جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

السبت, 28 مايو 2016

جينات خطيرة تتكاثر

لست من عشاق فيينا، ولم أقتنع أن أحلى ليالي الأنس فيها، على رُقيها وتنظيمها وهدوئها وارستقراطيتها وهيبتها الإمبراطورية، الأغلب أن العلة ليست فيها، بل في العبد لله هاوي المتحرك والمتغير وغير المألوف أي، اختصاراً، الصخب، وهو ما تفجر في النمسا مرة واحدة على نحو مفاجئ الاثنين الماضي.
الانتخابات الرئاسية والتقارب الشديد بين المرشحين الاثنين، أظهرت أنه من غير الحكمة الاستكانة إلى ما يظهر على السطح، ليس في النمسا فقط. فهناك، وبكلمات العظيم شكسبير، «شيء ما عفن» يجري في القارة العجوز، بل في العالم، عنوانه العريض نزوعٌ إلى التطرف.
كانت الانتخابات دراما كبرى فاز فيها المعتدل فان دور بلين بـ 50.3 ٪ من الأصوات. لكن الموضوع ليس هنا، بل في الـ 49.7 ٪ التي حصدها اليميني المتطرف توربيرت هوفر، وهو الرقم الذي جعل أوروبا كلها تفزع لأنه «أكبر حدث انتخابي كارثي» في النمسا باعتبارها المرة الأولى التي يجمع فيها مرشح معارض هذا القدر من التأييد والأصوات، حسب الصحافة الأوروبية.
الرئيس النمساوي الجديد نصير قوي لأوروبا موحدة مفتوحة للمهاجرين، بينما منافسه اليميني المتطرف خاض معركته باللاءات الثلاث: لا للاجئين، لا للمسلمين، لا لبروكسل.
التطرف في أوروبا يرفع رأسه منذ مطلع الألفية الثالثة خاصة بعد اندلاع الأزمة الاقتصادية المالية العام 2008، لكن عوامل كثيرة أخرى عنوانها العجز تصبُّ الزيت على نار اليمين المتطرف والفاشية والشعبوية من كل نوع.
عجز أوروبا عن إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية المستمرة منذ تسع سنوات، وعجزها عن الاتفاق على حل مشترك لأزمة اللاجئين، وعجز الوسط فيها، يمينه واليسار، الذي يتصرف وكأنه فقد الرغبة إن لم تكن القدرة، على الدفاع عن قيم الديمقراطية كما فعل في العقود الماضية!
وقبل هذا وذاك، عجز عن إيصال سياسيين قادة أصحاب رؤية ومشروع إلى سدة الحكم، لا شخصيات بهلوانية أو مجرد موظفين كبار كما هو حاصل في كثير من الدول الأوروبية مع استثناءات محدودة جداً!
هل للحدث النمساوي هذه الأهمية لمتابعته والتعليق عليه؟!
نعم لأنه يؤكد من جديد أن أوروبا تتجه بسرعة إلى التطرف وحكم اليمين، وأن جينات النازية الجديدة تنمو وتتكاثر فيها وإن لم يصل الأمر بعد إلى المناصفة كما حصل في النمسا، وسط القارة حيث يستحكم المرض، خاصة في سلوفاكيا والمجر وبولندا وتشيكيا، وهي الدول التي تعلن بعنصرية مهينة وبشعة أن لا مكان للإسلام فيها!
ولا ننسى أن الفيروس أصاب أميركا المجنونة بالشعبوي دونالد ترامب، وينخر كذلك في جوار العرب: إسرائيل وتركيا وإيران، وهو ما تناولناه في «كلمات» الثلاثاء الماضي.
قوى الديمقراطية والعقلاء في أوروبا أياديهم على قلوبهم من أن يكون التحول القادم فاشياً كما عشية الحرب العالمية الثانية.
من الحكمة أن يشارك العرب هذه القوى قلقها وتخوفها.

الثلاثاء, 24 مايو 2016

تل أبيب- أنقرة- طهران

نعم إنها الحقيقة: العرب لا يتعلمون, عاجزون عن استخلاص العبر, وهذه سمة تترسخ في صفاتهم, رغم مرارة الأيام وقسوة التجارب وخطورة اللسعات وفداحة الخسائر والخراب المنتشر على مد النظر, والحروب المتمددة بين أبناء الوطن الواحد عرب وعرب, وهم عاجزون عن معالجة بلاويهم, ساهون عما يجري حولهم وتسير إليه الدول والقوى المحيطة بهم.

