جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

بغداد، ومنذ بناها الخليفة المنصور قبل حوالي 1400 سنة، مدينة عظيمة بالعلم والثقافة والمدارس والآثار والمتاحف، لكنها أيضاً مدينة الحانات والملاهي والخمارات. الصفات الأولى اندثرت، للأسف، بفعل نظام ديكتاتوري، ثم احتلال، ثم نظام طائفي. والعراقيون ورثة باقة من أعظم الائمة، علي بن أبي طالب والحسين والكاظم وأبو حنيفة، ملتزمون بدينهم، والصحيح أديانهم، لأنهم شعب متعدد الأديان والأعراق والمذاهب، يؤدون واجباتهم الدينية وطقوسهم، ويتباهى معظمهم، قبل أبي نواس وبعده، بالشرب والسهر والوناسة، حتى شاعت بينهم الهوسة الجميلة الراقية: «محمد بدينه..  وعيسى بدينه.. وموسى بدينه».

نادرون جداً الخلفاء أو الحكام الذين منعوا الشرب في بغداد والعراق عموماً.صدام حسين فعلها في السنوات الاخيرة من حكمه، عندما ارتدى عباءة إسلامية وأطلق في العام 2000 ما أسماه «الحملة الإيمانية» وسيلةً لكسب التعاطف. ثم عادت الأمور إلى ما كانت عليه بعد سقوطه، وأقر الحكم الجديد دستوراً يوجب احترام الحريات الشخصية.
لكن الأحزاب الدينية، وهي وريثة صدام ووجهه الآخر، تحمل توجهاته القمعية والاحادية نفسها وإن بغطاء مذهب مختلف، أقرت الأسبوع الماضي بأكثريتها النيابية منع تصنيع الخمور واستيرادها وبيعها وشرائها، ما أثار جدلاً واستغراباً ورفضاً شعبياً واسعاً. فالنظام العراقي ليس دينياً وإن كانت الأحزاب الدينية تتحكم فيه وتسيّره، ما جعل التساؤلات كثيرة عن الدوافع الحقيقية والتوقيت فيما البلاد تخوض حرباً مفصلية لتحرير الموصل ثاني مدنها من تنظيم داعش، وترزح تحت بلاوي لا حصر لها، طائفية مقيتة، فساد مريع، فقر، بطالة، بل ان مصير العراق كله ووحدة شعبه وأرضه وحكمه على المحك.
أهملت الاحزاب الدينية كل هذه المخاطر وذهبت إلى الخمرة، لكن سرعان ما هدأت الغبار المثارة بموجة إيمان مفتعلة وبانت الاهداف الحقيقية والمصالح المادية الكامنة وراء القرار.
في بغداد عدد كبير من صالات القمار عائدها اليومي حوالي 2 مليون دولار يحميها حزب ديني مقابل نصف مليون دولار يومياً. وفيها مئات الملاهي للرقص والدعارة يحميها ويستفيد منها حزب إسلامي ميليشياوي آخر، ومثلها البارات التي يحميها حزب إسلامي ثالث. منع الخمر من السوق سيرفع سعرها في هذه الأماكن تحديداً لأن روادها «لن يشربوا الشربت ولا اللبن»، ما يزيد دخلها فتزداد حصة الأحزاب التي تقدم الحماية.
هناك أيضاً تقليد لتجربة إيران التي منعت الخمرة فارتفعت فيها نسبة تعاطي المخدرات على أنواعها، وبالفعل بدأت نبتة الخشخاش ومنها الحشيشة تزرع في جنوب العراق. كما أن المخدرات تهرّب على نطاق واسع، وبدل الكأس سيبحث العراقيون عن الحبوب.
إلى جانب هذا وذاك، ستشرّع الحدود، خصوصاً مع إقليم كردستان، أمام تهريب الخمور ومنه إلى داخل العراق بجميع محافظاته، لأن الدولة سائبة والكلمة العليا هي للميليشيات والمافيات.
باختصار، إن أحزاباً دينية ومافيات تهريب وفساد ستغرق العراق بالمشروبات والمخدرات، فمن يريد الخمرة سيجدها إنما بأسعار مضاعفة، ومن تعييه الحيلة سيلجأ إلى المخدرات، وقد ردّ العراقيون بسخريتهم الجارحة المحببة على برلمانهم بهوسة تشير إلى المستفيد: «يا ويسكي لا تزعل .. باكر العمامة ترحل».

