د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

الثلاثاء, 02 أغسطس 2016

الانقلاب الآن!

التراجيديا التركية مستمرة: استعجال تغيير وجه البلاد ونظامها، وألوان عنف وتعذيب غير إنسانية ولا قانونية،جلد وسحل في الشوارع، وتعرية المعتقلين وهم مقيدون،وإن قطعها الرئيس أردوغان بمشهد هزلي ضعيف. إسقاط دعاويه ضد منتقديه. عددها ضخم،يصل إلى ألفين،غير الدعاوى في الخارج، «لمرة واحدة فقط»،أي إن التهديد وسيف العقاب مصلتان على كل من ينتقد شخص الرئيس، ما يجعل القرار جزءاً من المأساة التركية.

يتفق معظم المتابعين على أن أردوغان يقوى منذ انقلاب 15-16 يوليو الماضي،ويشدد قبضته على مفاصل الحكم ومؤسساته، ويواصل تصفية معارضيه الفعليين والمفترضين وحتى المحتملين، ليكرّس في تركيا نظاماً إسلاموياً - إخوانياً متشدداً وحاكماً فرداً، بدل النظام العلماني. أو كما يقول هو: «إعادة بناء تركيا وتشكيلها من جديد»!

إذا صدقت الأرقام الرسمية، فإن الذين شاركوا في الانقلاب - المهزلة 8651 عسكرياً من رتب وأسلحة مختلفة، ما يقل عن 1.5٪ من الجيش التركي ثاني أكبر جيوش حلف الناتو عدداً، أي إن المحاولة الانقلابية لم تدعمها غالبية الجيش، ولم تؤيدها المعارضة،وعارضها الشعب، خاصة من النخب، المثقفين والمتعلمين والعلمانيين بالذات، ومن الطبقات الوسطى المدنية والريفية،وشرائح ذات وزن من الملاكين والصناعيين والمستثمرين الكبار.

مع ذلك يطلق أردوغان حملات تطهير شرسة على دفعات متتالية،ما يعني أن الأهم يحدث بعد إخماد الانقلاب واستسلام الانقلابيين: موجات من الاعتقال،والتسريح والنقل،ومنع السفر.18 ألف عسكري ومدني معتقلون،60 ألفاً فقدوا وظائفهم،50 ألفاً سُحبت جوازات سفرهم،والحبل على الجرار،أو بتعبير أردوغان نفسه أن عدد المعتقلين والمعاقبين سيرتفع «كلما اكتشفنا علاقة مع الانقلاب».المفارقة أن معظم هؤلاء لا يعرف الداعية فتح الله غولن الذي يتهمه أردوغان بأنه وراء الانقلاب، أو حتى لم يسمع به!

عملية تطهير هائلة في جميع القطاعات والمؤسسات والهيئات: القوات المسلحة كلها،الجيش،الشرطة،المخابرات الدرك،والتعليم والقضاء والصحة والسياحة والمواصلات والاتصالات والطيران. تغيير جذري يشمل كل المستويات من أعلاها إلى أدناها.

تركيز خاص على الجيش للسيطرة عليه،والتعليم لتصفية علمانيته وحداثته،والصحافة لتحجيم الحريات،والقضاءللتخلص من أهم قواعد السلطة القضائية وأدوارها،استقلاليتها وعدم تبعيتها للدوائر الحاكمة وأن تكون سلطة موازية للتنفيذية تحدُّ من تطرفها وغلوّها وسلطويتها.

التطهير الجاري في تركيا عملية واسعة وقاسية، إنه انقلاب حقيقي، الانقلاب الفعلي المخيم فوق تركيا يجري الآن، غايته نسف التوازن بين العلمانية والإسلامية،وفرض نهج إسلاموي متشدد،وإقامة سلطة الفرد.

شعبوية أردوغان واندفاعه نحو اليمين، يواكبان انتعاش اليمين المتطرف والشعبوية المتنامية في العالم: من ترامب في أميركا إلى البروكسيت في بريطانيا،والفاشية النامية في النمسا والمجر وسلوفاكيا وبولندا والتشيك.

النظام الإخواني اليميني - الشعبوي الذي يسعى إليه أردوغان،لن ينحصر تأثيره في سياسة تركيا الداخلية واقتصادها،بل يطال سياستها الخارجية،ستتراجع على الأرجح مكانة تركيا،ستزداد عزلتها الدولية،سيضعف جيشها المُهان معنوياً والمنقسم وهو يخوض معارك متعددة الجبهات في وقت واحد: مع الأكراد في الداخل، ومعهم في سوريا،مع الدولة الإسلامية وإرهابها. وتنحسر موجة التأييد في الخارج، في أوساط المثقفين الأجانب والعرب الذين أملوا في نظام ديمقراطي في بلد إسلامي كبير، لكنهم منيوا بخيبة أمل، فانحصر الحماس في فروع الإخوان المسلمين، والمتعاطفين معهم علناً أو سراً في السياسة أو وسائل الإعلام!

المتوقع حد اليقين  أن علاقات أنقرة ستتعقد مع واشنطن المتهمة بدعم الانقلاب. ومع بروكسل المتهمة بالتقصير في دعم تركيا، ستتحسن مع موسكو،وربما تلجأ أنقرة إلى تسويات الأمر الواقع المرة مع دمشق والرئيس الأسد.

التوتر الناشب في تركيا وحولها، سيزداد حدةً كلما اندفع أردوغان في تشديد قبضته على السلطة، وتصاعد النفور في الداخل والخارج من سلوكه.

السبت, 30 يوليو 2016

إيران تصدُّ الأبواب!