عبث ربما دعوة العرب لإدراك كيف يتحول العالم إلى اليمين والتطرف وتقوى فيه النزعات والاتجاهات المعادية لهم. قصر النظر المستحكم يمنع الرؤية, لكن أي مبرر لا يعفيهم من رؤية التحولات, عند جيرانهم إسرائيل وتركيا وإيران. فكل المستجدات الحاصلة في الدول الثلاث ليس في مصلحة العرب, لأن عنوانها العريض ميل متزايد نحو الفاشية وسلطة الفرد والحكم الشمولي.

إسرائيل تشهد نمواً سريعاً للفاشية في حكمها, وسيطرة العناصر المتطرفة بل الخطيرة على حكومتها, وهذه أوصاف استخدمها ثلاثة من ألمع قادتها, رئيس الوزراء السابق إيهود باراك ووزير الدفاع المستقيل موشي اعالون ونائب رئيس الاركان جاعير جولان الذي لم يتردد في القول إن اليهود «يسيرون على الطريق نفسه الذي سار عليه جلادهم النازي», أي هتلر.

أبرز دلائل نمو الفاشية في الدولة العبرية إقدام جندي إسرائيلي على جرحى فلسطينيين ممددين على الارض عاجزين عن إيذاء أحد, إضافة إلى سلة قوانين مقدمة من الحكومة إلى الكنيست أخطرها رفع الحصانة النيابية عن النواب المتعاطفين مع «الإرهاب» أي النواب العرب.

تركيا تسير بسرعة على هوى السلطان أردوغان الذي اختار لرئاسة الوزراء بن علي يلديريم, هذا سيكون موظفاً في بلاط السلطان مهمته الأولى تسريع سيطرة رئيسه على أجهزة الدولة وتحويل النظام التركي من برلماني إلى رئاسي على غرار نظام هتلر حسب تعبير أردوغان نفسه. وقد التزم يلديريم في أول خطاب له بأن يكون تعديل الدستور والنظام «أولوية لتركيا» مستعيداً في خطابه اللغة نفسها التي استخدمتها من قبل جوقة صدام حسين وكيم ايل سونغ وهتلر, مخاطباً أردوغان بـ «الرئيس المؤسس القائد»!

إيران التي يميل نظامها أكثر فأكثر إلى الفارسية, تغذي أطماعها وتعزز نفوذها في العراق وسوريا ولبنان وغزة وتمدده إلى اليمن ومن تحت الستار إلى البحرين والسودان لتكريس نفسها قوة إقليمية عظمى.

بين الفاشية والشمولية قواسم مشتركة عديدة أبرزها الاطماع في الآخر والرغبة في السيطرة والهيمنة خارج الحدود. في ظروف منطقتنا فإن هذه الاطماع تجمع الثلاثي ولا تفرقه.

مد النفوذ نحو العرب ودولهم وثرواتهم عملية حقيقية جارية.

السبت, 21 مايو 2016

خلافة ثانية!

«للقاعدة» طموحٌ كبير في سوريا. يسعى التنظيم الإرهابي لإقامة دولته الخاصة في إدلب، مقلداً نظيره الإرهابي «داعش» الذي سبقه لإعلان دولة عاصمتها الرقة.
ويقول الصحافي الأميركي شارلز ليستر المتخصص في شؤون الشرق الأوسط والذي كشف الخطة في «فورين بوليسي» إن «النصرة» تسير نحو غايتها بحذر ودون ضجيج خلافاً للطبل والزمر اللذين اعتمدهما «داعش» حين أعلن الخلافة.
تفيد المعلومات المتداولة أن لدى «النصرة» إرهابيين ذوي كفاءة وخبرة رغم أن مقاتليها أقل عدداً مما لدى داعش. وتتفاوت المعطيات كثيراً حول قوة التنظيمين، فتشير التقديرات إلى أن مقاتلي النصرة 10-15 ألفاً، فيما تضم داعش 300 ألف.
لهذه الغاية ارسل تنظيم «القاعدة» أيضاً مجموعة من قادته وكوادره إلى سوريا بينهم الضابط المصري السابق سيف العدل الشخص الثاني فيه، لترتيب مستلزمات «الإمارة» وكذلك لإقناع المترددين من قيادة النصرة بالدولة، حتى أصبح عدد مسؤولي القاعدة في سوريا أكثر مما لديه في أفغانستان أو باكستان.
وينبّه ليستر إلى أن لسوريا أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للقاعدة، فهي قريبة من أوروبا، وتحدّ إسرائيل، ومنها يستطيع التنظيم أن يجند أعضاء جدداً، ويرتب اتصالاته وصلاته مع العراق، تركيا، لبنان، الأردن، لبناء شبكة لوجستية واسعة.
بدأت فكرة «الدويلة» تترسخ لدى «النصرة» فرع القاعدة في سوريا بسبب تفاقم الخلافات مع «داعش» حتى وصفه أيمن الظواهري في خطابه مؤخراً بأنه «متطرف»، ودعا المسلمين للوحدة لمواجهة دولته التي أعلنها العام 2013 ضد إرادة الظواهري نفسه، الذي حث أنصاره على «التقدم في الشرق».
شجع «القاعدة» على ذلك، نجاح «النصرة» العام الماضي في توحيد عدة فصائل إسلامية مقاتلة في ما يسمى «جيش النصر» تحت قيادتها، وكذلك سيطرتها على معظم مناطق محافظة إدلب القريبة من حلب في شمال سوريا، وسحبت مقاتليها إليها من باقي المناطق السورية، وأقامت ما أسمته «إدارة المناطق المحررة».
أما العامل المباشر الأهم الذي يحفّز القاعدة، فهو خوفها من الأوضاع السلمية الهادئة نسبياً في سوريا بفعل الهدنة التي تضغط واشنطن وموسكو لاستمرارها.
ففي الهدنة مقتل التنظيمات الإرهابية عموماً، لذا فهي تحرص على التوتير للتماسك وشد العصب، فالحرب والموت والعنف مصادر رئيسية لنفوذها ووجودها حتى.
يتوقع ليستر ان النصرة سيعلن عن دويلته حتى نهاية العام الحالي، وان التنظيم الإرهابي سيعلن فيها حكم الشريعة كما هو الحال في المناطق الواقعة تحت سيطرة داعش.
أما انعكاساتها في المنطقة والعالم فستكون زيادة في السوء وعدم الاستقرار، إذ ستكون الخلافة الثانية مركزاً جديداً لتصدير الإرهاب.

