جريدة الشاهد اليومية

د. أحمد طقشة

د. أحمد طقشة

لتركيا أن تدير سياستها، داخلية كانت
أو خارجية، وفقاً لمصالحها. ولرئيسها رجب طيب أردوغان الحق ذاته، ولكن ليس من حقهما مطلقاً، أن يعلنا مواجهة بين الهلال والصليب، أي بين المسلمين والمسيحيين.
يسعى أردوغان لتأكيد سلطته المطلقة بتغيير النظام البرلماني القائم في تركيا إلى نظام رئاسي يتيح له جمع المفاصل الأساسية للحكم التركي بين يديه.
هو يرى أن النظام الذي سيجري التصويت عليه في 16 ابريل المقبل، الأنسب لتركيا، لانه برأيه «يقضي على بؤر الوصاية التي يفرزها النظام البرلماني».
بينما لا ترى فيه شرائح واسعة من المجتمع التركي سوى طموح سلطوي لأردوغان.
ويعتبره كثيرون مساراً حتمياً لكل نظام أيديولوجي كحال النظام التركي ذي التوجه الديني، ففي كل حكم من هذا النوع نزعة أصيلة لإحتكار السلطة والتفرد بها، وهو ينتهي دائماً إلى الديكتاتورية.
هكذا تجربة الاحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية السابقة، وتجربة حزبي البعث في العراق وسوريا، وكذلك حكم رجال الدين في إيران.
حلم أردوغان في نظام رئاسي لا يوّحد الاتراك. فكثيرون يرون فيه رغبة في تحجيم الكمالية والتقليل من علمانية الدولة والتعليم والمجتمع، وزيادة جرعة الأردوغانية الدينية والسلطوية فيه.
أردوغان سياسي مجرّب، صعد من الشارع إلى أعلى قمة في السلطة، وخاض معارك الإخوان المسلمين في تركيا وبلدان المنطقة، وهو يدرك تلك الحقيقة، فاختار تكتيكا قديماً معروفاً: يصنع عدواً داخلياً وخارجياً لشد عصب جمهوره. حتى يأتي الاستفتاء بنتيجة كاسحة لمصلحته. لذا لا يوفر تهديداً أو شتيمة لقادة محترمين في أوروبا كالمستشارة انجيلا ميركل أحد أبهى نماذج الديمقراطية المعاصرة، وأبرز رجال دول الحاضر.
لم يحصل أردوغان في الانتخابات الرئاسية عام 2014 سوى على 56% من أصوات الأتراك، واذا ما كرر هذا الرقم في الاستفتاء الجديد فيكون قد حقق مجرد فوز عددي، وليس انتصاراً سياسياً بحجم تغيير دستور الدولة ونظامها. ويوحي تكتيكه بأنه غير واثق في الحصول على النتيجة المرجوة سياسياً. فهو يستشعر، عن حق، أن تعديل الدستور يواجه معارضة ملموسة
ولا يحظى بتأييد شريحة لا بأس بها حتى داخل حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه.
يتعزز شعور أردوغان هذا، بأزمة عامة يمر بها نظامه. فيضّيق على الحريات في الداخل، ويخوض الصراعات العبثية على معظم الجبهات في الخارج، وتتزايد عدوانيته في الاتجاهين. تزيدها حدة مؤشرات اقتصادية سلبية تتجلى في ركود متزايد وتراجع في النمو.
أردوغان حرّ في ما يتبعه من تكتيك إلا التبشير بحرب بين الهلال والصليب، فهو بذلك يحشر الإسلام في مواجهة مع المسيحية غير واقعية
ولا موجودة أصلا، ولا يريدها المسلمون لأنها لعبة خطيرة جداً.
النزاعات المسلحة والحروب الأهلية التي تعيشها مناطق عدة من العالم، أولاها المنطقة العربية، ليست حرباً دينية على الإطلاق، إنها حرب مصالح، تخوضها قوى دينية متطرفة وإرهابية كثير منها حليف لأردوغان تغلفها برداء ديني وطائفي.
الهلال والصليب برمزيتهما الدينية، ليسا في حرب ونزاع، انهما معاً ضد شيطان التطرف ووحش الإرهاب، والكفاح ضدهما لا يجري أبداً ولا يكون على أساس ديني.
 

السبت, 25 مارس 2017

لو تُعيد صفاء النظر!

