جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

الثلاثاء, 29 نوفمبر 2016

شعوذة الإعلام!

يعرف المعلقون الأذكياء أن التنبؤ غير ممكن في الإعلام، لكن بعض الزملاء في أيامنا
لا يستطيعون تجنب هذا المرض، وينقلونه إلى «الميديا» علّ وعسى يصيب منهم توقع فينقلهم إلى خانة المشاهير، كما يفعل العرافون، لا يهمهم التلاعب بالعقول، أو حتى تحقير أدوارهم.
هذه الممارسة الغريبة عن دور الإعلام في نشر الحقائق والتعليق على الوقائع والمواقف، أصبحت تعاني منها كثرة من صحف العالم، وانتقلت على نحو مشوّه إلى الصحافة العربية، خصوصاً اللبنانية، في محاولة لمعالجة أزمتها واسترجاع ما يمكن من القراء. وبلغت حداً لافتاً مع فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية، والعماد ميشال عون باللبنانية. في العالم يتعاملون مع التنبؤ كأحد أبواب التسلية والامتاع، لكن بعض الصحافة اللبنانية ربطته بمواقف سياسية مؤذية للبنان، مسّت سيادته،وللرئيس الجديد، لأنها تشكك باستقلاليته.
بعد فوز ترامب، انتشرت معلومة أن المسلسل الكرتوني الأميركي «سيمبسون» تنبأ بفوز ترامب قبل 16 عاماً، وتحديداً في حلقة بثت العام 2000، عممتها مواقع التواصل الاجتماعي، وعمدت مطبوعات مرموقة إلى اعتمادها غلافاً.
اعتبر البعض الأمر حقيقة. وربطه آخرون بتخطيط مسبق للأحداث العالمية، تصنعه حفنة خفية مخابراتية أو ماسونية أو مجمعات صناعة الأسلحة والمال. قليلون انتبهوا أن شخصية سيمبسون الذي جسّد ترامب نُشرت في السابع من يوليو العام الماضي وليس قبل 16 عاماً، وكان ترامب قد ترشح للرئاسة منذ 15 يونيو، أي قبل بث الحلقة بثلاثة أسابيع، وبالتأكيد لن يكون صعباً على منتجي المسلسل المحترفين تقليد حركات ترامب وسط حشده الانتخابي الذي التقط صوراً بهواتف آيفون الذكية، وهذه لم تصنعها شركة أبل سوى في العام 2006.
«الاندبندنت» اليومية و«ديلي اكسبرس» الأسبوعية البريطانيتان، ذهبتا أبعد من ذلك، واعتبرتا فوز ترامب تحقيقاً لنبوءة توقعها المنجم الفرنسي نوستراداموس في القرن السادس عشر، أي قبل مئات السنين، ودليلاً على اقتراب نهاية العالم. وذهبت «النهار» اللبنانية في المنحى نفسه وترجمت عنهما.
وسائل الإعلام أدوات تنوير أساساً،والامتاع أحد أدوارها الجانبية.حال العرب البائس جعل قارئي الطالع والمنجمين نجوما، رغم الخيبات والمطبات الكثيرة التي يقعون فيها. كما حصل مع العرافة اللبنانية السيدة ليلى عبداللطيف التي تقول أن كثيرين من المسؤولين العرب وشخصيات سياسية واقتصادية واجتماعية يلجأون إليها لمعرفة مستقبلهم، توقعت فوز سليمان فرنجية أو جان عبيد في لبنان، وهيلاري كلينتون في أميركا، فأخفقت هنا وهناك.
ربما مثل هذه البرامج تسطح تفكير المتلقي، وتبعده عن قضايا جوهرية. لكنها في النهاية تسليه.
المشكلة في التبصير السياسي الذي يسعى غالبا لتمرير مواقف مسبقة منحازة لفكرة معينة، بغض النظر عن عدم صدقيتها وعمّا تحمله من إساءة وضرر. أبشع نماذجه محاولات التنجيم في الصحافة اللبنانية المستمرة منذ انتخاب عون رئيساً. ومحورها التساؤلات شبه اليومية «عمّن التزم للسعودية بسرقة عون من المحور؟» والمقصود المحور الإيراني
- السوري- حزب الله، ليتواصل التنجيم بأن الأخير «مطمئن لأن الرياض لن تنجح باجتذاب عون!»، ناهيك عن أن فوزه هو انتصار «لخطنا» و«محورنا»! مقصود بنون الجماعة هنا الثلاثي الوارد أعلاه.
يتجاوز هذا النوع من التنجيم حدود الإمتاع والتسلية، فهو إساءة خالصة للبنان السيد المستقل ولرئيسه، حينما يضعه بخفة في هذا المحور أو ذاك بدلاً من أن يكون رئيسا لشعب مرفوع الرأس بعزته الوطنية.
يفسد الإعلام عندما يكون تابعاً وعندما يستسهل الإعلامي الشعوذة والسحر بدل الحقيقة.

السبت, 26 نوفمبر 2016

دولة كسيحة أخرى!

سوريا، البلد، الشعب، الناس، جرح غائر وألم. أهلها الطيبون أهلي وأحبتي، فرحت عندما هتفوا بالحرية والكرامة. فهم شعب كريم مقدام يستحقهما.

