جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

هناك شبحُ وباءٍ داهم جديد يحوم فوق العرب وإيران وتركيا. الارتفاع الاستثنائي في الحرارة خطر شديد، إضافي، على الناس والطبيعة والاقتصاد والحياة في عدة بلدان ومناطق من الشرق الأوسط. والأخطر قصور الحكومات العاجزة عن إدراك ما نحن فيه، وعجزها الفاضح عن مواجهته، فيما هي تتواجه، مباشرة أو بالواسطة، بوحشية وغرائز منفلتة، في ساحات الموت والخراب!
حرارة الصيف الحالي في المنطقة تجاوزت جميع الأرقام القياسية المسجلة، وتلحق بمعظم بلدان المنطقة، خصوصاً العراق المنكوب بألف بلاء وبلاء، خسائر بشرية: زيادة في الوفيات والأمراض، وبجميعها،خسائر اقتصادية فادحة: تراجعاً في الإنتاج الزراعي والحيواني، وتدنياً في انتاجية العاملين.
الحاصل الآن، وحسب خبراء المناخ، مجرد نذير بمستقبل صعب، واذا ما صدقت توقعاتهم، فإن الارتفاع المتزايد في حرارة المنطقة، وما يرافقه من شح المياه، ونقص الطاقة، وجفاف، وتصحّر، قد تتسبب كلها بأزمة نزوح وهجرة أوسع من الحالية بفعل الحروب الأهلية، وربما تفجّر «حروب مياه» تصبح احتمالاً وارداً أكثر فأكثر.
الأسوأ من كل ذلك، أن دول المنطقة وحكوماتها ليست في مستوى هذه التحديات المناخية، وغير مستعدة لمواجهتها، ومقصّرة في بلورة إجراءات عملية تضعها موضع التنفيذ للمعالجة كما تقول صحيفة «الواشنطن بوست».
ليست الحرارة الزائدة عن معدلاتها في المنطقة خلال السنوات الأخيرة ظاهرة جديدة. من أسبابها الحروب المتعددة والمتواصلة التي تشهدها، وأنواع الأسلحة المختلفة المستخدمة فيها، من النووي الى الكيماوي واليورانيوم كما في الغزو الأميركي للعراق 2003، والعدوان الاسرائيلي على لبنان 2006،والحرب في سوريا منذ 5 سنوات، وفي اليمن، لكن طقس العام الحالي أتى أكثر قساوة وخطورة.
قفز مؤشر الحرارة والرطوبة في بعض مناطق الإمارات ومدينة جدة والمغرب وإسرائيل الى مستويات لاتكاد تصدق. وإذا ما أكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية رقم الـ54 درجة المسجل أخيراً في مطربة الكويتية، فسيكون ارتفاعاً غير مسبوق في النصف الشرقي من الكرة الأرضية كله.
ما يحصل مناخياً في الشرق الأوسط ليس مفاجأة للخبراء ومنظمات الأمم المتحدة المعنية. فهؤلاء يكررون التحذير منذ سنوات من أن موجات الحر في ضفتي الخليج العربي والمنطقة عموما، ترتفع الى مستويات تهدد الحياة: موتاً، وأمراضاً، وهجرة، ونزوحاً، وتعطيلاً للإنتاج، وتهديداً للموارد، لكن لا حكومات تسمع ولا سلطات تتحرك، ويستمر الوباء القاتل في التقدم دونما مقاومة تذكر!
سكان المنطقة وعددهم الآن يقارب الـ600 مليون نسمة، لا يدفعون فقط ضرائب الاحتباس الحراري وحده، هم يدفعون قبل ذلك أثماناً باهظة لانعدام الرؤى المستقبلية، وغياب الإرادة التنموية لدى معظم الحكومات. فالتصورات غائبة، والحلول العلمية ضعيفة أو غير ذي جدوى لاستيعاب معضلات النمو السكاني السريع، والتغيرات المناخية، ونقص الموارد.بدلا من ذلك يسود الكسل والتقصير في إعطاء المشاكل من هذا النوع، الاهتمام المعقول، ولا نقول الشامل.
إيران تنغمس في نهج مدمر ذي اتجاهين، داخلي لعسكرة مجتمعها، وخارجي يكرس الانجراف وراء «تصدير الثورة»، وأوهام الهيمنة والتمدد وتوسيع النفوذ في المحيط العربي، وهو ما لن يسلّم العرب لها به. تركيا تتراجع استقراراً وتنمية، بفعل نزعات سلطوية وحكم فردي. حكومات عربية كثيرة تحرق بلدانها وشعوبها بحروب أهلية وصراعات وتصدعّات طائفية.
في هذه الصورة المأساوية، تتعمق الكراهية، وتزداد القبور وتتراجع التنمية وينعدم الازدهار، وتحترق الموارد بنار الحروب العبثية، ما يعرض شعوب المنطقة لمزيد من الكوارث والهجرة، أو العودة لعصور التشرد بحثاً عن الماء والكلأ!

الخميس, 18 أغسطس 2016

طربوش الوطنية!

