جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

الثلاثاء, 27 سبتمبر 2016

لو العالم بدون مسلمين!

كيف كان العالم ليبدو لو لم يوجد فيه مسلمون؟!
السؤال في ظاهره عنصري واستفزازي على غرار السؤال عن العالم بدون مسيحيين أو يهود أو بوذيين وهندوس، أو حتى ملاحدة وغير مؤمنين، لكن صحيفة «الاندبندنت» البريطانية طرحته بجرأة في الذكرى الـ 15 للهجمات الإرهابية التي استهدفت أميركا في 11 سبتمبر 2001.
ولقد تغيّر العالم بعد تلك الهجمات لكن ليس بفعلها فقط وإن استخدمت ذريعة للتغيير. فالغزو الاميركي الذي تلاها لكل من أفغانستان وبعدها العراق تحت ستار ما سمي يومها الحرب الشاملة على الارهاب، أصبح المصدر الاكبر والاخطر لانفجار موجات متزايدة من العنف في الشرق الاوسط ومنه الى العالم الذي يئن تحت وطأة الانتشار السريع للنزعات والسياسات العنصرية ومعاداة العرب والمسلمين، وايضا الاسلام كعقيدة ودين. وهي ظاهرة تقوى وتتسع في اميركا واوروبا خصوصا منها الدول الشيوعية سابقا!
لكن أوروبا الغارقة في ازمات مركّبة، سياسية واقتصادية وقيادية وتعاني ايضا من الاسلاموفوبيا، لم تفقد عقلها وتفكيرها السليم. فكانت اجابة «الاندبندنت» على السؤال الاستفزازي سهلة، رصينة، مفحمة بعلميتها، غنية بحقائقها.
اعتمدت اليومية البريطانية العريقة السهل الممتنع، فأحصت بعض ما اخترعه المسلمون أو اكتشفوه أو طوّروه، وبه ساهموا في بناء حضارة العالم التي يستفيد منها البشر كلهم بغض النظر عن دياناتهم وقومياتهم ومعتقداتهم.
1 - القهوة 2 - آلة التصوير (أول كاميرا اخترعها ابن الهيثم)، 3 - الفيزياء التطبيقية 4 - الشطرنج 5 - الصابون 6 - الروائح والعطور 7 - الري 8 - ناقل الحركة، المحرك العامل بالاحتراق الداخلي، الصبابات، المكابس 9 - الأقفال 10 - الابتكارات المعمارية الهندسية والفنية (اعتمدت الكاتدرائيات والكنائس ذات الطراز القوطي المنتشرة في جميع أرجاء أوروبا على التقنيات المعمارية التي ابدعها المسلمون وتجعل البناء امتن واطول عمرا واكثر جمالا، وفيه القبب والابراج المستديرة والاقواس والنوافذ المفتوحة على الشمس والهواء.. إلخ) 11 - أدوات الجراحة 12 - التخدير 13 - طواحين الهواء 14 - علاج الجدري والتلقيح 15 - قلم الحبر 16 - الجبر وعلم المثلثات 17 - علم التشفير والترميز 18 - الكريستال الزجاجي 19 - نظام الترقيم 20 - الأكل في ثلاث وجبات 21 - السجاد 22 - السند المالي والشيك 23 - استخدام الحدائق للتنزه والاستجمام والتأمل وليس فقط لزراعة الخضراوات للمطبخ 24 - البصريات 25 - الكيمياء 26 - النوتة الموسيقية 27 - فرشاة الأسنان 28 - المشفى 29 - الاستحمام 30 - اللحاف 31 - المشروبات الخفيفة 32 - الرموش وتظليل العيون للتجميل 33 - الجراحة التجميلية 34 - فن الخط 35 - إنتاج الورق والأقمشة  36 - المظلات والطيران.
ودون ان تستعرض مجالات الفلسفة وعلم الاجتماع والادب نثرا وشعرا، تثبت «الاندبندنت» دور المسلمين في تقدم العالم ومدنيته قبل ان تسيطر عليهم العقلية العثمانية ذات النزعة العسكرية والحربية التي ادخلتهم في هاوية الجمود والتخلف والانحطاط، تلا ذلك بعد الحرب العالمية الأولى الاستعمار الأوروبي للدول العربية والكثير من الدول الاسلامية والاحتلال  الاسرائيلي لفلسطين. وبذلك تسخّف الصحيفة مقولة صراع الحضارات أو حرب الاديان. فالحرب المندلعة في العالم ليست حربا دينية ابدا، بل هي حرب مصالح وسيطرة اولا واخيرا، مهما كانت المبررات التي تُعطى لها، او الاقنعة التي تختفي وراءها. العرب والمسلمون كلهم ادوات فيها واول ضحاياها، رغم ان بعضهم منخرط فيها ويمارس ابشع سلوكيات الحرب دموية واجراما.

عندما يتراجع دخل المجرم فانه يعمد ،غالبا، إلى تصعيد إجرامه، معتمدا اساليب جديدة،ومستهدفا ضحايا جدد. هكذا يفعل تنظيم داعش الارهابي.فهو اذ يواجه صعوبات مالية متزايدة،يلجأ الى نوع جديد من التجارة القذرة ،او بالأحرى يوسعه،يتمثل في بيع أعضاء عناصره القتلى أو المصابين بجروح بليغة،والأمر نفسه يشمل المرضى المدنيين الذين يعالجون في مراكزه الصحية ولا يسأل عنهم أحد،وفق معلومات يؤكدها أكثر من مصدر!