أثناء الغزو الإسرائيلي لبلدي لبنان صيف 1982 واحتلال بيروت، تلقى العاملون في جريدة «النداء» وأنا منهم، تعليمات بإخراج زوجاتهم وأطفالهم من العاصمة، وبقاء الرجال لضمان استمرار الصدور دون أعباء وهموم عائلية. ولأن زوجتي كانت حاملاً في الأشهر المتقدمة لم يسمح الطبيب بسفرها الى تشيكوسلوفاكيا حيث درسنا، ولأن مدينتي صور الجنوبية أصبحت محتلة، رفضت هي الذهاب الى أهلي هناك كي لا تشاهد الجنود الإسرائيليين. بقيت دمشق، وإليها ذهبت سميرة مع أسيل التي كانت في الثانية من عمرها.
عندما أزف الوقت، تلقيت برقية للحضور فوراً ونقلنا سميرة الى مستشفى لم أعد أذكر اسمه. استمرت الولادة نحو ست ساعات حتى أبصر طارق النور. خرج الطبيب منهكاً وطمني باسماً: «مبروك ولد، الأم سليمة والطفل خرج بصعوبة لأنه كان طويلاً».
عندما حان وقت الخروج والعودة الى منزل العائلة التي استضافتنا، تقدمت الى الصندوق للمحاسبة ردت الموظفة: «لا شيء»، فوجئت وطلبت الطبيب لأعرف ماذا يجري.. كرر: أبداً لا شيء. الحمد لله على سلامتهما. هذا أقل ما يمكن أن نقدمه لإخوة لبنانيين في محنتهم.
لم نكن قد التقينا أبدا ولا نعرف بعضنا. لم يسألني عن ديني أو مذهبي. ولم اسأله طبعاً سوى عن اسمه. عرفت لاحقاً انه خريج فرنسا، مسيحي من بلدة معلولا، البلدة الوحيدة في الشرق التي ما زالت تتحدث لغة السيد المسيح. نهبها إرهابيو المنظمات الإسلامية. حلم الكرامة والحرية التي شارك كثيرون السوريين فيه عندما هتفوا به، صار أبشع مآسي العرب عندما حُوِّلت الحركة السلمية أو تحولت الى حرب أهلية مسلحة. نتائجها مرعبة، وضعت مصير سوريا. كياناً ودولة وشعباً على محك أن تبقى أو لا تبقى.
لم تكن سوريا يوماً بلداً منقسماً دينيا أو مذهبياً. وهي البلد العربي الوحيد الذي حكم فيها رئيس وزراء مسيحي، وآخر كردي. في هذه اللحظة يعاني السوريون جميعاً من نار الحرب الأهلية ونتائجها المرعبة.
نصف مليون قتيل، 200 ألف مفقود لا يعرف عنهم شيء. 300 ألف معتقل في سجون الحكومة أو داعش وبقية التنظيمات الإرهابية. 12 مليونا هُجّروا من منازلهم تعيش أغلبيتهم في مخيمات البلدان المجاورة في ظروف غير إنسانية، وجزء منهم ركب أمواج الرعب والموت مهاجراً الى أوروبا وأميركا واستراليا. مليون طفل لم يذهبوا الى المدارس طوال خمس سنوات فصاروا أميين، عدد المسيحيين تراجع من مليونين الى 100 ألف نسمة في أسوأ الأحوال، ونصف مليون في أحسنها، نصف الشعب السوري تصنفه الأمم المتحدة ضحايا. عرباً، أكراداً، أرمن، مسلمين، مسيحيين، سنة، علويين، شيعة.
في سوريا مأساة إنسانية، لا مأساة دينية أو طائفية. تقسيم الناس الى قوميات ومذاهب، كرّسته المنظمات الإرهابية. وهذا نتاج أجندة سياسية في دهاليز حكومات ومخابرات الغرب وإسرائيل لأهداف سياسية محددة. انضمت اليها تركيا، وبلع بعض العرب الطعم.
الحروب الأهلية في لبنان والجزائر واليمن أرهقت جيوش بلدانها، الغزو الأميركي للعراق أزال جيشه من الوجود. عدوان الاطلسي والحرب القبلية دمرا الجيش الليبي، ففقدت أحد أهم مقومات وركائز وجود الدول وهو المصير الذي يراد للجيش السوري الآن.. وسيدفع العرب جميعاً الثمن.