ليس اليوم موعد «كلمات»، لكن استفزني قرار السلطات التركية الإفراج عن 38 ألف سجين بأحكام إجرائية مختلفة ولمدد متباينة، حتى توفّر أمكنة للمعتقلين والموقوفين بتهمة الانقلاب العسكري الشهر الماضي!
قبلها بيومين هدّد الرئيس رجب أردوغان المصارف التركية التي خفضت مستوى إقراض بعض المؤسسات والمستثمرين واتهمها بـ«انعدام الوطنية» و«إشاعة الفوضى». هذه المصارف تخشى على مصالح المودعين، وهم مئات الآلاف، وربما ملايين المواطنين الأتراك، تأخذ بالاعتبار الأوضاع الاقتصادية غير المستقرة في البلاد، والتي تزيدها الاجراءات القمعية لأردوغان نفسه، اهتزازاً  وفوضى. فلماذا هذا الموقف الأردوغاني العنيف وغير المنطقي منها؟!
ولأن أي ديكتاتور يتوهم نفسه مثال الوطنية ومقياس الحرص على الشعب، لم يتردد أردوغان عن اتهام  تلك المصارف بـ«الخيانة»، ممعناً في التحريض عليها بدعوى انه «ليس من حقنا أن نأسف لأولئك الذين لا يشعرون مع بلدهم وشعبهم» حسب تعبيره!
تبيّن خلال ساعات فقط، أن من تقصدهم المصارف هم مستثمرون أو أشخاص لهم مصالح قريبة من السلطة والرئيس، وأن قرارها بشأنهم يعود إلى ضعف ملاءتهم المالية وعدم كفاية الضمانات المقدمة مقابل القروض، وليس وفق تصنيفهم السياسي! لكن أردوغان يصرُّ على أن يجعل من الوطنية أو الخيانة «طربوشاً» يُلبسه هو شخصياً لمن يشاء وفق الأهواء والمصالح، مع أن تركيا العلمانية ألغت ارتداء الطرابيش منذ تسعين سنة!
رأس الحكم التركي يدفع بلاده إلى هوة عميقة، ويجعل تركيا مجهولة المصير، تخيّم فوقها وتنخر فيها صراعات ونزاعات لا يستبعد كثيرون أن تصل إلى الحرب الأهلية والشواهد كثيرة.
الضربة الجديدة القوية التي تلقاها الثلاثاء عندما فجرت وزارة الداخلية الألمانية، المعروفة بالتكتم الشديد فضيحة مدوية، فقد أكدت الوزارة، وفي تقرير مكتوب، أن الحكومة التركية تعمل بنشاط، وبدعم من أردوغان نفسه، مع المنظمات الإسلامية والإرهابية. وان هذا التعاون يجري بتخطيط مسبق وقد تعزز منذ العام 2011، حتى أصبحت تركيا منصّة مركزية لتلك التنظيمات!
ثم اتهام المصارف بالخيانة بعد قرارها الذي يعكس بجلاء عدم الاستقرار في تركيا.
تلاه فورا قرار إفراغ السجون من المجرمين المحكومين، وهؤلاء مجرمون بحق المجتمع، لفتحها أمام المتهمين حقاً أو بطلاناً بمساندة الانقلاب.. أي معارضي أردوغان وحكمه!
بكلام آخر، فإن أردوغان يقدم مصالح سلطته، على مصالح المجتمع. يحمي نفسه وحكمه، ويشرّع المجتمع أمام القتلة والسراق ومنتهكي القانون.
كم يذكّر هذا القرار، بذاك الذي اتخذه صدام حسين عندما فتح أبواب السجون أواخر 2002 ليخرج المجرمون والقتلة والموقوفون، باستثناء المعتقلين السياسيين، بدعوى مواجهة الغزو الأميركي المتوقع.
عاث أولئك المجرمون في المجتمع العراقي فساداً، وفشل القرار في حماية صدام، وأنزل التاريخ به قضاءه الحتمي. فلماذا يكون قرار أردوغان استثناءً؟!

الثلاثاء, 16 أغسطس 2016

حالنا بعد نوفمبر!

دونالد ترامب المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية صداع للعالم، لكن هيلاري كلينتون منافسته الديمقراطية ليست علاجاً ولا حتى مُسكِّناً، ما يجعل الانتخابات الرئاسية الأميركية الحالية الأكثر غرابة ورتابة.. وربما خطورة في تاريخها كله.
عندما فاز باراك أوباما، رأى سياسيون ومحللون أن الإمبراطورية الأميركية بدأت مرحلة الهبوط لأن أسودَ أصبح أقوى رجل في العالم. لم يعجبني الرأي يومها لعنصريته، ثم أكدت السنوات الثماني اللاحقة خطأه. فالرئيس الذي ورث حكم امبراطورية مع أزمة اقتصادية - مجتمعية عميقة، نجح في معالجة الكثير من خطايا سلفه جورج بوش الابن وسياساته الكارثية.
ما لم يكن صحيحا قبل ثماني سنوات هو أقرب الى الصحيح اليوم. عالمنا يزداد عجزُه عن أن يوصل إلى القمة سياسيين قادة ذوي وزن وكاريزما ورؤى. أعرق بلدان أوروبا اختارت للحُكم مَن لا يرتقون إلى حجم بلدانهم. هذا ما تعيشه أيضاً أميركا التي سيكون رئيسها المقبل أحد اثنين: كلينتون أو ترامب، سيئ أو أسوأ!
الأولى قادمة من عالم السياسة،مع ذلك ليس لديها ما تعرضه على الناخبين، لا برنامج ولا رؤية أو قدرة على تسويقهما، وبدون هذا يكون وضع المرشح للمنصب الرفيع صعبا.
أما في شخصيتها، فعجزٌ لافت عن إيقاد شعلة الحماس في الناخبين، باردة، قليلة الابهار، غير مبدعة في أفكارها، مبالِغة في استعراضها، آلة سياسية دون مشاعر، محصورة في خانة الرهان على الناخبين الذين يعتبرونها أهون الشرين.
على العكس منها، لا يمكن أن يؤخذ على منافسها ترامب الذي لم يمارس أي منصب سياسي من قبل برودة في كلامه وسلوكه وأفكاره، بل هو، عن حق، بطل الكذب والأحكام المسبقة والإساءة، مغرور  متضخم «الأنا» بملياراته، «ملك» الإثارة والجدل تأييدا أو ادانة، من زيجاته المتعددة ونوعية زوجاته وتسريحة شعره، حتى مواقفه السياسية داخليا ودوليا.
ثرثار، ديماغوجي، لا يحترم الآخر ولا الوقائع، يفجر المفاجأة تلو الأخرى، رغم أنه يراكم أيضاً الأخطاء الكثيرة كأي رجل مال وأعمال يأتي إلى السياسة.
يعرف ترامب متى يصعّد ويهاجم، ومتى يتراجع ويهادن. وما يعتبره البعض تخبطاً، يتكشف عن خطةٍ محكمة محورها دغدغة المشاعر، واستهداف الناخب الذي لم يحسم خياره بعد.
حتى تصريحاته الموسومة بالعنصرية والاستفزاز والتهوّر، تثير وسائل الإعلام الأميركية والناس خارج أميركا، لكنها تبقي انصاره وناخبيه هادئين، وربما متقبلين ومرحبين.
أليس مفاجأة، مثلا، أن يخطف ترامب، الجمهوري الملياردير المحافظ، برنامج الديمقراطيين ويعلن نفسه، عدا أشياء كثيرة أخرى، «صوت الأميركيين المنسيين»، ويدافع عن «الطبقة الوسطى»، ويتعهد بـ «انصاف سكان الأحياء الفقيرة»، ويوجه ضربة موجعة للرأسمال الكبير إذ سيعمل إذا فاز على تفتيت البنوك وعدم السماح لها بالخلط بين الاستثمار والمتاجرة، وبين الايداعات والمدخرات؟!
هذه الشعارات التي لم يتجرأ مرشح جمهوري سابق على الاقتراب منها، جعلت ترامب يجسّد التغيير بالنسبة لشرائح واسعة من الأميركيين، وهذا ما يريدونه، فيما تكتفي كلينتون، وبعبارات بلا لون أو طعم، بالتحذير من ترامب، فينظر الناخبون إليها على أنها مجرد استكمال لولاية أوباما، يندر من وصفها بأنها مثالية تؤمن بعالم أفضل.
صحيح أن الفصل الأهم من الانتخابات مازال أمامنا، وسيجري في نوفمبر المقبل، لكن حقيقة اساسية أصبحت واضحة: لم يتواجه فيها من قبل مرشحان على هذا القدر من الضعف وتدني القدرة القيادية والشعبية، سيربح فيها المكروه أقل بينهما. لكن كلاهما، بمواصفاته، سيكون شديد الخطورة، إذ تحت إصبعه 4700 رأس نووي!
ذلك بحد ذاته معطى سلبي جداً عن حال المجتمع والسياسة في أقوى دولة في العالم، ومؤشر عما سيكون عليه حال السياستين الخارجية الأميركية والدولية بعد نوفمبر!