الثلاثاء, 17 مايو 2016

سُنّتا حياة!

ستّون ألفاً يقرأون كل إصدار يومي من «الشاهد». وثلاثون ألفاً يتابعون تلفزيونها.
يُثبت الرقم الكبير الذي رصدته مؤسسة الدراسات العالمية إيبسوس، أن «الشاهد» المؤسسة الإعلامية ذات الوسائل المتعددة، صحيفة وتلفزيوناً وموقعاً إلكترونياً، استطاعت، في أقل من عشر سنوات، أن تتجاوز مرحلة إثبات الذات، إلى بناء مكانة مميزة ومتميزة، أداءً وموقفاً، في طليعة الأسرة الإعلامية الكويتية.
تزداد قيمة الإنجاز بالنسبة لـ«الشاهد» الصحيفة، خصوصاً، لأنه أولاً، نجاح فعلي يعتمد على رقم الأعداد المبيعة لا المطبوعة، وهو، ثانياً، يتحقق فيما يتراجع الاهتمام بالصحافة المكتوبة الذي أصبح ظاهرة عالمية مقلقة أصابت الكويت وصحافتها التي تعاني من تناقص قرائها، كما أن الإنجاز، ثالثاً، شهادة على نجاح «الشاهد» في الإفلات من طوق الاتجاه السلبي المزعج لسوق الصحافة.
كرّست «الشاهد» موقعاً مرموقاً في الحياة الكويتية العامة، وفي أوساط القراء والمشاهدين ولدى الشرائح الاجتماعية المختلفة من المواطنين والمقيمين، يتعزز دائماً بين الفئات المثقفة والمتعلمة والطلبة الجامعيين، وفي البيوت وأماكن العمل، وبين متخذي القرار والمسؤولين في المواقع القيادية، كما بين المستثمرين ورجال الأعمال وأصحاب المهن الحرة.. وبين الرجال والنساء، وكذلك المتقدمين في السن والشباب.
وراء النجاح معطيات وعوامل ظاهرة رصدتها إيبسوس، وقبلها دراسة دار العروبة، وربما بعدها مراكز دراسات عربية وعالمية أخرى تتولى استطلاع موقع وسائل الإعلام المختلفة بما فيها التي تصدر عن الدار الكويتية للإعلام والنشر، أبرز تلك الأسباب أن «الشاهد» هي الأكثر جرأة في الخبر والرأي والمعلومة، تقول ما لا يقوله الآخرون في التوقيت الصحيح وبالكلام المناسب.
هناك أيضا عناصر واضحة يلمسها القراء والمشاهدون والمتابعون، في مقدمتها التمسك بالمبدئية والمصداقية،والانسلاخ عن قيود المصلحة الذاتية الضيقة، والالتصاق بمصالح الكويت وشعبها ونظامها، فيما نعيش زمنا عجيبا يشهد طغياناً حثيثا للمصالح والمطامع، وتراجعا خطيرا للمثل والمبادئ! يضاف الى ذلك كله، همّ دائم للتطور وتطوير الذات، والتجدد والتجديد.
عمليةٌ مستمرة يقودها رئيس تحرير شجاع مقدام طموح، مباشر صادق لا يتلوَّن، يُعتمد عليه،
ذو علاقات غنية ومتشعبة موظفة لإغناء «الشاهد»، يعرف ماذا يريد من وسائل الإعلام المتعددة التي يصدرها، وأيّ دور وطني منوط بها وعليه القيام به. ومدير تحرير متميز، صحافياً وإنسانياً، «أُسطة» في مهنته، وقدوة في تعامله مع زملائه، «الشاهد» بيته وشغله وهمه وحتى مطعمه باستثناء يوم الجمعة الوحيد المخصص للقاء العائلي. وفريق عمل شاب، متقد حماسةً وثقافة، ينهل الخبرة والمعرفة ويعطيهما، متحفّز يتفاعل بحيوية الشباب وجسارتهم مع الحدث، صادق يتعالى عن التلاعب بالمعلومة
أو تحويرها  أو تحريفها، شجاعٌ في الرأي والصنعة. انه الشباب الذي يصنع صحافة واعلاماً يعيشان روح العصر ويعّبران عنه.
التطوير عملية دائمة لا تقبل المراوحة. ونجاح «الشاهد» في مقولة راعيها إن التجديد سمة الحياة، وهو يضيف دائماً أن معارضة التجديد هي أيضا سمة الحياة.
الخيار الأول هو مسيرة «الشاهد».