صورة أطفال اليمن خائري القوى وقد حوّلهم الجوع إلى أشباح من جلد وعظم،يذكّرون بأطفال مجاعات أفريقيا، وبأيام العرب الكارثية، ومأساتهم الوجودية، صناعة أياديهم التي يعيشونها الآن وتكبر مع الأيام.
مشاهد تضغط بقوة على إنسانيتنا، وتقرع بعنف ضمائرنا وعقولنا.. تذكّرنا بعدمية الحروب الأهلية والطائفية العربية- العربية التي نحترق بنارها، وتأتي على أخضر العرب ويابسهم!
اليمن أحد بلاد العرب العزيزة التي ينتشر فيها الموت والخراب بسبب الحرب المستعرة بين اليمنيين أنفسهم، ثم بين جزء منهم يدعمه رئيس سابق متمرد وأحد أسباب المأساة، وبين التحالف العسكري العربي بقيادة المملكة العربية السعودية لأكثر من عام.
حتى الآن عشرة آلاف قتيل، ثلاثة ملايين نازح، ملايين اليمنيين يعانون نقص الغذاء والحاجيات الضرورية الأساسية، طعاماً وطبابة وتعليماً، مناطق مدمّرة بكاملها. تنظيم القاعدة الإرهابي وجد أرضاً خصبة لتثبيت جذوره وتوسيع عملياته ضد الجميع، فكلهم أعداؤه.
حسب الأمم المتحدة، فإن نصف الـ 28 مليون يمني يعاني شح الطعام وندرته، الأطفال أكثر المتضررين. 370 ألفاً منهم في حالة خطرة نتيجة سوء التغذية، ونحو 1.5 مليون طفل آخر يتضورون جوعاً.
لعل الهدنة ووقف الأعمال الحربية التي أعلنها التحالف السبت لمدة يومين، تكون ضوءاً في نهاية النفق المظلم، وبداية تجدد الأمل الذي بعثته محادثات الطرفين المتقاتلين التي استضافتها الكويت في يوليو الماضي في انتهاء الحرب العدمية.
كل الحروب بين العرب ضد المنطق السليم. المهزوم فيها خاسر، والمنتصر خاسر، فهذه أمة واحدة تعددت طوائفها ومذاهبها وأعراقها.
التنوع والتعدد كانا دائماً أهم أسباب ازدهار الأمة العربية كلها، وكل بلد عربي على حدة. بينما محاولات إلغاء الآخر أهم عوامل انحطاطها وتخلفها، تتصارع مع بعضها وتدمِّر، بدل أن تتعاون وتتكامل لتعمر.
الحرب اللبنانية المستمرة منذ 1974 بوسائل عسكرية مرة وسياسية مرات، الغزو الأميركي للعراق 2003، كوارث ما سمي الربيع العربي، عوامل أدت إلى انهيار النظام العربي، ولما يولد نظام جديد بديل بعد. مصر عمود العرب وركيزتهم الأولى تعاني، العراق وسوريا في شبه انهيار.
انتعشت احتمالية إعادة تقسيم العرب إلى مناطق نفوذ أميركي- روسي، وفي هذا الحيز تزدهر أيضاً أطماع القوى الإقليمية إسرائيل وتركيا وإيران لتكريس حصص ومواقع هيمنة لها.
دول مجلس التعاون الخليجي المنظومة العربية الوحيدة المتماسكة. حتمية التطور دفعتها إلى الأمام بغض النظر عما إذا كانت تريد هذا الدور أو غير راغبة فيه، وأصبح عليها، والمملكة العربية السعودية في المقدمة، أن تبذل الدور الأكبر، لتنتشل العرب من حال الصراع المسلح والعجز والشلل، وتطفئ الحروب بينهم وبؤر التوتر في بلدانهم.
الأمة بحاجة الى الحكمة أكثر من الرصاص بعدما جربت انواع الحروب فأوصلتها إلى هاوية عميقة.
لدى قادة مجلس التعاون خبرات غنية متراكمة على مدى عقود.
نماذج للحكمة والحوار وبعد النظر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ووضع حد نهائي حازم لعملية الانتحار الذاتي والتناحر بين مكونات العرب ليعود السلام والأمن والطمأنينة للأمة كلها. تنهض من الركام لتنطلق في ورشة تنمية وبناء تأخرنا كثيرا فيها.

***
• سقطت الهدنة،مات الطفل اليمني بسوء التغذية. كاتب هذا المقال أخطأ التقدير فاستعجل الأمل. المطبعة أيضاً خذلته ولم تترك له وقتاً لسحب المقال إلى الأرشيف حيث مستقبل العرب كلهم وهذه حالهم!
 

السبت, 19 نوفمبر 2016

ترامب.. هلع أم فرصة للعرب؟

ساسة ومعلقون عرب أصابهم الدوار بعد فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية. بشأن اتجاه سياسته الخارجية.
هذا حال العالم كله. أقلية تفرح بالنتيجة، وأكثرية مرتبكة لتقديرها أن العالم مع ترامب سيكون غيره قبله. لكن بعد العاصفة يحل الهدوء ويسود العقل بعد الانفعال. أو هكذا يفترض.
ترامب داخل البيت الأبيض غيره خارجه. انتهى منطق الحملة ليحل منطق الحكم. لعل هامش حركته في السياسة الداخلية، أوسع من المتوفر له في السياسة الخارجية، لذا - من المبكر الحديث عن «تغيير جذري» فيها تجاه العالم.
لأن هذه تقوم تاريخياً على 3 أسس راسخة - المصالح، المؤسسات، الأشخاص الأساسيين - الركن الأخير من الثالوث فقط طرأ عليه تغيير لم تكتمل صورته بعد.
مصالح أميركا لم تتغير بانتخاب ترامب، أهمها كان ويبقى المصالح الاقتصادية والأمن.  العالم كله حريص على الأولى لأنه مرتبط بها، أما الثاني فلا يهدده جدياً سوى تحالف معاد من عدة قوى عظمى، وهذا غير وارد أبداً. الإدارة الجديدة لن ترمي حلفاءها، خصوصاً الأوروبيين، من السفينة، أو تغامر في دفعهم إلى تحالف مع روسيا.
ترامب كرر ما قاله أوباما، إنما بشكل فظ. الرئيس المنتهية ولايته قال إن إدارته ضاقت ذرعاً بـ«الراكبين مجاناً» بينما طالب الرئيس الآتي حلفاءه بأن يدفعوا «بالعدل» حصتهم في ميزانية الناتو مقابل الحماية. فأميركا فقط من بين دوله الـ 28 تدفع حصتها           الـ 3 ٪ من إجمالي إنتاجها القومي لميزانية الحلف.
ترامب يريد أيضاً من حلفائه في الشرق الأوسط وقد سمى الرياض تحديداً «المبلغ العادل مقابل الحماية»،  وهو ما سيطبقه على بقية دول الخليج. ملمحاً إلى المساهمة في سداد الدين الأميركي البالغ 19 تريليون دولار.
في الإطار المؤسسي للسياسة الخارجية الأميركية، التغّير الجذري صعب جداً كذلك. تغير الرئيس لكنه سيعمل مع النظام نفسه الذي عمل معه سلفه. يتجدد الوزراء والنخبة الأعلى، لكن بيروقراطية الدولة باقية كما هي موظفين وآلية عمل.
التغيير الجوهري يتمثل في شخص الرئيس وفريقه الأقرب، وهو لم يكتمل وإن ضمت نواته أشباه محترفين. اكثرهم معادٍ للعرب وبعضهم معادٍ للسامية. مع  الإشارة إلى أن ترامب أطلق الكثير من الوعود بتغيرات جذرية، لكن في الوقت نفسه لا مشكلة لديه في تغيير آرائه، وترك المتطرف منها عند أول احتكاك بالواقع.
لا تعني هذه المعطيات أن السياسة الخارجية الأميركية لن تتغير. وإن كان ترامب ملزماً بالمسار الذي يحفظ مصالح الامبراطورية الأميركية. مثل هذا الاحتمال وارد دائماً.
أمام العرب فرصة ثمينة للتعامل وفق القاعدة التي يريدها ترامب.  المصلحة اولاً، ربما هذا دافع لهم للتخفيف من الارتباط القوي بالسياسة الأميركية في عهدها الجديد وتقديم مصالحهم أكثر. اضافة إلى خيار مهم جداً بل تاريخي، وهو أن يكون التغيير في واشنطن حافزاً لإجراء تسويات عربية - عربية، تنهي الصراعات العدمية بينهم، وتضمن لهم وزناً أثقل وفعلاً أكبر وأقل كلفة في المشهد الدولي الجديد، ما يشكل أساساً صلباً للتعامل مع أي تغييرات محتملة في سياسات واشنطن أياً كان حجمها.