الثلاثاء, 25 أكتوير 2016

بداية ونهاية

تراودني فكرة أتوقف عندها كثيراً.في المسار السياسي لمنطقتنا هناك عوامل مخفية لا ترصدها قراءة وتتفلت من أي تحليل،تظهر فجأة،تغيّر الاتجاه المفترض وتأتي بغير النتائج المتوقعة.
العراق الذي كان موعوداً بنظام ديمقراطي نموذج للمنطقة،أخذه الغزو الأميركي إلى أبشع أنواع الطائفية والفساد. وبدلاً من أن يكون إسقاط نظام الطاغية صدام حسين مدخلاً للحلم الوردي، أصبح بداية لسقوط النظام العربي حلقات متتابعة.
سوريا التي اندفعت بعض قواها المصنّفة آنئذ تقدمية إلى ما سمي «الربيع العربي» تحت شعار الكرامة والحرية،غرقت في أفظع مستنقعات الإرهاب،بل تحول ذلك الربيع أينما حل،إلى مآسٍ وكوابيس بعدما حمل إلى الحكم حزب الإخوان المسلمين ذا النهج التسلطي واحتكار السلطة.
تركيا التي عاشت السنوات العشر الأولى من القرن الحادي والعشرين في خط تصاعدي تنميةً ودوراً حتى أصبحت نموذجاً لشعوب المنطقة،كسرها نزوع حكمها إلى التسلط والنزعة السلطانية.
إيران التي تحمل إرثاً تاريخياً حضارياً مشهوداً،تتعسكر وتعاني من وهم الحكم الإمبراطوري تتدهور اقتصاداً وتنميةً،لأن العسكرة عكس التقدم والحضارة على طول الخط.
هذه القطبة المخفية في تفاعل أوضاعنا لا تحمل فقط صورة سوداوية دائماً. فمصر حررت سيناء،الكويت تحرّرت من الاحتلال العراقي،المقاومة الوطنية والإسلامية اللبنانية هزمت الجيش الإسرائيلي الذي كان «لا يهزم».
معركة مدينة الموصل المندلعة حالياً لتحريرها من تنظيم داعش الارهابي فيها الكثير من القاعدة نفسها.الأراضي التركية كانت لفترة طويلة معبراً لعناصر داعش إلى سوريا والعراق.والأراضي السورية معبرهم من دول العالم، بما فيها بعض دول الخليج،إلى بلاد الرافدين.
الآن يسير الإرهابيون في الطريق المعاكس،يفرون من الموصل الى الرقة السورية حصنهم الأخير.
قبل عامين كانت ثاني أكبر المدن العراقية رمزا لانتصار التنظيم الإرهابي وزعيمه أبو بكر البغدادي، منها أعلن «دولة الخلافة»، لكنها اليوم المدينة حيث تُكتَب هزيمته.
لكن السؤال الكبير هل تكون هزيمته الحتمية في الموصل نهاية داعش؟
لا إجابة حاسمة لأننا هنا أيضاً قي متاهة أحداث لا تخضع دائماً لقانون تطور حتمي أو حتى عقلاني.الحتميات في منطقتنا تعرج غالباً.لكن الواضح حتى الان:
-تُركت الحدود الغربية للعراق مفتوحة،وهي التي تصل بين جناحي «الخلافة» العراقي والسوري،وعبرها يهرب مسلحو داعش إلى الرقة حصنهم الثاني.
-إلحاح تركي وإيراني لجوج على التدخل وفرض وصاية على جزء من الشعب العراقي.
-تستعيد واشنطن الامساك بالعراق وتعود اللاعب الرئيسي فيه،وهي التي توزع الادوار والانصاب على إيران وتركيا.
-القضاء على داعش والتخلص منه نهائيا ليسا على جدول الأعمال.سيحصل ذلك في العراق فقط.الهدف الآن اضعاف التنظيم وتركيعه وحصر تواجده في سوريا وإقامة كيان له على أراضيها يمكن احتواؤه ومنع تمدده.
-تكريس عودة روسيا من البوابة السورية إلى المنطقة. مع إبقاء داعش وسيلةً لاستدراجها واستنزافها وفقاً لنموذج القاعدة وطالبان في أفغانستان.
هل المنطقة العربية أمام صيغة اقتسام نفوذ جديدة أميركية –روسية مع حصة لتركيا وإيران،ولا نتكلم على حصة إسرائيل فهي مضمونة؟
- هل «الغياب» مكتوب على اثنين معاً: داعش والسيادة العراقية؟!


 

السبت, 22 أكتوير 2016

ما يعلو كل اعتبار

أتجنّب، عادة، الكتابة عن الشأن المحلي الكويتي الا ما ندر.لم يطلب أحد مني ذلك طوال ثلاثين عاما،لا مباشرة ولا ايحاء. إنما هي قناعتي بأن أهل الكويت أدرى بشؤونها. لكن ما حفّزني على  الكتابة اليوم  تشخيص الأوضاع الإقليمية التي استوجبت حل مجلس الأمة واجراء انتخابات نيابية مبكرة.
صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد مشهود له بأنه بين اكثر
القادة الحاليين في منطقتنا والعالم خبرةً بأحوال الإقليم واتجاهات السياسات الدولية، من هنا يكتسب التشخيص الذي تضمنه مرسوم الحل أهميته.
«ظروف دقيقة- تطورات مستجدة- تحديات أمنية تحمل مخاطر ومحاذير». هي جزء لا يتجزأ من التطورات السلبية والخطيرة التي يعيشها العالم تنعكس في بلداننا، تتأثر بها وتكون غالبا ضحية لها.
المخاطر التي تعصف بالعالم شديدة الوضوح، أساسها الأزمات على أنواعها، السياسية والاقتصادية. يزداد الإرهاب والعنف انتشاراً، يرتفع منسوب التوتر،النزاعات الدموية المسلحة والحروب العبثية تنتشر في الإقليم قريباً من الكويت،هي تنعم بالأمن والاستقرار لكنها مطوّقة بزنار نار يشتد اشتعالا ولهيبا في العراق، سوريا، اليمن، ثم اندلعت للتو حرب جديدة  ستكون مفصلية ضد الارهاب  على الأراضي العراقية. بدأ شررها يتطاير إلى هنا، إذ إن عناصر وقيادات من داعش يفرون نحو الخليج وفقاً لمعلومات تتردد. وهناك حروب أبعد جغرافيا عن الكويت، لكنها معنية بها، في ليبيا وجنوب السودان، حتى أصبحت منطقتنا أكثر مناطق العالم تأزماً وسخونة.
وتقوى يومياً في الأجواء رائحة حرب عالمية ثالثة. التعبير الذي أصبح يتردد في الإعلام الروسي والأوروبي عموماً، يومياً تقريباً، وعلى نحو لم يحصل مطلقاً منذ سقوط الاتحاد السوفياتي وانهيار المعسكر الاشتراكي قبل 30 عاماً.
في هذه الأجواء باشرت دول أوروبية كثيرة الاستعداد للأسوأ. روسيا أجرت بين 4 و7 أكتوبر الحالي تجربة دفاع مدني شارك فيها 40 مليون مواطن روسي، وأبلغت مواطنيها أن الملاجئ المقاومة للقصف متوافرة لهم في حال نشوب الحرب، وسيحصل كل مواطن على 300 غرام من الخبز يومياً لمدة 20 يوماً، ناهيك عن الحرب الإلكترونية العنيفة المندلعة حالياً بين واشنطن وموسكو.
السويد البلد المسالم المحايد الذي لم يخض حرباً طوال مئتي عام فرض التجنيد الإجباري.
دول الاتحاد الأوروبي أعادت الحياة لفكرة إنشاء جيش أوروبي موحد.
هنا، في الشرق الأوسط، كما في أوروبا وآسيا، يمكن أن تقع مواجهة عسكرية أميركية - روسية، أي شرارة منها قد تشعل حرباً عالمية.. والخوف الاكبر من أن يقع بين الجبارين مصادمات غيرمحسوبة،  بصدفة أو خطأ على أراضي دولة ثالثة، حيث للجانبين ترسانات ضخمة من الأسلحة بكل أنواعها، كما هو الحال في سوريا تحديداً والتي أعدت موسكو على أراضيها «خطة عسكرية دبلوماسية شاملة لمواجهة مشاريع واشنطن».
واذا كانت المواجهة النووية مستبعدة حتى الآن، فمن يدري كيف يكون الأمر مع تطور الحرب، وإذا ما لجأ أحد المتحاربين إلى الكبس على الزر الأخطر في العالم. فيما يملك الجانبان ترسانة نووية يكفي قليل منها لتدمير الكوكب عشرات المرات.
السيناريوهات المرعبة الأخرى عديدة، فماذا لو وقع سلاح نووي بأيدي الإرهابيين، وهو احتمال لا يمكن اعتباره صفراً.وماذا لو حدث،في زحمة تحريك الأسلحة النووية  المكثّف والسريع،برا وبحرا بين القارات، أن انفجر صاروخ برأس نووي بسبب قدمه او لخلل في انتاجه؟!
لقد تصرف سمو الشيخ صباح الاحمد وفق مبدأ سام يلتزم به القائد الحريص على بلده وشعبه،وهو ضمان سلامة الكويت التي تعلو كل اعتبار.