إذا كان ربط إيران بداعش بروباغندا فجة،أو خلط أوراق مكشوف، لكنها هي المسؤولة عن تقديم مبررات قوية للذين يروّجون أن الاثنين واحد.
إيران مصممة على التدخل في الشؤون العربية، وعلى أن تجعل ما يمكن من الدول أو الأحزاب والجماعات العربية توابع تدور في فلكها، وتستغل الوهن العربي حيث تستطيع، وبقدر ما تتمكن، لتعزز موقعها في المنطقة تحقيقاً لحلم إمبراطوري يواكب الحلم الاستيطاني الإسرائيلي والحلم السلطاني التركي.
الغزو الأميركي للعراق، وتدمير بلاد الرافدين إحدى الحلقات المركزية في النظام العربي وإفناء جيشه وجميع مؤسساته، ثم الربيع العربي، بالقيادات الإسلاموية التي حملها، والفوضى التي عممها، كسر قواعد الحصانة وخطوط المناعة في البلدان العربية التي اصفّرت مصادر قوتها وأسقطها ذلك الربيع.
كانت تلك اللحظة المناسبة للثلاثي الإسرائيلي- الإيراني - التركي، للانغماس المفتوح في الشأن العربي وغرف ما يمكن من مكاسب على حساب العرب، ودون «إحم» الجيرة أو «دستور» القانون الدولي الذي يمنع التدخل في شؤون الآخرين.
وإذا كان هذا الكلام لا ينطبق على الدولة العبرية لأنها العدو التاريخي للعرب، وأصبح يحتاج إلى مراجعة وتدقيق بالنسبة لتركيا التي يتراجع تدريجياً موقعها كقوة إقليمية بعد الانقلاب العسكري فيها وردة الفعل الجموحة لحكومة أردوغان،فإن طهران بنهج السيطرة والهيمنة، تقامر ليس فقط بنسف ما بقي من علاقاتها التاريخية مع العرب انما تمعن في تأجيج النار المشتعلة في معظم الوطن العربي،وتهدد بامتدادها الى اماكن جديدة، بما فيها ايران نفسها وهي ليست عصية او منيعة، وبذلك تدفع المنطقة كلها، وهي جزء منها، إلى أتون الفوضى وعدم الاستقرار والخراب!
يعزز هذه المخاوف عدم نجاح ما يبذل من محاولات صادقة وجهود ايجابية لتليين المواقف،وإعادة العقل والحكمة إلى السياسة في المنطقة، أو بكلام آخر،مساعي إطفاء الحروب والحرائق ومصادر التوتر، وفتح الأبواب أمام الدبلوماسية والتسويات التي تضمن حقوق الجميع وتصون المصالح دون اعتداء على الآخر.
مفتاح الأمل، هو إقناع طهران بأن الاقلاع عن نهج التشدد والرغبة في الهيمنة، سينعكس ايجابا على العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين والخليج عموما، وعليها هي بالذات.
فبدلا من الغرق في نهج عسكرة المجتمع الإيراني،وتحويله الى مجتمع ميليشياوي، وهو الحاصل الآن، كما فعل صدام حسين من قبل بالمجتمع العراقي، وكأن التسلح هو الهدف، والقوة ضد الآخرين هي الغاية، تنفتح إيران على عملية تنمية حقيقية تعود بالخير على شعبها.. تعالج الفقر المنتشر بمستويات مهولة، والبطالة العالية بين الشباب الذين يشعرون ان لا مستقبل لهم، يدرسون ويتخرجون فلا يجدون عملا ولا مسكنا، شبابها الذين يبحث معظمهم عن فرصة للهجرة لأن الاحباط ينهشهم، والشعور بأن لا مستقبل لهم في بلدهم، رغم غناه يقتل طموحاتهم.ثرواته تُحرق وتبدد في نزعات الهيمنة والتمدد الى الخارج، وتأكلها نيران الحروب والنزاعات بدل توظيفها في بنية تحتية وعمران وبناء يساهم في ازدهار البلاد وتقدمها،ويرفع مستوى معيشة شعبها ليتناسب مع غنى البلاد وخيراتها.
الجزء الأكبر من كرة حلول مشاكل المنطقة وأزماتها، ونزع فتائل التوتر منها، في ملعب إيران وقيادتها. ومن المؤكد أنها لن تكون نموذجاً للعرب، لا تنموياً ولا حريات، ولا نهضة، وإن كانت مفاتيح بعضهم في يدها.
إيران للأسف مصرة على التعنت وإشعال المزيد من بؤر التوتر وساحات الحروب، وآخرها الاستفزاز المتعمد للكويت والسعودية في مياه الخليج العربي.

الثلاثاء, 26 يوليو 2016

انقلاب أردوغان.. و«التركسيت»!

يتفاجأ العالم يومياً بمنحى التطورات في تركيا. ما في جعبة الرئيس أردوغان من ردود فعل عنيفة ومخيفة على محاولة الانقلاب الفاشلة، يطرح سؤالاً ملحاً عن أهدافه الحقيقية وإلى أين يريد أن يصل، وهل يقاتل من أجل الديمقراطية حقاً، أو أننا شهود على اندلاع حلم- وهم امبراطوري إسلاموي؟!

الاجابة عن السؤال غير ممكنة الآن، ربما تصبح كذلك بعد أسابيع، لكن الشواهد تدل عليها. فليس صحيحاً أن ما تقوم به الحكومة التركية مجرد انتقام من فتح الله غولن، أو عقاب للجيش والأجهزة الأمنية، والمشاركين في الانقلاب أو داعميه.

ما يجري انقلاب شامل يستهدف كل ما قامت عليه تركيا الحديثة، ينفّذ في ليل حالة الطوارئ وبالمراسيم بدل القوانين، واطلاق يد الأجهزة الأمنية في الاعتقال دون اتهام!

مفهومٌ أن يُعاقَب المتورطون، لكن من غير المبرر أن يطال العقاب كل قطاعات المجتمع، وأولها التعليم بجميع مراحله، خاصة الجامعية، فيُعْتَقل أو يُطرد أو يُبعد آلاف العاملين في القطاع الحيوي بمن فيهم عمداء وأساتذة ومدرسون، وأن يُغلق ما يزيد على ألف مؤسسة تعليمية بينها عشرون جامعة، ناهيك عن مئات المؤسسات الصحية والدينية وغيرها!