أصبح معروفا ان داعش أقام نظاما ماليا دقيقا إلى حد لافت. متقدما عن ذاك الذي يعتمده التنظيم الإرهابي الاخر «القاعدة»،وعلى غرار الشبكة المالية المتطورة للإخوان المسلمين حول العالم،وانه ليس مقاتلين وعسكر وميليشيا وأمنا ومخابرات فقط،بل تتوفر فيه إضافة لمواصفات العصابات الإجرامية والمافيا، تلك الشبيهة لما للدولة.
فالتنظيم يسيطر على أراضى عراقية وسورية متصلة ومأهولة بالسكان يمارس عليها سلطة دولته.يجبي الضرائب،يدير المدارس والمستشفيات وإدارات مدنية شبيهة بالوزارات،يوفر سلسلة خدمات بينها الكهرباء والماء والنقل والموبايل،يتلقى التبرعات والهبات والمساعدات من حكومات وأفراد مناصرين أو متعاطفين من أنحاء العالم،حتى فرض رقابة كاملة على المصادر المالية لـ«دولته»،استكملها بسك عملته الخاصة وهذه أيضا من وسائل سرقة سكان المناطق التي يسيطر عليها،«يشفط» من جيوبهم أموالا معترفا بها ويجبرهم على تداول عملته التي لا قيمة لها في أي مكان آخر غير «أرض الخلافة».
أما الممارسات المافيوية فتشمل السطو على المؤسسات المالية، كما حصل بالنسبة لفرع البنك المركزي العراقي في الموصل،وفرض الخوات والاتاوات،وابتزاز الأغنياء بالتهديد او الخطف للحصول على فدية،وسرقة السيارات والمنازل،وتفكيك المصانع السورية وبيعها خارج الحدود، كذلك تهريب الآثار التاريخية من سوريا والعراق وبيعها في أسواق أميركا وأوروبا،كما بيع النساء والفتيات للاستعباد الجنسي،وحسب الأمم المتحدة أن بين 5000 و7000 امرأة وطفل ازيدي خطفوا على يد داعش وبيعوا في أسواق النخاسة.
طبعا يبقى بيع النفط العراقي والسوري المهرب الى تركيا المصدر الاكبر لتمويل داعش .يقدر دخله اليومي من بيع الذهب الاسود في السوق السوداء بين 1.3 و3 ملايين دولار يوميا. لكنه تراجع منذ مطلع عام 2016 الحالي الى الثلث تقريبا بسبب الهزائم العسكرية المتتالية التي مني بها وقصف الطيران الروسي والتحالف الدولي ،وضرب قوافل الصهاريج وكذلك بعض التشدد التركي ومراقبة المعابر.
الخسائر المالية الملحوظة تضعف قدرة داعش الذي أصبح يتواجد في 35 بلدا حسب تقديرات مخابراتية،على تمويل نشاطاته وإدارة المناطق التي يسيطر عليها.فيتمادى في جرائمه إلى أبعد ما يتصوره الخيال.وباشر  في توسيع نوع قذر من التجارة هو بيع الأعضاء البشرية لتأمين مصادر دخل بديلة.هذا النوع، يوفر مبالغ لا بأس بها لأن زبائنه من الأغنياء القادرين على الدفع.
داعش بدل أن «يكّرم» قتلاه الذاهبين إلى الجنة والنعيم فورا دون حساب حسب زعمه،ويهتم بمعالجة جرحاه ومصابيه،فإنه يستأصل أعضاءهم  ويبيعها. هذه التجارة قائمة منذ العام 2014 يشرف عليها أطباء عرب وأكثرية مرتزقة من الألبان تحديدا،لديهم خبرة في هذا النوع من العمل الإجرامي اللا إنساني من مناطق أخرى شهددت او تعيش حروبا أهلية،كما في كوسوفو قبل سنوات والان في اوكرانيا.
ولأن الطلب كبير، يبدو ان التنظيم الإرهابي قرر توسيع تجارته هذه،فانشأ وحدات طبية متخصصة لاستئصال الأعضاء مجهزة بوسائل النقل والحفظ الضرورية، وتدار التجارة التي تشمل جميع المراكز الصحية تحت سيطرة التنظيم في العراق وسوريا،من مستشفى الموصل،تنقل إليه الأعضاء ومنه إلى الأسواق الرئيسية في تركيا إضافة إلى بلدان أخرى.
الفتاوى والتعليل الديني متوفران لدى كل أفّاق في داعش وغيره من التنظيمات المتطرفة لتبرير كل جريمة وأي إثم. ارهاب،قتل، استعباد جنسي، بيع اعضاء بشرية،وطبعا ام الجرائم  تدمير اوطاننا  وتمزيق النسيج الاجتماعي لشعوبنا بتفرقة دينية ومذهبية وطائفية وقومية وعرقية.

الثلاثاء, 20 سبتمبر 2016

الأربع الأسوأ !