في أجواء بدء عملية تحرير الموصل من داعش الذي احتلها قبل عامين، تطرح اسئلة مهمة كثيرة وسؤال محوري تحت عنوان العراق إلى أين يسير، وهل تساهم استعادة المدينة إلى حضن الوطن في اخراجه من أزماته الخانقة، أو تدفعه إلى اتون أزمات جديدة؟
هل من عوائق امام المعركة؟ من سيكون اللاعب الاول فيها والمستفيد الأكبر منها؟ هل هناك انزعاج أميركي من الدور الإيراني؟ هل هناك تشجيع أميركي لتركيا كي تتدخل في العراق من بوابة المعركة؟ والسؤال المركزي طبعاً هل يحتكم العراق إلى وحدته شعباً وأرضاً بكل مكوناته القومية والدينية والطائفية، بعد تحرير ثاني أكبر مدنه؟
تشير المعطيات إلى انه لا عوائق جدية سياسياً أو عسكرياً أمام المعركة التي بدأت فجر أمس الاثنين، وان استمر الصوت المذهبي المرتفع من انقرة، فهذا يشوش ولا يعطل في انتظار الاتفاق على الثمن، الطرف الأميركي هو اللاعب الأساسي والمستفيد الأكبر، في يده معظم الخيوط يحركها في الاتجاه الذي يعزز قبضته على العراق، ويستعيد بريقاً افتقده أو غطى عليه الدور الروسي، في الحرب على الإرهاب. وهو الذي يرسم أدوار بقية اللاعبين، وخصوصاً تركيا وإيران، ويوزع الانصاب عليهم.
الرئيس أردوغان الذي يتواجد حوالي ألفين من قواته قرب الموصل، يطالب بحصة أنقرة بلغة عدائية فجة غير لائقة، يبررها بأن العراق «لا يمكنه بمفرده طرد داعش» وتضامناً «مع اخواننا السنة والتركمان».وتتقصد إيران من جهتها، ابراز حركة جنرالها قاسم سليماني قائد فيلق القدس الذي تسميه طهران «سيف آية الله» ويحضّره محافظوها لانتخابات الرئاسة الإيرانية. وهي تضمن حصتها عبر نفوذها على الحكومة العراقية وسيطرتها على ميليشيا «الحشد الشعبي».
الحكومة العراقية بين الرابحين،طبعاً، من تحرير الموصل.اول مكاسبها انها ستمحو العار اللاحق بها جراء هزيمتها وفقدانها المدينة.لكنها بعد ذلك ستكون على مفترق الاجابة عن السؤال الاهم: هل يكون التحرير مدخلا لعراق موحد ذي دولة مركزية فاعلة عادلة تمثل جميع مكونات الشعب العراقي، أم لمزيد من تفككه بتسميات مختلفة؟
المحك الحقيقي سيكون قدرة الحكومة العراقية على تجاوز الصيغة الطائفية الحالية، وقابليتها على التعامل مع المكون السني كشريك متساوي الحقوق في المواطنة والحكم حسب حجمه وتمثيله، فالعراق كمعظم البلدان العربية، مجموعة أقليات، فلا تستطيع أقلية منها الاستئثار بالسلطة بدعوى انها الاكثر عدداً من الجماعات الأخرى.
الصيغة الحالية في حكم العراق، اذا استمرت على حالها واصر الطرف المسيطر الآن باسم الأغلبية السكانية، فستجعل من تحرير الموصل أساسا لنشوء نوع من الحكم الذاتي في المحافظات الشمالية ذات الاكثرية السنية، وسيكون الثاني من نوعه بعد كردستان، وربما يشرّع الأبواب امام صيغة مماثلة في الجنوب ذي الأغلبية الشيعية. عندها يكون على العراق الموّحد السلام، وتنتعش اطماع تقاسمه حصصاً بين تركيا وإيران برعاية أميركية، كما حصل في اتفاقية ارض اروم بين الدولتين في القرن التاسع عشر برعاية بريطانيا.
وهكذا يستمر البلد في صراع مستمر ومخاضات مفتوحة على ولادات مجهولة, لأن الانتصار المذهبي كما الانهزام الطائفي، مستحيلان في نهاية المطاف, وسيبقى أي منهما ناراً تحت الرماد، ويدفع بقوة نحو التسلط والطغيان فالانفجار.