تبرر الحكومة اجراءاتها ضد التعليم بأن الجامعات «كانت في الماضي معقلاً مهماً جداً للطغمة العسكرية، وهناك شكوك أن بعضها مازال على علاقة بالعسكر»!

الحقيقة في مكان آخر. الجامعات، والمثقفون الأتراك عموماً، دعامة رئيسية للعلمانية التي يسعى أردوغان لإزالتها ونشر التعليم الديني، وهي أيضاً من أنشط مراكز المعارضة لحزب العدالة والتنمية. ففي يناير الماضي مثلاً، وقّع الأكاديميون عريضةً تدين الممارسات الدموية للسلطة في شرق تركيا، وطالب 1200 أكاديمي من 90 جامعة بإنهاء العنف ضد الأكراد فوراً، فخضع كثير منهم للاعتقال أو التحقيق. وقبل حوالي الشهر نظم الطلاب احتجاجات لأن الثقافة والتعليم في تركيا يفقدان ميزتهما العلمانية.

اتهام هذا العدد من الناس في جميع أنحاء البلاد ومن قطاعات عسكرية ومدنية واسعة جداً يثير السخرية، إذ يبدو الأمر وكأن الانقلابيين قد سجّلوا أسماءهم في مكان ما قبل ان يقدموا على فعلتهم، وسرعان ما اكتشفت الأجهزة التركية موقع التسجيل، فباشرت فوراً بمطاردة جميع المسجلين فيه واصطيادهم بالآلاف!

يعزّز هذا الانطباع أن جميع الانتقادات الداخلية والخارجية لا تثني السلطة عن الإمعان في تصفية الخصوم والمعارضين. لذلك تسعى حثيثاً لإعادة حكم الاعدام إلى التشريع التركي بعد 12 عاماً من إزالته، وهي تدرك مسبقاً أن ذلك سينسف العلاقات مع أوروبا، ويطفئ أمل تركيا التي تنتظر 53 عاماً على باب النادي الأوروبي كي تدخله.

هنا، ليست مصلحة تركيا هي الأعلى، بل إيذاء الخصوم المتهمين بأنهم ذوو توجه غربي والقضاء على أحلامهم وإفشال رهانهم، حتى لو استدعى الأمر تنفيذ «التركسيت» وأخذ تركيا بعيداً عن أوروبا وقيمها. هذه فكرة ليست غريبة عن تكوين أردوغان الفكري ونهجه المشبع بحلم الخلافة!

المنحى الذي تسير فيه تركيا، قد يغرقها في عملية «ليلة سكاكين طويلة» تشبه تلك التي جرت في ألمانيا الهتلرية بين 30 يونيو و2 يوليو 1934، وتطال كل من ليس مؤيداً لأردوغان ولحزب العدالة، ويضعها في طريق وعر كثير المطبات والمخاطر عليها وعلى المنطقة.

والدليل التظاهرة الحاشدة في استانبول مساء الأحد ضد الانقلاب ولحماية الجمهورية والديمقراطية، إذ شارك فيها رغم أجواء الخوف المخيمة، أتراك صمموا على إدانة حالة الطوارئ ورفض إجراءات أردوغان ووصف حزب العدالة بأنه «سارق ومجرم».

أما الشعارات الأكثر تحدياً لحكومة أردوغان فكانت «لا للانقلاب ولا للإملاء»، «نحن جنود مصطفى كمال»، «تركيا علمانية وستبقى».       

السبت, 23 يوليو 2016

نهاية أتاتورك!

بإجراءات مبالغ فيها ومتهورة بل مجزرة منظمة، بدعوى مواجهة آثار الانقلاب الفاشل، يضع الرئيس رجب أردوغان تركيا في مهب الريح، ويدخلها مرحلة جديدة غير واضحة النتائج داخليا وخارجياً، انما معروفة التوجه العام وهو جعل 16 يونيو اليوم الذي سيؤرخ فيه لنهاية عصر أتاتورك، والإمعان في «سلطنة» تركيا برداء «إخواني»!
أسباب فشل الانقلاب شبه معروفة: تحضير سيئ، توقيت خاطئ، عدم قدرة مخططي العملية على الإحاطة بها من البداية حتى النهاية، إفشاء المخابرات الفرنسية معلومة الانقلاب إلى السلطات التركية، وقبلها جميعاً غياب ثقة الشعب والقوى السياسية في العسكر، والأهم أن الإنقلاب لم يعد أداة مناسبة لإدارة المجتمع والسياسة في عصرنا.
اعتبر أردوغان الانقلاب الفاشل «هدية من الله» فأطلق في أقل من أسبوع ردود فعل مرعبة تتخطى كثيراً حماية النظام ومعاقبة الانقلابيين والمرتكبين، وباشر حملات تطهير منفلتة حتى صدمت الأعداد العالم.
70 ألف مدني وعسكري معتقلاً أو مطروداً، قضاة، موظفون، معلمون، قيادات جامعات واساتذتها!
يطرح ذلك اسئلة مشروعة عن حجم الانقلاب. فإذا كان كل هؤلاء قد شاركوا فيه فذلك يعني انه واسع وليس محدوداً حسب الرواية الرسمية، وإذا لم يكونوا، فإن القمع والعقاب لا ينحصران بالانقلابيين وحدهم، بل يشمل كل المعارضين.
هذه الحملة الممنهجة الضخمة والخطيرة واكبها إعلان الطوارئ لثلاثة أشهر، وانسحاب من المعاهدة الأوروبية حول حقوق الإنسان. ما يعني منح الحكومة سلطات إضافية وتخويل الرئيس حكم البلاد بالمراسيم والحد من حق التجمع وحريات التعبير.
كلها مؤشرات على أن الرئيس أردوغان وحكومته يسيران نحو المزيد من التشدد، وان الهدف أكبر من المعلن. فالانتقام ليس العدالة ويستحيل دمج المفهومين. ثم كيف يمكن ضمان العدالة في هذه الأجواء المشحونة بالكراهية والحقد ومراضاة الحاكم؟!
لقد سقط الجيش التركي وأُهين وسيواصل أردوغان تقليص استقلاليته وإخضاعه لرقابة أشد  وزرع أنصاره في جميع الأجهزة العسكرية والمدنية، ولن يرضيه فقط إضعاف المعارضة والقضاء على حليفه السابق عدوه الأول حالياً فتح الله غولين، بل يريد كل الأجهزة «جماعته»!
جنون عظمة السلطة وشهوة النظام الرئاسي، أو بالأحرى الـ«سلطاني» ستقويان حتماً وستؤديان إلى ممارسات أكثر فظاظة وعنفا.
الهدف: تصفية إرث كمال مصطفى أتاتورك العلماني. فبعدما أزال «العدالة والتنمية» الفرع التركي للاخوان المسلمين، والحاكم منذ 14 عاماً بزعامة أردوغان حوالي نصف الإرث الأتاتوركي، يستغل الفرصة للإجهاز على تركيا الحديثة المتحررة من الخلافة واعتمدت فصل الدين عن الدولة.
باختصار عصر أتاتورك في نهايته. العصر الذي كان فيه إرث «الوالد المؤسس» من مقدسات الأتراك، سيحلُ بدلاً منه مشروع أردوغان، تركيا العثمانية السلطانية القائمة على عقيدة الإخوان المسلمين.
لكن يبقى السؤال الملّح: هل يمكن لأردوغان أن يسيطر بهذا النهج الانتقامي المغامر على تركيا التي تعاني من سلسلة أزمات مركبة في وقت واحد: 2.5 مليون لاجئ سوري، مالية متمثلة بسقوط الليرة وتباطؤ الاقتصاد، وخارجية حيث لم يبق لتركيا في العالم إلا القليل من الحلفاء، وليس أخيراً أزمة الأمن والخوف، ففي الشرق قتال مع الأكراد الساعين للاستقلال، وفي عموم البلاد موجة أعمال إرهابية يقوم بها داعش، في ظروف انقسام حاد في الجيش.
تركيا اليوم: عنف، فوضى، عدم استقرار، بحث عن عدو داخلي حقيقي أو مفترض، تخبط، عزلة. ذلكم التهديد الفعلي لها في ظرفها الصعب الراهن!