أوافق على فكرة أن مفهومي اليسار واليمين قد عفى عليهما الزمن ولم يعودا يعبران عن الأوضاع المستجدة والانقسامات السياسية والنزاعات التي يعيشها العالم وهو ينجرف نحو المزيد من التطرف والتشدد.
أبرز سمات عالم اليوم معاداة الآخر المختلف، دينيا، قوميا، عرقيا، لونا، طبعاً سياسياً. المرض الذي ينخر بمنطقتنا، ينهش أيضا جسد أميركا واوروبا، ويدفعهما الى اعطاء الظهر لمبادئ الديمقراطية والإنسانية، والانجراف في موجات عنصرية تتجلى في معاداة الاسلام والعرب واللاجئين جميعا من مختلف الجنسيات والاديان.
أوروبا التي تعاني من ازمات كثيرة دفعة واحدة، تنوء أيضاً بأزمة التطرف والعنصرية وهذه تتفاعل في معظم بلدانها، من جنوبها الى الشمال ومن غربها الى الشرق. وان كانت الاصابة متفاوتة، فإن ما يعرف باسم دول فيسغراد الاربع، او مجموعة الـ V4: التشيك، وبولندا، والمجر، وسلوفاكيا وسط القارة، هي اكثر النافخين في نار التشدد العنصري. تتسع فيها أشكال عديدة من عدائية بشعة، ولا تترك صفة سيئة أو سلوكا مشينا إلا وتلصقه بالمسلمين والعرب وإن كذباً، وتشغّل ماكينتها السياسية والاعلامية لتعميم التطرف في اوروبا كلها تحت غطاء تصورات عنصرية عن مشكلة اللاجئين من سوريا والعراق وليبيا وافغانستان وافريقيا.
صفات الكراهية والتمييز ضد هؤلاء جاهزة: «يغيرون الحضارة الاوروبية..يتعيشون على حسابنا.. يثيرون الفوضى والجريمة.. مشاريع ارهاب.. نقبل إيواء بعض المسيحيين منهم فقط.. نرفض مشروع الاتحاد الاوروبي لتوزيعهم حسب الكوتا».
تواكب الحملة اجراءات مستوحاة من الفكر  الانعزالي نفسه: جدران العزل كالتي تبنيها المجر أو تخطط لمثلها دول اخرى لمنع دخول الهاربين من الحرب والموت والجوع.
يتصرف الساسة في تلك الدول بأسلوب هستيري جارح، ويبنون سياساتهم على الخوف والتخويف من اللاجئين. ياروسلاف كازينسكي رئيس وزراء بولندا ونظيراه المجري فيكتور اوروبان والسلوفاكي روبير فيكو، وطبعا أكثرهم إثارة للاشمئزاز الرئيس التشيكي ميلوش زمان الملّقب في بلده «الفم المفتوح» و«النصاب» أو «مولينكس الثرثرة».
الرئيس زمان يثبت دائما قابليته للصدم بآرائه العدائية والمتطرفة والشوارعية تجاه المسلمين، وآخرها ما قاله الأسبوع الماضي لصحيفة الغارديان «إن تطرف المسلمين مثل تطرف النازيين في المانيا قبل الحرب العالمية الثانية، بل ان التطرف الاسلامي ينشأ على نحو اسهل وينتشر اسرع من النازي لأن الاسلام ايديولوجية متطرفة مستمدة من دين»!
المثير للسخرية ايضا أن الاعلام التشيكي يدعو لمنع لباس البحر «البوركيني» فيما تشيكيا دولة داخلية لا بحر عندها ولا شواطئ! وبالطريقة المهينة نفسها يعاملون العرب الذين يذهبون اليهم للعلاج او السياحة!
هستيريا قادة الدول الاربعة تثير الاستياء حتى في اوساط الاتحاد الاوروبي الذي بدأ بعض مسؤوليه يصرّح علنا بأن ضم تلك الدول الى الاتحاد كان خطأ. لأن الـ V4 دول طفيلية النزعة, تتعيش قدر الامكان على ابتزاز مصادر الاتحاد, وتدوس مبادئ الديمقراطية وتتجه مجددا نحو اقامة حكومات تسلطية وحكم الحزب الواحد كحالها عندما كانت جزءا من المعسكر الاشتراكي ايام الاتحاد السوفياتي، تصادر استقلال القضاء, وحرية الصحافة والاعلام, ويقبض على مواقع السلطة فيها حيتان رأسمال فاسدون.
المؤلم في الأمر أن اوروبا تتذمر من ممارسات الاربعة حتى دعا مسؤولون اوروبيون كبار لإخراج هذه الدول من الاتحاد لأنها تهبط به إلى القعر سياسيا واقتصاديا،وتمارس سلوكا دون بعد أخلاقي أو إنساني فيه، لكننا لم نر موقفا عربيا يعبر عن الاشمئزاز والرفض، أو إجراءً يؤلم المسيء اقتصادياً دفاعا عن ديننا وقوميتنا وكرامتنا وناسنا.

السبت, 17 سبتمبر 2016

بن لادن؟ بوش؟ الموساد؟

كنت مديرا لتحرير جريدة القبس عندما وقعت عملية تفجير برجي التجارة في نيويورك في 9 أيلول 2001. كان رئيس التحرير يقضي إجازته خارج البلاد، وكذلك عدد من الزملاء الذين يمكن ان اعتمد

عليهم لمتابعة الحدث الكبير. قررت ان أتولى الامر بنفسي.
جعلت من ديوانية التحرير غرفة للعمليات بدلا من مكتبي. حررت المادة الخبرية كلها التي امتدت على حوالي عشرين صفحة على ما اذكر، واخترت الصور،وتواصلت مع شبكة المراسلين في واشنطن والعالم، كتبت الخبر الرئيسي والمانشيت، ووجهت الإخراج بتغيير هيكلية الجريدة كليا، بحيث لا يبدأ العدد كالمعتاد بالاخبار  المحلية، فالاقتصاد، بل ان يكون حدث اليوم،وان خارجيا،هو البداية. واظن انها كانت سابقة في الصحافة الكويتية لاقت استحسانا.
من يومها وانا أتابع ما يتعلق بأكبر عملية ارهابية في التاريخ اصابت عظمة اميركا وجبروتها، مدركا ان الأسد الجريح لن يكتفي بأن يلعق جرحه ويصمت. وهي اثارت, ولا تزال رغم مرور 15 عاما، ما لا يحصى من الأسئلة والتوقعات والتخمينات والاحتمالات،اختلط فيها الحقيقي بالخرافة، وازدهر الكثير من نظريات المؤامرة، وهي الجزئية التي أتناولها هنا.
اول الأسئلة كان يومها من خطط ورسم السيناريو ومن نفذ؟ هل كان عملا ارهابيا من صنع القاعدة، ام عملية دبرتها الإدارة الأميركية يومها تحت علم مزيف والبستها القاعدة؟ ولماذا؟
ارتبطت بهذا السؤال الجوهري مئات التفسيرات المصنفة ضمن نظريات المؤامرة،انخفضت مع تكشف بعض الحقائق والمعلومات الى حوالي ثلاثين نظرية عاشت مدة،حتى استقرت اليوم في الذكرى الـ15 للعملية،على حوالي ست،قاسمها المشترك التشكيك بالتفسير الرسمي الذي أعطته ادارة بوش او بأجزاء منه.
• أولى تلك النظريات ان عملية 11 سبتمبر هي من اخراج وتنفيذ إدارة بوش وأجهزتها الاستخبارية والأمنية. فتلك الإدارة المحافظة المشبعة بالتطرف والرغبة في السيطرة على العالم، كانت تحلم بنظام عالمي جديد وتسعى اليه.يضمن سيطرة أميركا على العالم،ويكون الاعتداء على البرجين مبرر التحرك لفرض ذلك النظام،الذي يفترض ان يبدأ من الشرق الأوسط الغني بالنفط والمواد الأولية.
• النظرية الثانية شبيهة بالأولى، وهي ان الموساد الاسرائيلي وراء التفجير ليستفز اميركا ويدفعها لعمل عسكري عنيف ضد العرب والمسلمين، وهذا ما حصل بغزو أفغانستان ثم العراق الذي كان سقوط دولته بداية لانهيار النظام العربي، ثم تواصل في ما سمي الربيع العربي الذي دفع دولا عربية مركزية وأخرى مهمة الى الفوضى والنار والدمار، ووضعها على مشارف التمزيق والتقسيم.
• تكمل النظريتين ثالثة على القدر نفسه من الانتشار، وهي ان سقوط البرجين يستحيل ان يكون بسبب ارتطام الطائرتين بهما والحريق الذي اندلع فيهما، بل تم التفجير بتفخيخهما من الداخل.
هذه النظريات التي تتهم مباشرة ادارة بوش الابن والتي ضمت مسؤولين متطرفين تجمعهم فكرة احتقار الشعوب الأخرى،ومعها المجمع الصناعي العسكري، وإسرائيل والصهيونية العالمية، تواكبها نظريات اقل تسييسا، فتتهم الكارتيل المالي وتعتقد ان وول ستريت كان على علم مسبق بالعملية، دليلها التداول غير المسبوق على سهم أميركان ايرلاينز الشركة التي استخدمت طائراتها في الهجوم، أو تلك التي تقول إن كائنات غير أرضية شنت الهجوم للسيطرة على كوكبنا والفضاء كله.
نظريات المؤامرة على غرابتها ولا معقولية بعض معطياتها تعيش 15 عاما ليس فقط في مواقع الانترنت، بل في ابحاث ودراسات كثيرة بعضها مرموق مزدحم بالمعلومات والتحليلات ذات المستوى. حتى انها أرغمت FBI واجهزة أمنية أميركية اخرى على التحقيق فيها، ولا تزال نقاشات كثيرة لا شك في علميتها وجديتها تجرى بشأنها.
ان تصنف بعض تفسيرات ما جرى في 11 سبتمبر ضمن نظريات المؤامرة، لا يعني انها بدون معنى ولا قيمة لها. بل العكس يمكن ان تكون فيها معطيات واقعية كثيرة تساعدنا في رؤية ما يجري امام بصرنا وتحت اقدامنا. خاصة ان استطلاعات عدة للرأي تؤكد ان 15٪ من الأميركيين، مازالوا يشككون بصحة التفسير الرسمي للحدث.