 

بين روسيا وتركيا أوجه شبه عديدة، وكذلك بين رئيسيهما بوتين وأردوغان، فضلا عن المصالح المتشابكة الكثيرة. واذا انضمت إيران إلى التعاون الذي أرسته قمتهما الثلاثاء الماضي، فإن «الامبراطوريات» الثلاث تستطيع تغيير الوضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط.
كلا البلدين وريث امبراطورية كبرى، لعبت في الماضي دورا مهما في سياسة العالم، لكنها عانت من أزمات بنيوية فعاكست التطور، وتخلفت ثم سقطت. يتزعم كل منهما حالياً شخصية كاريزمية ذات ميول سلطوية وجنوح نحو حكم الفرد، وإن تمايزا في الاسلوب.
بوتين القادم من «كي. جي. بي» أعتى أجهزة مخابرات العالم وأقواها، الطامح لإعادة روسيا إلى مكانتها القيصرية، يضفي على سياساته نعومة لعبة الشطرنج الروسية، فيما أرودغان الصاعد من الشارع إلى القمة، مندفع لإحياء امبراطورية ستبقى رميماً، وخلافة نادر من يريدها أو يؤمن بجدواها، يمارس سياساته برعونة الشارع وصلافته.
ولأن المصالح أقوى، نجحت قمة بطرسبورغ، بعد تراجع أردوغان، في تهيئة «طاولة نظيفة» لإعادة علاقة البلدين التي تأزّمت اثر إسقاط الطائرة الروسية في نوفمبر 2015 الماضي.
هذا النجاح الكبير في المجالات الاقتصادية الاربعة: السياحة، الغاز، الانشاءات، التجارة، يطرح  سؤالاً ضرورياً اجابته مهمة جدا للبلدين وللشرق الأوسط كله: هل يشمل الدفء العائد بين موسكو وأنقرة السياسة أيضاً؟ وهل يرتفع إلى مستوى أعلى مما كان عليه قبل الأزمة؟ ويؤدي إلى خطوات يمكن أن تغيّر تموضع القطع على رقعة الشطرنج الجيوسياسي؟
السؤال ملح، وينبغي ألا تحجبه حقيقة أن مصالح البلدين اللذين تواجها عسكرياً 13 مرة، ثم تصالحا، لا تنسجمان كثيرا، على الساحة الدولية، بل تتنافران في مواقع عدة. فتركيا، ورغم التوتر المتصاعد مع أميركا وأوروبا، لا تزال عضوا مهما في الناتو، وتبقى، وإن ضعف جيشها بعد ضربة أردوغان بتطهيره، قوة عسكرية اقليمية عظمى على حدود روسيا في عهدتها 99 قنبلة نووية للناتو.. وهذا ما لا يريح موسكو.
ربما يكون أردوغان قد وقع في فخ بوتين، لكنه أقرب إلى الوهم ان يصبح «حصان طروادة» روسي في الحلف، وليس بالضرورة أن تتحول التهديدات والتحذيرات التركية المتصاعدة لأميركا وأوروبا إلى أعمال ملموسة، فالرئيس التركي براغماتي جداً يمكن أن يهدد، وليس بالضرورة أن يفعل.
أضف حساسية موسكو من النشاط التركي في القوقاز وجمهوريات «ستان» في اسيا الوسطى التي كانت جزءا من الاتحاد السوفياتي، ومازالت روسيا تعتبرها حديقتها الخلفية.
في المقابل تتوجّس أنقرة من الدعم الروسي للأكراد في تركيا وسوريا.
لكن التناقض الجوهري، يبقى في موقف البلدين من الصراع في سوريا وعليها.
واللافت، أنه بينما وضعت معظم القضايا الثنائية، فوق طاولة القمة فأن تلك التي تخص المنطقة بقيت طي الكتمان، باستثناء إشارة عابرة من الرئيس الروسي نصها: من الممكن أن نتفق حتى على حل للأزمة السورية.
عشية القمة مع اردوغان الثلاثاء، التقى بوتين الاثنين في باكو الرئيس الايراني حسن روحاني. السبب المرجح ان اللقاء رُتّب للاتفاق على امكانية تقديم عرض مغرٍ ما لأنقرة بشأن سوريا
حتى الآن، ليست ماهية العرض واضحة، ولا التسوية التي عرضت على أردوغان.لكن ورثة الامبراطوريات الفارسية والعثمانية والروسية، اذا صنعوا قواسم مشتركة تجاه المسألة السورية، فيمكنهم أن يغيروا الوضع الجيوسياسي في المنطقة، تلعب لمصلحتهم الفوضى السائدة في العالم: رئيس جديد ضعيف في البيت الأبيض، تزعزع أوروبا بانسحاب بريطانيا، الإرهاب المتفشي في منطقتنا وكوكبنا، أزمة الهجرة واللجوء، الحروب الأهلية والنزاعات المتفجرة في الشرق الأوسط.