السبت, 14 مايو 2016

موت كل أربعين ثانية!

وباء جديد يلف العالم. مرعبٌ كإرهاب داعش والنصرة والقاعدة، خطيرٌ كتنامي العنصرية في أميركا وأوروبا، بشعٌ كالبطالة والعَوَز والفقر وانسداد الأمل، المتفشية بين شباب العرب وشاباتهم. إنه وباء الانتحار!
800 ألف إنسان ينتحرون سنوياً حول العالم. ينتحر شخص كل أربعين ثانية، الرجال بينهم أكثر من النساء، الانتحار صار السبب الثاني لموت مَنْ أعمارهم بين 15 و39 سنة، كما أن نسبته مرتفعة بين مَنْ تجاوز الخمسين.
وتفيد دراسة منظمة الصحة العالمية أن المنتحرين غالباً ما ينهون حياتهم في ساعات الصباح الباكر قبل الاحتكاك بأحد، أو في وقت متأخر ليلاً، ويكون السُكر سبباً رئيسياً.
في الولايات المتحدة ينتحر 13 شخصاً من كل مئة ألف أميركي, ارتفاعاً من 10.5 أشخاص لكل 100 ألف العام 1999. الانتحار اليوم في أميركا هو الأعلى منذ العام 1989. ارتفع بشكل لافت بين البيض متوسطي الأعمار، كما بين الفتيات اليافعات بين 10 و14 سنة. وتعني النسبة أن 50 ألف أميركي ينتحرون سنوياً، بزيادة 25 ٪ خلال 15 عاماً.
ويقول مركز مراقبة الأمراض إن انتحار مَنْ هم في أواسط أعمارهم يسير يداً بيد مع الاكتئاب الذي تفشى بين الأميركيين بعد أزمة 2008 الاقتصادية التي سببت للناس خوفاً أكثر من أي وقت مضى على عملهم وأمن عوائلهم.
في روسيا يثير وباء الانتحار قلقاً رسمياً ومجتمعياً متنامياً. إنه ينتشر خاصة بين الشباب كما بين المصابين بأمراض خطيرة نتيجة ندرة الأدوية، بعد الحصار الاقتصادي والمالي الغربي على روسيا.
اللافت أن السلطات الروسية اعتمدت حلاً مثيراً للاستغراب وغير مسبوق ربما، إذ لجأت الى فرض رقابة مشددة على نشر أخبار الانتحار، وألزمت وسائل الإعلام بتعليمات عن كيف تخبر الجمهور عن حالات الانتحار حسب الوكالة الرسمية «RBK».
غير مسموح مثلاً نشر أو إذاعة أو بث أكثر من خبر واحد عن انتحار شخص واحد يومياً. كلمة «انتحار» ممنوع أن تظهر في العنوان ولا في الصفحات الأولى أو في مقدمات الأخبار الإذاعية والتلفزيونية. ممنوع وصف الحالة أو تصويرها «حتى لا يكون الخبر حافزاً للآخرين».
في البلدان الإسلامية والكاثوليكية، نسبة الانتحار هي الأقل عالمياً كما لاحظت الصحة العالمية.
الدينُ حافز للحياة وقوة أخلاقية وإنسانية لصيانة الإنسان وتوفير حياة جميلة له مغمورة بالفرح.
الأحزاب الدينية قوى معادية للحياة، تعسكِر المجتمعات والكيانات المجتمعية، وتفرّغها من شبابها، قوة بناء المستقبل، وترميهم بدلاً من الفرح والنمو والازدهار لهم ولأوطانهم في أتون الإرهاب والحروب والموت.