الثلاثاء, 15 نوفمبر 2016

انتخاب الصورة لا الشخص!

كُثر أولئك الذين أصابتهم ضربات متفاوتة أثناء الانتخابات الأميركية، أو تأثروا سلباً بنتائجها التي حملت دونالد ترامب إلى البيت الأبيض رئيساً.

هيلاري كلينتون تلقّت ضربة قاضية، لأن النظام الانتخابي الأميركي أعدمها سياسياً. حصلت على ربع مليون صوت أكثر من منافسها الذي احتل المكتب البيضاوي بأصوات أغلبية المندوبين، ما أظهر مجدداً الخلل الكبير في النظام الانتخابي نفسه، البعيد عن تأمين الأوزان المتساوية، أو على الأقل المتقاربة لأصوات المواطنين.
أكدت الانتخابات التراجع الكبير الحاصل في تأثير وسائل الإعلام التقليدية، الصحافة المطبوعة، التلفزيون، الإذاعة، معظمها عارض ترامب بشدة. من مئات الصحف اليومية الصادرة في الولايات المتحدة لم تؤيده سوى صحيفتين، مقابل مئتين يومية بما فيها الثلاث الكبرى: «واشنطن بوست»،«نيويورك تايمز»،و«يو.إس، إي. توداي»، عدا القنوات التلفزيونية الأساسية، ساندت كلينتون وخاضت معركتها وكأنها ناطقة باسمها.
كلها دارت في حلقة تكاد تكون نفسها، ركّزت على عدم أهلية ترامب لقيادة أميركا، وانعدام خبرته السياسية، قصفته بأشد المواد الإعلامية فتكاً وإثارة، ورمته بما يمكن من قاذورات: كذاب، نصاب، غارق في الفضائح المالية والجنسية، متحرش، عنصري.
الجمهور لم يبلع الطُعم، فأتت النتائج مخيبة للإعلام ومرشحته. لو جرت الانتخابات نفسها قبل سنوات وتعرض مرشح لحملة إعلامية بهذا الاتساع والحدة، لكسرت ظهره حتماً، كما فعلت بالرئيس الأسبق بيل كلينتون زوج هيلاري قبل عشرين سنة. حينها، فرض الإعلام التقليدي على القضاء محاكمته بفضيحة جنسية، لم يُعزل لكنه أكمل بقية ولايته مكسوراً معنوياً، ولهذا السبب خسر نائبه المرشح الديمقراطي يومها آل غور الانتخابات الرئاسية لصالح الجمهوري جورج بوش الابن بمندوبي المجمع الانتخابي أيضاً.
فهم ترامب اللعبة جيداً، لأنه قريب من صناعة الإعلام، فاستخدم سلاحاً أثبت أنه أكثر قوة وفاعلية وإن كان أقل صدقاً وعمراً.
اعتبر الإعلام التقليدي خصماً «غير محايد»، ووجد المفتاح في وسائل الإعلام الحديثة تويتر وفيسبوك وآلاف المواقع الإخبارية، حيث كوّن جمهوراً من ملايين المتابعين والأنصار والمتلقين، خاضوا معركته في العالم الافتراضي، ودافعوا عنه، ونشروا أخباره، وروّجوا لحملته الانتخابية، امتلك جيشاً تكنولوجياً مهاجماً مزوّداً بوسائل الإعلام الحديثة، فاستطاع أن يحوّل مسار أي حدث ويجيره لمصلحته، ولو بالقليل من الحقائق، والكثير من أنصافها وحتى بالوقائع الكاذبة والأخبار المفبركة.
خلافاً للقاعدة الأساسية في الميديا الكلاسيكية، وهي الالتزام بالحقائق واعتماد التحليل والتقويم، فإن تلك الحديثة، خاصة التي يقودها شخص كترامب، لا تهتم بمصداقية ما تنشره ولا تراقب مدى صحته، المقياس الأساسي عندها هو الكم وإغواء المتلقي، وهذا ضغط كبير على الوسائل التقليدية لا تستطيع أن تقاومه، وأزاحها عن عرش احتكار الأخبار، والتأثير في الرأي العام.
وبما أن الناس مستعجلون دائماً، ويميلون لقبول الأخبار التي يريدون سماعها ويتجاهلون تلك التي لا يوافقون عليها، يستفيد تويتر وفيسبوك وبقية عائلة الشبكة العنكبوتية من هذا المستجد لنشر ما تستطيع من أخبار، ولا تراقب ما إذا كان الذي تقدمه حقيقة أم كذباً.
لاشك أن ترامب وفريقه استخدموا بحرفية عالية هذه الخصائص، ودعوا أنصارهم لعدم تصديق وسائل الإعلام التقليدية التي سماها «فاسدة»، نجح في تعطيل فاعلية الأخبار السلبية عنه، واستطاع أن يخلق «حقيقة موازية» ليس مهماً صحتها، حسب أستاذ الميديا غابريال خان من جامعة «ساوث» كاليفورنيا.
تتميز الحملات الانتخابية في أميركا، بأن الاميركيين لا ينتخبون الشخص بل صورته التي تصنع في مطابخ التأثير على الرأي العام، وتقدمها الميديا التقليدية.
انتخاب ترامب كشف أن هناك مروجاً جديداً صانعاً للرأي العام،وهو الميديا الحديثة الاقوى من التقليدية.