الثلاثاء, 19 يوليو 2016

مواجهة أم مراجعة؟!

مضى أكثر من عام واستقرار تركيا مهتز، وجاء الانقلاب الفاشل السبت الماضي نذيراً على مدى التأزم، ودليلاً على ضعف الجيش، وتأكيداً أنه إذا واصل الرئيس أردوغان نهجه الذي أوصل البلاد إلى هنا، فإن الاستقطاب في المجتمع التركي سيتعمق أكثر، ما يعرض البلاد إلى مخاطر وخيمة قد تصل إلى الحرب الأهلية.

تدفع تركيا ثمناً فادحاً لسياسة أردوغان القائمة على عنف الأفعال والأقوال تجاه الخصوم في الداخل والخارج، والمنفصلة عن الواقع بأوهام عظمة ضائعة وتسلط من خارج العصر، فيتصرف كما لو أن تركيا امبراطورية عثمانية وعلى العالم أن يرتجف منها.

هذا النهج أفقد تركيا استقرارها: استقطاب وانقسام مجتمعي بين فئات إسلامية محافظة وأخرى علمانية أتاتوركية، غياب لغة الحوار بين الحكم والمعارضة، رغم أن أحزابها أظهرت مسؤولية عالية في رفض الانقلاب والتمسك بالأصول الديمقراطية ولو على قاعدة المفاضلة بين السيئ القائم والأسوأ القادم, تشديد الخناق على الحريات العامة والاعلام، الإمعان في تركيز السلطة في يد شخص جامح نحو حكم فردي, اجراءات لـ «أخونة» المجتمع والدولة والسعي لإقامة نظام حكم إسلامي شبيه بالنموذج الإيراني وإن اختلف المذهب، فيصبح في المنطقة نظامان أحدهما عماده ولاية الفقيه، والثاني الخلافة!

في شرق البلاد عنف متصاعد واستخدام قوة متزايد ضد الأكراد، وإرهاب شرس، خطر داهم من قبل داعش والتنظيمات الارهابية التي دعمها أردوغان، الذي فاته أن لا أخاً ولا صديقاً للارهاب حتى ضربه وأوجع في أحد أهم رموز النهضة التركية: مطار أتاتورك.

عزلة تفاقمت بحدة مع المحيط: العراق، سوريا، مصر، روسيا وإسرائيل، توتر مكتوم أحياناً وصريح أخرى مع واشنطن وأوروبا، قبل التنازلات المشينة أمام موسكو وتل ابيب منذ أيام تلاها الوعد بعلاقات إيجابية مع سوريا.

أدى هذا النهج إلى تراجع الاقتصاد والتنمية والأمن والاستقرار وتصاعُد التوتر في المجتمع، وفي العلاقات الخارجية،مثبتاً إن أية جماعة أيديولوجية، يسارية كانت أو محافظة، كالاخوان المسلمين التي ينتمي إليها أردوغان، يمكن أن تكون قوة هدم، لكن صعب جداً حتى الاستحالة أن تكون قوة بناء وولادة جديدة، وإن الأحزاب الايديولوجية كالعسكر، لا يصنعون ديمقراطية إلا على قياسهم، وهذا ما يجسّده أردوغان في السنوات الأربع الأخيرة.