الثلاثاء, 10 مايو 2016

رقصة الدب

يتخلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مضطراً عن تكتيك الرقص بين البيض إلى تكتيك رقصة الدّب عليه.

الأول كان يمارسه مرتاحا في مرحلة الصعود والازدهار اللذين حققتهما تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه، أما الثانية فمرغم عليها، وهي من علامات التدهور والهبوط، ومؤشر أزمة يعاني منها النظام التركي أصابت رأسه وتنتشر في معظم حلقاته ومفاصله.
أزمة عضوية جوهرية ملازمة للأحزاب والأنظمة الدينية والعسكرية والأيديولوجية، عنوانها العريض الغرور والتسلط والرغبة في التفرد وإلغاء الآخر، تنتهي كلها بحكم فردي وديكتاتور حاكم.
هذا المرض ينخر حثيثا في جسد العدالة والتنمية المنتمي إلى «الاخوان المسلمين» ويعتبر أردوغان بالذات نموذجه الصارخ على طريق الحكم الفردي التسلطي. تخلّص من جميع رفاق دربه: الأب الروحي فتح الله كولن ثم الرئيس عبدالله غول واخيرا رئيس الوزراء أحمد أوغلو منظر الطورانية الجديدة، والشخصية التي قيل عنها إن الثقة بتركيا تقوم مع أوغلو وتسقط معه.
وإن كان الإبعاد مفاجئا، إلا أن أسبابه كثيرة والخلافات بين الرجلين تراكمت وتحوّلت إلى عداوة انفجرت الأسبوع الماضي بعد الاتفاق مع أوروبا بشأن المهاجرين واعفاء الأتراك من فيزا شينغن الذي انجزه اوغلو دون أن يراجع بنوده مع الرئيس، مع أن ذلك كان عملا دستورياً بامتياز من جانب أوغلو.
فحسب الدستور التركي الحالي، رئاسة الجمهورية منصب شرفي، أما القائد الفعلي للبلد فيفترض أن يكون رئيس الوزراء، لكن في حالة أردوغان - أوغلو الأمر على العكس تماما.
أوغلو اكتسب سمعة طيبة بعد الاتفاق الذي تضمن بنودا ازعجت اردوغان لأنها تعترض نهج الحد من الحريات السائر عليه.
أردوغان ومحيطه تنتابهم مخاوف من تنامي شعبية أوغلو، فالأخير اتخذ موقفا معارضا لملاحقة المفكرين والصحافيين الذين ينتقدون الحكومة، وخصوصا الرئيس، وتتزايد حظوته في الجيش والمخابرات والسلك الدبلوماسي، بينما تضعف مكانة أردوغان باستمرار، بدليل العقبات المتزايدة امام فرض تعديل دستوري يغيّر النظام التركي من برلماني إلى رئاسي، حلم أردوغان الذي يرفضه اوغلو.
مهما كابر منظرو الاخوان المسلمين ومفكروهم وإعلاميوهم هنا وهناك، للتقليل من أهمية ما يحدث في تركيا وعلائم النزول البياني في نظامها الإسلامي، فإن مغادرة أوغلو التي تأتي في ظروف مخاطر أمنية كثيرة، وعزلة سياسية وحتى عداء مع معظم المحيط، ستترك عدم يقين في المشهد السياسي التركي وتعقيدات إضافية في علاقات تركيا مع العرب والعالم، والتي ستتطبع أكثر بصفات أردوغان التسلطية داخليا والعدوانية خارجيا.