الثلاثاء, 09 أغسطس 2016

المحظوظ والمتعوس في السياسة!

هل يوجد حظ في السياسة؟!

مَنْ أسعفهم ينكرونه، ومن خالفهم يؤكدونه!

لعل لقاء الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب أردوغان في بطرسبورغ اليوم معطى كبير لإثبات هذا الافتراض.

بوتين مسرور حتماً. هو الذي عليه أن يعالج مشاكل اقتصادية متراكمة تعاني منها روسيا لعدة أسباب، لكنه  يحقق نجاحات ذات وزن في السياسة الدولية ويسجل واحداً جديدا اليوم، هو علامة أخرى على الحظ إذ يقع لاعب مهم في ملعبه ومن حيث لا يحتسب ربما!

أردوغان سيكون تعيسا حتماً، لأسباب كثيرة من صناعته هو بالذات. تركيا تتراجع من نجاحات اقتصادية مشهود لها، إلى بلد غير مستقر يسوده التوتر ويخيم فوقه الاضطراب، تبدَّد حلمه في دخول النادي الأوروبي، وباتت تركيا مهددة بعزلة، يكبر يومياً نزاعها مع الحلفاء والأصدقاء.

آخر مؤشرات سوء حظ «السلطان» أنه يحطّ اليوم في ملعب لم يتمنه لنفسه، ودون أن يحتسب أيضا.

بوتين يفتح نافذة جديدة على عالم لا يكنّ معظمه له وداً، وعلى شرق أوسط لم يثبّت فيه بعد وجوداً بالحجم الذي يطمح إليه.

مكاسب يحققها دون أن يبذل جهداً يوازيها، بل يحصدها من أخطاء الآخرين، خلافا لما يروّجه محبو نظرية المؤامرة من أن له أذرعاً طويلة يفتعل بواسطتها الأزمات والمشاكل للآخرين!

اعتقاد وهم وخرافة! فمن ذا يصدق أن بوتين قد جعل روسيا لاعباً مهماً في انتخابات الرئاسة الأميركية، وهندس خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي رغم أنه المستفيد؟

ومَنْ يصدق أن موسكو ربما تكون وراء محاولة الانقلاب الفاشلة، مع أنها تجبر السلطان على الانحناء في حضرة القيصر؟!

المنطق شديد الوضوح في تطور الأحداث. ربما يكون حظ بوتين يلعب له، لكن أخطاء خصومه تحديداً هي التي تقدم له المكاسب. ضعف دونالد ترامب وهيلاري كلينتون جعله شبحاً مخيماً في الرئاسيات الأميركية.

قرار غير عقلاني اتخذه رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون بالاستفتاء دفع بريطانيا إلى البركسيت.

سلسلة أخطاء كثيرة ارتكبها أردوغان بفعل نزعاته السلطوية واندفاعه غير المبرر نحو إقامة سلطة إسلاموية مطلقة وحكم الفرد في تركيا، ومسح إرثها العلماني. أخطاء وخطايا لم تترك لفاعلها سوى الذهاب إلى لقاء اليوم لـ «فتح صفحة جديدة مع صديقي فلاديمير» بتعبير الرئيس التركي.

طبعا، لا مجال للحديث عن أن أردوغان قد يوقّع وثيقة استسلام أو يطلّق الناتو، لا هذا واردّ ولا ذاك. فتركيا  تبقى بلداً كبيراً ومهماً رغم أزمته الحالية، الرئيس التركي المتخبط بمشاكل بلده يستفيد من اللقاء والتحسن اللاحق في علاقات البلدين، لكن بوتين هو المستفيد الأكبر، والأدق انه المنتصر.

القيصر سيبقى صاحب فضل على السلطان بعد أن نبهته المخابرات الروسية إلى المحاولة الانقلابية. وسيكسب عندما تنفرج علاقاته مع عضو مهم في الناتو، حدوده المشتركة طويلة مع روسيا، التي يسعى  الحلف لمحاصرتها من جميع الحدود. وهو محظوظ إذ يضعف الجيش التركي، ثاني أكبر جيش في الناتو بعد الأميركي. كما أن بوتين متأكد من أن أردوغان سيتوقف عن البحث تحت أظافره لمقاومة سياسة موسكو في سوريا ثم إفشالها، حتى يكون هو «فاتح الشام» حسب وصف عدوه فتح الله غولن!

انعكاس اللقاء على المسألة السورية مؤكد، وقد اعترف الرئيس التركي قبل حصوله بدور موسكو في حلها.

