جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

الثلاثاء, 28 يونيو 2016

بريطانيا تفقد «العظمى»

ليس نهاية العالم طبعاً ولا بريطانيا، تصويتها على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وإن كان كلاهما سيتضرر بالفوضى الناشبة والخوف وعدم اليقين وغموض الآتي، والتبعات الاقتصادية الفادحة، وربما السياسية، المترتبة على الانسحاب.

لكن أوروبا ستكون بالتأكيد أكبر المتضررين لأن ما جرى قد يكون بداية النهاية لوحدتها، وبدون بريطانيا لن تبقى أهمية تذكر للاتحاد،وهو دليل آخر على أن من هُم في سدة الحكم الآن في القارة العجوز سياسيون وليسوا قادة.

فلو كان الساسة الأوروبيون اليوم رجال دولة لما وصل الأمر إلى «البريكست».

العالم غارق في الصدمة أو الزلزال والترقب، عشرات الأسباب يجري تداولها عن لماذا اختار البريطانيون هذا الطريق، وعن الانعكاسات المحتملة لخيارهم.

الأسباب تتراوح بين أزمة 2008 الاقتصادية العالمية ولم تتعاف منها المملكة المتحدة، وان البريطاني العادي، خاصة في الريف والمدن الصغرى، لم يلمس أي ميزة اقتصادية من الاتحاد، فاعتبر أن الخاسر من الخروج هو الفئة العليا من الأغنياء، وبالتالي كشفت نتيجة الاستفتاء الثمن الكبير المدفوع لغياب العدالة الاجتماعية.

وبين الأسباب تهديد الهوية الوطنية بالهجرة، ومعاناة الإنفاق على دول أوروبية يسود فيها الفساد أو تتحكم المافيا في اقتصادها، كما هو الأمر في اليونان واسبانيا وتشيكيا والمجر وسلوفاكيا.

أما بالنسبة للتوقعات فهي تصل إلى انهيار بريطانيا، التي لن تبقى كما عرفناها حتى الآن،إذ لن تكون عظمى خاصة إذا انفصلت عنها اسكتلندا الراغبة في البقاء أوروبية، وقد أصبح لديها الآن مبرر قوي لإجراء استفتاء جديد على انسحابها من المملكة المتحدة.

قد تكون الأسباب كلها موضوعية، لكن التوقعات مفتوحة على كل الاتجاهات السيئة والأقل سوءاً.علاقات بريطانيا مع القارة كانت دائماً معقدة. ألمانيا وفرنسا سوّقتا فكرة وحدة أوروبا لمنع حرب عالمية ثالثة تنطلق منها كما الحربين العالميتين، لكن هذا لم يكن أولوية بريطانيا، التي أنقذت القارة العجوز من خطرين وجوديين، نابليون بونابرت في القرن التاسع عشر وأدولف هتلر في القرن العشرين، لذا بقي الاتحاد بالنسبة لها سوقاً اقتصادياً مشتركاً لا أكثر ولم يعنها فيه أي شيء آخر. وظلّ مَن أسَّس الاتحاد «بيروقراطيون فرنسيون يساريون كاثوليك»، فيما البريطانيون، أو أغلبهم على الأقل، عندهم حساسية تجاه ثلاث على الأقل في هذه الكلمات الأربع!

وأياً كانت الأسباب والتوقعات، تبقى في الحدث البريطاني دروس مهمة مثالاً وقدوة، أولها رئيس الوزراء ديفيد كاميرون الذي اختار التخلي عن دفة القيادة، بما أن السفينة اختارت الإبحار في جهة جديدة، فلابد من قبطان جديد. اختار النزول طوعاً من أعلى طوابق السياسة البريطانية لأن الأكثرية قالت لا لرغبته.فكان حقاً بطل ما وصفه شخصياً «أحد أكبر الممارسات الديمقراطية في التاريخ».

والثاني، هو تنظيم الخلاف الكبير، بل المصيري، بأسلوب إنساني وحضاري رفيع لا نعرفه نحن العرب، فنختار إبادة الآخر وحتى الانتحار الذاتي وتخريب بلداننا وإغراقها في الدم والدمار لشأن أقل أهمية وأتفه كثيراً مما واجهه الشعب البريطاني.

أما الثالث، فهو تأثير الحدث البريطاني على العرب سياسياً، والخليج اقتصادياً أولاً، فكيف سيكون هذا التأثير، وما مداه وحجمه، وهل هناك خطة لمواجهته والتعامل معه والتقليل من خسائره التي يكبر حجمها يومياً؟

ذلك غير معروف للناس، وكثيرون منهم معنيون مباشرة، لأن من عليهم مسؤولية التوضيح يلتزمون الصمت أو لا يعرفون!

السبت, 25 يونيو 2016

حوار مُتَخيّل!