إلى ذلك، بلورت أحداث الساعات الأخيرة في تركيا معطيات أخرى, بغض النظر عن التكهنات بشأن من يقف وراءها العسكر وغولن, أم ما يقال همساً أنها من تدبير أردوغان نفسه, والذي بات حتماً أمام خيارين,أول المعطيات, أن الانقلاب أظهر الجيش التركي ضعيفاً ومنقسماً ولم يعد القوة الحاسمة والأساسية، وأن الجنرالات لم تتبقَ لهم الكلمة الفصل في الدولة والسياسة والمجتمع,وهذا،إنجاز كبير لأردوغان الذي نجح وتراجع العسكر، مع انعدام أي تأييد شعبي أو سياسي للانقلاب الذي بقي معزولاً عن الناس.

المعطى الثاني، ان أكبر المستفيدين من الانقلاب يمكن أن يكون أردوغان نفسه، لكنه في الوقت ذاته يمكن أن يكون أكبر الخاسرين, يحدد ذلك أي الخيارين سيعتمد: الإمعان في نهجه السلطاني التسلطي كما حتى الآن، حتى تغرق تركيا في التوتر وتنجرف إلى كابوس الحرب الأهلية, وهو بدأ يرسل إشارات مقلقة على التعنت والانتقام خارج القانون فيواصل تصادمه مع الأوساط العلمانية خاصة مع الجيش والقضاء متخذاً من الانقلاب ذريعة لعملية تطهير واسعة ومستغربة لا مبرر لها سوىالرغبة في «أخونة» القضاء والمؤسسات العسكرية والأمنية، أم يختار المراجعة وأساسها الإدراك انه في عالم اليوم المزدحم بالصراعات والمشاكل، من الضروري إيجاد تسويات مع الداخل والخارج يستفيد منها الجميع ولا تلغي أحداً، وهذا يعني تغليب البراغماتية على الايديولوجية والاستدارة 180 درجة عن أوهام السلطنة والسلطان.

فهل لدى اردوغان الرغبة في أن يفعل, والقدرة على الفعل؟!

السبت, 16 يوليو 2016

سلاح نووي ضد الخليج!

كأن مرارة واقع العرب لا تكفيهم، حتى ينثر التاريخ مزيداً من الملح على جراحهم!
معلومات يظنها المرء سيناريو خيال علمي لو لم تتضمنها وثيقة رسمية أميركية أخذ العلم بها ثلاثة رؤساء أميركيين على التوالي، تقضي باستخدام أسلحة نووية لتدمير حقول النفط في الخليج لمنع الاتحاد السوفييتي من السيطرة عليها والاستفادة منها!
الوثيقة التي تعود إلى أيام الحرب الباردة ظهرت إلى العلن الآن بكامل تفاصيلها مع أنه كان مفترضاً أن تبقى سرية وطي الكتمان لعدة سنوات أخرى لاحقة.
الخطة عنوانها 2/ NSC 26 مشروع حقيقي مفصل مذهل، بل مخيف، هدفه تدمير صناعة النفط في منطقة الخليج، إيران، العراق، السعودية، الكويت، قطر، البحرين، وتبقى كذلك لحين إبعاد السوفييت عن المنطقة مجدداً، والحيلولة دون استفادتهم من قطرة نفط واحدة.
بلوّر الاستراتيجيون الأميركيون المشروع عام 1948 في عهد الرئيس هاري ترومان الذي أقرّه، وكان جاهزاً في عهد خليفتيه دويت إيزنهاور وجون كيندي الذي أضيف أثناء ولايته ملحق للخطة يقضي بامكان استخدام، إضافة إلى القذائف والمتفجرات، أسلحة نووية لضمان نجاح العملية.
تحدد الخطة آلية تنفيذها على عدة مراحل: تدمير إنتاج النفط والمصافي وجميع أمكنة التخزين، والمواقع البديلة التي يمكن أن يستخدمها السوفييت، ويحتفظ الأميركيون الذين يعرفون الطريق بسر إعادة الانتاج والتصدير بعد طرد السوفييت من المنطقة واستعادة السيطرة عليها، وهي العملية التي تستغرق حسب الخطة عاماً على الأقل.
جرى تصنيع متفجرات وقذائف خاصة لتدمير الأهداف المحددة، وخلطات خاصة تستخدم لسد الآبار، ومولدات الكهرباء والشاحنات، ووضعت خطة طوارئ لإجلاء العمالة، خاصة المهندسين كي لا يستفيد السوفييت منهم.
جنّدت الـ«سي آي إي» 45 من كبار خبرائها لإدارة عملية تدمير العملاق النفطي أرامكو، وأنشأت شبكة من 645 عميلاً ودربتهم على مهمات محدودة، ووظفت آخرين لمراقبة الأمكنة التي جرى فيها تخزين المتفجرات والتجهيزات الضرورية.
شجع على اعتماد الخطة، أن محطة
الـ CIA في طهران كانت تعتقد أن الغزو السوفييتي سيحصل، وان الادارة الأميركية كانت مقتنعة بأن دول الخليج العربية وإيران غير قادرة على الدفاع عن النفط.
جزء من الخطة أكده بيل أوتو الموظف السابق في أرامكو المكلف بالإشراف على عملية التدمير في حال التدخل السوفييتي، بعد أن تسربت عن طريق الخطأ إشارة عنها، أفلتت صدفة من أمينة المكتبة في عهد ترومان إلى الصحافي الاستقصائي ستيف إيفرلي الذي التقطها، وبدأ البحث عنها منذ العام 1966، واحتفظ بالمعلومات سراً حتى قرر الآن نشر تفاصيلها على موقع polilico المرموق بعد أن استكمل معظم، إن لم يكن مجمل، تفاصيلها!

الثلاثاء, 12 يوليو 2016

البُعد المُهمَل!

ليس هناك أي بُعد مخفي في مسلسل هجمات داعش الدموية أواخر رمضان واستهداف ستة بلدان إسلامية بينها خمسة عربية معاً، بل هناك بُعد مهمل، سهواً والأرجح عمداً، في رد الفعل على الحرب الاجرامية الشاملة التي نفذها التنظيم الإرهابي.