السبت, 06 أغسطس 2016

أردوغان بين حجري الرحى

الأحداث الجارية في تركيا لا تبشر بخواتيم إيجابية، تكشف ان المشاكل التي تواجهها أنقرة أكبر مما تبدو. أكثر تعقيداً وتصاعدية المنحى. الرئيس أردوغان وفريقه يخفقان في تقليل الأعداء والخصوم، بل يغرقان في زيادة عددهم، والدليل تفاقم التوتر بين تركيا والغرب، واتساع الاغتراب بينهما، فتتصرف أنقرة وكأن لا حيلة لها. خياراتها محصورة بتهديد الآخرين وتوجيه الانذارات لهم، بالتوازي مع سياسة قمعية، انتقامية في الداخل، حتى وصلت حملة التنظيف الآن إلى حزب العدالة الحاكم نفسه!
أجواء مشحونة مع الغرب كله، الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، ولغة تطّلق دبلوماسيتها.
لواشنطن يقول أردوغان آمراً: تطلبون وثائق لتسليمنا (الداعية فتح الله) غولن.. مَن لا يرى أنه يقف وراء الانقلاب فهو أعمى، وعندما نطلب تسليم إرهابي فعليكم تلبية هذا الطلب!
غريب! أردوغان يأمر أميركا وعليها أن تستجيب فوراً!
ويهدد الاتحاد الأوروبي: «إذا لم تلغوا التأشيرة للأتراك حتى أكتوبر، فسنلغي المعاهدة حول اللاجئين» والتي تتقاضى أنقرة مقابلها ستة مليارات يورو!
ثم يصل أردوغان إلى الأخطر عندما يتهم الغرب بدعم الإرهاب والانقلاب، فيقول بعصبية: «أولئك الذين نعتبرهم أصدقاء يدعمون الإرهاب والانقلاب.. الانقلاب (الشهر الماضي) لم يخطط في تركيا.  سيناريو وضع في الخارج وقادوه من هناك». الغرور القاتل وجنون العظمة يمنعان من رؤية أن هذا الكلام ليس في مصلحة أردوغان. فلو كان صحيحاً، فذلك يعني أن أصدقاءه لا يريدون بقاءه!
إلى التوتر العام مع الكل، تهزّ أنقرة علاقتها مع كل بلد أوروبي على حدة، آخرها مع إيطاليا والنمسا. يخاطب الرئيس التركي القضاة الطليان بلغة «سلطانية» متعالية: «اهتموا بالمافيا عندكم واتركوا ابني». المقصود ابنه بلال المتهم مع محيطين بوالده بفضيحة فساد كبرى: غسيل أموال بحوالي مليار يورو، رشوة، تجارة غير مشروعة بالذهب مع إيران، لذلك هو مطلوب للمحاكمة في بولونيا الايطالية ومهدد بالاعتقال إذا عاد إليها.
لم يتأخر رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رانزي في الرد على أردوغان: «في هذا البلد (ايطاليا) يتصرف القضاة وفق القانون والدستور الإيطالي، وليس حسب الرئيس التركي.. ذلك يُسمى دولة قانون».
في الرد إشارة فاقعة إلى أن تركيا تنتهك القوانين بالاعتقالات والتسريحات قبل محاولة الانقلاب الفاشلة، وهو ما تواصله سلطة أردوغان بعد المحاولة أيضاً.. حتى إتهم  28 رئيس محكمة أوروبية عليا أنقرة في بيان معلن بأنها تخرق القوانين ودولة القانون.
قبل رانزي ردت ألمانيا بعنف كذلك على أردوغان، وقال رئيس الحزب المسيحي الحاكم: «التهديدات والانذارات أسلوب جديد لأردوغان تركيا. عليكم تحقيق 72 شرطاً لإلغاء التأشيرات، إلغاؤها حالياً مستحيل كلياً، لسنا في بازار تركي». وذهب المستشار النمساوي أبعد من ذلك عندما دعا الاتحاد الأوروبي لإنهاء محادثاته مع تركيا بشأن دخول الاتحاد، «لأن مقاييسها الديمقراطية أدنى كثيراً من شروط العضوية».. فردت أنقرة بعصبية ملحوظة متهمة النمسا بأنها «عاصمة العنصرية المتطرفة».
ماذا تعني هذه المستجدات والحرب الكلامية؟
أردوغان يبالغ في تقدير قوته: الأهمية الاستراتيجية لتركيا العضو في الناتو، حاجة أوروبا إليها في أزمة اللاجئين، ضرورة مساهمتها في الحرب على الإرهاب.. وهو يفتح الآن خياراته باتجاه روسيا.
في المقابل تترسخ لدى أوروبا قناعة أن تركيا بنظامها الإسلاموي ليس بلداً مستقراً، ولا شريكاً يمكن الاعتماد عليه أو الوثوق به، لأن مشاكله كثيرة. فيجد أردوغان نفسه بين حجري الرحى: الوهم والواقع: وهم السلطنة والسلطان والخلافة والخليفة، وواقع أن تركيا تنحدر من مكانتها كدولة إقليمية عظمى.
بين هذا وذاك يُمعن الرئيس التركي في سياسة الاستعداء والتعالي المعتاد عليها، العراق، سوريا، مصر، وروسيا التي يراهن عليها، حتى اتسعت هذه السياسة حالياً لتشمل الولايات المتحدة وأوروبا، ذلك عامل عدم استقرار إضافي لتركيا وللمنطقة!

الثلاثاء, 02 أغسطس 2016

الانقلاب الآن!

التراجيديا التركية مستمرة: استعجال تغيير وجه البلاد ونظامها، وألوان عنف وتعذيب غير إنسانية ولا قانونية،جلد وسحل في الشوارع، وتعرية المعتقلين وهم مقيدون،وإن قطعها الرئيس أردوغان بمشهد هزلي ضعيف. إسقاط دعاويه ضد منتقديه. عددها ضخم،يصل إلى ألفين،غير الدعاوى في الخارج، «لمرة واحدة فقط»،أي إن التهديد وسيف العقاب مصلتان على كل من ينتقد شخص الرئيس، ما يجعل القرار جزءاً من المأساة التركية.

يتفق معظم المتابعين على أن أردوغان يقوى منذ انقلاب 15-16 يوليو الماضي،ويشدد قبضته على مفاصل الحكم ومؤسساته، ويواصل تصفية معارضيه الفعليين والمفترضين وحتى المحتملين، ليكرّس في تركيا نظاماً إسلاموياً - إخوانياً متشدداً وحاكماً فرداً، بدل النظام العلماني. أو كما يقول هو: «إعادة بناء تركيا وتشكيلها من جديد»!

إذا صدقت الأرقام الرسمية، فإن الذين شاركوا في الانقلاب - المهزلة 8651 عسكرياً من رتب وأسلحة مختلفة، ما يقل عن 1.5٪ من الجيش التركي ثاني أكبر جيوش حلف الناتو عدداً، أي إن المحاولة الانقلابية لم تدعمها غالبية الجيش، ولم تؤيدها المعارضة،وعارضها الشعب، خاصة من النخب، المثقفين والمتعلمين والعلمانيين بالذات، ومن الطبقات الوسطى المدنية والريفية،وشرائح ذات وزن من الملاكين والصناعيين والمستثمرين الكبار.