 

السبت, 15 أكتوير 2016

تركيا ليست وصية ولا إيران!

الجنون هو فقدان الحكم السليم،اخطر أنواعه ما يرتكبه الساسة اصحاب القرار.عوارض هذا المرض تتفشى سريعا في انقرة.بدا للوهلة الاولى ان اشدها اصاب رئيس الوزراء  بن علي يلديريم عندما وصف  طلب العراق سحب القوات التركية من شماله بانه «خطير واستفزازي»،لكن تبين ان المرض في مرحلة متقدمة جدا ،وذلك عندما تحدث الرئيس رجب اردوغان عن الازمة التركية-العراقية وليته لم يفعل.
التوتر بين بغداد وانقرة يتصاعد منذ العام الماضي بعدما ارسلت الاخيرة حوالي الفي جندي من قواتها الى شمال العراق بدعوة من حكومة اقليم كردستان «لمقاتلة الجماعات الارهابية في العراق وسوريا» ولم تحدد من هي تلك الجماعات وان كان المفهوم ضمنا  انها لا تقصد داعش وجدها، بل أيضا حزب العمال الكرد ستاني.في المقابل تؤكد الحكومة العراقية المركزية انها لم تستدع تلك القوات،وان وجودها غير شرعي،فهي بالتالي قوات احتلال. وأيدت واشنطن هذا الموقف مؤكدة «ان القوات الاجنبية ينبغي ان تحظى بموافقة الحكومة المركزية في العراق كي تتواجد على أراضيه».
بعد البيان مباشرة،اطلق الرئيس اردوغان مواقف غير مسؤولة سياسياً،بعيدة عن اللياقة دبلوماسياً وشخصياً،عندما خاطب رئيس الوزراء العراقي د.حيدر العبادي الذي طالب بانسجاب القوات التركية من أراضي بلاده بقوله: «أنت لست بمستواي ولست ندي..صراخك ليس مهما فنحن سنفعل ما نشاء»!
بمنطق اردوغان: على المستوى الشخصي هو ليس ندا للعبادي هو ابن عائلة قروية فقيرة ،والفقر ليس عيبا بل الغطرسة، هجرت قريتها الى اسطنبول،باع  البطيخ والسميط ليعين عائلته،درس في مدرسة دينية، ونال شهادة إدارة أعمال من جامعة مرمرة.فيما العبادي ابن منطقة الكرادة قلب بغداد،والده طبيب ومفتش الصحة العامة العراقية،نال الماجستير والدكتوراه في الهندسة الكهربائية من جامعة مانشستر العريقة.
اما سياسيا،فالعبادي رئيس وزراء للعراق مهد الحضارة قبل أن توجد تركيا،وبلد الخلافة قبل ان تنتقل في غفلة من العرب إلى أسطنبول وتنتهي فيها،كلاهما ينتمي الى حزب إسلامي،أردوغان إخوان مسلمين،العبادي من قياديي الدعوة،حكم العبادي والعراق كله في أزمة طاحنة،حكم أردوغان انهى مرحلة الصعود،وبدأ مع تركيا هبوطاً حاداً أقوى دلالته كان الانقلاب العسكري الفاشل في يونيو الماضي.
الخطاب التركي المتشنج والمنفعل لم يعكس فقط جهلا بطبيعة العراقي المعتد وان كان ضعيفا،إنما يحاول إضفاء شرعية غير ممكنة على غزو أجنبي لبلد مستقل.ما يعكس حجم الأزمة التي تمر بها تركيا ويتخبط فيها أردوغان وحكومته، ويسعى لتصديرها الى خارج الحدود.
على خلفية الأزمة المركبة سياسة واقتصادا يبحث الحكم التركي عن دور في المنطقة بعد انحسار دوره في سوريا، فلم يعد أمامه نقطة مناسبة غير معركة الموصل التي تعد بغداد مع التحالف الدولي ساعة الصفر لها، وتشير المعطيات أنها باتت قريبة. تعتمد انقرة في مسعاها على بعض الأطراف الموصلية كأسامة النجيفي رئيس البرلمان العراقي،أو الكردية خصوصا مسعود البرزاني.
تهدف أنقرة من محاولتها التدخل في معركة الموصل إلى أمرين مهمين: أن تكون طرفا في ترتيب أوضاع الموصل بعد تحريرها،وثانياً قطع الطريق على اي مكاسب قد يحققها حزب العمال الكرستاني بعد إقامة حكومة محلية يساهم فيها الكرد من أبناء الموصل.
في هذه الحشرة بدأت أنقرة تلعب على الوتر الطائفي،وتحديداً حماية السنة وهم الأكثرية الساحقة في المحافظة،وهي النغمة نفسها التى تعزفها إيران أي حماية الشيعة، لتبرر هي الأخرى تدخلها في الشأن العربي.
الأكثرية الساحقة من العرب، سنة وشيعة،لا يقرون لتركيا أو لإيران بالوصاية.القرار الواضح المعلن من بغداد هو الاشتباك مع القوات التركية إذا لم ترحل أو تدخلت في معركة الموصل القادمة.
المنطقة أمام إندلاع نار جديدة فيها!