وأنا أتابع التصريحات الغزيرة للأخت الفاضلة النائبة  صفاء الهاشم واقتراحاتها لمعالجة مشاكل الهدر في المال العام، والاختلالات في عمل مرافق الدولة والوزارات والأجهزة الحكومية ولاحظت كما الكثيرين غيري، إصرارها على شيطنة الوافدين واعتبارهم كأنهم بقعة سوداء في الثوب الكويتي، قرأت بالصدفة تقريراً حول مشكلة تتفاقم في اليابان والحلول التي تطرح من قبل السلطات المعنية والعاملين في الشأن العام والناس العاديين علاجاً لها.
حسب التقرير،تعاني اليابان من ارتفاع حوادث السير والوفيات الناجمة عنها، وحددت  معالجة المشكلة هدفا.
اولا أخضعت المعضلة لدراسة علمية معمقة، فاكتشفت أن كثرا من كبار السن سبب تلك الحوادث، حيث يقعون في خطأ متكرر اذ هم  يدوسون على دواسة الوقود بدل الفرامل.
بعد نشر التشخيص انطلق  نقاش  عام على الصعيد الوطني الياباني بلور اقتراحات عديدة، بينها إقناع كبار السن بالتخلي طوعاً عن رخص قيادتهم  مقابل مميزات منها تخفيض نفقات الدفن، وأجرة التاكسي، والمصحات.
واقتراح آخر بوضع حد أقصى لعمر السائق،أو إخضاع كل من يقود سيارة،بغض النظر عن عمره، لاختبار دوري: عملي في القيادة ونظري في قواعد السير كل خمس سنوات،وكذلك أن تكون رخصة القيادة ميزة وليست حقاً مكتسباً.
الملاحظ أن القاسم المشترك الأبرز بين كل المقترحات،التشديد على  ضرورة تطبيق القانون بحزم على الجميع دون استثناء او واسطة من أي كان ولأي سبب كان.
في الكويت، كما في أي بلد،مشاكل منها ما هو مرتبط بالنمو لذا فهي طبيعية، وأخرى سببها سوء الادارة والبيروقراطية وغياب المحاسبة، وهناك نقاشات جدية بشأنها تتمخض عن اقتراحات ريادية وفعالة اذا وجدت طريقها للتطبيق، لكن بعض المواقف «فرسانها» نواب ديدنهم دغدغة مشاعر الناخب، تخلو، للأسف، من تشخيص موضوعي للمشاكل ونهج علمي لمعالجتها. الاستسهال فيها سيد الموقف، يلقون المسؤولية على كاهل الوافدين، فيأتي الحل  عشوائيا سهلا : تخلصوا منهم،وتشددوا في معاملتهم وقللوا التقديمات المقدمة لهم او حتى الغوها وارفعوا تكاليف معيشتهم، فتنفروهم وكفى الله ضرورة الاجتهاد والبحث الجدي عن حلول حقيقية مفيدة للكويت. الشعبيوية والإثارة والتأليب يمكن ان تكون بضاعة رائجة لبعض الوقت لكنها حكما عاجزة عن معالجة مشكلة.
الوافدون  يأتون إلى الكويت لأنها بلد خير وأمن وأمان. يعملون فيها ويجدون  ويجتهدون ويكسبون، يقدمون قوة عملهم وخبراتهم ومعارفهم، مقابل أجر او شراكة. أما تحميلهم مسؤولية اختلال التركيبة السكانية فمبالغة فجة. العدد الفائض من الوافدين او العمالة الهامشية  أو البطالة المقنعة افراز تجارة اقامات او رغبة في زيادة المعروض من  العمالة لتخفيض أجرها، اذن الوافدون  هم، قبل غيرهم، ضحايا هذا الخلل لا سبب له.
أزمة السير وراءها سلسلة أسباب أصغر حلقاتها هم الوافدون.  اما  كون الطرقات تُستهلك أو يتطاير حصاها  فمن سوء خلطة الإسفلت المستخدم في تعبيدها،وعدم مطابقته للمواصفات.اما رقم الاربعة ملايين وافد الذين سيصادرون فرحة اهالي الجهراء بطريقهم الجديد فتحريض ليس في مكانه وتلاعب بالرقم يفترض الا يمر على الاخت صفاء وهي اقتصادية تعرف ان الدقة صفة ضرورية في الارقام التي تبنى عليها المواقف الجادة.
واذا   ذهبنا الى  الهدر الكبير  في وزارة الصحة يستحيل لمنصف ان يرميه على الوافد المقيم، وهو بالمناسبة يدفع ضماناً صحياً لإصدار إقامته ورسما لمراجعة المستوصف أو المستشفى.وقس على ذلك بقية المشاكل والاختلالات التي لن يتوج البحث على حلول لها بنتائج جدية اذا نظر اليها بعين واحدة لا ترى الا الوافد لإرهاقه بالرسوم والضرائب ومختلف اشكال الجباية.
نعم، يمكن عدم استقدام الوافد لانعدام الحاجة إليه. فهذا أمر منطقي بالنسبة للمؤسسات العامة والخاصة. ويمكن الاستغناء عنه عندما تنتفي الحاجة لعمله. أما عندما يأتي الوافد إلى الكويت ليعمل ويقيم وينتج بطريقة مشروعة فدخله الذي يتقاضاه والحقوق التي يكتسبها مقابل جهده وعمله، فلا يمكن مصادرتها.  كما لا يمكن الإساءة إليه وتجريحه والاعتداء على كرامته الشخصية وعزته الوطنية وتحميله مسؤولية لا يتحملها أبداً. يمكن ان يكون ذلك اسلوبا لكسب انتخابي او اعلامي،لكنه فيه اولا اساءة للكويت نفسها،وهي البعيدة عن هذا التفكير، اشتهرت  منذ وجدت بانفتاحها على أمم وشعوب واعراق وديانات مختلفة ومتنوعة ومتعددة.
أمضيت ثلاثين عاماً من عمري في الكويت أي أكثر مما أمضيته في وطني لبنان. هنا ربيت ولديّ، ومما جنيته علمتهما وزوجتهما، وساعدت أهلي، وبنيت بيتي واشتريت بستاناً ومزرعة وأرضاً، وأسست مشروعا يديره ابني بنجاح وان تعثر بسبب الأوضاع المتأزمة في لبنان.
وفي الكويت حققت مكانة مرموقة اعتز بها لدرجة ان مقربين جدا من السيدة صفاء وصفوني برئيس التحرير الفعلي لجريدة القبس التي كنت مديرا لها لربع قرن، واقمت صداقات من كل المستويات اعتز بها وأفتخر، دائماً إلا قلة قليلة جداً.
لذا، لا أبالغ ولا أتزلف فهذا ليس من طبعي، عندما أعتبر الكويت بلدي الثاني.
وانا متأكد ان الوافدين مثلي  يحبون الكويت ويكنون لها العرفان والتقدير، لأنها حقاً بلد خير وتسامح وانفتاح وأمن وأمان. فحبذا، لو تقلع القلة من أبنائها وبناتها عن قول ما ليس أصيلاً فيها، فمحبتها لا يمكن التعبير عنها بإبداء الكراهية للآخرين، والاستهتار بحقوقهم.

