلدهم وشعبهم» حسب تعبيره!
تبيّن خلال ساعات فقط، أن من تقصدهم المصارف هم مستثمرون أو أشخاص لهم مصالح قريبة من السلطة والرئيس، وأن قرارها بشأنهم يعود إلى ضعف ملاءتهم المالية وعدم كفاية الضمانات المقدمة مقابل القروض، وليس وفق تصنيفهم السياسي! لكن أردوغان يصرُّ على أن يجعل من الوطنية أو الخيانة «طربوشاً» يُلبسه هو شخصياً لمن يشاء وفق الأهواء والمصالح، مع أن تركيا العلمانية ألغت ارتداء الطرابيش منذ تسعين سنة!
رأس الحكم التركي يدفع بلاده إلى هوة عميقة، ويجعل تركيا مجهولة المصير، تخيّم فوقها وتنخر فيها صراعات ونزاعات لا يستبعد كثيرون أن تصل إلى الحرب الأهلية والشواهد كثيرة.
الضربة الجديدة القوية التي تلقاها الثلاثاء عندما فجرت وزارة الداخلية الألمانية، المعروفة بالتكتم الشديد فضيحة مدوية، فقد أكدت الوزارة، وفي تقرير مكتوب، أن الحكومة التركية تعمل بنشاط، وبدعم من أردوغان نفسه، مع المنظمات الإسلامية والإرهابية. وان هذا التعاون يجري بتخطيط مسبق وقد تعزز منذ العام 2011، حتى أصبحت تركيا منصّة مركزية لتلك التنظيمات!
ثم اتهام المصارف بالخيانة بعد قرارها الذي يعكس بجلاء عدم الاستقرار في تركيا.
تلاه فورا قرار إفراغ السجون من المجرمين المحكومين، وهؤلاء مجرمون بحق المجتمع، لفتحها أمام المتهمين حقاً أو بطلاناً بمساندة الانقلاب.. أي معارضي أردوغان وحكمه!
بكلام آخر، فإن أردوغان يقدم مصالح سلطته، على مصالح المجتمع. يحمي نفسه وحكمه، ويشرّع المجتمع أمام القتلة والسراق ومنتهكي القانون.
كم يذكّر هذا القرار، بذاك الذي اتخذه صدام حسين عندما فتح أبواب السجون أواخر 2002 ليخرج المجرمون والقتلة والموقوفون، باستثناء المعتقلين السياسيين، بدعوى مواجهة الغزو الأميركي المتوقع.
عاث أولئك المجرمون في المجتمع العراقي فساداً، وفشل القرار في حماية صدام، وأنزل التاريخ به قضاءه الحتمي. فلماذا يكون قرار أردوغان استثناءً؟!

الثلاثاء, 16 أغسطس 2016

حالنا بعد نوفمبر!