لا أعرف عبده شحاتة, أعرف فقط أنه مواطن مصري، له نشاط لافت على شبكات التواصل الاجتماعي، خاصة في موقع «اللينكد إن» (Linked in) الموجّه أساساً نحو الأعمال، وتشارك فيه فئات عليا من المهنيين والموظفين، ممن يصنفون عادة ضمن متخذي القرار, ولا شك أن اختيار الموقع والفئة التي يستهدف الوصول إليها دليل فطنة لدى من اختار.
لفتني شعار عبده الذي اكتفى به تعريفاً بنفسه: «حاول أن تعيش الحياة، وحاول تغييرها إلى الأفضل من أجل الجميع» وقد كتبه بالإنكليزية، وكذلك تعليقاته العميقة والذكية حول التطورات في مصر والعالم العربي، وآخرها رسم كاريكاتيري يمثل «الجيل الجديد» العربي مجسداً بشاب فقد كل ملامح الفتوة والشباب، وطغت علامات الكهولة والفاقة على جسده المتهالك ووجهه المتآكل وثيابه الرثة، وهناك من يحقنه «الطائفية» في يسراه بإبرة ضخمة تستخدم في البيطرة لا للإنسان. وكان تعليق عبده عليها: «اللهم اهد شيوخنا فقد ضلوا وأضلوا».
أثارت الصورة والتعليق تفاعلاً ملحوظاً يعكس حالة الاشمئزاز والغضب لدى شرائح واسعة في الوطن العربي من انتشار وباء الطائفية التي تلوث أغلبنا بها، وجرى حوار حولها في العالم الافتراضي شارك فيه رجال ونساء من مصر ولبنان والمغرب والعراق والإمارات وهنا في الكويت، أنقله كما جاء:
• ليست تلك إبرة، بل رصاصة قاتلة في قلوبنا جميعاً لا يطلقها رجال الدين وحدهم!
• نعم، يطلقها أيضاً السياسيون وأصحاب المصالح وكل من يركب الطائفية لمصلحة خسيسة وغرض حقير يقتل الوطن.
• هؤلاء جميعاً مستفيدون وسيبقون على ضلال من الطوائف كلها.
• حتماً هو زمن الخرف.
• ليعمل كل من يحب وطنه وشعبه من أجل فصل الدين عن الدولة والسياسة.
• لكن تظل هناك مشكلة فلا يوجد وسط، وما هو موجود إما يمين منحرف، أو يسار منحرف، مطلوب البدء في التوعية. وهذا ما يخشاه معظم الحكام العرب للأسف، فبقاؤهم مرتبط بالجهل.
• لماذا نكون يميناً أو يساراً أو وسطاً؟
لنرفض الطائفية في أي موقع كنّا. نعترف بالآخر المختلف، نرفض العنف، تتكامل كل مكونات الأمة، نفصل الدين عن الدولة، نخرج من جحورنا الملّوثة بالطائفية، غايتنا التنمية والتقدم، فهما الأساس والهدف. وعندها فليكن من يريد حيث يريد. في الوسط أو اليمين أو اليسار. فلا أحد يحتكر الحقيقة.
• الطمع والرغبة في الهيمنة والسيطرة، كما التمييز والتعصب والكراهية، أدوات هدم وخراب وسبب الحروب والنزاعات، وهي التي تنفخ في نار الطائفية والبغضاء بين الناس.
• الناس لا تردهم عقائدهم إنما تردهم مصالحهم.
• الطائفية جربٌ ولا يمكن أن تُحارب بشعارات طائفية. الخطر يكبر عندما ينغمس المثقفون والإعلام في هذه المتاهة، فتصبح نبرتهم، كما هي الآن، أداة لتأجيج الفتنة فيما مسؤوليتهم الوطنية والأخلاقية العمل على وأدها، خاصة منع حقن الشباب بها.

الثلاثاء, 21 يونيو 2016

لا دين للكراهية ولا جنسية!

تصبح فكرة الاتحاد الأوروبي أكثر فأكثر موضوعاً للكراهية ودافعا للانقسام في البلد الواحد، وحتى للقتل.

ذلكم أول استنتاجات جريمة قتل النائبة العمالية البريطانية جو كوكس الخميس الماضي. سياسية مفعمة بالحيوية، ناشطة لبقاء بريطانيا في الاتحاد وضد الكراهية وفي مساعدة ضحايا الحرب السورية، وأمٌّ لفتاتين كانت ستحتفل بعيد ميلادها الثاني والأربعين غداً.

لكن الاستنتاج رغم إيلامه، ليس الوحيد الذي يفرض الانتباه. فالاغتيال السياسي في أعرق ديمقراطيات العالم ليس حدثاً عادياً، وقد نفّذه بريطاني متطرف معادٍ لأوروبا ومؤيد لانسحاب بريطانيا منها، أراد للرصاص وليس للاستفتاء، بعد غدٍ الخميس، أن يفصل في بقائها أو خروجها من الاتحاد.

المجرم على علاقة وثيقة بجماعة «سبرينغ بوك كلوب» من أقصى اليمين المتطرف التي كانت تدعم في حينه نظام الابارتهيد، الفصل العنصري، في جنوب افريقيا، وتنشط اليوم في الدعوة لانسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.