د.أحمد طقشة

لك الله يا ريما خلف!
تصرفت بكرامة وشجاعة. أصررت على أن تسمي الأشياء بأسمائها: إسرائيل دولة عنصرية، تمارس الأبارتهيد أبشع انواع التمييز العنصري.
واجهتِ ضغوط الدولة العبرية وحليفتها واشنطن وضعف الأمم المتحدة وأمينها العام الجديد أنطونيو غوتيرس بموقف مشرف.
لم ترضخي وتمسكتِ بتقرير علمي موضوعي يقول الحقائق ولا يلتف عليها. يصنف إسرائيل كما هي دون تجميل، احتلالها لفلسطين والجولان السوري واراضٍ لبنانية أسوأ أشكال الاستباحة الخارجية للحقوق والكرامة العربية، و«أسسّتْ نظام أبارتهيد يهيمن على الشعب الفلسطيني بأكمله، ويضطهده ويعتمد استراتيجية تفتيته».
تقرير ينسف مقولة الاحتلال ويؤكد ان الشعب الفلسطيني واحد، قضيته واحدة، وهدفه واحد، العودة والدولة المستقلة. وإن كانت قوى سياسية فيه تمعن في تقسيمه إلى ضفة وقطاع، وبعضها الآخر يبدي التعب والملل من الكفاح ويكتفي بشهوة السلطة.
أنت التي تحملت بشرف وأمانة مسؤولية تجاوز التقارير السابقة التي كانت دون لون ولا طعم ولا رائحة، وحملت مسؤولية ثقيلة لتقرير حقيقي اخترت للاشراف عليه خبيرين أميركيين، لضمان العلمية والدقة.. الأول ريتشارد فالك عالم القانون المشهود له بالكفاءة والنزاهة، كبير الخبراء السابق في الأمم المتحدة لشؤون حقوق الإنسان، والثانية الأميركية أيضاً فيرجينا تيللي استاذة العلوم السياسية في جامعة الينوي الجنوبية.
خبيران أميركيان اشرفا على التقرير الأول من نوعه يصدر عن احدى هيئات الأمم المتحدة ويخلص بوضوح وصراحة على أساس تحقيق علمي وأدلة لا يرقى إليها الشك الى توصيف اسرائيل كما هي دولة عنصرية بطبيعتها وممارساتها.
النتيجة الناصعة أغضبت اسرائيل وحليفتها أميركا، فاتهماك بما ليس فيك وأنك وضعت «منشورا دعائيا نازيا معادياً بشدة للسامية»، لكن أغضبهما أيضاً العنوان الذي حمله التقرير: «التكامل العربي: سبيلا لنهضة إنسانية».
التكامل العربي سبيل العرب الى النهضة والى تجاوز آثار ويلات الربيع العربي الكارثية، هو التحدي الأكبر لاسرائيل وأميركا يقضي على أطماعهما في التقاتل واشعال الحروب الاهلية والقبلية بينهم لتكريس تقسيم العرب وتفتيتهم.
رأيت من واجبك الا تكتمي شهادة حق عن جريمة ماثلة، وأصررت على كل استنتاجات التقرير، فرفضت سحبه، واستقلت من منصبك الدولي الرفيع رئيسة للاسكوا.
قلتِ حقيقة اسرائيل.. لكنك أيضا شخصت حقيقة العرب كشفتِ عجزهم وعريت عقمهم، فلم يحاولوا حتى الدفاع عنك وحمايتك ولديهم ادوات الضغط على الأمم المتحدة ويمكن أن تكون فاعلة لو استخدموها!
الا تستخدم الادارات الأميركية المتعاقبة بما فيها الحالية، الدعم المادي أداة للضغط على المنظمات الدولية، فلماذا لم تستخدمه الدول العربية اداة لحمايتك وابقائك في منصبك؟!
الإعلام العربي نفسه، التقليدي منه والحديث، أثبت عجزه هو الآخر عجزه لم يرتق الى مستوى التقرير ولا الاستقالة. التقرير موجود ومتوافر، فلم تنشره وسيلة اعلام عربية كاملا. ولم يجعل استقالتك قضية عامة لا تنطفئ في أيام.
لقد انشغل اعلامنا المأسوف على دوره التنويري الطليعي، بأغنية  نموذج للسفاهة حظيت مريام كلينيك و«أغوالها» بمتابعة تجاوزت كثيرا متابعة التقرير عن مستقبل العرب وعنصرية اسرائيل.
سنبقى نصرخ موجوعين.. انه عصر العجز والانحطاط.
لكنك غرست برعماً أخضر .. سيزهر يوماً
 