دونالد ترامب المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية صداع للعالم، لكن هيلاري كلينتون منافسته الديمقراطية ليست علاجاً ولا حتى مُسكِّناً، ما يجعل الانتخابات الرئاسية الأميركية الحالية الأكثر غرابة ورتابة.. وربما خطورة في تاريخها كله.
عندما فاز باراك أوباما، رأى سياسيون ومحللون أن الإمبراطورية الأميركية بدأت مرحلة الهبوط لأن أسودَ أصبح أقوى رجل في العالم. لم يعجبني الرأي يومها لعنصريته، ثم أكدت السنوات الثماني اللاحقة خطأه. فالرئيس الذي ورث حكم امبراطورية مع أزمة اقتصادية - مجتمعية عميقة، نجح في معالجة الكثير من خطايا سلفه جورج بوش الابن وسياساته الكارثية.
ما لم يكن صحيحا قبل ثماني سنوات هو أقرب الى الصحيح اليوم. عالمنا يزداد عجزُه عن أن يوصل إلى القمة سياسيين قادة ذوي وزن وكاريزما ورؤى. أعرق بلدان أوروبا اختارت للحُكم مَن لا يرتقون إلى حجم بلدانهم. هذا ما تعيشه أيضاً أميركا التي سيكون رئيسها المقبل أحد اثنين: كلينتون أو ترامب، سيئ أو أسوأ!
الأولى قادمة من عالم السياسة،مع ذلك ليس لديها ما تعرضه على الناخبين، لا برنامج ولا رؤية أو قدرة على تسويقهما، وبدون هذا يكون وضع المرشح للمنصب الرفيع صعبا.
أما في شخصيتها، فعجزٌ لافت عن إيقاد شعلة الحماس في الناخبين، باردة، قليلة الابهار، غير مبدعة في أفكارها، مبالِغة في استعراضها، آلة سياسية دون مشاعر، محصورة في خانة الرهان على الناخبين الذين يعتبرونها أهون الشرين.
على العكس منها، لا يمكن أن يؤخذ على منافسها ترامب الذي لم يمارس أي منصب سياسي من قبل برودة في كلامه وسلوكه وأفكاره، بل هو، عن حق، بطل الكذب والأحكام المسبقة والإساءة، مغرور  متضخم «الأنا» بملياراته، «ملك» الإثارة والجدل تأييدا أو ادانة، من زيجاته المتعددة ونوعية زوجاته وتسريحة شعره، حتى مواقفه السياسية داخليا ودوليا.
ثرثار، ديماغوجي، لا يحترم الآخر ولا الوقائع، يفجر المفاجأة تلو الأخرى، رغم أنه يراكم أيضاً الأخطاء الكثيرة كأي رجل مال وأعمال يأتي إلى السياسة.
يعرف ترامب متى يصعّد ويهاجم، ومتى يتراجع ويهادن. وما يعتبره البعض تخبطاً، يتكشف عن خطةٍ محكمة محورها دغدغة المشاعر، واستهداف الناخب الذي لم يحسم خياره بعد.
حتى تصريحاته الموسومة بالعنصرية والاستفزاز والتهوّر، تثير وسائل الإعلام الأميركية والناس خارج أميركا، لكنها تبقي انصاره وناخبيه هادئين، وربما متقبلين ومرحبين.
أليس مفاجأة، مثلا، أن يخطف ترامب، الجمهوري الملياردير المحافظ، برنامج الديمقراطيين ويعلن نفسه، عدا أشياء كثيرة أخرى، «صوت الأميركيين المنسيين»، ويدافع عن «الطبقة الوسطى»، ويتعهد بـ «انصاف سكان الأحياء الفقيرة»، ويوجه ضربة موجعة للرأسمال الكبير إذ سيعمل إذا فاز على تفتيت البنوك وعدم السماح لها بالخلط بين الاستثمار والمتاجرة، وبين الايداعات والمدخرات؟!
هذه الشعارات التي لم يتجرأ مرشح جمهوري سابق على الاقتراب منها، جعلت ترامب يجسّد التغيير بالنسبة لشرائح واسعة من الأميركيين، وهذا ما يريدونه، فيما تكتفي كلينتون، وبعبارات بلا لون أو طعم، بالتحذير من ترامب، فينظر الناخبون إليها على أنها مجرد استكمال لولاية أوباما، يندر من وصفها بأنها مثالية تؤمن بعالم أفضل.
صحيح أن الفصل الأهم من الانتخابات مازال أمامنا، وسيجري في نوفمبر المقبل، لكن حقيقة اساسية أصبحت واضحة: لم يتواجه فيها من قبل مرشحان على هذا القدر من الضعف وتدني القدرة القيادية والشعبية، سيربح فيها المكروه أقل بينهما. لكن كلاهما، بمواصفاته، سيكون شديد الخطورة، إذ تحت إصبعه 4700 رأس نووي!
ذلك بحد ذاته معطى سلبي جداً عن حال المجتمع والسياسة في أقوى دولة في العالم، ومؤشر عما سيكون عليه حال السياستين الخارجية الأميركية والدولية بعد نوفمبر!