السبت, 10 سبتمبر 2016

ساسة موظفون لدى «البيزنس»

يزداد عدد الدول في الكرة الأرضية، لكن رجال الدولة يصبحون قلة نادرة، وكأنهم كائنات غابرة إلى الانقراض أقرب، وهذا تهديد حقيقي لعالمنا المتحوّل بسرعة نحو الأسوأ!

من التحولات المقلقة في حاضرنا أن الذين يصلون الى سدة الحكم أصغر من بلدانهم والأدوار التي تلعبها أو المنوطة بها. .هذا حال معظم اوروبا والأمر سيكون سيئا أيضا مع من ستفرزه انتخابات نوفمبر المقبل رئيسا لأميركا.
أما في منطقتنا فعليه العوض ومنه العوض. جدباء قاحلة عدا قلة نادرة جدا من رجال دولة، لا نخالف الحقيقة إذا أوردنا سمو أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد في المقدمة منهم. خصائص رجل الدولة تكرست في أدائه حتى في أصعب المواقف وأكثرها تعقيدا وخطورة.ثاقب الرؤية يفهم منطقته وعصره فيؤثر ايجابا في حياة بلده وشعبه.
قيادته المتميزة ببعد النظر والمنطق والعقلانية والسلاسة ،لحمتها وسداها مصلحة الكويت كلها وشعبها بجميع مكوناته دون استثناء. فحماها في محيط متفجر مشتعل.
قبل خمسين سنة عرّف ونستون تشرشل العظيم رجل الدولة بأنه يمتلك رؤية لعشر سنوات، خمسين سنة، مئة سنة لكيف ينبغي أن يكون المسار الذي يتخذه بلده، والعالم أيضا، والى أين يصل.
الشرق الأوسط أكثر مناطق الكرة الأرضية يدفع ضريبة غياب رجال الدولة. دمار أوطان وخرابها، موت شعوب وتشردها، تدهور مريع الى العصور الحجرية السحيقة.
أوروبا أيضا تدفع ثمن المرض أزمات عنيفة وحادة تتراكم فيها. الأيام الذهبية للقارة العجوز قد ولت. لن تشهد حربا كبرى أو كوارث دموية كالتي تعيشها منطقتنا، لكن هناك تحت الأزمات المتعددة الأشكال والمتنوعة الأحجام نيراناً كثيرة تتفاعل وقد تكون سببا في انفجارات وصراعات عسكرية، وإن محدودة، داخل أكثر من دولة أوروبية.
لم يعد فيها ونستون تشرشل، ولا شارل ديغول أو كونراد ادينهاور، كما لم يعدّ في أميركا جون كيندي، ولا نلسون مانديلا في جنوب افريقيا. ظهر دونالد ترامب وهيلاري كلينتون في أميركا، وهولاند ولوبان في فرنسا، وفاراج وجونسون في بريطانيا، وميلوش زيمان بدل مساريك أو هافل في تشيكيا، ساسة يتولون مواقع القيادة، خاصة في الدول التي تؤثر في مصير العالم،ليست لديهم مواصفات القادة ويفرغون السياسة من جوهرها. وبدلا من ان يفعلوا شيئا لبلدانهم والعالم، يريدون أن يفعل هؤلاء شيئا لهم.
سياسيون قصيرو النظر، عاجزون، مثيرون للملل، وبعضهم للاشمئزاز . بدل حل المشاكل يصبحون جزءا منها، يؤججونها ليتعايشوا عليها. فعيونهم ليست على المستقبل انما على الكرسي.
الخيار المفضل لشخصيات من هذا النوع والقاسم المشترك بينها، سياسة شعبوية مقيتة، عمادها أنصاف الحقائق، وتسطيح الحلول، وتخويف الناس للتلاعب بعقولهم، يزرعون الكراهية والعنصرية خصوصا تجاه الإسلام والمسلمين، وكل الشعوب المبتلية. كتبت أكثر من مرة في هذه الزاوية عن ندرة رجال الدولة والمآسي المترتبة عليها. بعض الذين ناقشتهم لأفهم الظاهرة، يرون أن التدهور لا يصيب السياسة وحدها. إنه في قطاعات كثيرة. الفكر والثقافة والفن.حيث تطغى نزعة التجارة والربح والاستهلاك السريع على روح الإبداع والخلق.امافي السياسة فإن السبب الأول، بين أسباب أخرى، هو أن الناس الموهوبين يتجهون في السنوات العشرين او الثلاثين الماضية إلى «البيزنس»، وأعطوا ظهورهم للسياسة فانحدر الساسة من قادة ورجال دولة إلى موظفين لدى رجال المال والأعمال!