وهو في الوقت نفسه صنّع سلاح الجريمة عبر التواصل مع منظمة «التحالف الوطني» الفاشية الأميركية ولها عشرات الأفرع في الولايات المتحدة، ما يعني أن جماعات اليمين المتطرف والفاشية الجديدة في أوروبا وأميركا لا تضمر العنف والقتل وتمارسهما فقط، بل تقيم صلات فيما بينها، وتنسج تنسيقاً وتعاوناً، ما يوسّع انتشارها ويزيد خطرها.

ولأنه في مثل هذه الجرائم لابد من إبعاد حسن النية، لا يبقى من الحكمة عدم التفكير بصلات منسوجة بين الإرهابيين والمتطرفين هنا في الشرق الأوسط، وإن تسربلوا بثوب التأسلم، ونظرائهم الإرهابيين والمتطرفين هناك في أوروبا وأميركا، جماعات الفاشية الجديدة والتنظيمات اليمينية المتطرفة التي تتسربل أحياناً بالمسيحية.هؤلاء وأولئك غالبا ما يرتبطون بعلاقات تبادل ومساعدة، وإن بدا الأمر ظاهرياً أنهم أعداء بعض.

إلامَ تشير الجريمة أيضاً؟

إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت تساهم بشكل مقلق في تغذية الكراهية بين الشعوب، والانقسام والحقد داخل كل أمة، وتعميم الرؤية الأحادية للعالم، أسود أو أبيض، وإدانة الآخر والتحريض حتى على قتله لمجرد أن له رأياً مختلفاً.

قبل اليوم العجيب البشع هذا، كان المحررون وكتّاب المقالات يُخضعون المواضيع التي يتناولونها لحد أدنى من الاختيار، وقدر معقول من موضوعية المعالجة والتدقيق حرصاً على المصداقية.

لكننا نرى اليوم، كيف أن الشبكة العنكبوتية، وكثيراً من الصحافة وبقية وسائل الاعلام، تسمح لكل غبي، مخبول، تافه، عديم الثقافة مشوّه التفكير، أو انتهازي أفّاق، أن يجعل من نفسه معلقاً ومحللاً، بل وحتى قاضياً يتجرأ على تصنيف الناس، ويصدر أحكامه الخنفشارية عليهم!

وهكذا، فإن التعصب والتطرف والراديكالية ليست صناعة إسلامية أو شرق أوسطية فقط، إنها تنتشر على نحو متسارع ومتزايد في أوروبا وأميركا اللتين أيضا تغليان بالتطرف. فليس للكراهية مبدأ ولا دين أو جنس، بل هي سم  قاتل، كما قال زوج المغدورة كوكس في نعيها.

قاعة سينما في ولاية كولورادو الأميركية، مدرسة ابتدائية في كونيكتكت، حفلة ميلاد في كاليفورنيا، وأخيراً الآن، مجزرة نادي المثليين في أورلاندو بفلوريدا. في جميع تلك الأمكنة لقي أبرياء حتفهم على يدّ مجرم غاضب مريض بعاهة نفسية أو بالإرهاب. بين تلك الجرائم المتكررة في مدن أميركية واوروبية قاسمٌ مشترك رئيسي هو أن التطرف يعمّق انقسام الأميركيين كما الأوروبيين ويدفع شرائح متزايدة منهم نحو اليمين الموسوم بمواقف عدائية وعنصرية تجاه الآخر المختلف قومية أو جنسية أو ديناً!
دافع عمر متين مرتكب مجزرة أورلاندو لم يعرف أو يُعلن بعد. ملوثُ بداعش، أم مختل جنسياً لم يتوازن مع كونه مثلياً فاختار الانتقام. مع ذلك فهي ساعة للحقيقة في المشهد السياسي الأميركي، وتحديداً في انتخابات الرئاسة التي لم يبق عليها سوى خمسة أشهر.
تتجه المجتمعات نحو التشدد بعد كل جريمة إرهابية تتعرض لها، وهو الأمر الذي يتكرر الآن في الولايات المتحدة مع اقتراب الرئاسيات في 8 نوفمبر المقبل، ما سيترك تأثيره على حظوظ المتنافسين هيلاري كلينتون الديمقراطية ودونالد ترامب الجمهوري. ومن الواضح أن المجزرة البشعة تعزز حظوظ المتطرف ترامب وتضعف آمال كلينتون التي كانت الأقوى حتى الآن.
جرائم من هذا النوع دفعت الأمن الوطني إلى مقدمة قضايا الحملة الانتخابية، ولم يعد مركز الثقل فيها المسائل الداخلية، كما يكون الأمر عادة،بيع الأسلحة الفردية والتأمين الصحي والإجهاض، وانتقل الى قضايا الإرهاب والإسلام والشرق الأوسط والخليج، ما يعني أن بصمات اورلاندو ستكون مطبوعة على المعركة الرئاسية نفسها، حتى أن بعض المعلقين اعتبر أن المجزرة «حدث فارق... وأن هناك أميركا قبلها وأميركا بعدها».
ترامب هو مرشح الخوف والغضب، وهذان الشعوران يسيطران الآن على المشهد الأميركي، كما تقول الفايننشال تايمز التي تضيف: من النموذجي لترامب أنه بدلاً من تعزية أهالي الضحايا فلقد كتب في تويتر: «فعلاً أنا استحق التهنئة لأني كنت على حق بالنسبة للإرهاب الإسلامي»، في إشارة إلى أنه سيمنع دخول المسلمين إلى أميركا في حال فوزه بالبيت الأبيض متناسياً أن منفذّ الجريمة مواطن أميركي وإن كان أصله أفغانياً.
صحيح أنه موقف غير إنساني، لكن ترامب يبرهن مجدداً أن لديه غريزة سياسية المبدأ الأول فيها أن يحتل دائماً عناوين الصحف، والثاني أنه عندما يشب حريق فمن الضروري صب المزيد من الزيت عليه، أما المبدأ الثالث لأي سياسي شعبوي مثله فهو إذا ساد الخوف فانفخ فيه وضخّمه وهذا ما يقوم به فعلا ويكسب.
هيلاري كلينتون تشعر بالاهتزاز فتتعمد استفزاز السعودية والكويت وقطر، وترامب يعمد إلى بيع مزيد من الوهم ويستفز المسلمين كلهم، ليسجل نقاطاً جديدة.