معركة تحرير الموصل في مراحلها الأخيرة. سيفقد تنظيم داعش الإرهابي درة التاج وأهم مدينة في دولة خلافته. المصير ذاته تنتظره عاصمتها الرقة السورية، وان كانت معركتها
لا تزال في طور التحضير غير واضحة النتائج، لأن أميركا تريد تحقيق انتصار عسكري في سوريا بشكل منفرد، من دون مشاركة دمشق وحلفائها ما يطرح علامات استفهام حول السلطة البديلة التي تسعى إليها واشنطن في تلك المناطق بعد تحريرها من داعش.
أما الموصل، فستعود بعد التحرير إلى كنف الدولة العراقية، إلا إذا كانت واشنطن تبيت نوايا أخرى لا تفصح عنها.
باستعادة المدينتين تُكتب نهاية دولة داعش ككيان ذي أرض ومؤسسات عسكرية ومدنية وسيطرة على سكان وموارد.
ومع أهمية المعركة العسكرية وضراوتها والخسائر البشرية والمادية والتضحيات الباهظة، فلن تكون كافية وحدها لتحديد مستقبل العراق وقدرته على تجاوز الحرب الأهلية والفوضى والعنف، والانخراط في التنمية والبناء بعد سنوات طويلة صعبة ومهدورة منذ سقوط النظام الديكتاتوري 2003 وخلال حقبة حكمه.
الانتصار الحقيقي لن يأتي من فوهات المدافع، بل تصنعه خطة شاملة لما بعد الموصل، أساسها وطني غير طائفي، فهل لدى الحكومة العراقية والأحزاب الدينية المسيطرة مثل هذه الخطة،
أم أن النهاية ستعود إلى حيث كانت البداية وتؤسس لكارثة جديدة؟
من نافل القول وتكراره الممل، أن في جسد العراق ورماً خبيثاً قاتلاً، نظام طائفي صلف، فشل في دمج مكونات المجتمع في لحمة وطنية، بل كرّس انشطارها العمودي الطائفي والعشائري والمناطقي، ووضعها في مواجهة بعضها، شرّع الأبواب لكل أنواع الفساد حتى أصبحت بلاد الرافدين أكثر دولة فاسدة في العالم، وتنكّر لموجبات صيانة السيادة الوطنية. فكانت تلك أسباب سيطرة داعش على مناطق واسعة الرمادي والفلوجة والموصل ثاني أكبر مدن البلاد، والحاق هزيمة مذلة بالجيش العراقي وحكومة نوري المالكي.
«الدولة الإسلامية» هي أولا فكرة. قتل دعاتها ومقاتليها أو طردهم من مدينة أو موقع، لا يعني أن الفكرة التي كانت في أساس نشوء التنظيم الإرهابي ستختفي. من يبقى من الإرهابيين متخفياً أو فاراً أو متحصناً، يبقى يحمِلُها ويحاول تطبيقها مجدداً في العراق وسوريا وفي الدول المحيطة.
التحدي الأكبر ليس من يحمل الفكر المتطرف، بل البيئة الشعبية الحاضنة والمناخ الملائم إذا ما توفرا.
لقد أخفق النظام العراقي مرة في معالجة العنف في البلاد التي عاشته قبل نشوء داعش وسيطرتها، لأنه لم يعالج السرطان الذي ينخره ويفتك بالعراق كله. الطائفية، والفساد، والاستهانة بالسيادة الوطنية. وهو يحظى الآن بفرصة جديدة من أبرز سماتها ليس فقط الدعم العسكري الدولي بقيادة أميركا، انما كذلك الدعم العربي، خصوصا الخليجي.
لذا لابدّ من نهج جديد جوهره الاقلاع عن فكرة الهيمنة والاستئثار الطائفي مهما كانت الذرائع فمن المستحيل وليس المطلوب أبدا اخضاع أي من مكونات المجتمع.
واذا ما استمر النهج الحالي، فإن المناطق التي تتحرر اليوم ستعود مجدداً حاضنة للتطرف وتفريخ الإرهابيين وتجنيدهم فالمسألة ليست مجرد إلحاق هزيمة عسكرية بالإرهاب، بل المطلوب بالحاح معالجة الأسباب وهي واضحة ومعروفة.

الثلاثاء, 14 مارس 2017

المتهم الأول

تواجه البشرية، ومنطقتنا تحديداً، أسوأ أزمة إنسانية منذ العام 1945، بعد الحرب العالمية الثانية. 20 مليون إنسان مهددون بالموت جوعاً، وأكثر منهم بالموت بأمراض مختلفة وفي مناطق قريبة جداً منا  وتجاورنا: اليمن، الصومال، جنوب السودان، نيجيريا. المنظمات الدولية المتخصصة تحتاج إلى 4.4 مليارات دولار لوقف الكارثة، بينما المتوافر حتى الآن كسر بسيط. 
90 مليون دولار فقط، حصلت عليها الأمم المتحدة رغم الوعود المبالغ فيها من المانحين.
في اليمن يموت من الجوع طفل كل 10 دقائق وغيره كثيرون من كبار السن. في جنوب السودان
5 ملايين إنسان، أي ربع السكان، يحتاجون مساعدة غذائية فورية. ويخيم شبح المجاعة والموت على مئة ألف شخص.
الكارثة الأسوأ تعيشها نيجيريا حيث مع الجوع ينتشر وباء بوكو حرام المتطرفة، وحدها قتلت 15 ألف إنسان، وأجبرت مليوني شخص على الفرار وترك منازلهم. إضافة إلى 6 ملايين شخص ليس لديهم ما يكفيهم من الطعام.
من الصومال بدأت تصل أنباء عن ضحايا تزداد أعدادهم بسبب المجاعة التي كانت قد اجتاحت البلاد كذلك قبل 6 سنوات وحصدت يومها أكثر من ربع مليون شخص. الكارثة أكثر تعقيداً بسبب الجفاف الذي يأتي على الزراعة والثروة الحيوانية ما يجعل 6 ملايين صومالي بحاجة إلى مساعدات غذائية عاجلة.
ثلاثي الموت في البلدان الأربعة: الجوع وسوء التغذية والمرض، سببه الأول الحروب الأهلية والنزاعات الطائفية والقبلية فيها. كوارث ومآسٍ مشابهة في العراق وسوريا وليبيا، وإن كان الموت جوعاً لم يقرع الأبواب بقوة بعد، لكنه يدق بإلحاح.
عالم مجنون، قاسٍ، بشع، لكن الكارثة ليست ذنبه، وليس سببها ان ألوف ألوف أطنان الطعام تنتهي في النفايات يومياً، وإن كان التدخل الأممي والمساعدة الإنسانية ضروريين وملحّين، فليس الحل الجذري فيهما، لأن للشعوب عزتها وكرامتها. تمنعها الانفة أن تستعطي لتأكل وتشحذ لتعيش يومها. فليس شح الغذاء سبباً، كما التهجير، والهرب، وفقدان المسكن والمدرسة والسقف والموت. بل هي نتيجة. السبب أولئك الذين يحكمون. مسؤوليتهم عن مآسي شعوبهم أكبر كثيراً مما تتحمله الطبيعة وكوارثها: زلازل، وجفاف، وفيضانات. حكمهم كارثة لتلك البلدان.
تكمن أولاً، وقبل كل شيء في السياسات الفئوية، الديكتاتورية، احتكار السلطة وإلغاء الآخر، الطائفية والفساد.. حكم البلدان والشعوب
لا بثقافة البناء والتعمير، بل بشهوة النهب.
السلطات الفاسدة، هي أم الكوارث وصانعتها. وسبب معاناة بلدانها وشعوبها، ونموذج للعجز عن ادارتها: الفشل في توفير العمل والانتاج والغذاء، ومعالجة التكاثر، وقبلها توفير الأمن والاستقرار والتعايش.
لايُعفي المجتمع الدولي من مسؤولياته في إبعاد شبح الجوع والموت عن الملايين، لكن فساد الحكم في تلك البلدان وسوء ادارته هما المتهم الأول.
 