الثلاثاء, 06 سبتمبر 2016

الطائفية مراراً وتكراراً!

الفساد دائما في أقدام الاحتلال وحكم التسلط، فردياً كان أو حزبياً أو طائفيا. كلاهما جعل العراق أحد ثلاثة بلدان تسودها أبشع أنواع الفساد والخراب المتعدد الأشكال والأحجام.
يتأكد كل يوم،ان الغزو الأميركي للعراق 2003، أنجب حكماً طائفياً تابعاً عاجزاً، ولّد بدوره سلطةً فشل القائمون عليها في ادارتها بمنطق عراقي وطني،  وتمخض كلاهما، الاحتلال والحكم الطائفي، عن كوارث ومآس وويلات، تجاوزت كثيراً ما قاله السياب الكبير قبل ستين عاماً في رائعته أنشودة المطر «ما مرّ عام والعراق ليس فيه جوع». إذ لا تمرُّ في أيامنا لحظة وأرض السواد ليس فيها جوع، ومرض، وموت، وقتل، وظلم، وقهر، وإرهاب، وقمع، وسرقة، ونهب، وتخريب وسوء استخدام سلطة وانهيار البلد، حتى بات أشلاء تابعاً لنفوذ خارجي، أو فاقداً ثلثه لسيطرة تنظيم داعش الارهابي.
هذا ليس كل شيء، فالآتي أعظم وأسوأ، لأن أطفال العراق، جيله الجديد، أصبحوا بفعل انعدام كفاءة ساسته، أحد أكبر مشاكله اليوم.
وهو أصبح كما تقول منظمة الطفولة العالمية «يونيسيف» أحد أخطر بلدان العالم لعيش الأطفال، ولم يعد البلد الذي يريد الأهل ان يكبر أطفالهم فيه.
600 ألف طفل عراقي تركوا مقاعد الدراسة أو لم يجلسوا عليها أصلاً، وهو ضعف العدد الذي كانه هؤلاء العام 1990 قبل نحو ثلاثين عاماً.
لا يذهب الأطفال الى المدرسة إما لأنهم مجبرون على إعالة أهلهم، أو لأن لا مدارس تستوعبهم، مع ان التعليم الابتدائي كان الزاميا قبل خمسين عاما في العراق.
وأقفل خُمس مدارس البلاد بسبب الأوضاع الأمنية، أو لسوء الادارة التي من المؤكد انها لا تولي التعليم والثقافة الأهمية الضرورية، وتضعهما في آخر اهتماماتها ولا توفر لهما الموارد المطلوبة. يزيد المشكلة تعقيداً ان عدم الاهتمام المواكب لانهيار البلاد، والعنف المستمر، والبطالة وانعدام  فرص العمل والدخل، وقبلها موت الأهل وفقدان المعيل، تجبر المزيد من العائلات على دفع أطفالها الى سوق العمل منذ سن مبكرة جداً، وأعمارهم في كثير من الأحيان لا تتجاوز 7-8 سنوات، يعملون ساعات طويلة وفي أماكن خطرة، وبأجور زهيدة جداً.
وحسب الأمم المتحدة، أصبح في الشوارع أكثر من ثلاثة ملايين طفل ذكور وإناث، مهددون بالموت والاعتداءات الجنسية وحتى الاستعباد، وكل الأشكال الأخرى من العنف.
يخسر العراق جيلاً كاملاً من شعبه، وربما جيلا تالياً اذا استمر الحال فيه على ما هو عليه. هذا الوضع الميؤوس منه يستفيد منه الإرهابيون والميليشيات والجماعات المسلحة خارج الدولة، تغري الأطفال بوسائل وأساليب مختلفة للالتحاق بها، فيقعون بسهولة في أحضانها، أو يتحولون الى حرامية وقتلة ومجرمين وسفاحين.
حلّ الأزمات المستعصية، وبينها أزمة أطفال العراق، يحتاج رؤية مختلفة. هذه ليست متوفرة في قياداته السياسية والحزبية، ابتعدت عن المصلحة الوطنية، والقيادة بمنطق وعقلانية. حتى أغرقت البلاد في الخماسي القاتل: التبعية للخارج، والطائفية، والفساد، والإرهاب، والتقسيم.

السبت, 03 سبتمبر 2016

«زوج الست»!

ليست هيلاري كلينتون أول امرأة ارادت أن تصبح رئيسة للولايات المتحدة الأميركية، قبلها بمئة وخمسين عاما سعت لهذا المنصب فيكتوريا وولد هول لكنها انتهت في السجن. ناشطة من أجل حقوق المرأة أثارت المجتمع الأميركي انذاك عندما نبّهت خصوصا الى «خيانة الرجل»، ودعت الى «الحب الحر»، ففسره المجتمع الذكوري يومها بأنه دعوة للاباحة والفسق، بينما كان المعنى الحقيقي منح المرأة حق الطلاق، اذا كان الرجل فاسداً ويدمر العائلة. أطلقوا عليها «السيدة شيطان»، وصبيحة يوم الانتخاب اعتقلوها مع شقيقتها فلم تكن مرشحة رسميا لأن المرأة لم تكن كسبت هذا الحق بعد.بل ترشحت تحديا ثم هاجرت الى بريطانيا، حيث كانت أول امرأة تقود سيارة في شوارع لندن.