الثلاثاء, 11 أكتوير 2016

الرؤوس الحامية

العالم يتغير ويتأزم.يتسع  فيه العنف،يزداد التوتر،تتمدد النزاعات الدموية،تقوى النزعات العنصرية،تنتشر الميول الانفصالية.هذه العوامل السلبية تواكبها أزمات اقتصادية متلاحقة تزيدها تعقيداً في ظل قادة يرقى قليلون منهم فقط الى مستوى رجال دولة قادرين على معالجة الازمات الكبرى دون الغرق في اتون الحروب،ما يطرح سؤالا مقلقاً: هل يتجه العالم الى حرب كونية ثالثة؟
هناك 19 دولة تعيش حالياً حروباً أهلية طائفية،مذهبية،قبلية،ارهابية،معظمها عربية في آسيا وأفريقيا،وواحدة في أوروبا.
ومع أن بعض هذه الحروب واقساها في سوريا والعراق واليمن وليبيا وجنوب السودان مشتعلة منذ سنوات، الملفت ان الاعلام حول العالم،خصوصا الاوروبي،كما بعض الاوساط السياسية والدبلوماسية بدأت في الآونة الأخيرة تتساءل بإلحاح،عما اذا كانت هذه الحروب الوطنية او الاقليمية قد تكون الشرارة التي قد تشعل حرباً عالمية جديدة؟
حافظ العالم حتى الان على درجة صحية من الجنون جنبته الأسوأ،عدا منطقتنا الفاقدة عقلها والغارقة في جنون كامل.يشاركنا، وان في مستويات اقل،الجيران الاتراك والايرانيون المنغمسون بدورهم في النزاعات الداخلية والحروب المندلعة في الاقليم.
من سوريا تأتي اولى ملامح الاجابة عن السؤال الكبير، فالحرب الاهلية البشعة فيها،اصبحت حرباً عالمية باردة حولها تنخرط فيها عشرات الدول بينها القوتان العظميان اميركا وروسيا.وهي مرشحة ان تتحول في كل لحظة الى حرب حقيقية ساخنة.. وكذلك الحرب الروسية - الاوكرانية.
على خلفية الأزمتين، يتصاعد التوتر سريعاً بين اميركا وروسيا. الاولى لا تكتفي بالعقوبات التي فرضتها مع اوروبا على الثانية،بل تصر على محاصرتها عسكرياً عبر توسيع حلف الناتو الى البلدان المحيطة بها، ونشر دروع صاروخية على حدودها، وأخيراً تسريب تقارير اميركية حول نية الولايات المتحدة ضرب المطارات السورية بصواريخ مجنحة، ما يعني ضمنا ضرب الطائرات الحربية والمعدات العسكرية الروسية الموجودة في تلك المطارات.
في هذا الوقت،تبحث دول الاتحاد الاوروبي الاجراءات الدفاعية والامنية بعد قرار انسحاب بريطانيا منه،وطرحت بعض دوله انشاء جيش اوروبي موحد تحسباً من الخطر الروسي كما تقول، وعمد بعضها الى فرض التجنيد الالزامي كما فعلت تشيكيا والسويد التي لم تخض منذ مائتي عام أي حرب.
هل هو شعور الخوف لدى الغرب؟ الموقف السلبي من بوتين؟ الفوبيا من روسيا حسب تعبير وزير خارجيتها لافروف؟ استفزاز أو حتى استدراج لها؟ الرغبة في ان تثبت الولايات المتحدة انها القوة العظمى الوحيدة وعلى روسيا أن تسير في الطريق الذي ترسمه واشنطن وإلا؟
لا شك أن هذه الاسئلة تطرحها موسكو التي ترى ان رؤوساً حامية في واشنطن،ليس بينها الرئيس اوباما،تفكر في عمل عسكري يستهدف روسيا، وعلى الارجح ان تكون سوريا ساحته.
ولان الدول لا تعتمد في سياساتها على النوايا،بل على ما يحمي امنها ويضمن مصالحها،ردت موسكو بسلسلة اجراءات عسكرية واسعة: وضعت سوريا تحت مظلة دفاع جوي روسية،وارسلت إليها احدث منظومات صواريخها،ونشرت في الوقت نفسه نظاما صاروخياً يحمل رؤوساً نووية في منطقة كالينينغراد المواجهة لجمهوريات البلطيق الثلاث،ما يعني ان القواعد الجوية الروسية اصبحت ممتدة من المحيط الهادئ الى سوريا.وعلق الرئيس بوتين الاتفاقية مع اميركا المتعلقة بخفض مخزون البلوتونيوم المستخدم في انتاج اسلحة نووية،ولوحت موسكو بأنها ستجدد انشاء قواعد عسكرية لها في فيتنام «آسيا» وفي كوبا «الحدود الاميركية».
لن تقبل روسيا ان تُحشَر في زاوية. اللعب بالنار قائم،واليد على الزناد،فهل تطلق الرصاصة الاولى؟ ومن يطلقها؟ وهل ستؤول الامور في سوريا أو اوكرانيا الى مواجهة عسكرية اميركية - روسية؟
ما زالت موسكو تراهن على ان هذا السيناريو لن يحصل وان الرؤوس الحامية ستبرد لان الرئيس أوباما لا يوافق عليه!


 

السبت, 08 أكتوير 2016

من السياسة إلى المال!

يروي الاديب اللبناني الكبير مارون عبود أن لبنانياً  من آل الخازن سعى لدى المتصرف العثماني للبنان حين كان لا يزال امارة في القرن التاسع عشر،كي يعينه قائمقاما على أحد اقضية الجبل وقدم له المقسوم وكان اصبعا من ذهب،وضعه المتصرف في جيبه الخلفي ودق على قفاه حيث الجيب قائلا: طمّن بالك يا رشيد ..انت هنا.