الثلاثاء, 14 يونيو 2016

حكاية منسية

ليست المقارنة غاية هذا المقال، فالشماتة ليست صفة إنسانية، خاصة عندما يتعلق الأمر بمأساة أمة أو نكبة شعب ودمار حضارة.

والمقصود هنا مأساة الهروب عبر البحر، ليس من أجل حياة أفضل أو وراء حلم سعيد، بل في سبيل أول حق إنساني، البقاء حياً، وانقاذ حيوات الأقربين. وهي المأساة الناجمة عن واحدة أكبر وأفظع: الحروب التي يشعل نارها طامع أو مجنون متسلط، كما تلك الأهلية التي تفجّرها أوهام إلغاء الآخر ومرض الطائفية والقبلية والعصبية.

رواية منسية عن مأساة الهروب عبر البحر، إنما في الاتجاه المعاكس، أعاد التذكير بها موقع «الواشنطن بوست» الذي نشر دراسة عن مخيمات اللاجئين في الشرق الأوسط عشية الحرب العالمية الثانية وقُبيل اندلاعها 1939، أعدّها الراديو الدولي العام «PRI» بالتعاون مع مركز دراسات الهجرة في جامعة مينوستا الأميركيين.

هروب - وأنا هنا مجرد مترجم بإيجاز- حدث قبل سبعين عاماً وكان الأوروبيون هم الهاربين واللاجئين والمهاجرين، فيما كانت سوريا ومصر وقطاع غزة وإيران هي الوجهات التي استقبلتهم ووفرت لهم مخيمات إيواء، وبقية مستلزمات العيش وإن بحدٍ أدنى.

والمفارقة الأشد إيلاماً أن بين الأماكن التي فتحت ذراعيها للغريب القادم عبر البحر، حلب الشهباء، مدينة التاريخ والجمال والروعة والكرم، التي حولتها حربٌ أهلية دموية مجنونة وعبثية إلى أكبر مدن العالم تصديراً للاجئين الفارين إلى أنحاء أرض الله القريبة والبعيدة ومنها أوروبا.

للهجرة اليوم طريقان، خط البلقان عبر بحر إيجه، وخط البحر المتوسط. وعبر البحرين، يهرب سوريون وأفغان وعراقيون وأفارقة، وقد تحولّا إلى مقبرة للآلاف منهم.

وعبرهما، مع خط ثالث هو المحيط الأطلسي، فرَّ 60 مليوناً من ألمانيا وإيطاليا وبقية بلدان أوروبا هروباً من الفاشية والحرب. الأكثرية الساحقة منهم عبروا المحيط إلى أميركا، وحوالي 800 ألف من بولندا والمجر وكرواتيا ويوغسلافيا وبلغاريا واليونان ركبوا إيجه والمتوسط إلى سوريا ومصر وغزة، أو بحر قزوين وأراضي الاتحاد السوفييتي براً إلى إيران.

وحسب الدراسة نفسها، فإن الشعوب التي استقبلت اللاجئين الأوروبيين كانت مضيافة جداً، والناس حول مخيماتهم كانوا لطفاء كرماء، رحبوا بهم وتعاطفوا معهم وشاركوهم القليل المتوفر آنئذ من طعام عندهم، وقدموا لهم التمر والجوز والعصائر وما يطبخونه في منازلهم.

الأهم حسب الدراسة أيضاً أنهم احترموا لغات اللاجئين وتقاليدهم ولم ينظر أحد إلى دينهم وكانوا يعرفون أنهم مسيحيون، ولم يصرح مسؤول كما يفعل رئيس وزراء سلوفاكيا اليوم أو نظيره المالطي أن هؤلاء اللاجئين «خطر لأنهم يغيرون قيمنا وتقاليدنا»!

ولم ترفض حكومة أي من تلك البلدان استقبال لاجئ أو تشترط أن يكون من دين معين كما تفعل حكومتا المجر وبولندا وأحياناً التشيك التي ترفض استقبال اللاجئين أو تقبل عدداً قليلاً محدوداً شرط أن يكونوا مسيحيين!