كنت بصدد الكتابة عن التطورات في العراق وأبعاد حركة السيد مقتدى الصدر الاحتجاجية،مَن يدعمها أو يتعاطف معها، ومَن هو ضدها؟ عندما قرأت مقالة الأخ مبارك الدويلة «الاحتلال الإيراني يفضح أميركا» المنشورة في «القبس» الاربعاء.
أكنُ للأخ أبي معاذ التقدير والاحترام وإن كان لكل منا انتماء وتوجه مختلفان، وهو من كتاب الأعمدة القلائل الذين أقرأ لهم، وقد فاجأتني المعلومات المغلوطة الكثيرة التي تضمنتها مقالته ما لايليق بسياسي في مكانته، وشخصية قيادية في تنظيمه الذي حالفت فروعه العالمية إيران عقوداً.
قبل هذه النقطة الجوهرية، لفتتني عبارة الأخ أبي معاذ «نحن في الخليج مطلوب اليوم شيء واحد فقط، وهو أن نعرف من هو عدونا الحقيقي بعد أن زرعوا فينا طيلة السنوات الخمس الماضية صورة لعدو أثبتت الأيام أنه ليس عدواً»!
لست ممن يسيئون النية أو يحمّلون الكلام ما
لا يحتمله. «فالعدو الذي ليس عدواً» ويقصده الأستاذ مبارك هنا ليس إسرائيل بالتأكيد، وإن كانت الفقرة تُعطي للوهلة الأولى ذلك الانطباع. أظنُّ أنه يقصد «الإخوان المسلمين» الذين صنفت دول خليجية تنظيمهم إرهابياً.
مستغرب أن يطلق دعوته الآنفة دون أن يقرنها بأي موقف عملي قدمه التنظيم كمراجعة لمواقفه السلبية، أو نقد ذاتي لممارساته الفئوية المدمرة في البلدان العربية التي حكمها لأوقات قصيرة، أو تلك التي سعى أو يسعى إلى السلطة فيها. وهي الممارسات التي زادت من خراب تلك البلدان خراباً، وأججت الحروب الأهلية المدمرة في العديد منها.
إنه، باختصار، يطلب من الخليج أن يراجع موقفه من الإخوان المسلمين ويعفيهم مما ارتكبوه، بينما تغيير الموقف والسياسة مطلوب منهم تحديداً. لذا يريد أن يحرف الأنظار نحو إيران التي «تتوجه الى احتلال العراق «...» وقد بدأت التنفيذ باحتلال البرلمان والمنطقة الخضراء من قبل ميليشيات مقتدى الصدر المعروف بعلاقاته مع ايران»، حسب الأستاذ الدويلة.
لاشك أن لإيران مطامع في العراق، وأنها تسعى لتحقيقها عبر أدوات لها هناك في الحكم، كما في أوساط قوى سياسية مختلفة من قوميات وديانات وطوائف ومذاهب متعددة، وكذلك فروع للإخوان المسلمين كما الأمر في غزة.
ومن المؤكد، دون تردد، أن مقتدى الصدر ليس من بين تلك الادوات أو الحلفاء، فهو وطني عراقي يقود حركة عراقية شعبية واسعة، يسعى لتغيير صيغة حكم تريد ايران تأبيدها في العراق، وحركته المحسوبة جيدا في المنطقة الخضراء والبرلمان خطوة في هذا الاتجاه.
من المؤسف ألا يستوعب الأستاذ مبارك الدويلة البعد الإصلاحي في تحرك الصدر - بغض النظر عن الأسلوب - إلا إذا كان الموضوع بالنسبة له أن يضع جميع الشيعة في السلة الإيرانية، متجاهلاً أن قوى وشخصيات شيعية لا يستهان بها، سياسية وفكرية واعلامية ودينية وشعبية، تختلف مع إيران فقهاً ونهجاً وسياسة وهي أعمدة رئيسية من أجل عروبة بلدانها، وصيانة سيادتها واستقلالها، ولا أحسبني مخطئاً إن قلت إن المرجع الشيعي الأول السيد السيستاني ومقتدى الصدر بين أهم هذه الأعمدة.
إيران تقول «إن تخريب العملية السياسية في العراق خط أحمر»، ما يعني أنها تريد إبقاء حال الخراب على حاله!
حركة الصدر شعارها رفض «المحاصصة» وهي الآفة الطائفية التي ابتلي بها العراق والجوهر البشع لما يسمى «العملية السياسية» وهذه تمثل الركيزة الأساسية للأطماع الإيرانية في العراق.
فكيف يكون الصدر أداة إيرانية؟!

الثلاثاء, 03 مايو 2016

يفوتك من الكذاب صدق كثير

الولايات المتحدة الأميركية هي عادة نموذج في وحدة الموقف تجاه قضايا السياسة الخارجية الأساسية وإن تعددت الرؤى والتصورات التي تبدو وكأنها مشدودة كلها إلى خيط واحد وتكتفي التباينات الأيديولوجية والفكرية باللعب على الساحة المحلية فقط.

المرشح الجمهوري للرئاسة دونالد ترامب كسر هذه القاعدة، فهو ينتقد سياسات إدارة الرئيس أوباما في جميع حلقاتها الخارجية دون استثناء: الموقف تجاه أوروبا، وروسيا، والصين، والشرق الأوسط، وهو المهم هنا.

حملة ترامب الانتخابية كشفت خصائصه السلبية الكثيرة: سياسي شعبوي انفعالي دون كاريزما، سطحي لا يفهم ماذا يجري في العالم، عاجز عن بلورة رؤية، وأكثر عجزاً عن صياغة استراتيجية لدولة عظمى، ثرثار خطبه عبارات تناقض بعضها، وإن بدت مثيرة.