مع ذلك يطلق أردوغان حملات تطهير شرسة على دفعات متتالية،ما يعني أن الأهم يحدث بعد إخماد الانقلاب واستسلام الانقلابيين: موجات من الاعتقال،والتسريح والنقل،ومنع السفر.18 ألف عسكري ومدني معتقلون،60 ألفاً فقدوا وظائفهم،50 ألفاً سُحبت جوازات سفرهم،والحبل على الجرار،أو بتعبير أردوغان نفسه أن عدد المعتقلين والمعاقبين سيرتفع «كلما اكتشفنا علاقة مع الانقلاب».المفارقة أن معظم هؤلاء لا يعرف الداعية فتح الله غولن الذي يتهمه أردوغان بأنه وراء الانقلاب، أو حتى لم يسمع به!

عملية تطهير هائلة في جميع القطاعات والمؤسسات والهيئات: القوات المسلحة كلها،الجيش،الشرطة،المخابرات الدرك،والتعليم والقضاء والصحة والسياحة والمواصلات والاتصالات والطيران. تغيير جذري يشمل كل المستويات من أعلاها إلى أدناها.

تركيز خاص على الجيش للسيطرة عليه،والتعليم لتصفية علمانيته وحداثته،والصحافة لتحجيم الحريات،والقضاءللتخلص من أهم قواعد السلطة القضائية وأدوارها،استقلاليتها وعدم تبعيتها للدوائر الحاكمة وأن تكون سلطة موازية للتنفيذية تحدُّ من تطرفها وغلوّها وسلطويتها.

التطهير الجاري في تركيا عملية واسعة وقاسية، إنه انقلاب حقيقي، الانقلاب الفعلي المخيم فوق تركيا يجري الآن، غايته نسف التوازن بين العلمانية والإسلامية،وفرض نهج إسلاموي متشدد،وإقامة سلطة الفرد.

شعبوية أردوغان واندفاعه نحو اليمين، يواكبان انتعاش اليمين المتطرف والشعبوية المتنامية في العالم: من ترامب في أميركا إلى البروكسيت في بريطانيا،والفاشية النامية في النمسا والمجر وسلوفاكيا وبولندا والتشيك.

النظام الإخواني اليميني - الشعبوي الذي يسعى إليه أردوغان،لن ينحصر تأثيره في سياسة تركيا الداخلية واقتصادها،بل يطال سياستها الخارجية،ستتراجع على الأرجح مكانة تركيا،ستزداد عزلتها الدولية،سيضعف جيشها المُهان معنوياً والمنقسم وهو يخوض معارك متعددة الجبهات في وقت واحد: مع الأكراد في الداخل، ومعهم في سوريا،مع الدولة الإسلامية وإرهابها. وتنحسر موجة التأييد في الخارج، في أوساط المثقفين الأجانب والعرب الذين أملوا في نظام ديمقراطي في بلد إسلامي كبير، لكنهم منيوا بخيبة أمل، فانحصر الحماس في فروع الإخوان المسلمين، والمتعاطفين معهم علناً أو سراً في السياسة أو وسائل الإعلام!

المتوقع حد اليقين  أن علاقات أنقرة ستتعقد مع واشنطن المتهمة بدعم الانقلاب. ومع بروكسل المتهمة بالتقصير في دعم تركيا، ستتحسن مع موسكو،وربما تلجأ أنقرة إلى تسويات الأمر الواقع المرة مع دمشق والرئيس الأسد.

التوتر الناشب في تركيا وحولها، سيزداد حدةً كلما اندفع أردوغان في تشديد قبضته على السلطة، وتصاعد النفور في الداخل والخارج من سلوكه.

السبت, 30 يوليو 2016

إيران تصدُّ الأبواب!

إذا كان ربط إيران بداعش بروباغندا فجة،أو خلط أوراق مكشوف، لكنها هي المسؤولة عن تقديم مبررات قوية للذين يروّجون أن الاثنين واحد.
إيران مصممة على التدخل في الشؤون العربية، وعلى أن تجعل ما يمكن من الدول أو الأحزاب والجماعات العربية توابع تدور في فلكها، وتستغل الوهن العربي حيث تستطيع، وبقدر ما تتمكن، لتعزز موقعها في المنطقة تحقيقاً لحلم إمبراطوري يواكب الحلم الاستيطاني الإسرائيلي والحلم السلطاني التركي.
الغزو الأميركي للعراق، وتدمير بلاد الرافدين إحدى الحلقات المركزية في النظام العربي وإفناء جيشه وجميع مؤسساته، ثم الربيع العربي، بالقيادات الإسلاموية التي حملها، والفوضى التي عممها، كسر قواعد الحصانة وخطوط المناعة في البلدان العربية التي اصفّرت مصادر قوتها وأسقطها ذلك الربيع.
كانت تلك اللحظة المناسبة للثلاثي الإسرائيلي- الإيراني - التركي، للانغماس المفتوح في الشأن العربي وغرف ما يمكن من مكاسب على حساب العرب، ودون «إحم» الجيرة أو «دستور» القانون الدولي الذي يمنع التدخل في شؤون الآخرين.
وإذا كان هذا الكلام لا ينطبق على الدولة العبرية لأنها العدو التاريخي للعرب، وأصبح يحتاج إلى مراجعة وتدقيق بالنسبة لتركيا التي يتراجع تدريجياً موقعها كقوة إقليمية بعد الانقلاب العسكري فيها وردة الفعل الجموحة لحكومة أردوغان،فإن طهران بنهج السيطرة والهيمنة، تقامر ليس فقط بنسف ما بقي من علاقاتها التاريخية مع العرب انما تمعن في تأجيج النار المشتعلة في معظم الوطن العربي،وتهدد بامتدادها الى اماكن جديدة، بما فيها ايران نفسها وهي ليست عصية او منيعة، وبذلك تدفع المنطقة كلها، وهي جزء منها، إلى أتون الفوضى وعدم الاستقرار والخراب!
يعزز هذه المخاوف عدم نجاح ما يبذل من محاولات صادقة وجهود ايجابية لتليين المواقف،وإعادة العقل والحكمة إلى السياسة في المنطقة، أو بكلام آخر،مساعي إطفاء الحروب والحرائق ومصادر التوتر، وفتح الأبواب أمام الدبلوماسية والتسويات التي تضمن حقوق الجميع وتصون المصالح دون اعتداء على الآخر.
مفتاح الأمل، هو إقناع طهران بأن الاقلاع عن نهج التشدد والرغبة في الهيمنة، سينعكس ايجابا على العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين والخليج عموما، وعليها هي بالذات.
فبدلا من الغرق في نهج عسكرة المجتمع الإيراني،وتحويله الى مجتمع ميليشياوي، وهو الحاصل الآن، كما فعل صدام حسين من قبل بالمجتمع العراقي، وكأن التسلح هو الهدف، والقوة ضد الآخرين هي الغاية، تنفتح إيران على عملية تنمية حقيقية تعود بالخير على شعبها.. تعالج الفقر المنتشر بمستويات مهولة، والبطالة العالية بين الشباب الذين يشعرون ان لا مستقبل لهم، يدرسون ويتخرجون فلا يجدون عملا ولا مسكنا، شبابها الذين يبحث معظمهم عن فرصة للهجرة لأن الاحباط ينهشهم، والشعور بأن لا مستقبل لهم في بلدهم، رغم غناه يقتل طموحاتهم.ثرواته تُحرق وتبدد في نزعات الهيمنة والتمدد الى الخارج، وتأكلها نيران الحروب والنزاعات بدل توظيفها في بنية تحتية وعمران وبناء يساهم في ازدهار البلاد وتقدمها،ويرفع مستوى معيشة شعبها ليتناسب مع غنى البلاد وخيراتها.
الجزء الأكبر من كرة حلول مشاكل المنطقة وأزماتها، ونزع فتائل التوتر منها، في ملعب إيران وقيادتها. ومن المؤكد أنها لن تكون نموذجاً للعرب، لا تنموياً ولا حريات، ولا نهضة، وإن كانت مفاتيح بعضهم في يدها.
إيران للأسف مصرة على التعنت وإشعال المزيد من بؤر التوتر وساحات الحروب، وآخرها الاستفزاز المتعمد للكويت والسعودية في مياه الخليج العربي.