تسع عمليات في لبنان والأردن وتركيا والعراق (عمليتان) والسعودية (ثلاث عمليات) وبنغلاديش، فيما أفشلت يقظة أجهزة الأمن الكويتية بعملية استباقية مميزة، سلسلة تفجيرات خطط الإرهابيون لتنفيذها في الكويت.

المفارقة في المسلسل الإرهابي ليست فقط اتساعه الجنوني أو استهداف دول عربية في مواقع حساسة ذات رمزية سياسية ودينية، أو عدد الضحايا الكبير الذي أوقعه، بل تكمن أساساً، في أن داعش يوسع إجرامه فيما هو يزداد ضُعفاً، ويخسر المزيد من الأراضي التي يسيطر عليها في العراق وسوريا، ويُدفع الى الزاوية في عدة مواقع.

رسائل  الإجرام الانتحاري شديدة الوضوح - لمن يريد أن يرى ويفهم، وهي أنواع: عامة إلى الجميع، وخاصة إلى كل بلد مستهدف على حدة، والأخيرة إلى التنظيم نفسه ومؤيديه.

الرسالة الشاملة عنوانها العريض تعميق الخلاف المذهبي الذي يحرق بنيرانه الوطن العربي كله، وصبّ الزيت عليه ليزداد اشتعالاً. إنه التحدي الكبير، المصيري، الذي يطلقه داعش في وجوهنا جميعا على اختلاف مذاهبنا.

مع هذا التحدي، تهديد سافر بالإيذاء والتخريب مضمونه: «نحن، وإن تراجعنا أو ضعفنا في أرض الخلافة، فإننا لا نزال أقوياء، نستطيع أن نضرب ونوجع ونحمل إلى البلدان العربية الألم والفوضى».

ولإثبات جدية التحدي والتهديد، عمد داعش إلى إرهاب غير عادي، من حيث الاتساع والشمول. منظم مُعّد بحرفية لافتة، المواقع التي استهدفتها التفجيرات الانتحارية مُختارة بعناية كما التوقيت، الهجمات منسقة ومترابطة بإحكام وبعيدة كلياً عن الصدفة.

أما الرسائل إلى الدول المستهدفة فهي عديدة: ضغط وتخويف وابتزاز وبلاغ أن لا أحد بمنأى.

الرسالة الثالثة، لعلها الأخطر، لأنه سيواكبها نشاط عملي لتنفيذها، هدفها رفع المعنويات الهابطة بفعل الهزائم والتراجعات المتتالية، وكسب شعبية مع التركيز على الشباب وصغار السن ليس من الفئات الدنيا أو المتوسطة فقط، إنما من الفئات العليا خاصة، والاستفادة من أجواء العمليات الإرهابية لتجنيد أعضاء وأنصار جدد، وكذلك محاولة اختراق الأجهزة الرسمية، أولّها الأمنية.

إذا كانت أهداف الإرهابيين واضحة وقد تلقفها أنصارهم وباشروا نشاطهم لترويجها وتحقيق ما يمكن منها، فإن ردة الفعل أتت ضعيفة مرتبكة ودون مستوى أخطار العمليات التسع ورسائلها.

تمحورت ردة الفعل على أن الإرهابيين لا يمثّلون الإسلام، وهو منهم براء.

إنه كاكتشاف الماء الساخن أو مجرد مولينكس لفرم الكلام.

لقد غابت للأسف، الأسئلة الجوهرية والأجوبة الضرورية: لماذا يصعّد الإرهابيون الآن؟ لماذا تتلكأ مكافحة الإرهاب؟ لماذا يزداد التشدد انتشاراً في أوساط فئات يفترض ألا تكون بيئة حاضنة له؟ أي السبل الفعلية لمواجهته والقضاء عليه؟ كيف نخرج من قوقعة التركيز على أخطاره الأمنية وحدها كي لا تظلّل بقية أسباب نمو التشدد والتطرف ورفض الآخر؟!

لا بلد في مأمن من الإرهاب. والتحدي الجدي أن يكون الرد عليه في مستوى خطورته وأخطاره. عنوانه الابرز وهدفه الأول تجاوز الانقسام المذهبي القاتل، والذهاب معا لمقاتلة التهديد الحقيقي لكل المذاهب: الإرهاب وتنظيماته وأفكاره وأشخاصه وإعلامه ودعاته.

الثلاثاء, 05 يوليو 2016

لماذا؟ وما الذي جرى؟!

ليس الرئيس التركي رجب أردوغان في برج حظه. الضربات التي يتلقاها لا تأتي فرادى، آخرها العملية الإرهابية في مطار اسطنبول، ولا يغطي الوضع الصعب الذي تتخبط فيه تركيا، إنجازان مهمان حققتهما  بموازاة الإرهاب الذي آلمها: تطبيع مع إسرائيل، وبدء مصالحة مع روسيا.

الهجوم الإرهابي في مطار أتاتورك الثلاثاء الماضي، هو أكبر الهجمات الدموية على الأراضي التركية منذ مطلع العام 2016 الحالي، وثاني أسوأ عمل إرهابي في تاريخ تركيا بعد تفجير محطة قطارات أنقرة العام الماضي.

حتى قبل 4 سنوات سبقت، كانت تركيا بلداً آمناً يشهد نهضة ونمواً أثارا الإعجاب، وأصبحت مقصداً لملايين السواح من كل العالم. فما الذي جرى؟ ولماذا تتحول تركيا إلى مقصد للإرهاب؟

الأسباب كثيرة. أول المذنبين، لاشك، هم الإرهابيون المتأسلمون سافكو الدم في اسطنبول وبغداد بعدها، ثم في الحرم النبوي والقطيف، لكن أردوغان يتحمل نصيباً أساسياً من المسؤولية عن الإرهاب في اسطنبول.

أبرز الأسباب تكمن في المنطقة المضطربة المشتعلة حول تركيا، والتهاب جزء منها هي بالذات، فعندما يحترق بيت جارك، لن يسلم بيتك من شرر يصيبه.