ترامب صاحب هذه الصفات التي لا تؤهله في أوضاع طبيعية لقيادة أقوى دولة في العالم، يكسب من مزاج شعبي يزداد جنوحاً نحو اليمين والعنصرية في أميركا وأوروبا، من ملامحه البارزة معاداة العرب والمسلمين. فيلعب ملياردير العقارات على هذا الوتر معتمداً خطابات مثيرة ذات نفس عنصري لجمهور يزداد تطرفاً لكن من المفيد متابعة تقييم ترامب المسار السياسي في الشرق الأوسط، ولو على قاعدة «يفوتك من الكذاب صدق كثير»، ففي القراءة التي يقدمها هذا المشعوذ محاور مفيدة، وتشخيص دقيق لنتائج سياسة الإدارة الديمقراطية الحالية وتلك التي سبقتها في عهد الرئيس بوش الابن يقدمها ترامب على النحو التالي:

• تسعى الإدارة الأميركية لإقامة دول وفق رؤيتها، انطلق هذا المبدأ من فكرة خطيرة هي اننا نستطيع إنشاء ديمقراطية غربية في بلدان ليس لديها أية خبرة فيها، وهي لا تريدها أصلاً، فأطحنا بالمؤسسات القائمة في تلك البلدان.

والآن نتفاجأ بنتائج ما فعلناه: حروب أهلية، تعصب ديني، آلاف القتلى من الأميركيين وحيوات مهدورة.

• الأخطاء التي ارتكبناها في العراق كررناها في مصر وليبيا وكذلك في سوريا، كل خطأ منها رمى المنطقة في الفوضى، ما أكسب داعش مساحة للنمو والازدهار. لقد سببت أخطاء أميركا فراغاً ملأه التنظيم الإرهابي.

• تجني داعش الأموال الهائلة من تهريب النفط، ورغم ان الإدارة الأميركية ترى ذلك ويجري تحت نظرها، إلا أنها تترك الإرهابيين يزدادون غنى، بدلاً من تدميرهم بسرعة.

الطلقات الخلبية من ترامب كثيرة، أما طلقته تجاه الشرق الأوسط فحقيقية.

السبت, 30 أبريل 2016

إلينا دُرّ «أفندم»!

تبرّؤ الرئيس التركي رجب أردوغان من التصريح «الفاقع» للشخص الثالث في نظامه، رئيس البرلمان إسماعيل كهرمان بأن الدستور الجديد لتركيا «يجب أن يكون دستوراً دينياً»، لا يبرّئه من السعي الملح لإقامة دولة دينية في تركيا ذات طابع تسلّطي في الداخل، وأطماع توسعية في الإقليم.
التصريح الذي استفزّ المعارضة التركية لأنه يستغل الدين لأهداف سياسية وصفها زعيمها بأنها «قذرة»، وأذهل «معجبين» عرب بالتجربة التركية وخيَّب أملهم من مآلها، أرادت القيادة التركية أن تختبر به إلى أين يمكن أن تصل بخطواتها نحو مشروع الدولة الدينية.
وهو في الوقت نفسه حلقة في سلسلة إجراءات طويلة ذات طابع تسلطي يتخذها الرئيس التركي منذ تسلمه المنصب في سبتمبر 2014، لتحويل النظام التركي من برلماني إلى رئاسي يركّز الصلاحيات والسلطات بيد أردوغان.
السلطات التركية غيّرت ملكية صحيفة، وألغت ترخيص أخرى، وأقامت نحو ألفي شكوى قضائية ضد صحافيين وأكاديميين ومواطنين بتهمة الإساءة إلى رأس الدولة لأنهم اتهموه بأنه «متسلط» أو «غير كفوء»، واعتقلت بالفعل صحافيين أتراكاً وأجانب، ومنعت دخول آخرين إلى تركيا أو وضعتهم تحت المراقبة.
السير حثيثاً نحو الدولة الدينية يدفع تركيا بعيداً عن احترام حقوق الإنسان والحريات، فتبتعد عن دولة القانون، وبالتالي عن حلمها الطويل في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
«العمى الأيديولوجي» يمنع أردوغان وقيادته من رؤية معطى بسيط جداً، وهو أن دولة القانون هي القيمة الأساسية في ثقافة القارة العجوز وحضارتها، فتعتمد أنقرة الابتزاز والتهديد مع أوروبا نفسها.
ربما يكون هذا النهج مفيداً لتحقيق مكاسب مالية فيرفع الاتحاد الأوروبي معونته إلى أنقرة بسبب اللاجئين من ثلاثة إلى ستة مليارات يورو،لكنه لن يوصل إلى نهاية سعيدة في إعفاء الأتراك من تأشيرة شينغن أو ضمهم إلى الاتحاد، فهذا لديه 72 شرطاً لمنح تأشيرته لم تستكمل تركيا سوى نصفها، أما عضويته فشروطها عديدة في مقدمتها القانون وحقوق الإنسان والحريات، أما تركيا فدولة فاشلة في ذلك، ومن المؤكد أن هذه المبادئ لن يحققها حكم ديني.
بدل عضوية الاتحاد الأوروبي، تدور تركيا نحو الإقليم وتحديداً باتجاه الدول العربية، تريد أن تحكم باسم الإسلام دولاً عربية ضعيفة ومفككة، إنه الحلم العثماني في استعادة السلطنة والخلافة، وتعويض الفشل هناك بمكاسب هنا.
الأنظمة والأحزاب الدينية والأيديولوجية عموماً، لا تصنع تنمية أو تقدماً لأنها من طينة مختلفة، جوهرها معاداة الحداثة والانفتاح، وعدم الإيمان بالتعددية والديمقراطية، وهذه المبادئ الأربعة ركائز أساسية للتنمية المستدامة والازدهار المستمر لا المؤقت أو قصير المدى.