السبت, 11 مارس 2017

ترامب - أردوغان

لم أحسم أمري في أيهما يذكرّني بالآخر: الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتركي رجب أردوغان أو العكس. لكنهما متشابهان تجمعهما الكثير من السمات السلبية،أتحدث عن الصفات السياسية  لا الشخصية, فهذه لا تهمني وأنا لا أعرفهما الا من خلال السياسة والاعلام.
وإذا بدأت من المجال الأخير، فكلاهما مغرم بالتواجد الدائم في وسائل الإعلام على أنواعها. رغم ان كليهما معاد لها. ترامب يرفض التواصل مع الصحافيين ويهاجمهم يوميا تقريبا، ويرفض دخول بعضهم إلى البيت الأبيض، وإذا صدف أن دخل من لا تعجبه أسئلته، يشير الى حراسه باخراجه بعيدا، ويعتبر الإعلام «عدواً للشعب».
أردوغان يفعل الشيء نفسه، ويزيد أنه يضع عشرات الصحافيين وراء القضبان، يصادر وسائل إعلام مطبوعة ومرئية ويشرد العاملين فيها، لأنها تنتقده وترفض التطبيل ومسح الجوخ، يتهمها «بدعم الإرهاب». الأول مفتون بالشهرة من خلال الانترنت والتغريد، والثاني يصرخ كلما رأى ميكروفونا، علّ الصوت العالي والتهديدات الموزعة في كل اتجاه ترفع شعبيته وتقوي سلطته.
ترامب يبتّز العالم ويطلب منه الجزية لـ «حمايته». أردوغان يهدد بأنه «سيقلب العالم رأسا على عقب»، اذا لم يتجاوب مع شهوته السلطوية الجامحة.
الرئيس الاميركي جعل المستشارة الألمانية ميركل اول من انتقدهم من قادة العالم، لم تعجبه سياستها ذات الطابع الانساني في تأمين مأوى للاجئين الفارين من الحروب الأهلية التي دمرت بلدانهم فيما الذئب الاميركي ليس بريئا أبداً من الدم والخراب اللذين تعيشهما البلدان المصدرة للمهاجرين.
الرئيس التركي يصب يومياً الزيت لاشعال النار مع ألمانيا ومستشارتها، حتى وصل حد وصفها بـ «النازية» و«الهتلرية»، متناسياً أنه هو نفسه في مسعاه لتكريس حكمه السلطوي استشهد بهتلر بالذات، لم يمنعه من ذلك أن النظام الفاشي والدموي الذي أقامه أشعل حرباً عالمية ضحاياها 70 مليون انسان ودمار أوروبا! المستشارة الحكيمة اكتفت بدعوة «السلطان» الجديد الى «الهدوء».. وهو ما لا يتقنه إلا على الطريقة الروسية، اي التشدد معه.
ترامب يريد «اميركا الاقوى»، وأردوغان يحلم بإحياء السلطنة العثمانية ومدّ سلطانها الى خارج حدود تركيا. استفز الاول معظم دول العالم، ومثله فعل الثاني مع الجيران أولا من العراق وسوريا ومصر واليونان وروسيا قبل أن تلوي ذراعه.
ترامب يتهم المؤسسة الأميركية بالفساد وهو نتاجها.
اردوغان يستخدم مبرراً آخر وإن مُستهلكا، لاحلال نظام سلطوي يمسك هو شخصيا بكل مفاتيحه. ويروج أن النظام الرئاسي، أي الذي يتيح له جمع السلطة بيديه هو الذي يحقق أهداف تركيا في التنمية والتقدم وهذه طبعا مقولة عفى عليها الزمن فالديكتاتورية لا تصنع تنمية وازدهاراً إنما هو الوهم المترتب علىأيديولوجية الاخوان المسلمين وكل الاحزاب الدينية، لذا فإن النظام الرئاسي حلم العمر لاردوغان لا يعني سوى اتاتورك أقل واردوغانية اكثر أو ديمقراطية وحريات أقل وتسلط وقمع أكثر، وهو ما سيتكرس في استفتاء شهر ابريل المقبل بشأن تعديل الدستور حتى يتكرس في تركيا النظام الرئاسي.
بين المستجدات التي يحملها الدستور التركي الجديد تخفيف الطابع العلماني عن المناهج التركية والغاء الساعات المخصصة لتعليم نظرية التطور والارتقاء لشارل داروين. المشترك في هذا مع الرئيس الاميركي ان المنهج التركي الجديد سيبعث بقوة العنصرية التركية وهو ما يفعله ترامب في اميركا.