انتخابات نوفمبر المقبل الرئاسية لا تحمل فقط مؤشرا على تقدم البشرية حيث صار من حق المرأة أن تصبح رئيسة، وليست المفارقة فيها فقط ان المتنافسين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب لا يُصنّفان بين رجال او سيدات الدولة، تنقصهما الشعبية والكاريزما وسمات قيادية ضرورية لهذا المنصب الرفيع. طبعا إنها المفارقة الأخطر.  لكن هناك أيضا مفارقة طريفة، مزحة وليست مأساة كالتي تعرضت وولدهول لها.
مرّت 15 عاما على مغادرة بيل كلينتون المكتب البيضاوي، ذهب الى الظّل مكتفيا بالمحاضرات او «الحكواتي» الأغلى سعراً، لكن يمكن أن يعود الآن لا الى ذلك المكتب بل الى البيت الابيض اذا فازت هيلاري في السباق اليه. فماذا سيكون لقبه، واي دور سيقوم به؟
عندما سلّم الرئاسة عام 2001 لخلفه جورج دبليو بوش، ترك وراءه ثماني سنوات من الحكم تناوبت خلالها نجاحات اقتصادية، وقرارات متناقضة في السياسة الخارجية، وفضيحة جنسية مع مونيكا لونيسكي كادت ان تكلفه الرئاسة لكنه نجا منها. الآن هو في السابعة والستين من عمره ليس معروفا ماذا سيكون وضعه اذا فازت زوجته!
لا تتفق وسائل الإعلام الأميركية على تسمية لبيل اذا فازت هيلاري: «السيد الاول»، «الرجل الأول» «الشريك الأول».
هيلاري اختارت في الاجابة المزاح متسائلة: «الشاب الأول؟ الزوج الأول؟ السيد الأول؟ لست متأكدة».
بيل أيضا يمزح: «سأنتزع من النساء دور شريكة الرئيس. واقترح بدل الرجل الأول أن يسموني آدم»، قبل أن يعطي بعدا آخر للمسألة: «كلنا نعيش في وهم ان السيدة الأولى يجب أن تكون امرأة. هذا تقليد وروتين انا اريد ان اكسره».
لو عرفت هيلاري وبيل الثقافة العربية لتجنبا المعاناة. سيكون «زوج الست». وهما في كل الأحوال يظهران على الجمهور كثنائي منسجم تجاوز فضيحة الزوج مع لوينسكي. وعلى الارجح فإن هذه لا تؤثر على حملتها الانتخابية. ربما العكس. يمكن أن تستفيد منها لأن الناس تتعاطف مع الضحية وهيلاري كذلك. ضغطت على نفسها و«بلعت» الخيانة لتحفظ عائلتها.
وهي لن تتخلى عنه اذا فازت. فهو رجل دولة مجرّب، تتيح خبرته السياسية في أن يقوم بدور غير شكلي كالسيدات الأول. ليس وارداً أن تنصّبه وزيرا، لكن للرئيس الأميركي فريقا كبيرا من المستشارين. وعلى الارجح ان تختاره الرئيسة هيلاري واحدا من هؤلاء ليقوم بدور مهم، فتكلفه بانعاش الاقتصاد، استنادا الى المرحلة الذهبية التي عرفها الاقتصاد الأميركي اثناء حكمه, وقبل ان يتعرض لأزمة كبرى في زمن بوش الابن مستمرة حتى اليوم.
الانتخابات الأميركية ستقرر الصفة الجديدة للرئيس السابق.

الثلاثاء, 30 أغسطس 2016

أوروبا المريضة

يرتبط الحديث عن أوروبا في الآونة الأخيرة بالأحوال الصعبة التي يعيشها اتحادها.. هناك من يصفها بـ«الأزمة الكبرى»، بينما يتوقع آخرون للاتحاد مصيراً مشابهاً لما تعرضت له امبراطورية النمسا- المجر بعد الحرب العالمية الأولى، والاتحاد السوفياتي في تسعينات القرن العشرين الماضي، ثم يوغسلافيا بداية القرن الحالي، أي التفكك، وبالنسبة لهم أن انهيار الاتحاد الأوروبي مسألة حتمية، لكن السؤال هو متى؟
فأوروبا تواجه سلسلة أزمات اندلعت في وقت واحد: اللجوء وتدفق اللاجئين، «البركسيت» وخيار بريطانيا إعطاء ظهرها للاتحاد، النتائج الاقتصادية السيئة في منطقة اليورو باستثناء ألمانيا، إفلاس وديون وعجز وركود وهدر فلكي في جنوب القارة: اليونان والبرتغال واسبانيا ومعهم ايرلندا في الغرب، النار الملتهبة والمنذرة بالاشتعال شرقي القارة على الحدود الأوكرانية- الروسية، وما يرتبط بها من إجراءات عقابية ضد روسيا مقاطعة وحصاراً تجارياً وعسكرياً يزيدان حدة التوتر، اهتزاز الأمن وهجمات إرهابية في فرنسا وبلجيكا وألمانيا، التوتر مع تركيا، وأخيراً لا آخر تنامي العنصرية وانتشارها.
يضاف إلى هذا الجبل من الأزمات، سياسة انتهازية تميز حكومات بلدان وسط أوروبا الأربعة: بولندا، والتشيك، وسلوفاكيا والمجر، أي الـ V4، أو كما يسميهم البعض استهزاء، الرأسماليون الجدد، إذ تخلت عن أنظمتها الاشتراكية، ولم تتعلم بعد من الرأسمالية إلاّ أسوأ ما فيها، الفساد والطفيلية والتكسُب غير المشروع ونشر التوجهات الشوفينية في الحكم والشارع.
وإذا كان مو قفها العنصري تجاه اللاجئين معروفاً، فإنها لا تكف عن اختراع وسائل ابتزاز جديدة لسحب المزيد من الأموال من بروكسل، وآخرها فكرة إنشاء «جيش أوروبي موحد» المنطلقة الآن من براغ عاصمة التشيك بدعوى «ردع روسيا»!   
ليست الفكرة جديدة ولا أصيلة وهي تطل برأسها بين حين وآخر، لكن الابتزاز فيها هذه المرة واضح جداً، فهي لا تقلق روسيا بقدر ما تزعج أميركا المسيطرة على أوروبا عسكرياً عبر حلف الناتو، أما المتضرر الأكبر من إعادة فكرة ميتة إلى الحياة فهو الاتحاد الأوروبي نفسه، فلماذا يحتاج إلى إطار عسكري جديد، وجيوشه ضمن قوات الناتو؟ ثم كيف يؤسس جيشا لا تجمع الدول التي سيتكون منها نهج وأهداف سياسية واحدة؟!
وراء اثارة الفكرة القديمة: التغطية على الموقف العنصري اللا انساني للدول الأربعة في رفض استقبال اللاجئين.
يروّج دعاة الجيش الأوروبي له، بأن أوروبا أخطأت عندما وقعت في تسعينات القرن الماضي في وَهْم أن استخدام القوة في السياسة الدولية لم يعد ضرورياً، وأن الأهم هو الاقتصاد.
الخداع في هذا المنطق جلي جداً، فدول أوروبا تزيد سنوياً ميزانياتها العسكرية، أضف أن دولاً كثيرة منها، بينها التشيك بالذات، تورطت كحليف تابع، في حروب كثيرة خاضتها أميركا على العراق وأفغانستان قبل 13 عاماً، وعلى ليبيا قبل 7 سنوات، وبالتالي لا مبرر للجيش الموحد، سوى التكسب المالي وصرف الانظار عن قضايا فعلية.
الأزمات والخلافات العميقة تتفاعل داخل الاتحاد دون أن يتبلور موقف موحد ومشترك من الحلول الضرورية. وهي تزداد حدة لأن دول الاتحاد، عدا ألمانيا، تختار على رأسها قادة ضعفاء تشحب ألوانهم في ظل امرأة دولة قوية وحيدة الآن في أوروبا التي تعاني من غياب رجال الدولة الأقوياء، المستشارة الألمانية انجيلا ميركل.
ميركل التي يتكرس دورها قائدة للاتحاد الأوروبي، التقت الأسبوع الماضي في ماراثون طويل، 15 رئيس وزراء أوروبي لتحذر من «قرارات سياسية متسرعة»، عشية القمة الأوروبية الشهر المقبل في براتيسلاف عاصمة سلوفاكيا، بوادر التسرع تتأكد في سلسلة مواقف تجاه أزمات الاتحاد، وتشير الى ان أوروبا تسير الى انقسام واضح، حول دول مركز، أساسه المانيا وفرنسا ودول الشمال، ودول أطراف ملحقة تتعيش على الأولى. لذا، فإن القمة ستكون محطة مهمة: لمعالجة الأزمة الكبرى للاتحاد، أو مشكلة جديدة له؟!