مرّت الايام، ورشيد يجيء ويروح دون ان يحصل على مبتغاه حتى نفد صبره.فعاد ليقدم للمتصرف اصبعا ظنه هذا ذهبا كما في السابق،لكنه عندما فتحه انتفض وصرخ: ما هذا يا رشيد؟! فأجابه: هذا اصبع ملح انجليزي يا افندينا حتى تخرجني من ذلك الموقع.
سخرية مارون عبود ذكّرتني بمسخرة المرشح الجمهوري للرئاسة الاميركية دونالد ترامب، المعروف عنه انه مشعوذ نصاب،لكن موقع politico الاميركي الرصين،كشف جانباً بشعاً آخر في شخصيته.وهو انه يتكسب مالياً من موقعه السياسي كمرشح،اي حتى قبل ان يصل الى البيت الابيض ويجلس على كرسي المكتب البيضاوي يقضم من ميزانية حملته الانتخابية، ونصفها على الاقل مال متبرعين،ويحوّل الى جيبه الخاص.
ليس المقصود أبداً الترويج لمنافسته هيلاري كلينتون،فهذه أيضاً غارقة في عيوبها السياسية،وكلاهما الاقل شعبية ومصداقية في تاريخ الانتخابات الاميركية.لكن ترامب يتجاوز الخطوط الحمر السياسية والاخلاقية،ويُدخِل إلى السباق الرئاسي سلوكيات عالمثالثية. المقصود أنه يجعل المنصب أو الموقع السياسي وسيلة للثروة الشخصية أو العائلية، أو ما يسميه البعض ساخراً تحويل مجرى سير العام الى الخاص والتربع فوقه.
ظاهرة يعاني منها العالم الثالث واكثرية البلدان العربية التي حكمتها الانقلابات العسكرية.اشخاص يصلون الى مواقع السلطة مداخيلهم عادية اساسها الراتب،يستبيحون ما للدولة ويتكسّبون منها،أو بتعبير ساخر آخر «يعيدون تموضعها» حتى يتخموا بثروات تفوح روائحها كما لو ان معجزة حدثت لهم.
المرشح الجمهوري ترامب يبيع منتجاته حتى الستيك على حملته الانتخابية،يستأجر فنادقه ومنتجعاته لمهرجاناته الانتخابية،وطائرات شركته للتنقل بين الولايات وكذلك الأمن والحراسة.لم يسمح اي مرشح في تاريخ الانتخابات الرئاسية الاميركية حتى الاغنى من ترامب لنفسه بأمر مماثل،لان المرشحين خافوا اذا ما حشوا جيوبهم من أن ينعكس ذلك سلباً في صناديق الاقتراع،  فكانوا يفصلون اعمالهم الخاصة عن حملاتهم الانتخابية.
أن يحوّل السياسي أو الموظف من الميزانية العامة الى خزائنه، سلوك ينخر الديمقراطية من داخلها حتى تصبح ضعيفة هشة.ما دفع صحيفة يو.اس.توداي. المحافظة وثالث أكبر الصحف الاميركية انتشارا والتي التزمت منذ تأسيسها قبل 34 عاما الحياد في الانتخابات الرئاسية،لان تتخلى عن هذا التقليد، فأصدرت هيئة تحريرها الخميس الماضي،ولأول مرة في تاريخها،بياناً  دعت فيه قراءها للامتناع عن انتخاب ترامب، وأوردت ثمانية أسباب تبرر هذا الطلب،وهي ان ترامب: غير متوازن،غير مهيأ ليكون القائد الاعلى للجيش،احكامه مسبقة،نشاطه التجاري فيه بقع كثيرة،ليس صادقاً مع الاميركيين،متهور مريض بالكذب،عنصري،يفسد النقاش العام، في إشارة إلى أنه يستشهد بعضوه التناسلي في أحاديثه العامة، أو يعبر عن اشتهاء ابنته لو لم تكن من صلبه!
لم تدع الصحيفة الى انتخاب هيلاري كلينتون فهذه ثقتها بنفسها زائدة،تنقصها الصراحة،غير حريصة على اسرار الدولة وتتعامل معها بخفة. وقالت لقرائها:«انتخبوا حسب قناعتكم،لكن لا تنتخبوا دونالد ترامب».

اخبرني صديق درس في احدى دول اوروبا الشرقية قبل حوالي ثلاثين عاما عندما كانت لا تزال ذات نظام اشتراكي،أن سواحا عربا كانوا يقصدونها للاستجمام أو العلاج، لجمال طبيعتها وتوفر المصحات المشهورة عالميا فيها،ولرخص المعيشة بسبب تغيير العملة الصعبة في السوق السوداء.بعضهم كان يتصل به للترجمة فيفاجأ دائما بطلبهم ارشادهم الى «مكان فيه بنات»-والتعبير ينقله عنهم-الا ان احدا منهم لم يطلب منه،ولو مرة،مرافقته الى متحف او مسرح او عرض فني او معلم تاريخي مع ان البلد المعني
غني بها!
روى صديقي قصته بعدما اطلعته على دراسة عن ثلاث عشرة دولة يصل متوسط اعمار سكانها الى اكثر من ثمانين عاما،ليس بينها أي بلد عربي.بل ان اربعة بلدان عربية كانت الاهم او بين الاهم تاريخيا،تتصدر الآن الدول الاكثر تعاسة في العالم، وهي كما صنفتها الدراسة: العراق،مصر،سوريا،لبنان،ناهيك عن اليمن والسودان وليبيا.
واستغرَبَ تهافت العرب على الجنس مع ان دراسات متخصصة كثيرة تؤكد عدم تميزّهم في هذا المجال بل هم الى الضعف اقرب،عكس ادعاءاتهم وتباهيهم ومبالغتهم في الحديث عنه.وفي دراسة شملت العالم كله اجرتها شركة ديوركس لإنتاج الواقيات الذكرية،فان العرب لا يظهرون ابدا في قائمة الدول الاكثرسعادة جنسيا أو في قائمة الشعوب الاكثر ممارسة للجنس،وان شعوب بلدان اكثر فقرا كالمكسيك ونيجيريا وحتى الهند تتقدم عليهم في القائمتين.
بعض وسائل الاعلام تناولت الدراسة فاعادت غياب العرب عن المواقع المتقدمة في الجنس،كماً واستمتاعا،الى كونهم لا يحبّون استخدام الواقي،الا ان صديقي يعيد الامر الى اسباب اكثر جوهرية. وتحديدا الواقع الذي يعيش فيه العرب حاليا،وشروطه الصعبة،التي تحد من القدرة وتحجم الرغبة.فأزمة العرب شاملة  تضرب بعنف كل مناحي حياتهم،السياسية والاقتصادية والاجتماعية والرياضية والفنية،فتنهك قدراتهم الجسدية والعقلية والفكرية والنفسية وتتراجع.
فكيف تندلع كل هذه الحروب الاهلية العبثية باسم الطوائف والمذاهب والقبائل،ثم يبقى اهلها اصحاء في ابدانهم وعقولهم ونفسياتهم وامزجتهم؟!
يخرج العربي بسرعة قصوى من تيار الحضارة والتمدن والبناء واعمار بلده ونفسه حتى ينعمان بخيرات التقدم والازدهار والاستقرار،ومنها تحسّن صحته وارتفاع معدل العمر ونوعية الحياة العامة والخاصة،بما فيها كفاءته الجنسية ونوعيتها، ويغوص بدلا من ذلك الى قاع سحيقة من التخلف والهمجية وأبشع أشكال السترتيز والتعري السياسي.
عُرينا الفاضح على كل المستويات،يتجسد يوميا في عشرات الاحداث،اخرها  الاكثر بؤسا مشاركة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في جنازة الرئيس الاسرائيلي السابق شيمون بيرز،حيث اخذته العبرة وبكى!
رئيس شعب مكافح يقاتل الدولة العبرية منذ ستين عاما لاستعادة ارضه وحقوقه،يبكي امام الكاميرات على أحد مؤسسي دولة العدوان واركانها،مجرم قاتل سفاح يداه مخضبتان بالدم العربي على امتداد فلسطين الى قانا وأطفالها في لبنان!
ابو مازن الضحية حين يعزي قاتله،يعكس ازمة يعيشها العرب كلهم الذين ينسون ان ليس كل من يبحر الى الهند يكتشف اميركا!
وفي خضم التيه والانهيار تتلاشى القدرات وتنكمش الأفعال. فلا يعيش العربي طويلا ولا يستمتع بجنس ولا يميز بين السياسة والتعري فيها، وسيبقى عاجزاً طالما شعاره: اذا لم يكن من ديني وطائفتي ومذهبي ورأيي، فهو عدوي!