عيّنات من السلوك المختلف عمّا يواجه اللاجئون الآن إلى أوروبا، نقلتها الدراسة عن معلمة بولندية كانت بين اللاجئين.

السبت, 11 يونيو 2016

فصلهما ضروري!

لا أترددُ فقط، بل أمتنعُ نهائياً عن الخوض في الأمور الدينية كتابةً ونقاشاً، كما عن تفسير مسائل الحياة والمجتمع وشؤونهما من منظار ديني، لأن في ذلك مجازفة كبرى في حق الدين، وتظليلاً لفهم قوانين المجتمع وحركته والسياسة جزء منها.
فمنذ تكوّن وعيي الاجتماعي بحكم الاطلاع والمتابعة، وقد سبقه تبلور إدراكي الديني بحكم التربية في البيت والمدرسة، وأنا ملتزم بمبدأ أن ديني علاقةٌ بيني وبين ربيّ، وأن الفصل بين الدين والسياسة مدخل تقدم مجتمعنا وتطوره، وشرطٌ ضروري كي نسيرَ إلى الأمام، فيما الربط بينهما يسيء للدين، ويؤدي حتماً إلى تدهور المجتمع وتخلفه وتفجير حروب أهلية بين مكوناته كما هو حاصل اليوم أو حصل في الماضي القريب أو البعيد في أكثر من بلد عربي وإسلامي أو مسيحي.
الدين وحي إلهي، ظاهرة سماوية نقية طاهرة، فيه خير ورفعة وفلاح لأتباعه كما للناس أجمعين، فيما السياسة عملية بشرية أرضية دنيوية تخضع لأهداف ومصالح وتسويات، فيها زواريب ودهاليز وألعاب، منها ما هو نظيف يبغي السعادة والازدهار للمجتمع والشعب، وما هو وسخ يتوسل الحروب والقتل والخراب والنكبات، أو يُسببّها أي معادٍ للبشر مخرب للمجتمعات.
استعدت ذلك بعد ثلاثة أمور حدثت لي معاً في يوم واحد الأربعاء الماضي.
أولها رسالة من صديق قانوني كبير أعزّه واحترم رأيه، كنت استشرته في مسألة دستورية متداولة الآن سياسياً في الكويت، فأوضح رأيه الدستوري فيها، وأرسل لي لاحقاً نصاً أبهرني للمفكر المصري الراحل د.فرج فودة لا علاقة له بما استشرته بشأنه، بل بوضعنا الراهن، وإن كان فودة قد كتبه قبل أن تغتاله جماعة إرهابية متأسلمة في العام 1992.
جاء النص الذي كُتب قبل حركات الربيع العربي بربع قرن، قراءة طليعية سبقت حالنا الراهن بسنوات، وقال فودة فيه: «تبدأ الدائرة المفرغة في دورتها المفزعة، ففي غياب المعارضة المدنية سوف يؤدي الحكم العسكري (في مصر وعدة بلدان عربية) إلى السلطة الدينية، ولن ينتزع السلطة الدينية من مواقعها إلا الانقلاب العسكري».
الأمر الثاني تقرير أعدته وكالة الصحافة الفرنسية عن مناطق قرب الرقة استعادها الجيش السوري الأسبوع الماضي من داعش بعد سنتين من سيطرة التنظيم الإرهابي عليها. يتحدث في التقرير مهندس فيقول: «كنا نطالبهم (داعش) بالكهرباء للقرية، فيجيبون: هل كان لدى الرسول محمد كهرباء؟!».
أما الأمر الثالث فهو حديث مع زميلة تطرقت فيه إلى الاضطهاد والتمييز والظلم الذي تتعرض له المرأة العربية والمسلمة خاصة المطلقة باسم الإسلام، وهي على قناعة بأنه ليس من الدين، بل نتاج فهم سطحي له، ومما قالته ولفت نظري «لقد رجع ديننا غريباً كما أتى، ونحن نختبئ وراءه فقط، غرباء عنه لا نعرفه».
بحثت في أصل العبارة فإذا هي الحديث النبوي «جاء الإسلام غريباً وسيعود غريباً» وإن كان أهله كثيراً.
تتوالى الأيام، والقناعة التي تكوّنت في عقل الفتى تترسخ. فلكي ينهض العرب لابد من مشروع لحمته وسداه فصل الدين عن السياسة، ودولة أساسها القانون واحترام الإنسان، أما هدفه فالتنمية وازدهار المجتمع والناس للعودة إلى النهضة والحضارة.

الثلاثاء, 07 يونيو 2016

إنسان حر.. عالم أحسن

الكتابة المنتظمة متعبة لمن يتعامل معها بمسؤولية. الفاصل بين محطتين فيها ليس للراحة، انما للتفكير بموضوع المحطة المقبلة والتواصل والبحث والتقصي. وبين الموعدين قد يحدث طارئ دون الكتابة عنه في حينه، على ضرورتها.

لماذا هذه الملاحظة؟ لأن موعد «كلمات» السبت والثلاثاء لم يسعفني لأكتب عن محمد علي كلاي، وقد كان أيقونة الرياضة في طفولتي، ثم أصبح في شبابي أيقونة للمبدأ وأنموذجا وقدوة في الموقف.