السبت, 12 نوفمبر 2016

ترامب ليس تراجيديا!

بالنسبة للأكثرية فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية كابوس، ولآخرين كوميديا.. بالنسبة للعرب، تشير ردود فعلهم إلى أن أغلبهم قد وقع في فخ غياب الرؤى في التعامل مع الرئيس الأميركي الجديد.

نعم، العالم متفاجئ ومصدوم وقلق من فوز ترامب، أما ردود الفعل العربية فتعكس، الى كل هذا، ضياعاً مؤسفاً، وليس إرباكاً فقط. تماماً كما فعلت «الوقائع الغريبة» بسعيد أبي النحس بطل قصة الأديب الفلسطيني الكبير الراحل اميل حبيبي الذي صوّر حالة العرب قبل 40 سنة فيقول عن نفسه: «خذني أنا مثلاً، فإنني لا أميز التشاؤم عن التفاؤل. فأسأل نفسي من أنا؟ أمتشائم أنا أم متفائل؟», ولذلك ابتدع له كلمة جديدة في العربية وسماه «المتشائل».
والعرب هم هم, على حالهم اليوم، تائهون كيف ستتلاعب بهم الأقدار مع شخص اختبروه حوالي عامين في الحملات الانتخابية، شعبوياً، عنصرياً، بذيئاً، كان ذلك مسموحاً قبيل الانتخابات، أما بعدها فيوم آخر ومعطيات مختلفة.
ربما كان فوز ترامب زلزالاً، كما البركسيت البريطاني قبل خمسة أشهر، لكن ذلك ليس تراجيدياً بالضرورة. المهم إدراك كيف يتغير العالم، والأسباب التي تؤدي الى الزلزال والعواصف التي يعيشها ومنطقتنا تعيش أشدها وأعتاها.
نحن أمام مشهد جديد في السياسة العالمية، أنتج ترامب والبركسيت وغيرهما، أبرز ملامحه في أميركا وأوروبا وخارجهما ان الانتخابات لم يكن فيها للأفكار أو البرامج قيمة تذكر، بل عبّر الناس الذين يعيشون الإحباط وخيبات الأمل وعدم الارتياح من حاضرهم والقلق على مستقبلهم عن ارادتهم في التغيير، ورغبتهم في مستقبل جديد أفضل. في الدول حيث الأنظمة ديمقراطية مستقرة يتم التغيير عبر صناديق الاقتراع، اما بلداننا فمبتلية بمحاولات تغيير بالعنف والدم والخراب.
لا داعي للخوف من ترامب، اذا كان العرب يعرفون ماذا يريدون، واذا تجاوزوا نزعة التبعية والغرق في مستنقع الهيمنة والطائفية والمذهبية والقبلية، والنزوع للسيطرة والاحتكار وحرمان الآخر المختلف.
لقد كان خطابه الانتخابي صادماً ومنحطاً ومقززاً بعنصريته، لكن هذا المجنون كان يعرف ما يقول. وان هذا الأسلوب يوصله إلى البيت الأبيض. وهذا ما حصل بالفعل، لقد انتبه إلى أن النخبة السياسية الحاكمة في أميركا، كما في الكثير من دول العالم، لا تستوعب توجهات مجتمعاتها، ففعل هو.
ترامب، هو مزيج «الشوبيزنيس» صناعة الاستعراض والمصالح. يعرف كيف يجذب الجمهور،  لكنه لم يخسر في الوقت ذاته القدرة على الحسابات الباردة، وإلا لما كان قادراً على بناء إمبراطوريته المالية والعقارية.
لقد وضع في خطاب الفوز حداً فاصلاً مع أدائه عندما كان مرشحاً، ليقول إن الرئيس شخص آخر مختلف متسامح يريد أن يجمع الأمة ويوحدها، وان يتعامل مع العالم كله بعدالة لا بعدوانية. أما الأكثر دهشة فكان حديثه عن منافسته هيلاري كلينتون، التي فازت بنحو ربع مليون صوت أكثر منه، لكن خذلها النظام الانتخابي الأميركي. خلال الحملة قال انه سيسجنها لكن أول جملة نطق بها بعد الفوز كانت «شكراً لها على كل عملها للولايات المتحدة».
مع القول ترامب ليس تراجيدياً، من الضروري الحذر من عنصريته بل من موجة العنصرية التي تقسم المجتمع الأميركي وتكبر في كل أوروبا، كما في منطقتنا حيث تتجلى عندنا بالطائفية والمذهبية والإرهاب، ومعرفة العرب بالظروف المستجدة وماذا يريدون. وبعدها فليكن ترامب كابوساً، أو كوميدياً، أو رئيساً عادياً.

الثلاثاء, 08 نوفمبر 2016

لا خلافة ولا سلطنة!