الثلاثاء, 26 أبريل 2016

استقالة السيستاني

مضت ثلاثة أشهر على قرار المرجع الشيعي الأول السيد علي السيستاني اعتزال السياسة والتوقف عن خطب الجمعة، وليس في الأفق ما يشير إلى عودة قريبة عن هذا القرار، ما يزيد المشهد العراقي سوداوية، ويثير نقاشاً يتسع يومياً داخل العراق وخارجه حول أسباب هذا الغياب ونتائجه.

أعلن السيستاني موقفه مطلع فبراير الماضي، وكان الانطباع الأول أن اليأس دفع أحد أكبر المؤثرين في عراق اليوم، إلى الموقف السلبي بعد أن طفح الكيل واليأس من الإصلاح، في بلد تستعصي الأزمات فيه، مصدرها الذين تولوا إدارته بعد تحريره من الديكتاتورية.

شخّص الرجل حال العراق اليوم بدقة لافتة: سوء استخدام السلطة، فساد، عجز الحكم طوال 13 عاماً عن تحقيق إصلاح حقيقي، الفشل في إنشاء سلطة تحظى بقبول وطني واسع تمثل جميع مكونات المجتمع حسب الأحجام، انهيار مروع في كل مناحي الحياة، طائفية مستشرية تهدد بتقسيم البلاد، كل ذلك ساهم في توفير بيئة مناسبة للإرهاب وسيطرة داعش على قسم كبير من الاراضي العراقية.

لكن بعد أن طال اعتكاف المرجع الأكبر للشيعة في العالم، لم يعد التفسير الآنف كافياً، وحسب مختصين في شؤون المرجعية، مع لوم ونقد مبطنين أو صريحين للسيد السيستاني، فإن «المقاطعة السياسية» ليست خياراً موفقاً، لأنها تعيد «المرجعية الصامتة»، وتفسح المجال أمام الفاسدين والمقصرين والطائفيين للتمادي، وتقلل فرص خروج العراق من أزماته، وتعزز التدخل الأجنبي، وتحديداً الإيراني، في شؤونه.

المرجعية نفسها آثرت الصمت، ولم تفسر موقفها أو تبرره، وإن كانت أوساط متابعة ترى أن ما دفع السيستاني إلى هنا، ضغوط  سياسية متزايدة عليه.

فالمرجع الأعلى تعايش طويلاً مع تباينات عديدة مع طهران، وخلافات حول علاقة الدين بالدولة، وقوله بمرجعية الأمة على نفسها، وإنها مصدر الشرعية، خلافاً لولاية الفقيه التي تقول بها إيران.

السيستاني تحمَّل التباين الفقهي، لكنه لم يتأقلم مع الضغط المتعدد الأوجه الذي تمارسه إيران، فقد سعت لديه للكف عن النقد العلني لأركان الحكم في العراق، واتهامهم بالفساد خشية من «إضعاف النفوذ الشيعي»، ثم كان «الحشد الشعبي» وممارساته الشنيعة.

السيستاني دعا إلى «الجهاد الكفائي» أي تعزيز القوات العسكرية الموجودة، وسد النقص عندها من الناس إذا احتاجت، لمحاربة داعش، لكن أنصار إيران شكلوا «الحشد» الذي مارس التنكيل والنهب عندما دخل مدناً ومناطق سنية، ويُقال إن الحرس الثوري، وتحديداً الجنرال قاسم سليماني، تدخل لمنع السيستاني من إدانة تلك الأعمال، فكان الضغط النقطة التي طفح بها الكيل.. وتبعها الانسحاب.

الصفحة 9 من 12