ملك الملاكمة، وأحد أعظم رياضيي التاريخ الحديث. قال عن نفسه: «أنا الأكبر» وسماه العالم «أهم رياضيي القرن العشرين».

ولد مطلع العام 1942 لعائلة أميركية شديدة الفقر في الجنوب الأميركي المتوحش، بيئة العنصرية والتمييز والاضطهاد، في وقت لم يكن فيه ممكنا حتى مجرد الحديث عن مساواة السود والبيض، مع أن العبودية كانت قد ألغيت في أميركا قبل ذلك بمئة عام.

كان يقطع يوميا المسافة بين بيته ومدرسته في الاتجاهين ركضا، لأن عائلته لم تكن تملك اجرة الباص. هذه المعاناة تحديدا ربما ساعدته في امتلاك ميزات عظيمة كملاكم. فهو تميز على الحلبة بالذكاء وشدة الملاحظة، ولكن قبلهما بالحركة السريعة المدهشة.

كان في الثامنة عشرة عندما اصبح بطل العالم في وزن نصف الثقيل، وفي العام 1960 نفسه فاز بأولمبياد روما، وبعدها بأربع سنوات ببطولة العالم في الوزن الثقيل. حينها أزف الوقت للدخول في عالم مليء بالشهرة والمال والفساد، فلم يتلوث. بقي الملاكم الأسود الوسيم الثرثار الذي يبهر الجميع عندما يكون على الحلبة، لكنه في الحياة العامة المبدئي المستقيم نصير السود والمضطهدين عموما.

ولأنه مقاتل عنيد ضد التمييز والاضطهاد والفقر اعتنق الإسلام معلنا: «كاسيوس كلاي هو اسم عبوديتي، لم اختره ولا أريده، أنا محمد علي كلاي، إنسان حرّ».

الاعتزاز بالانسانية والفخر بالحرية والنضال من أجلهما جزء من شخصيته وحياته رغم الزمن القاسي الذي عاش فيه. فكان كلاي الذي «يطير كفراشة ويلسع كنحلة» يتقدم ويحقق إنجازات رياضية وإنسانية.

عام 1967 رفض أن يلتحق بالجيش الأميركي الذي كان يحارب في فيتنام: «لا شيء عندي ضد الفايكونغ «الثوار الفيتناميين» فلم يسمني احد منهم «نغرو» اي عبد».

كلاي دفع ثمنا غاليا لموقفه الشجاع، فحُرم من الملاكمة ثلاث سنوات وحكم عليه بالسجن، لكن موقفه اكسبه احترام العالم الذي اعتبر الحرب الاميركية ضد فيتنام حرباً عدوانية، واحدث صدمة للاميركيين جعلتهم ينظرون الى حرب فيتنام والتجنيد الاجباري نظرة مختلفة عما قبل.

يحتل كلاي مكانة مميزة في عقول الناس وقلوبهم حول العالم ويضعونه ليس في قمة الرياضة فقط، بل أيضاً في مصاف كبار المناضلين والاصلاحيين السود، مارتن لوثر كينغ ونيلسون مانديلا، فهو «لم يخف ان يتكلم عندما لم يستطع الآخرون» حسب الرئيس باراك اوباما الذي يحتفظ بصورة معه في مكتبه، وأضاف في وصفه الموفَّق لكلاي: «لقد هزَّ محمد علي العالم وبفضله اصبح أحسن».

السبت, 04 يونيو 2016

أردوغان إمام مسجد!