السبت, 01 أكتوير 2016

حميرنا أكبر!

تمنيت أن يكتب عن هذا الموضوع  الزميل نبيل الخضر مدير تحرير الشاهد،فهو،دون مبالغة،أهم الكتّاب الساخرين في الكويت حالياً وبين طليعتهم عربياً،بعد أن انتقل الزميل الكبير محمد مساعد الصالح الى دار البقاء ورافقه اليها الكبيران محمود السعدني في مصر وغازي قهوجي في لبنان رحمهم الله جميعاً. وبقي نبيل بين المميزين في هذا النوع من الكتابة،الى جانب الزميل خالد القشطيني العراقي اللندني اطال الله عمريهما.لكني اعرف أن أبا بدر مشغول بغير الحمير.فعقلت وتوكلت بعدما أدركتُ ان في الحمير جزءا من المأساة التي يحياها العرب.
الموضوع ان الحمير تختفي من دول افريقية عديدة بسبب الصين المفتوحة شهيتها على شراء تلك الحيوانات الوديعة وتحولها بحماس الى زجاجات ومراهم تعرض في واجهات صيدلياتها.فالصينيون مقتنعون بأن للحمير معجزات صحية، وفي جلودها علاج شافٍ لامراض عديدة،ومفعولها سحري في المناعة، والدورة الدموية،وإزالة التجاعيد، والأهم ان المراهم المصنّعة من جلودها منشط شديد الفعالية، افضل وأأمن  من الحبوب الحديثة المستخدمة في الرياضة أو الجنس،وتضاهي في اهميتها العقاقير المستخرجة من قرن وحيد القرن.
الموضة هي الموضة، والمعتقدات هي المعتقدات مهما كانت غريبة.وعندما تصبح قناعة راسخة لدى 1.4 مليار صيني، يدفع الحمير،كالعادة،الثمن.
العام الماضي وحده اشترت الصين نحو ربع مليون حمار من دول افريقيا الاشد فقرا. فبدأ سعرها يرتفع صاروخياً، أربعة أو خمسة أضعاف عما قبل الغزو الصيني،ثم بدأت هذه الكائنات تختفي وباتت بعض المناطق كما في مالي وناميبيا، شديدة الهدوء لم يعد يسمع فيها نهيق اتان. ثم لوحظ ان عدد الحمير يتراجع بسرعة في النيجر وزامبيا وزيمبابوي وبوركينا فاسو وبيتسوانا.احتارت الحكومات،أو تظاهرت انها كذلك،فالحمار مهم جداً لشعوب تلك البلدان يقدم لها خدمات جليلة في النقل والتنقل.فصدرت الاوامر بعدم تصديرها أو ذبحها،ذلك لم يوقف المجزرة اذ للفساد ألف باب وباب.ونشأت سوق سوداء وازدهرت عمليات التهريب على نطاق واسع.
أزمة الحمير في افريقيا،انعشت أمل البعض في أن تنتبه الصين للحمير عندنا في العالم العربي.فأعدادها هنا لا بأس بها، ومن المؤكد انها تتزايد اذا اخذنا في الاعتبار عدد الحمير بين الناس،في الجزئين الاسيوي والافريقي، سوريا، لبنان،العراق،اليمن،ليبيا،السودان.. إلخ.وربما لهذا السبب تأسس في العراق قبل عامين «حزب الحمير».
لكن الصين تعرف على ما يبدو ان الحمير انواع ولها مواصفات تختلف من بلد لاخر،كما للامم والثقافات المختلفة تقديرات متباينة لهذا الحيوان وان اتفقت على انه صبور وعنيد وغبي.
ربما ترى الصين ان في حمير العرب ميزات فهي مَعلوفة بالطائفية،مُسمنّة بنزعات الانقسام والتفتّت،تسيطر عليها غريزة الانعزال،تنهق برفض الاخر المختلف وإبادته،طلباً للعيش في قطيع من لون واحد وفكر احادي لا تنوع فيه أو تعدد، وهذه صفات ادنى كثيرا مما للحمير في افريقيا.
فتلك التي فيها علاج للناس كائنات اجتماعية  ذات نزعة غريزية لرفض الوحدة وتفضل العيش المشترك مع الاخرين وان اختلفوا عنها،الغنم والماعز والكلاب.اما عناد الحمار عندما «يتنّح»فيتوقف ولا يسير وإن جرّه صاحبه أو ضربه،فيعكس حاسة قوية عنده في تقدير الخطر يشعر به عبر ذبذبات الاصوات والحركات يرصدها بأذنيه الكبيرتين مهما تكن بعيدة،ولا يستأنف سيره إلا بعد تأكده من زوال الخطر،ما يعني انه عنيد بالحق.بينما الحمير من البشر عندنا متهورون  تعميهم العصبيات والآفات  من كل نوع،الطائفية والمذهبية والقبلية،فيرمون اوطانهم وشعوبها في اتون النار والدمار.الحمار الحيوان شغيل، صبور، مسالم،اما حمارنا فكسول، طفيلي، يمارس ابشع انواع العدوان والاجرام اي الارهاب، كما تفعل داعش والنصرة.
كل ذلك أقنع الصين أن الحمر العربية لا فائدة مرجوة منها،فتركتها رغم انها اكبر من الحمر التي تشتريها في افريقيا.