الثلاثاء, 07 مارس 2017

أسلحة أكثر.. استقرار أقل!

ليس صحيحاً أن الولايات المتحدة الأميركية غير قادرة على أن تربح حرباً لأن جيشها وترسانة أسلحتها «في حالة يرثى لها» كما يقول الرئيس دونالد ترامب، الذي قدم ذلك مبررا لزيادة ميزانيته العسكرية 10 ٪، وتحديداً 50 مليار دولار وليس 30 ملياراً كما كان وعد من قبل فتصبح 654.5 ملياراً وهي اكبر ميزانية للجيش الأميركي، وأي جيش آخر، في التاريخ.
إنها إشارة البدء لجولة جديدة من سباق التسلح. بضغط أميركي، أعلنت ألمانيا زيادة 30 مليار دولار على ميزانيتها العسكرية، وستفعل ذلك تباعا الدول الاوروبية الأعضاء في حلف الأطلسي.
الصين مصممة على التحول إلى قوة عسكرية عظمى وعدم البقاء عملاقاً اقتصادياً فقط وتسير بخطى حثيثة على هذا الطريق، خصصت 7 ٪ من ميزانيتها الجديدة لجيشها. النسبة من رقم واحد هي الادنى خلال أربعة عقود، فمنذ 1980 وحتى العام الماضي، كانت ميزانية الجيش 18 ٪ والهدف «الوصول إلى مستوى الغرب عسكرياً». واللافت ان بكين امتنعت هذا العام عن نشر المخصصات الملموسة لكل قطاع عسكري كما كانت تفعل حتى الآن.
لروسيا، وهي قوة عسكرية عظمى ميزانية ضخمة وان كانت أقل مما تصرفه أميركا والصين. لكنها المنافس الأول عسكرياً للولايات المتحدة.
سباق التسلح يثير المخاوف، لانه كلما ارتفعت المبالغ المخصصة للآلة الحربية، زادت عدوانية من يمتلكها، وغالبا ما يسعى لاستخدامها خصوصاً ان مقولة ترامب عن واقع الجيش الأميركي ليست صحيحة على الإطلاق.
لقد مني هذا الجيش بهزائم مذلة خلال القرن العشرين الماضي، وأقساها في فيتنام. لكن ومنذ مطلع القرن الحادي والعشرين الحالي كسب عسكرياً جميع الحروب والنزاعات التي كان طرفاً فيها. وان يكن الاميركيون فشلوا في إحلال الاستقرار والسلام في البدان التي حاربوا فيها أو غزوها واحتلوها. والارجح ان المبلغ الخيالي للاعتمادات العسكرية لن يغير شيئاً في هذه الحقيقة.
هذا ما حصل في العراق وافغانستان. في البلدين حقق الجيش الأميركي نصراً عسكرياً باهراً لكنه مني بفشل سياسي ومعنوي ذريع. الأمر نفسه ينطبق على ليبيا وسوريا واليمن، فشيء ان تكسب حرباً ومسألة اخرى ان تجلب الاستقرار والسلام.
العكس تماماً هو الحاصل. الحروب والاعتداءات الاميركية في الشرق الاوسط دمّرت السلطات المركزية، وصنعت أو كرّست أنظمة طائفية، ومن فوهات مدافعها خلقت فوضى وخراباً وفساداً، وولدت بيئات حاضنة للتطرف والإرهاب، وشجّعت الحروب الأهلية وتسبّبت فيها، وشرّعت الابواب لتدخل القوى الاقليمية كتركيا وإيران، كي تنتزع مواقع لها في المنطقة العربية مستفيدة من حروب واشنطن وسياساتها والانقسام العربي الذي يستعين بالخارج للسيطرة على الداخل.
في ظل سباق التسلح الجديد وزيادة الاعتمادات العسكرية الارجح ان تزداد الفوضى ويتسع حجم الخراب والدمار. فالأسلحة الأميركية، التقليدي منها والحديث، لم تجلب السلام والتنمية للشرق الاوسط وشعوبه ولن تجلبها الآن. فحتى يوفر مصادر ميزانية الجيش الأميركي، عمد ترامب إلى تقليص 37 ٪ من الميزانية المخصصة لمساعدة الشعوب التي تعاني من ظروف المعيشة وكوارث الطبيعة والحروب.
يستتبع ذلك حتما مزيدا من الضغط على بلدان المنطقة لشراء اسلحة اكثر وتحويلها الى بؤر مشتعلة لتكون الزبون الأمثل، وفي الوقت نفسه ميداناً لتجربة الترسانة الاميركية مباشرة أو عبر اسرائيل أو بحروب قائمة، أو تندلع لاحقاً.
قبل 8 سنوات تفاءل العرب بأن الرئيس القادم يومها باراك اوباما سيعالج ما تسبب به سلفه جورج بوش من مآس في المنطقة. فشل اوباما وتبدد حلمهم. ولعلهم سينتظرون رئيساً آخر في البيت الأبيض لمحو الكوارث التي تتسبب بها سياسات ترامب. والثمن سيكون هذه المرة أيضاً فادحاً جداً.
 