وحيداً يمضي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. تخلّص ليس من خصومه، فهؤلاء يزداد عددهم،بل من جميع حلفائه والقيادات ذوي المستوى والنكهة الذين ساهموا في صنع «الحلم التركي» منذ مطلع الألفية الجديدة مع وصول «حزب العدالة والتنمية» الإسلامي إلى الحكم، وآخرهم أحمد أوغلو رئيس الوزراء ومنظّر «العثمانية الجديدة».
«فترة الأحلام» انتهت مع انتخابات العام 2011 ومعها تغيّر أردوغان نفسه الذي أطلق العنان لنزعاته السلطوية ليس فقط عبر الاصرار على تحويل النظام التركي من برلماني إلى رئاسي، بل عبر سمات نشأت ثم تكرّست مع كل خطوة له في هذا الاتجاه.
سمات سلطوية تولد من الخطيئة الأولى، حب السلطة، وتتكاثر معها، حتى أصبح واضحاً أن أردوغان يلعب على قاعدة «كي أبقى حياً سياسياً عليّ أن أمسك بكل مرافق السلطة»، فوضع يده على مفاصلها, ونسف كل آلية جدّية تمنعه من احتكارها والتفرد بها والتحول إلى ديكتاتور في نظام يفترض أنه ديمقراطي.
أوغل في ممارسات غير ديمقراطية، وحاصر المؤسسات الكمالية العلمانية، وفرمل مساعي حزبه «العدالة والتنمية» للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهيّج النزعة القومية التركية، شاهراً أجندته الحزبية الإسلاموية لتغطية نهجه وتبريره!
يعزز أردوغان نزعاته السلطوية لكنه يخسر في الوقت نفسه كثيراً من القاعدة الشعبية الواسعة، التي حملته مع حزبه إلى السلطة، وأصبحت هذه القاعدة تتآكل باستمرار على نحو واضح ومستمر.
صحيح أنه قد تبقى له قاعدة شعبية عريضة نسبياً في الأناضول وفي الريف وضواحي المدن وأطرافها، لكنه يخسر على نحو واضح الفئات المدينية والمثقفين والمتعلمين والإعلاميين، ولم ينجح في استمالة أزمير ذات الاتجاهات الكمالية، ويقف أكراد شرق الأناضول الذين حظي بدعمهم وتأييدهم إلى سنوات قريبة في مواجهته الآن حتى عسكرياً.
هوسُ السلطة يحجب حقائق كثيرة عن أردوغان ويجعله يرتكب أخطاء كثيرة في السياستين الداخلية والخارجية، عينه لا ترى إلا «أناه» المتضخمة جداً، ولا تنظر إلا للعام 2023 الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية. يطمح لأن يكون رمزاً للأمة كما كمال أتاتورك. وهو الهدف الذي سعى إليه كل الزعماء الأتراك قبله، لكن أحداً منهم لم ينجح، والأرجح أن يكون هذا مصيره أيضاً.
اختار أردوغان أن يغرق في المحافظة والتزمت، رغم أنه يرفض أن يصف حزبه أو سياسته «إسلامية» ليس خياراً منه، بل لأن الدستور يمنع ذلك. لكنه يتحدث أكثر فأكثر كإمام مسجد أو داعية، ويخاطب الأتراك «الإخوان والإخوات المسلمين»، وآخر الأمثلة على «تدروشه» الفكري والسياسي، هجومه العنيف على تنظيم الأسرة أو استخدام النساء وسائل منع الحمل معتبراً ذلك «خيانة وطنية» و«خروجاً على إرادة الله ورسوله»!
باختصار، أربع صفات تطبع السياسة الأردوغانية: اتجاه حثيث نحو حكم الفرد المتسلط، محاصرة المؤسسات الديمقراطية والضغط عليها، نزوع نحو المحافظة والخطاب الديني، فرملة الاندفاع نحو أوروبا.
إنه نهج يعزز الأطماع في المحيط، العربي منه تحديداً.

الثلاثاء, 31 مايو 2016

نسمع عنها ولا نراها!

رغم كلام بعض الأوساط السياسية والإعلامية عن «حلحلة» أو «تسويات» أو «توافق» بين السعودية وإيران تلوح بوادرها في عدد من محاور الاشتباك بين البلدين، خصوصاً المحادثات اليمنية التي تستضيفها الكويت، ومعركة الفلوجة العراقية لتحريرها من داعش، فإن دليلاً ملموساً على ذلك لم يظهر بعد، بل تأتي المؤشرات المتوفرة علناً، وتحديداً بالنسبة للفلوجة كما للتوتر الحاصل في موضوع الحجاج الإيرانيين، على عكس الكلام الآنف.
التعايش على أسس حُسن الجوار وعدم التدخل والتعاون، أكثر من ضرورة ملحة تحتاجها المنطقة كي تتفرغ للتنمية والبناء وتطوي صفحة الحروب والنزاعات والقتل والخراب.
للأسف لم تستوعب القيادة الإيرانية بعد هذه الحقيقة وأن عليها تغيير سلوكها، والكف عن الاستفزاز والتوتير والتدخل في شؤون العرب والتمدد على حسابهم، بل تمضي الى المزيد من عسكرة مجتمعها ما ينعكس عليه ضياع فرص وفقراً، وعلى المحيط سعياً للهيمنة ومدّ النفوذ.
آخر تجليات هذا النهج المدمر، تدخل طهران المباشر في معركة الفلوجة وإرسال قادة من الحرس الثوري على رأسهم الجنرال قاسم سليماني إلى هناك، ما استفز شرائح واسعة من الشعب العراقي ودولاً عربية فرفضته الرياض علناً، وإن بررته طهران بأن الحكومة العراقية قد طلبته وهذا مبرر ضعيف جداً لا يقنع أحداً، ويحمل مفارقات كثيرة ليس بينها بالتأكيد أي مؤشر على حسن نية.
أول تلك المفارقات أن القيادة الايرانية تتخلى عن قاعدة «إذا بليتم فاستتروا»، بل تتبع تكتيكاً يتعمد أن يجعل تدخلها هنا وهناك في البلدان العربية وشؤونها، علنياً سافراً ومكشوفاً على ما فيه من استفزاز، غايتها أن يصبح أمراً واقعاً يتعوّد عليه العرب.
وثاني المفارقات أن وجود سليماني ليس ابدا ضمانة لكسب معركة الفلوجة، فبوجوده خسر العراق الموصل قبل عامين، وهناك من يحمّله مع القيادة الإيرانية جزءاً من المسؤولية عن ضياع خمس العراق وسيطرة داعش عليه، اضافة الى مسؤولية تابعها نوري المالكي طبعا.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن الفئوية والتفرد اللتين يمارسهما الحكم العراقي وما ينتج عنهما من فوضى وفساد، وصل ذروته أيام حكومة المالكي، تصب جميعها في صالح إيران التي تريد العراق ضعيفاً دائماً فيسهل تحكمها به. وهو موجود الآن للاستفادة من الفوز على داعش عندما يتحقق.
يستتبع ذلك أن وجود سليماني إساءة بالغة للجيش العراقي وقادته وضباطه وإهانة لهم وتشكيك بكفاءتهم.
أما أخطر المفارقات فإن وجود قائد فيلق القدس، وهو شخصية ممقوتة من أكثرية العراقيين لأنه أحد رموز التجاوز على السيادة، مضافاً إليه تدخل «الحشد الشعبي» أو «الإيراني» كما يسميه البعض لأنه مجموعة ميليشيات طائفية تتحكم بها إيران عبر أدواتها العراقية في معركة الفلوجة، يعكسان إصراراً غير مفهوم ولا مبرر على إعطاء المعركة بعداً طائفياً، ومن المفترض أنها ليست كذلك.
البعد الطائفي شديد الضرر، كما هو ضار في كل مكان عربي امتدت إليه اليد الإيرانية!