الثلاثاء, 27 سبتمبر 2016

لو العالم بدون مسلمين!

كيف كان العالم ليبدو لو لم يوجد فيه مسلمون؟!
السؤال في ظاهره عنصري واستفزازي على غرار السؤال عن العالم بدون مسيحيين أو يهود أو بوذيين وهندوس، أو حتى ملاحدة وغير مؤمنين، لكن صحيفة «الاندبندنت» البريطانية طرحته بجرأة في الذكرى الـ 15 للهجمات الإرهابية التي استهدفت أميركا في 11 سبتمبر 2001.
ولقد تغيّر العالم بعد تلك الهجمات لكن ليس بفعلها فقط وإن استخدمت ذريعة للتغيير. فالغزو الاميركي الذي تلاها لكل من أفغانستان وبعدها العراق تحت ستار ما سمي يومها الحرب الشاملة على الارهاب، أصبح المصدر الاكبر والاخطر لانفجار موجات متزايدة من العنف في الشرق الاوسط ومنه الى العالم الذي يئن تحت وطأة الانتشار السريع للنزعات والسياسات العنصرية ومعاداة العرب والمسلمين، وايضا الاسلام كعقيدة ودين. وهي ظاهرة تقوى وتتسع في اميركا واوروبا خصوصا منها الدول الشيوعية سابقا!
لكن أوروبا الغارقة في ازمات مركّبة، سياسية واقتصادية وقيادية وتعاني ايضا من الاسلاموفوبيا، لم تفقد عقلها وتفكيرها السليم. فكانت اجابة «الاندبندنت» على السؤال الاستفزازي سهلة، رصينة، مفحمة بعلميتها، غنية بحقائقها.
اعتمدت اليومية البريطانية العريقة السهل الممتنع، فأحصت بعض ما اخترعه المسلمون أو اكتشفوه أو طوّروه، وبه ساهموا في بناء حضارة العالم التي يستفيد منها البشر كلهم بغض النظر عن دياناتهم وقومياتهم ومعتقداتهم.
1 - القهوة 2 - آلة التصوير (أول كاميرا اخترعها ابن الهيثم)، 3 - الفيزياء التطبيقية 4 - الشطرنج 5 - الصابون 6 - الروائح والعطور 7 - الري 8 - ناقل الحركة، المحرك العامل بالاحتراق الداخلي، الصبابات، المكابس 9 - الأقفال 10 - الابتكارات المعمارية الهندسية والفنية (اعتمدت الكاتدرائيات والكنائس ذات الطراز القوطي المنتشرة في جميع أرجاء أوروبا على التقنيات المعمارية التي ابدعها المسلمون وتجعل البناء امتن واطول عمرا واكثر جمالا، وفيه القبب والابراج المستديرة والاقواس والنوافذ المفتوحة على الشمس والهواء.. إلخ) 11 - أدوات الجراحة 12 - التخدير 13 - طواحين الهواء 14 - علاج الجدري والتلقيح 15 - قلم الحبر 16 - الجبر وعلم المثلثات 17 - علم التشفير والترميز 18 - الكريستال الزجاجي 19 - نظام الترقيم 20 - الأكل في ثلاث وجبات 21 - السجاد 22 - السند المالي والشيك 23 - استخدام الحدائق للتنزه والاستجمام والتأمل وليس فقط لزراعة الخضراوات للمطبخ 24 - البصريات 25 - الكيمياء 26 - النوتة الموسيقية 27 - فرشاة الأسنان 28 - المشفى 29 - الاستحمام 30 - اللحاف 31 - المشروبات الخفيفة 32 - الرموش وتظليل العيون للتجميل 33 - الجراحة التجميلية 34 - فن الخط 35 - إنتاج الورق والأقمشة  36 - المظلات والطيران.
ودون ان تستعرض مجالات الفلسفة وعلم الاجتماع والادب نثرا وشعرا، تثبت «الاندبندنت» دور المسلمين في تقدم العالم ومدنيته قبل ان تسيطر عليهم العقلية العثمانية ذات النزعة العسكرية والحربية التي ادخلتهم في هاوية الجمود والتخلف والانحطاط، تلا ذلك بعد الحرب العالمية الأولى الاستعمار الأوروبي للدول العربية والكثير من الدول الاسلامية والاحتلال  الاسرائيلي لفلسطين. وبذلك تسخّف الصحيفة مقولة صراع الحضارات أو حرب الاديان. فالحرب المندلعة في العالم ليست حربا دينية ابدا، بل هي حرب مصالح وسيطرة اولا واخيرا، مهما كانت المبررات التي تُعطى لها، او الاقنعة التي تختفي وراءها. العرب والمسلمون كلهم ادوات فيها واول ضحاياها، رغم ان بعضهم منخرط فيها ويمارس ابشع سلوكيات الحرب دموية واجراما.

الصفحة 7 من 14