كلّما اشتدت الأزمة الداخلية التي يتخبط فيها الرئيس التركي رجب أردوغان، كبُرت أحلام يقظته وأوهامه، وزاد خطره على تركيا نفسها والجيران.
آخر إجراءاته القمعية اعتقال قادة حزب الشعوب الديمقراطي المتعاطف مع الأكراد ونوابه،واستمرار تلك التي بدأها ضد معارضيه ومن لا يؤيده منذ محاولة الانقلاب في يوليو الماضي، وطالت الجيش والاكاديميين والإعلاميين ومئات ألوف الموظفين اعتقالاً أو فصلاً من الوظيفة.
العراق منزعج من الوجود العسكري التركي على أراضيه باعتباره خزقاً لسيادته، ومتوجس من الحشود التركية على حدوده الشمالية، ومحاولة أنقرة بكل الوسائل، وضع إصبع لها في معركة الموصل، مع أن خطة تحريرها لم تلحظ أي دور لتركيا فيها.
ضغط أردوغان على سوريا يتصاعد عسكرياً ويتسع جغرافياً وينتقل من تكتيك التأثير غير المباشر عبر جبهة النصرة وتنظيمات إرهابية أخرى، إلى التدخل العسكري المباشر.
يهدد الرئيس التركي اليونان ويشكك في اتفاقية لوزان لعام 1923 التي ترسم الحدود بين البلدين،وإضافة إلى ادعاءاته في أراضي شمال العراق وسوريا، خاصة مدن الموصل وكركوك وحلب، يدّعي حقوقاً جغرافية في الجزر اليونانية.
أردوغان يلعب بأوراق معظمها خاسر، يرزح تحت عبء أزمة داخلية تشتد عمقاً واتساعاً في السياسة والاقتصاد والعلاقات الخارجية،فيلجأ إلى أخطر تلك الأوراق،وهي إثارة الطائفية فيقدم نفسه حامياً للسنة في العراق وسوريا دون تفويض من هؤلاء، أو معظمهم على الأقل، ويسعى لتحقيق هدفين:
الأول تبرير علاقات أنقرة مع التنظيمات الإرهابية من النصرة وأخواتها وحتى داعش، قبل أن يرتد الأخير عليه، بتبريرات فاشلة كترويض الإرهابيين أو استمالتهم. والهدف الثاني عرقلة معالجة الأسباب التي أدت إلى نشوء داعش في العراق، وفي مقدمتها عدم الإنصاف في توزيع السلطة العراقية، وحرمان السنة من حصة عادلة فيها وتهميشهم، إضافة إلى انتشار الفقر والبطالة، وهي الأسباب التي مازالت موجودة ولم تكشف الحكومة العراقية بعد ما إذا كانت لديها خطط للمعالجة، أم أن الأمور ستبقى على حالها، فيتكرّس تقسيم العراق إلى أقاليم مذهبية، وهذا ما تريده تركيا للعراق.
تكتيك أردوغان مُستهلك، يُلهي الناس بخطر خارجي ويرمي المسؤولية على الخارج، لشد عصب الأتراك بحقوق مزعومة في البلدان الأخرى تحت شعار «تركيا الكبرى» يحكمها هو كسلطان جديد.
أوهام القيادة التركية خطيرة، فالخلافة ماضٍ قد مضى، والسلطنة مرضت ودُفِنت وتخطاها الزمن، والعثمانية الجديدة أو تركيا العظمى حلم يقظة. لكن يبقى سؤال مهم: إلى أين سيصل أردوغان المريض بخيالاته الموهومة، وهل سيغامر أكثر مما يفعل الآن وأية وسائل سيعتمد؟!
هل يُشفى «الرجل المريض» بالأوهام قبل أن يكون الوقت قد فات، ولا يبقى خيار عندها سوى قصقصة أجنحته؟!

السبت, 05 نوفمبر 2016

انفجار الأربعاء!