 

بين روسيا وتركيا أوجه شبه عديدة، وكذلك بين رئيسيهما بوتين وأردوغان، فضلا عن المصالح المتشابكة الكثيرة. واذا انضمت إيران إلى التعاون الذي أرسته قمتهما الثلاثاء الماضي، فإن «الامبراطوريات» الثلاث تستطيع تغيير الوضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط.
كلا البلدين وريث امبراطورية كبرى، لعبت في الماضي دورا مهما في سياسة العالم، لكنها عانت من أزمات بنيوية فعاكست التطور، وتخلفت ثم سقطت. يتزعم كل منهما حالياً شخصية كاريزمية ذات ميول سلطوية وجنوح نحو حكم الفرد، وإن تمايزا في الاسلوب.
بوتين القادم من «كي. جي. بي» أعتى أجهزة مخابرات العالم وأقواها، الطامح لإعادة روسيا إلى مكانتها القيصرية، يضفي على سياساته نعومة لعبة الشطرنج الروسية، فيما أرودغان الصاعد من الشارع إلى القمة، مندفع لإحياء امبراطورية ستبقى رميماً، وخلافة نادر من يريدها أو يؤمن بجدواها، يمارس سياساته برعونة الشارع وصلافته.
ولأن المصالح أقوى، نجحت قمة بطرسبورغ، بعد تراجع أردوغان، في تهيئة «طاولة نظيفة» لإعادة علاقة البلدين التي تأزّمت اثر إسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر 2015 الماضي.
هذا النجاح الكبير في المجالات الاقتصادية الاربعة: السياحة، الغاز، الانشاءات، التجارة، يطرح  سؤالاً ضرورياً اجابته مهمة جدا للبلدين وللشرق الأوسط كله: هل يشمل الدفء العائد بين موسكو وأنقرة السياسة أيضاً؟ وهل يرتفع إلى مستوى أعلى مما كان عليه قبل الأزمة؟ ويؤدي إلى خطوات يمكن أن تغيّر تموضع القطع على رقعة الشطرنج الجيوسياسي؟
السؤال ملح، وينبغي ألا تحجبه حقيقة أن مصالح البلدين اللذين تواجها عسكرياً 13 مرة، ثم تصالحا، لا تنسجمان كثيرا، على الساحة الدولية، بل تتنافران في مواقع عدة. فتركيا، ورغم التوتر المتصاعد مع أميركا وأوروبا، لا تزال عضوا مهما في الناتو، وتبقى، وإن ضعف جيشها بعد ضربة أردوغان بتطهيره، قوة عسكرية اقليمية عظمى على حدود روسيا في عهدتها 99 قنبلة نووية للناتو.. وهذا ما لا يريح موسكو.
ربما يكون أردوغان قد وقع في فخ بوتين، لكنه أقرب إلى الوهم ان يصبح «حصان طروادة» روسي في الحلف، وليس بالضرورة أن تتحول التهديدات والتحذيرات التركية المتصاعدة لأميركا وأوروبا إلى أعمال ملموسة، فالرئيس التركي براغماتي جداً يمكن أن يهدد، وليس بالضرورة أن يفعل.
أضف حساسية موسكو من النشاط التركي في القوقاز وجمهوريات «ستان» في اسيا الوسطى التي كانت جزءا من الاتحاد السوفياتي، ومازالت روسيا تعتبرها حديقتها الخلفية.
في المقابل تتوجّس أنقرة من الدعم الروسي للأكراد في تركيا وسوريا.
لكن التناقض الجوهري، يبقى في موقف البلدين من الصراع في سوريا وعليها.
واللافت، أنه بينما وضعت معظم القضايا الثنائية، فوق طاولة القمة فأن تلك التي تخص المنطقة بقيت طي الكتمان، باستثناء إشارة عابرة من الرئيس الروسي نصها: من الممكن أن نتفق حتى على حل للأزمة السورية.
عشية القمة مع اردوغان الثلاثاء، التقى بوتين الاثنين في باكو الرئيس الايراني حسن روحاني. السبب المرجح ان اللقاء رُتّب للاتفاق على امكانية تقديم عرض مغرٍ ما لأنقرة بشأن سوريا
حتى الآن، ليست ماهية العرض واضحة، ولا التسوية التي عرضت على أردوغان.لكن ورثة الامبراطوريات الفارسية والعثمانية والروسية، اذا صنعوا قواسم مشتركة تجاه المسألة السورية، فيمكنهم أن يغيروا الوضع الجيوسياسي في المنطقة، تلعب لمصلحتهم الفوضى السائدة في العالم: رئيس جديد ضعيف في البيت الأبيض، تزعزع أوروبا بانسحاب بريطانيا، الإرهاب المتفشي في منطقتنا وكوكبنا، أزمة الهجرة واللجوء، الحروب الأهلية والنزاعات المتفجرة في الشرق الأوسط.

الصفحة 6 من 12