السبت, 27 أغسطس 2016

القادة إذا فقدوا الثقة!

باريس من أحب المدن التي أعرفها أو شاهدتها. أزورها، عندما يُسعد الحال، في الخريف. أتجنّب زحمة صيفها، واستمتع بسحر لوحات أشجارها وألوانها في ذلك الفصل.

في السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة، صرت أشعر بأن شيئا ما يتسرّب من رونق عاصمة النور، ويزحف إلى أسلوب حياتها ما لا يتناسب مع بهائها وعظمتها. اضطراب، وقلق، ونزعات عنصرية تقوى، وخشونة تتسع.
زملاء فرنسيون أو يعيشون في فرنسا، يؤكدون أنها تتغير فعلا، وتصبح أكثر عبوسا وتوتراً. لكنهم لا يحصرون السبب في العمليات الارهابية الدامية التي تعرضت لها، وهزت أمنها المعرّض دائما لخطر مماثل، ولا الى اللاجئين، أو أزمة الاتحاد الأوروبي.
يضيفون الى ذلك سببا رئيسا اخر. لم تعانِ فرنسا في كل تاريخها الحديث من ندرة السياسيين اللامعين والقادة الاكفاء كما اليوم. ولم يحصل أن تبوأ رئاستها شخص ضعيف الشعبية والأداء كالرئيس الحالي فرنسوا هولاند «62 عاماً».
أظهر استبيان معهد «ايفوب» المرموق بعد هجوم نيس الارهابي في يوليو الماضي، إن 17 ٪ فقط من الفرنسيين قالوا إنهم راضون عن اداء رئيسهم. وعلّق جيروم فوركيه رئيس ايفوب ان هولاند «فقد اخر ذرة ثقة بصفته رأسا للدولة».
الوضع السيئ جدا لا يعني الاستسلام عشية الانتخابات الرئاسية المقررة في الربيع المقبل. اللافت أن هولاند لم يربط إعادة ترشحه من عدمها بالحرب على الارهاب أو أمن فرنسا واللاجئين، بل بوضعها الاقتصادي، وهذا شهد تحسنا. اذ هبط معدل البطالة بنسبة 0.3 ٪ إلى 9.6 ٪ فقط. وهذه ادنى نسبة منذ العام 2012، أي خلال فترة حكم هولاند كلها.
حسب المختصين فإن نسبة الـ 0.3 ٪، وإن طفيفة، تحسِّن وضع هولاند انما جزئيا فقط، لكنها لا تجعله المرشح المفضل. ويتكهن الخبراء أن يصوّت الناخبون في الرئاسيات الفرنسية المقبلة، كما في الانتخابات الرئاسية الاميركية قبلها في نوفمبر، بالاقتراع السلبي، حيث يحسم الناخب خياره في ضوء الاجابة على سؤال بسيط: مَن مِن المرشحين أقل ضررا وسوءا؟
ينطبق ذلك ليس على الرئيس الحالي وحده، بل على منافسيه الأبرز من اليمين، الرئيس السابق نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء الاسبق رئيس بلدية مدينة بوردو الحالي الان جوبيه، كما على زعيمة اليمين المتطرف ماريان لوبان.
بناء على هذا التوقع سأل معهد «إيفوب» الفرنسيين عمّن يرفضون أن يتولى رئاسة البلاد في أي حال من الاحوال. استحق هولاند نسبة الرفض الاكبر «73 ٪» وساركوزي «66 ٪» ولوبان «63 ٪».
قد يعيد الحزب الاشتراكي ترشيح هولاند، مع احتمال قائم أن ينتفض الحزب فيختار مرشحا آخر، يمكن أن يكون الشاب الطموح ايمانويل مكرون وزير الاقتصاد الذي لم يبلغ الاربعين بعد.
اما في معسكر اليمين، فيتنافس حتى الان عشرة مرشحين ابرزهم اضافة الى ساركوزي
«61 عاما»، السبعيني الان جوبيه لكنه مثل الاخرين لا يحظى من الناخبين سوى بدعم محدود جدا.
لوبان لاحظَّ لها تقريبا لكنه ليس صفرا، وربما ينتعش ويكبر ارتباطا بهجمات ارهابية جديدة ترافق المعمعة الانتخابية، فتنفخ في أشرعتها، خصوصا انها تعتمد على قاعدة متنامية بفعل اتساع المد الشعبوي في فرنسا كما في اوروبا كلها وأميركا.
«جورنال دو ديمونش» ترى ان الانتخابات في فرنسا تحسمها الطبقة الوسطى وضواحي المدن التي تتركز فيها تحديدا النسبة الاكبر من المهاجرين، وتعتبر مختبرا لجميع القضايا الاجتماعية التي تتفاعل في المجتمع الفرنسي, الذي يبدو، وللأسف الشديد، أنه يرزح تحت سيطرة اجواء خريف ربما يطول، وسيكون من الصعب ايجاد حلول لأزمات فرنسا بالأسماء المتداولة لرئاستها!