الرئيس اردوغان الغارق أكثر فأكثر في الغطرسة ووهم القوة، غابت عنه هذه الحقيقة على بداهتها!

اعتبر الرئيس السوري بشار الاسد والأكراد دعاة الاستقلال شراً مطلقاً يجب القضاء عليه، فعمل كل شيء وأي شيء لإسقاط الاسد وقمع الحركة الاستقلالية الكردية، لكن أسلوبه يرتد عليه الآن!

لم يكتف بالتعاطف مع الإرهابيين من داعش والنصرة، بل بالغ في تقديم الدعم اللوجستي والمساندة السياسية، وفتح لهم الحدود التركية تسهيلاً لدخولهم الى سوريا وعودتهم منها مع النفط المهرّب والآثار والأشخاص. ولأن العقرب يلدغ صاحبه أيضاً، نشط الإرهابيون في تركيا، وأسسوا خلاياهم فيها، وجندوا أتراكاً وأكراداً في تنظيماتهم. لم يدرك أن الإرهاب يواجه بالحزم لا التساهل.

السبب الجوهري الثاني، هو انفجار التوتر بين الاكراد والحكومة التركية، وهذا مرتبط في جانب كبير منه بالفوضى في سوريا والعراق، ما أدى إلى قيام جزر كردية شبه مستقلة عند الحدود التركية مازاد مخاوف أنقرة من مساعي أكراد تركيا للاتحاد مع أشقائهم في سوريا.

راهن أردوغان على القوة العسكرية والقمع البوليسي لإخماد أي نزعة استقلالية كردية، وعجز عن اجتراح أي حوار عقلاني مع المعارضة والاكراد في الداخل، بينما الحل في الاعتراف بحقوق الأكراد، وفشل في التعامل مع الجيران خاصة مع سوريا والعراق، ولا حتى مع مصر الأبعد، وشاب الفتور علاقاته مع إسرائيل، ووترّها مع روسيا قبل أن يضطر لاعتذار مهين منها، ومد اليد مجدداً للدولة العبرية.

أخطاء أردوغان المتراكمة وسياساته المتهورة تدفع ثمنها تركيا الآن: أسلمة النظام التركي بالعنف، ونزعاته السلطوية وجموحه نجد الحكم الفردي والتمييز ضد الاقليات، جعل المجتمع أقل حرية، ووتر العلاقات مع الجيران، وهي مؤشرات فشل، هيأت المناخ لوجود الإرهاب في تركيا وتناميه.

في مرحلة انهيارها مطلع القرن العشرين، سُمِّيت تركيا رجل اوروبا المريض، لكنها اليوم تعاني مرضاً أشد فتكاً عوارضه مجسّدة في شخص الرئيس أردوغان «رجل البوسفور المريض بالسلطة»!

السبت, 02 يوليو 2016

أبو العرّيف!

صُنِّفتُ، ربما مصادفة، بين الصحافيين المميزين في اختيار العناوين. ورغم أنه لا توجد قاعدة ثابتة لتوليد العنوان الصحافي مضموناً وشكلاً، فلقد كان من عادتي أن أعرض «المانشيت» او العنوان الرئيسي الذي أفكر فيه على عدد من الزملاء لقياس وضوحه وردة الفعل عليه، قبل أن تتم الولادة.

لم تكن العملية تجري بيسر دائماً، ولا كانت قاعدة «رؤوس أكثر ذكاء أكبر» صحيحة في كل حين. فمثلاً في العناوين المتعلقة بمسؤولين يتولون مناصب رفيعة، وبتصريحاتهم خصوصاً، كان زميل أو زميلان يقترحان تعديلات ليأتي ما قاله ذلك المسؤول «مناسباً» حسب تعبيرهما، وكأن علينا، نحن الصحافيين، أن نعلّم السياسيين ما المناسب أو غير المناسب ليقوله!
كنت ابتسم مستغرباً من ملاحظة «أبو العرّيف». وقد تذكرت ذلك، وأنا أتابع الموقف الايراني تجاه انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
ففيما ينهمك السياسيون والاقتصاديون والمحللون حول العالم في بحث النتائج السلبية المحتملة للبركسيت، فإن المسؤولين الإيرانيين «يضربون اصبعتين»، ولولا دواعي الاحتشام لرقصوا ابتهاجاً.
«النجوم في علم الاتحاد الأوروبي تتساقط. خروج بريطانيا مناسبة تاريخية لإيران عليها أن تستخدمها وتستفيد منها»، هذا الموقف الرسمي الايراني أعلنه حميد أبوطالبي مساعد مستشار الرئيس روحاني للشؤون السياسية.
انضم إليه أيضاً مساعد رئيس أركان القوات المسلحة مسعود يازايري الذي يرى أن «الطريق الوحيد لإنقاذ أوروبا هو استقلالية تامة وعملية عن البيت الأبيض»، ويضيف «أن لمواطني اسكتلندا وغيرها من البلدان الحق في التخلص من نير إمبراطورية ما يسمى «بريطانيا العظمى»!
حتى د.فؤاد إيزادي أستاذ الدراسات الأميركية في جامعة طهران يفقد المنطق العلمي ويقدم المصلحة فيقول إن البركسيت «جيد وإيجابي لإيران والعالم الإسلامي».
صحيح أنه منطق الوصاية والحكم الديني والحق الإلهي الذي يحكم سياسة إيران وتصرفاتها، وقد وصل اليوم إلى تعليم بريطانيا، أعرق ديمقراطيات العالم، وشعوبها ما المناسب أو غير المناسب لهم.
لكن الأهم أن يترتب على الموقف الإيراني تساؤل هو: لماذا البركسيت «مناسبة تاريخية» لإيران؟ وكيف يمكن أن تستخدمه وتستفيد منه؟ وهل للاستخدام والاستفادة علاقة بالمنطقة ودول الخليج على وجه التحديد؟!
يزيد من إلحاح السؤال تعميم فكرة الفائدة من الانسحاب لتشمل العالم الإسلامي وليس إيران وحدها!
غريب ألا ترى القيادة الايرانية أن خسائر العالم الإسلامي من الانسحاب بلغت حتى الآن مليارات الدولارات لدول وشركات وأفراد. ناهيك عن أن المهاجرين واللاجئين الذين يتفاقم الموقف السلبي الأوروبي والبريطاني تجاههم، وأولئك الذين تتصاعد الممارسات العنصرية ضدهم هم مسلمون في أغلبيتهم الساحقة.
من حق طهران أن ترى أين تكمن مصلحتها، وأن تسعى إليها، لكن ليس من حقها أن تبيعنا تلك المصلحة المجهولة، أقلّه حتى الآن، على أنها للعالم الإسلامي أيضاً، فهي ليست وصية على ذلك العالم كي تحدد أين مصلحته، فهذه يحددها هو لا هي.. كما أن لكل دولة إسلامية أن تحدد ماهية مصلحتها، وأين هي وكيف تتحقق؟.
«أبوالعريف» الإيراني يعتقد على الأرجح أنه سيستفيد من عدم اليقين الذي يسببه البركسيت في العالم، ليمعن في نشر المزيد من الفوضى في المنطقة العربية .. ولذلك يعتبره فرصة تاريخية.