فجر الأربعاء المقبل سنعرف الرئيس الأميركي الجديد، الديمقراطية هيلاري كلينتون أم الجمهوري دونالد ترامب. لن تكون اميركا محظوظة بها أو به.
المفاجآت والفضائح لا تنتهي في مراثون الانتخابات الرئاسية، خصوصاً أن الملياردير الساذج سياسياً ترامب شخصية فضائحية بامتياز، ومنافسته السيدة كلينتون شخصية تفتقد الكاريزما والشعبية.
سخرية الزمن ستحقق، فعيوب النظام الديمقراطي الأميركي أنه سيحمل أحدهما الى منصب أقوى رجل في العالم، مسجلاً مهزلة كبيرة، خطيرة طبعاً، في زمن يشكو العالم من ندرة رجال الدولة القادرين على معالجة الأزمات الكثيرة والمعقدة.
المعطيات، كما استطلاعات الرأي، إلا النادر منها، يعطي السيدة كلينتون الأرجحية في الفوز. كما تتردد معلومات، يصعب تأكيدها طبعاً، عن أن «الاستابيلشمنت» أو المؤسسة التي ترسم قواعد اللعبة وتتحكم بتركيب المفاصل الرئيسية في الإدارة الأميركية وتوجهاتها العامة، قد اختارت المرشحة الديمقراطية في مسعى ثانٍ بعد اختيار رئيس أسود، باراك أوباما، لاعطاء الديمقراطية الأميركية المصابة بالوهن، دفعاً جديداً والايحاء بأنها تجدد نفسها، وأن أبواب أعلى المناصب متاحة للأميركي رجلاً أو امرأة، أبيض أو أسود. مع أن العروق الجافة في النظام الديمقراطي الأميركي تتطلب عملاً أكبر لتجديد جريان الدماء فيها. وليس أدل على أن ذلك النظام يعرج فعلاً من وصول الثنائي كلينتون - ترامب إلى آخر مراحل التنافس، وان أحدهما سيكون سيدة أو سيد البيت الأبيض، وكلاهما قدّم على مدى أشهر الحملة الانتخابية مشاهد فجة للكذب والانحطاط الفكري والسياسي.
ترامب نصّاب شعبوي، متهرب من الضرائب يعزف لحن العنصرية والتطرف ضد المسلمين والعرب والمهاجرين،متناسياً أن الشعب الأميركي شعب مهاجرين أصلاً. وكلينتون إذا فازت ستكون من أضعف الرؤساء الأميركيين وأقلهم كفاءة،انفجرت فيها فجأة عند خط النهاية قنبلة مدوية: تسريبات البريد الالكتروني الخاص بها، دليل على عدم الكفاءة، ثم العفو الذي منحه زوجها الرئيس الأسبق في آخر يوم من ولايته 20 يناير 2011 لملياردير هارب متهم بصفقات مشبوهة وتهرب ضريبي، بعدما تبرع بنصف مليون دولار لمكتبة كلينتون، ما يعكس انتهازية فجة والاستفادة الشخصية من المنصب، وأخيراً الحصول على معلومات مسبقة قدمتها إحدى صحافيات الـCNN عن أسئلة متوقعة في إحدى المناظرات الثلاث مع منافسها، ما يعكس ميلاً فجاً للغش والتدليس، ما لا يرقى إلى مستوى من يسعى إلى المنصب الرفيع.
أما نتائج استطلاعات الرأي التي أعادت ترامب السبت الماضي الى الصدارة بفارق نقطة مئوية واحدة، ثم أعطت الخميس كلينتون السبق بفارق ثلاث نقاط، فليس مؤكداً أن نتائجها هي نفسها التي تفرزها صناديق الانتخاب. فهناك فقط النتائج الحقيقية.
طبعاً، ستؤثر الفضائح المثارة بوجه هذا المرشح أو ذاك، على بعض الناخبين، لكن من المستبعد إن يكون لها القول الفصل في النتيجة النهائية.
العالم كله، والشرق الأوسط خصوصاً سيتأثر بقنبلة الأربعاء وشظاياها، فحسب الواشنطن بوست إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لا يدعم ترامب علناً، لكنه فعلاً ينسجم معه أكثر تجاه القضية الفلسطينية.
علاقات الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أفضل مع ترامب.
وهو ما أظهره لقاء السيسي مع كل منهما، كلينتون التي تعتبر الإخوان المسلمين أقرب إليها، ألحّت على التمسك بحقوق الإنسان، فيما أبدى ترامب دعماً كاملاً لسياسات السيسي.
اللافت أيضاً أن الرئيس التركي رجب أردوغان من داعمي ترامب، فالأول يقدر للثاني تفهمه الإجراءات القمعية التي يمعن فيها أردوغان ضد معارضيه.
بعد الأربعاء، سيكون ضرورياً البحث عن تأثير شظايا الانفجار الأميركي على أزمات الشرق الأوسط ومشاكله، فالمنطقة منكودة أيهما أتى رئيساً.

الثلاثاء, 01 نوفمبر 2016

ليالي الشمال الحزينة *

بعد أسبوعين على انطلاق عملية تحرير الموصل العراقية من داعش الارهابي، تتكشف مصالح الاطراف المتعددة المتداخلة فيها, ومعطيات يومية تؤكد أنها لن تكون مجرد عملية عسكرية صعبة، فهي محسومة من هذه الناحية، وستنتهي باستعادتها من مقاتلي داعش وطردهم، أقله من العراق. لكن من غير الواضح ما ستكون نتائجها سياسيا، وما اذا ستحمل في طياتها تغيرات جغرافية لن تأتي بالتأكيد في مصلحة عراق موحد، ودولة مركزية قوية فيه.
تبرر هذه المخاوف والاسئلة عن المستقبل تطورات كرستها الأيام القليلة الماضية:
1 - الارتباط الوثيق بين معركتي شمال العراق وشمال سوريا فمعظم اللاعبين في الموصل وحلب والرقة هم أنفسهم.
2 - عودة أميركية عسكرية إلى العراق حيث يتواجد فيه حاليا نحو ستة آلاف عسكري أميركي، وهو اكبر حشد منذ الانسحاب الذي قرره الرئيس أوباما نهاية العام 2011. جزء رئيسي من القوات في قاعدة القيارة جنوب الموصل، تكتفي حتى الان بتقديم الإسناد المدفعي للقوات العراقية والبيشمركة التي تتقدم باتجاه المدينة، وتستخدمها أيضاً طائرات الشحن العسكرية التي تنقل الجنود والمعدات والمؤن.
3 - العودة الاميركية الى العراق مفاجئة الى حد ما، الهدف منها غير واضح ولا المهمات الموكلة إلى الوحدات العائدة، هناك تفسيران متداولان: رغبة واشنطن بأن تكرس دورها لاعبا رئيسيا في العراق ومستقبله، وان ترد على الحشد العسكري الروسي غير المعتاد في سوريا، واخيرا ربما رغبة الرئيس اوباما التسريع في تحرير الموصل قبل انتهاء ولايته في يناير المقبل، لم يعط البنتاغون العملية اي اسم كما جرت العادة ويسميها عسكريون اميركيون «عملية اوباما».
4 - تسابق تركي - ايراني على تكريس وقائع تضمن نصيب انقرة وطهران. ليس واضحا إن كان بينهما صراع مكبوت أو تنسيق واتفاق مسبق لكن التمايز واضح جدا في الاداء.
تركيا وايران من اللاعبين الاقليميين الاساسيين في الأزمتين السورية والعراقية، لكن ايا منهما ليس لاعبا اول. هذا الدور لاميركا في العراق ولروسيا في سوريا.
5 - تعتمد تركيا خطاباً توسعياً صارخا ويجدد الرئيس طيب اردوغان ما يسميه «تركيا العظمى» حلم السلطان المفتوحة شهيته على قضم جزء من العراق وسوريا وان تكون شمال البلدين بما في ذلك مدينتا الموصل وحلب تحت السيطرة التركية «لان ارواحنا هناك» حسب اردوغان، ناسيا ان تركيا كلها كانت تحت سيطرة بغداد عندما كانت هذه عاصمة الخلافة الاسلامية.
اطماع اردوغان غير مشروعة وهي اكبر من ان تتحملها بغداد أو دمشق لذا تحاول الحكومتان السورية والعراقية ان تبقيا تركيا بعيدا عن مدنهما الرئيسية بغداد ترفض مساعدتها في معركة الموصل.
6 - أداء ايران اقل صخبا فدورها معترف به من الحكومتين السورية والعراقية وتعتمد على قوى داخلية تؤمن مصالحها لكنها تسعى الى اعتراف إقليمي ودولي بتلك المصالح.
7 - اقليم كردستان العراق المتمتع بحكم ذاتي واسع يسعى للاستقلال وسيطالب به حال تحرير الموصل، وحسب رئيس وزراء الاقليم نيجيرفان البرزاني «فور تحرير الموصل سنجتمع مع شركائنا في بغداد لنتباحث في استقلالنا».
تحرير الموصل سيكون حدثا مفصليا،لكنه لن يكون خاتمة الاحزان في سوريا والعراق، الارجح ان يكون بداية لليالي حزينة في الشمال.
البلدان أمام صيغة إعادة نفوذ بين روسيا وأميركا، تركيا تقفز على أزمتها الداخلية لتغطيها بمكسب، إيران تسعى لتكريس دورها في مستقبل البلدين.
     أغنية للسيدة فيروز.
 