السبت, 28 مايو 2016

جينات خطيرة تتكاثر

لست من عشاق فيينا، ولم أقتنع أن أحلى ليالي الأنس فيها، على رُقيها وتنظيمها وهدوئها وارستقراطيتها وهيبتها الإمبراطورية، الأغلب أن العلة ليست فيها، بل في العبد لله هاوي المتحرك والمتغير وغير المألوف أي، اختصاراً، الصخب، وهو ما تفجر في النمسا مرة واحدة على نحو مفاجئ الاثنين الماضي.
الانتخابات الرئاسية والتقارب الشديد بين المرشحين الاثنين، أظهرت أنه من غير الحكمة الاستكانة إلى ما يظهر على السطح، ليس في النمسا فقط. فهناك، وبكلمات العظيم شكسبير، «شيء ما عفن» يجري في القارة العجوز، بل في العالم، عنوانه العريض نزوعٌ إلى التطرف.
كانت الانتخابات دراما كبرى فاز فيها المعتدل فان دور بلين بـ 50.3 ٪ من الأصوات. لكن الموضوع ليس هنا، بل في الـ 49.7 ٪ التي حصدها اليميني المتطرف توربيرت هوفر، وهو الرقم الذي جعل أوروبا كلها تفزع لأنه «أكبر حدث انتخابي كارثي» في النمسا باعتبارها المرة الأولى التي يجمع فيها مرشح معارض هذا القدر من التأييد والأصوات، حسب الصحافة الأوروبية.
الرئيس النمساوي الجديد نصير قوي لأوروبا موحدة مفتوحة للمهاجرين، بينما منافسه اليميني المتطرف خاض معركته باللاءات الثلاث: لا للاجئين، لا للمسلمين، لا لبروكسل.
التطرف في أوروبا يرفع رأسه منذ مطلع الألفية الثالثة خاصة بعد اندلاع الأزمة الاقتصادية المالية العام 2008، لكن عوامل كثيرة أخرى عنوانها العجز تصبُّ الزيت على نار اليمين المتطرف والفاشية والشعبوية من كل نوع.
عجز أوروبا عن إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية المستمرة منذ تسع سنوات، وعجزها عن الاتفاق على حل مشترك لأزمة اللاجئين، وعجز الوسط فيها، يمينه واليسار، الذي يتصرف وكأنه فقد الرغبة إن لم تكن القدرة، على الدفاع عن قيم الديمقراطية كما فعل في العقود الماضية!
وقبل هذا وذاك، عجز عن إيصال سياسيين قادة أصحاب رؤية ومشروع إلى سدة الحكم، لا شخصيات بهلوانية أو مجرد موظفين كبار كما هو حاصل في كثير من الدول الأوروبية مع استثناءات محدودة جداً!
هل للحدث النمساوي هذه الأهمية لمتابعته والتعليق عليه؟!
نعم لأنه يؤكد من جديد أن أوروبا تتجه بسرعة إلى التطرف وحكم اليمين، وأن جينات النازية الجديدة تنمو وتتكاثر فيها وإن لم يصل الأمر بعد إلى المناصفة كما حصل في النمسا، وسط القارة حيث يستحكم المرض، خاصة في سلوفاكيا والمجر وبولندا وتشيكيا، وهي الدول التي تعلن بعنصرية مهينة وبشعة أن لا مكان للإسلام فيها!
ولا ننسى أن الفيروس أصاب أميركا المجنونة بالشعبوي دونالد ترامب، وينخر كذلك في جوار العرب: إسرائيل وتركيا وإيران، وهو ما تناولناه في «كلمات» الثلاثاء الماضي.
قوى الديمقراطية والعقلاء في أوروبا أياديهم على قلوبهم من أن يكون التحول القادم فاشياً كما عشية الحرب العالمية الثانية.
من الحكمة أن يشارك العرب هذه القوى قلقها وتخوفها.

الصفحة 8 من 12