الثلاثاء, 28 يونيو 2016

بريطانيا تفقد «العظمى»

ليس نهاية العالم طبعاً ولا بريطانيا، تصويتها على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وإن كان كلاهما سيتضرر بالفوضى الناشبة والخوف وعدم اليقين وغموض الآتي، والتبعات الاقتصادية الفادحة، وربما السياسية، المترتبة على الانسحاب.

لكن أوروبا ستكون بالتأكيد أكبر المتضررين لأن ما جرى قد يكون بداية النهاية لوحدتها، وبدون بريطانيا لن تبقى أهمية تذكر للاتحاد،وهو دليل آخر على أن من هُم في سدة الحكم الآن في القارة العجوز سياسيون وليسوا قادة.

فلو كان الساسة الأوروبيون اليوم رجال دولة لما وصل الأمر إلى «البريكست».

العالم غارق في الصدمة أو الزلزال والترقب، عشرات الأسباب يجري تداولها عن لماذا اختار البريطانيون هذا الطريق، وعن الانعكاسات المحتملة لخيارهم.

الأسباب تتراوح بين أزمة 2008 الاقتصادية العالمية ولم تتعاف منها المملكة المتحدة، وان البريطاني العادي، خاصة في الريف والمدن الصغرى، لم يلمس أي ميزة اقتصادية من الاتحاد، فاعتبر أن الخاسر من الخروج هو الفئة العليا من الأغنياء، وبالتالي كشفت نتيجة الاستفتاء الثمن الكبير المدفوع لغياب العدالة الاجتماعية.

وبين الأسباب تهديد الهوية الوطنية بالهجرة، ومعاناة الإنفاق على دول أوروبية يسود فيها الفساد أو تتحكم المافيا في اقتصادها، كما هو الأمر في اليونان واسبانيا وتشيكيا والمجر وسلوفاكيا.

أما بالنسبة للتوقعات فهي تصل إلى انهيار بريطانيا، التي لن تبقى كما عرفناها حتى الآن،إذ لن تكون عظمى خاصة إذا انفصلت عنها اسكتلندا الراغبة في البقاء أوروبية، وقد أصبح لديها الآن مبرر قوي لإجراء استفتاء جديد على انسحابها من المملكة المتحدة.

قد تكون الأسباب كلها موضوعية، لكن التوقعات مفتوحة على كل الاتجاهات السيئة والأقل سوءاً.علاقات بريطانيا مع القارة كانت دائماً معقدة. ألمانيا وفرنسا سوّقتا فكرة وحدة أوروبا لمنع حرب عالمية ثالثة تنطلق منها كما الحربين العالميتين، لكن هذا لم يكن أولوية بريطانيا، التي أنقذت القارة العجوز من خطرين وجوديين، نابليون بونابرت في القرن التاسع عشر وأدولف هتلر في القرن العشرين، لذا بقي الاتحاد بالنسبة لها سوقاً اقتصادياً مشتركاً لا أكثر ولم يعنها فيه أي شيء آخر. وظلّ مَن أسَّس الاتحاد «بيروقراطيون فرنسيون يساريون كاثوليك»، فيما البريطانيون، أو أغلبهم على الأقل، عندهم حساسية تجاه ثلاث على الأقل في هذه الكلمات الأربع!

وأياً كانت الأسباب والتوقعات، تبقى في الحدث البريطاني دروس مهمة مثالاً وقدوة، أولها رئيس الوزراء ديفيد كاميرون الذي اختار التخلي عن دفة القيادة، بما أن السفينة اختارت الإبحار في جهة جديدة، فلابد من قبطان جديد. اختار النزول طوعاً من أعلى طوابق السياسة البريطانية لأن الأكثرية قالت لا لرغبته.فكان حقاً بطل ما وصفه شخصياً «أحد أكبر الممارسات الديمقراطية في التاريخ».

والثاني، هو تنظيم الخلاف الكبير، بل المصيري، بأسلوب إنساني وحضاري رفيع لا نعرفه نحن العرب، فنختار إبادة الآخر وحتى الانتحار الذاتي وتخريب بلداننا وإغراقها في الدم والدمار لشأن أقل أهمية وأتفه كثيراً مما واجهه الشعب البريطاني.

أما الثالث، فهو تأثير الحدث البريطاني على العرب سياسياً، والخليج اقتصادياً أولاً، فكيف سيكون هذا التأثير، وما مداه وحجمه، وهل هناك خطة لمواجهته والتعامل معه والتقليل من خسائره التي يكبر حجمها يومياً؟

ذلك غير معروف للناس، وكثيرون منهم معنيون مباشرة، لأن من عليهم مسؤولية التوضيح يلتزمون الصمت أو لا يعرفون!

الصفحة 10 من 15