بغداد، ومنذ بناها الخليفة المنصور قبل حوالي 1400 سنة، مدينة عظيمة بالعلم والثقافة والمدارس والآثار والمتاحف، لكنها أيضاً مدينة الحانات والملاهي والخمارات. الصفات الأولى اندثرت، للأسف، بفعل نظام ديكتاتوري، ثم احتلال، ثم نظام طائفي. والعراقيون ورثة باقة من أعظم الائمة، علي بن أبي طالب والحسين والكاظم وأبو حنيفة، ملتزمون بدينهم، والصحيح أديانهم، لأنهم شعب متعدد الأديان والأعراق والمذاهب، يؤدون واجباتهم الدينية وطقوسهم، ويتباهى معظمهم، قبل أبي نواس وبعده، بالشرب والسهر والوناسة، حتى شاعت بينهم الهوسة الجميلة الراقية: «محمد بدينه..  وعيسى بدينه.. وموسى بدينه».

نادرون جداً الخلفاء أو الحكام الذين منعوا الشرب في بغداد والعراق عموماً.صدام حسين فعلها في السنوات الاخيرة من حكمه، عندما ارتدى عباءة إسلامية وأطلق في العام 2000 ما أسماه «الحملة الإيمانية» وسيلةً لكسب التعاطف. ثم عادت الأمور إلى ما كانت عليه بعد سقوطه، وأقر الحكم الجديد دستوراً يوجب احترام الحريات الشخصية.
لكن الأحزاب الدينية، وهي وريثة صدام ووجهه الآخر، تحمل توجهاته القمعية والاحادية نفسها وإن بغطاء مذهب مختلف، أقرت الأسبوع الماضي بأكثريتها النيابية منع تصنيع الخمور واستيرادها وبيعها وشرائها، ما أثار جدلاً واستغراباً ورفضاً شعبياً واسعاً. فالنظام العراقي ليس دينياً وإن كانت الأحزاب الدينية تتحكم فيه وتسيّره، ما جعل التساؤلات كثيرة عن الدوافع الحقيقية والتوقيت فيما البلاد تخوض حرباً مفصلية لتحرير الموصل ثاني مدنها من تنظيم داعش، وترزح تحت بلاوي لا حصر لها، طائفية مقيتة، فساد مريع، فقر، بطالة، بل ان مصير العراق كله ووحدة شعبه وأرضه وحكمه على المحك.
أهملت الاحزاب الدينية كل هذه المخاطر وذهبت إلى الخمرة، لكن سرعان ما هدأت الغبار المثارة بموجة إيمان مفتعلة وبانت الاهداف الحقيقية والمصالح المادية الكامنة وراء القرار.
في بغداد عدد كبير من صالات القمار عائدها اليومي حوالي 2 مليون دولار يحميها حزب ديني مقابل نصف مليون دولار يومياً. وفيها مئات الملاهي للرقص والدعارة يحميها ويستفيد منها حزب إسلامي ميليشياوي آخر، ومثلها البارات التي يحميها حزب إسلامي ثالث. منع الخمر من السوق سيرفع سعرها في هذه الأماكن تحديداً لأن روادها «لن يشربوا الشربت ولا اللبن»، ما يزيد دخلها فتزداد حصة الأحزاب التي تقدم الحماية.
هناك أيضاً تقليد لتجربة إيران التي منعت الخمرة فارتفعت فيها نسبة تعاطي المخدرات على أنواعها، وبالفعل بدأت نبتة الخشخاش ومنها الحشيشة تزرع في جنوب العراق. كما أن المخدرات تهرّب على نطاق واسع، وبدل الكأس سيبحث العراقيون عن الحبوب.
إلى جانب هذا وذاك، ستشرّع الحدود، خصوصاً مع إقليم كردستان، أمام تهريب الخمور ومنه إلى داخل العراق بجميع محافظاته، لأن الدولة سائبة والكلمة العليا هي للميليشيات والمافيات.
باختصار، إن أحزاباً دينية ومافيات تهريب وفساد ستغرق العراق بالمشروبات والمخدرات، فمن يريد الخمرة سيجدها إنما بأسعار مضاعفة، ومن تعييه الحيلة سيلجأ إلى المخدرات، وقد ردّ العراقيون بسخريتهم الجارحة المحببة على برلمانهم بهوسة تشير إلى المستفيد: «يا ويسكي لا تزعل .. باكر العمامة ترحل».

الصفحة 7 من 15