السبت, 04 مارس 2017

عرب وين وطنبورة وين؟!

أرسل لي صديق قديم بقي في أوروبا من أيام الدراسة، يوتيوب تضمن «أغرب 5 فتاوى في العالم العربي»، حسب عنوان الشريط نفسه. ولأنه يعرف أنني أفضل مشاهدة ما يمتع فعلاً ويسلّي، فقد فهمت رسالته،  يتحسر بأسلوب  المثل الشعبي:«عرب وين وطنبورة وين؟» وهم ينحدرون الى هاوية سحيقة   مليئة بالتفاهات والبلاهة والسفاهات المغلفة غالبا  بثوب الورع والتدين.
الفتاوى الخمس، وهي بالمناسبة صادرة عن مشعوذين من الطائفتين، شملت الجواهر التالية:
«لحم الأرنب حرام لأن الأرنب حشرة والحشرات عموماً محرمة»، «الغسالة الأوتوماتيكية لا تطهر الملابس.. هذه تشيل الصابون.. الغسالة تحط فيها ملابس نجسة فتتنجس»، «ميكي ماوس شر مطلق، يقتل في الحل  والحرم»، «السمبوسة محرمة فهي تحتوي أضلاعاً تشبه اضلاع الثالوث المقدس المسيحي»، «الواتساب حرام» لأن الجني يمكن ان يستخدمه وقد أرسل فعلاً مقطعاً لمريضة وهي تئن»!
هذا الكم من الهراء المثير للاشمئزاز لا يصدر الا عن عقول مريضة، ونفوس معتلة، منعدمة الثقافة، ناهيك عن العلم والتمدن، بل اللياقة والذوق بأبسط أشكالهما. عقول تنتج فتاوى ترفع  التافه من أمور الحياة إلى مستوى قضايا أمة تستحق نشرها والتثقيف بها!
الإسلام، كما بقية الاديان  السماوية، من أبهى سمات الحضارة والتمدن والرقي، واستمرت كذلك طالما كان المبشرون بها ودعاتها يؤمنون بخير الانسان وتقدمه في اتجاه لولبي الى الأعلى، لكن دعاة اليوم يهوون به من درك الى آخر اسفل لاسباب  متعددة، لعل من أهمها تحكم التريف والمتريفين وسيطرتهم عليه.
العسكر الذين حكموا  معظم الدول العربية هم في غالبيتهم الساحقة متريفون، محدودو الأفق والطموح، يجهلون ثقافة بناء الدول،  تتحكم فيهم نزعة السيطرة على بلدانهم وشعوبهم وحكمها بالطغيان والاستبداد والقمع والالغاء،فقادوها إلى الخراب والتفتت، وأعادوها الى العصور الحجرية.
التجربة المرة تتكرر الآن بستار ديني. متريفون وأعراب  بعمامات وعباءات واحزاب متأسلمة، يسيطرون  على مؤسساته، ويفرضون سطوة احزابهم باسمه، فيواصلون الانحدار بالامة بفكر وسلوك متلازم الصفات والعناصر: دموي متطرف وتافه سخيف. «القاعدة» و«النصرة» و«الدولة الإسلامية»  وغيرها من  أنظمة دول،وتنظيمات تسعى الى السلطة والحكم،نتاج التخلف والنهج الدموي معاً. يريدون الأمة مصدر اجرام  وانحطاط على صورتهم.
المصيبة فيهم نعم. لكن المصيبة الأكبر في الفكر والسياسات التي صنعتهم، وتستمر في استيلادهم وتغذيتهم، لتوسيع انتشارهم.
وحتى لا يبقى الكلام عمومياً، او بدون فاعل ،فإن معظم الفتاوى التافهة المليئة بالسفاهة وبث الكراهية ومعاداة كل ما هو راق وحضاري، مصدرها محطات فضائية  ومؤسسات إعلامية عربية كبرى  ميزانياتها السنوية بالملايين، وقنوات تنتشر كالفطر، اقل قدرات مالية وانتشارا محصورة بطوائفها،لكنها مثلها مصانع للحقد والتخريب والتخلف.
هذا الرأي  ليس دعوة للرقابة. بل اعادة التأكيد على حقيقة بدهية هي ان وسائل التواصل الجماهيري ادوات مهمتها الإعلام والتنوير والثقافة والتسلية والإمتاع.. أي تقديم كل ما يساهم في تطوير عقل الإنسان وحرياته بأسلوب مهني فعال،والرقي في مخاطبة العقل والنفس، على أسس واضحة من الأخلاق المهنية.
فأين هذه المقاييس في معظم البرامج الدينية التي نتابعها على الشاشات أو الصفحات المتخصصة في تعميم التحريض والتفاهة والسخف والتجهيل، والحقن الطائفي والفئوي الكريه، وعندما لا تتوافر هذه المبادئ، فمن المنطقي ان تكون الوسيلة المعنية موضع حساب او حتى غياب!
زمان كنا «نفش الخلق» فنصف من ينحط الى هذا الدرك «بالصحافة الصفراء»، لكن ماذا نسمي اليوم هذا الكم من الشاشات والصفحات ووسائل التواصل بعدما اصبحت ادوات تخريب
وكراهية ؟!
لم اجد افضل من العنوان أعلاه. أمتنع عن تفسيره لا ترفعا عن تعبير مستحق لرؤوس الدجاج التي تطل على المتلقين بعدة شغل النصب الديني كلها، انما ابتعادا عن مزيد من وجع الرأس مع قانون إعلام هو ايضا واقع في الفخ، خصوصا ان ليس على رأس وزارة الاعلام وزير اصيل بل مكلف،  واللي فيه كافيه!!
على كل، الشرح الوافي موجود على «الإنترنت» بإسهاب. أنصح بقراءته لانه ممتع.