الثلاثاء, 26 يوليو 2016

انقلاب أردوغان.. و«التركسيت»!

يتفاجأ العالم يومياً بمنحى التطورات في تركيا. ما في جعبة الرئيس أردوغان من ردود فعل عنيفة ومخيفة على محاولة الانقلاب الفاشلة، يطرح سؤالاً ملحاً عن أهدافه الحقيقية وإلى أين يريد أن يصل، وهل يقاتل من أجل الديمقراطية حقاً، أو أننا شهود على اندلاع حلم- وهم امبراطوري إسلاموي؟!

الاجابة عن السؤال غير ممكنة الآن، ربما تصبح كذلك بعد أسابيع، لكن الشواهد تدل عليها. فليس صحيحاً أن ما تقوم به الحكومة التركية مجرد انتقام من فتح الله غولن، أو عقاب للجيش والأجهزة الأمنية، والمشاركين في الانقلاب أو داعميه.

ما يجري انقلاب شامل يستهدف كل ما قامت عليه تركيا الحديثة، ينفّذ في ليل حالة الطوارئ وبالمراسيم بدل القوانين، واطلاق يد الأجهزة الأمنية في الاعتقال دون اتهام!

مفهومٌ أن يُعاقَب المتورطون، لكن من غير المبرر أن يطال العقاب كل قطاعات المجتمع، وأولها التعليم بجميع مراحله، خاصة الجامعية، فيُعْتَقل أو يُطرد أو يُبعد آلاف العاملين في القطاع الحيوي بمن فيهم عمداء وأساتذة ومدرسون، وأن يُغلق ما يزيد على ألف مؤسسة تعليمية بينها عشرون جامعة، ناهيك عن مئات المؤسسات الصحية والدينية وغيرها!

تبرر الحكومة اجراءاتها ضد التعليم بأن الجامعات «كانت في الماضي معقلاً مهماً جداً للطغمة العسكرية، وهناك شكوك أن بعضها مازال على علاقة بالعسكر»!

الحقيقة في مكان آخر. الجامعات، والمثقفون الأتراك عموماً، دعامة رئيسية للعلمانية التي يسعى أردوغان لإزالتها ونشر التعليم الديني، وهي أيضاً من أنشط مراكز المعارضة لحزب العدالة والتنمية. ففي يناير الماضي مثلاً، وقّع الأكاديميون عريضةً تدين الممارسات الدموية للسلطة في شرق تركيا، وطالب 1200 أكاديمي من 90 جامعة بإنهاء العنف ضد الأكراد فوراً، فخضع كثير منهم للاعتقال أو التحقيق. وقبل حوالي الشهر نظم الطلاب احتجاجات لأن الثقافة والتعليم في تركيا يفقدان ميزتهما العلمانية.

اتهام هذا العدد من الناس في جميع أنحاء البلاد ومن قطاعات عسكرية ومدنية واسعة جداً يثير السخرية، إذ يبدو الأمر وكأن الانقلابيين قد سجّلوا أسماءهم في مكان ما قبل ان يقدموا على فعلتهم، وسرعان ما اكتشفت الأجهزة التركية موقع التسجيل، فباشرت فوراً بمطاردة جميع المسجلين فيه واصطيادهم بالآلاف!

يعزّز هذا الانطباع أن جميع الانتقادات الداخلية والخارجية لا تثني السلطة عن الإمعان في تصفية الخصوم والمعارضين. لذلك تسعى حثيثاً لإعادة حكم الاعدام إلى التشريع التركي بعد 12 عاماً من إزالته، وهي تدرك مسبقاً أن ذلك سينسف العلاقات مع أوروبا، ويطفئ أمل تركيا التي تنتظر 53 عاماً على باب النادي الأوروبي كي تدخله.