الثلاثاء, 23 أغسطس 2016

سياسة الاتجار بالخوف!

إذا كان صحيحا أن العالم يتغيرّ بسرعة، وهو صحيح، فإن هذه العملية تتخذ مساراً سلبياً، يجعل كوكبنا أقل يقينا. مناطق الحروب الأهلية والطائفية، تتسع في آسيا وافريقيا، وبؤر التوتر تزداد سخونة وخطورة حتى في أوروبا، كما في النزاع الروسي - الأوكراني، ومثله في منطقة البلطيق.
شواهد عديدة على أن كوكبنا يتجه للوقوف مقلوبا على رأسه:
لم تستكمل أزمة 2008 الاقتصادية العالمية الكبرى دورتها، ولم تُعالج انعكاساتها السلبية الكثيرة بعد، وها هي أزمة اقتصادية عالمية جديدة تطل برأسها!
الولايات المتحدة الأميركية، القوة العظمى الوحيدة، أقوى جيش بإمكانيات عسكرية خيالية وأكبر اقتصاد، لم تعد كما كانت عليه. يتفلّت مقود القيادة العالمية من يديها، وليس مستبعدا أن يهتز أكثر بعد نوفمبر المقبل. فالناخبون الأميركيون سيختارون رأس دولتهم  الشخص الأقل ضرراً من بين مرشحين: دونالد ترامب وهيلاري كلينتون. وكلاهما ضعيف الامكانيات والشعبية والمواصفات القيادية، مع ذلك، فإن احدهما سيجلس على كرسي أقوى رجل في العالم.
أوروبا «يتبهدل» معظمها برؤساء دون مستوى بلدانهم، بعد أن أصيبت بمرض ندرة القادة والزعماء، ها هي القارة العجوز تهتز بعدة أزمات من اللاجئين الى انسحاب بريطانيا من اتحادها.
شرقنا الأوسط بمكوناته الأساسية الفاعلة الأربعة: العرب، تركيا، ايران، اسرائيل، في مهب الريح، لكل مكوّن علته أو علله، وليس في الأفق ما يشير إلى أن الارهاب الأسود من داعش واخواته سيكون آخرها!
في هذه اللوحة التشاؤمية، تتميز روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين. فلعله الوحيد الذي يراكم نقاطا على عدة جبهات: أوروبا، إيران، سوريا، وأخيراً تركيا، ليس لأن ظروف بلاده هي الأفضل، بل العكس، فهي تواجه تحديات أصعب من الآخرين، خاصة اقتصاديا، وعسكريا أيضاً، إذ يحاول حلف الناتو تكوين كماشة تحاصرها من دول معادية لها وقد قطع شوطا في ذلك.
لكن الضابط السابق في أقوى جهاز مخابرات عالمي ووريث امبراطورية عظمى تحطمت مرتين، قيصرية وشيوعية، لكنها لم تفقد حلمها، المنبعث بقوة مع بوتين الذي يستفيد من أخطاء الآخرين فأعاد روسيا لاعبا ثانيا في السياسة الدولية، كما كان الاتحاد السوفياتي.
على هذه الخلفية يتصاعد التوتر بين روسيا واوكرانيا. لا تظهر كييف كثيرا من العقل الاستراتيجي. حشدت على حدود القرم اكثر انواع اسلحتها تطورا واعلنت تأهبا أقصى بين قواتها، لكن الخبراء يتوقعون هزيمة عسكرية جديدة لها في حال الحرب. ويعتبرون استعادة القرم مجرد وهم، وأن تهورها قد يدفع بوتين للسيطرة على شرق أوكرانيا حيث الموالاة لموسكو هي الشعور السائد بين السكان.
حسب المعلق بيتر أوبس في «رويترز»، فإن بوتين قد يفكر بتصعيد النزاع مع كييف أو لا يفكر، لكنه يريد في جميع الأحوال اثبات أن في استطاعته أن يفعل إذا أراد، ما يعني أن استقلال اوكرانيا موجود بقدر ما تسمح به موسكو. وهكذا فإن الضابط المحنك يطبّق مبدأ قيصريا قديما ان الخطأ بحق روسيا لا يغتفر، وقواعد مدرسة «كي. جي. بي» وأهمها البحث عن عدو خارجي، وحتى افتعاله إذا لم يكن موجودا.
هذه حقيقة لا تستوعبها كييف، فتذّكر بأن التاريخ مليء بالأمثلة على أن القادة يرتكبون أخطاء استراتيجية. وهو ما يفعله الرئيس الاوكراني بترو بوروشينكو الذي «يشد الظهر» بالناتو ولا يدرك حقيقتين: الأولى، أن موسكو لن ترضى في أي حال أن تكون مطوّقة ببلدان معادية،والثانية، وهي الأهم، أن العالم تزدهر فيه سياسة الاتجار بالخوف، ولموسكو فيها سهم، وليس من المستبعد تالياً، أن يعاد تقسيمه مجددا بين القوى العظمى. ذلك احتمال يقوى.

الصفحة 9 من 15