هنا، ليست مصلحة تركيا هي الأعلى، بل إيذاء الخصوم المتهمين بأنهم ذوو توجه غربي والقضاء على أحلامهم وإفشال رهانهم، حتى لو استدعى الأمر تنفيذ «التركسيت» وأخذ تركيا بعيداً عن أوروبا وقيمها. هذه فكرة ليست غريبة عن تكوين أردوغان الفكري ونهجه المشبع بحلم الخلافة!

المنحى الذي تسير فيه تركيا، قد يغرقها في عملية «ليلة سكاكين طويلة» تشبه تلك التي جرت في ألمانيا الهتلرية بين 30 يونيو و2 يوليو 1934، وتطال كل من ليس مؤيداً لأردوغان ولحزب العدالة، ويضعها في طريق وعر كثير المطبات والمخاطر عليها وعلى المنطقة.

والدليل التظاهرة الحاشدة في استانبول مساء الأحد ضد الانقلاب ولحماية الجمهورية والديمقراطية، إذ شارك فيها رغم أجواء الخوف المخيمة، أتراك صمموا على إدانة حالة الطوارئ ورفض إجراءات أردوغان ووصف حزب العدالة بأنه «سارق ومجرم».

أما الشعارات الأكثر تحدياً لحكومة أردوغان فكانت «لا للانقلاب ولا للإملاء»، «نحن جنود مصطفى كمال»، «تركيا علمانية وستبقى».       

السبت, 23 يوليو 2016

نهاية أتاتورك!

بإجراءات مبالغ فيها ومتهورة بل مجزرة منظمة، بدعوى مواجهة آثار الانقلاب الفاشل، يضع الرئيس رجب أردوغان تركيا في مهب الريح، ويدخلها مرحلة جديدة غير واضحة النتائج داخليا وخارجياً، انما معروفة التوجه العام وهو جعل 16 يونيو اليوم الذي سيؤرخ فيه لنهاية عصر أتاتورك، والإمعان في «سلطنة» تركيا برداء «إخواني»!
أسباب فشل الانقلاب شبه معروفة: تحضير سيئ، توقيت خاطئ، عدم قدرة مخططي العملية على الإحاطة بها من البداية حتى النهاية، إفشاء المخابرات الفرنسية معلومة الانقلاب إلى السلطات التركية، وقبلها جميعاً غياب ثقة الشعب والقوى السياسية في العسكر، والأهم أن الإنقلاب لم يعد أداة مناسبة لإدارة المجتمع والسياسة في عصرنا.
اعتبر أردوغان الانقلاب الفاشل «هدية من الله» فأطلق في أقل من أسبوع ردود فعل مرعبة تتخطى كثيراً حماية النظام ومعاقبة الانقلابيين والمرتكبين، وباشر حملات تطهير منفلتة حتى صدمت الأعداد العالم.
70 ألف مدني وعسكري معتقلاً أو مطروداً، قضاة، موظفون، معلمون، قيادات جامعات واساتذتها!
يطرح ذلك اسئلة مشروعة عن حجم الانقلاب. فإذا كان كل هؤلاء قد شاركوا فيه فذلك يعني انه واسع وليس محدوداً حسب الرواية الرسمية، وإذا لم يكونوا، فإن القمع والعقاب لا ينحصران بالانقلابيين وحدهم، بل يشمل كل المعارضين.
هذه الحملة الممنهجة الضخمة والخطيرة واكبها إعلان الطوارئ لثلاثة أشهر، وانسحاب من المعاهدة الأوروبية حول حقوق الإنسان. ما يعني منح الحكومة سلطات إضافية وتخويل الرئيس حكم البلاد بالمراسيم والحد من حق التجمع وحريات التعبير.
كلها مؤشرات على أن الرئيس أردوغان وحكومته يسيران نحو المزيد من التشدد، وان الهدف أكبر من المعلن. فالانتقام ليس العدالة ويستحيل دمج المفهومين. ثم كيف يمكن ضمان العدالة في هذه الأجواء المشحونة بالكراهية والحقد ومراضاة الحاكم؟!
لقد سقط الجيش التركي وأُهين وسيواصل أردوغان تقليص استقلاليته وإخضاعه لرقابة أشد  وزرع أنصاره في جميع الأجهزة العسكرية والمدنية، ولن يرضيه فقط إضعاف المعارضة والقضاء على حليفه السابق عدوه الأول حالياً فتح الله غولين، بل يريد كل الأجهزة «جماعته»!
جنون عظمة السلطة وشهوة النظام الرئاسي، أو بالأحرى الـ«سلطاني» ستقويان حتماً وستؤديان إلى ممارسات أكثر فظاظة وعنفا.
الهدف: تصفية إرث كمال مصطفى أتاتورك العلماني. فبعدما أزال «العدالة والتنمية» الفرع التركي للاخوان المسلمين، والحاكم منذ 14 عاماً بزعامة أردوغان حوالي نصف الإرث الأتاتوركي، يستغل الفرصة للإجهاز على تركيا الحديثة المتحررة من الخلافة واعتمدت فصل الدين عن الدولة.
باختصار عصر أتاتورك في نهايته. العصر الذي كان فيه إرث «الوالد المؤسس» من مقدسات الأتراك، سيحلُ بدلاً منه مشروع أردوغان، تركيا العثمانية السلطانية القائمة على عقيدة الإخوان المسلمين.
لكن يبقى السؤال الملّح: هل يمكن لأردوغان أن يسيطر بهذا النهج الانتقامي المغامر على تركيا التي تعاني من سلسلة أزمات مركبة في وقت واحد: 2.5 مليون لاجئ سوري، مالية متمثلة بسقوط الليرة وتباطؤ الاقتصاد، وخارجية حيث لم يبق لتركيا في العالم إلا القليل من الحلفاء، وليس أخيراً أزمة الأمن والخوف، ففي الشرق قتال مع الأكراد الساعين للاستقلال، وفي عموم البلاد موجة أعمال إرهابية يقوم بها داعش، في ظروف انقسام حاد في الجيش.
تركيا اليوم: عنف، فوضى، عدم استقرار، بحث عن عدو داخلي حقيقي أو مفترض، تخبط، عزلة. ذلكم التهديد الفعلي لها في ظرفها الصعب الراهن!

الصفحة 10 من 15