الثلاثاء, 28 فبراير 2017

احتكاك كلامي فقط؟!

كيف سينعكس «التخبيص» الذي يمارسه دونالد ترامب على الشرق الأوسط؟! وهل باتت المنطقة على حافة حرب جديدة؟ وهل التهديدات المتبادلة حالياً بين حزب الله اللبناني وطهران من جهة وإسرائيل من جهة أخرى وكذلك التصريحات والتسريبات من واشنطن وطهران والضاحية الجنوبية لبيروت، والحرب الكلامية المتصاعدة الحدة ستبقى كذلك، أم ستتحول إلى حرب فعلية؟!
ينهي ترامب اليوم أسبوعاً سادساً مشحوناً رئيساً للولايات المتحدة، لا يمكن لأي مراقب أن يتهمه بالكسل أو حتى التريث. بل هو يسعى يومياً ليثبت أنه رئيس حيوي نشيط وفاعل، رجل أفعال لا اقوال- مع انه ثرثار بامتياز - مصمم على تنفيذ وعوده الانتخابية، يعمل أكثر ما يمكن في أسرع وقت ممكن، رغم الفوضى العارمة التي يثيرها.
ورغم أن كثراً يعتبرون كل ذلك نتيجة متوقعة من شخص لم يسبق له طوال 70 سنة من عمره أن تولى منصباً سياسياً أو عاماًَ، إلا أنه من الضروري ألا يغطي كل الغبار شيئاً مما قد يحضر للمنطقة!
خارجياً هو واضح جداً في التعاطف مع إسرائيل، والتعالي على دول الخليج التي يعتبرها مجرد خزنة ليس فيها إلا المال، والتصعيد المتواصل ضد إيران، ومع الطرفين الاخيرين  احتك كلامياً، ويميزه أيضاً العداء الصريح للدول التي يعتبرها مصدراً للمهاجرين، وهذه في معظمها عربية أو إسلامية.
وبعيداً عن قراءة في بلورة سحرية للنتائج المتوقعة لسياسته في الشرق الأوسط،  يمكن استشراف بعض المؤشرات من قراءة تسريبات الأوساط القريبة من واشنطن، وتلك المقربة من طهران، أما إسرائيل فهي تنفخ في النار دائماً.
تسرّب أوساط واشنطن أحياناً وتصرّح حيناً بأن هدف إدارة ترامب هو إعادة إيران إلى داخل حدودها بدون أي أذرع خارجية، في العراق ولبنان وسوريا واليمن والبحرين وأي مكان آخر. هذه الدول لا مكان لإيران فيها، وإذا كان لابد من عراق شيعي مثلاً، فينبغي ألا يكون تابعاً لطهران بل نداً لها، وهي، كما يصفها البعض، رغبة في «صدام شيعي». وتعتقد تلك الاوساط أن تحقيق هدف واشنطن لن يتم إلا بعد ضربة عسكرية قوية جداً لإيران. وتتردد معلومات بأن طهران قد تبلّغت هذا التوجه، ما يفسر التصعيد خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، وذروته تهديد السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله اللبناني بقصف مفاعل ديمونة النووي الإسرائيلي، ما اعتبرته إسرائيل تصعيداً بالغ الخطورة، وأوساط عديدة بأنه «مبالغة غير موفقة»، وراجت على أثره إشاعات بأن هناك توجهاً إيرانياً لاستبدال نصر الله.
أما الأوساط القريبة من إيران، فترى أن «القراءة الخفية» للمشهد في المنطقة هي أن ترامب الآن في مرحلة «الجباية الحثيثة» من الخليج ولا ضربة لإيران أبداً، بل مجرد ضغوط فقط، وتعرف إيران ذلك بدقة، لأن الضربة تعني حرباً شاملة في المنطقة. أما استبدال نصر الله فغير منطقي أبداً حتى إن استبدال المرشد خامنئي أكثر معقولية، وأن ترامب يريد أن يحلب لا أن يقتل.
سلوك ترامب في السياسة الخارجية يشير إلى أنه يسعى  لحل الأزمات بسرعة، وهو ميال بطبعه إلى القوة الصلفة والضغط، كلامياً حتى الآن، وربما فعلياً لاحقاً.
مع ترامب لم يتوقع أحد مسبقاً ماذا سيأتي لاحقاً، الواضح فقط أنه يظهر أسناناً حادة ويتصرف كثور هائج في محل خزف.
 

السبت, 25 فبراير 2017

حرب تقرع الأبواب!

لا يحتاج الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب مهلة المئة يوم للتعرف على شخصه،  وتعامله مع الأزمات العالمية والإقليمية المختلفة .
إن تصريحاته ومواقفه خلال عام من حملته الانتخابية، ثم الأسابيع الخمسة التي قضاها حتى الآن في البيت الأبيض، كشفت الكثير: شخصياً هو إلى السذاجة أقرب، يتعامل مع موقعه الخطير والمهم كما لو أنه بيزنيس، مدعٍ، استعراضي، معادٍ للصحافة أهم وسائل الحريات، نصاب يضيق بالرأي الآخر، إلى بقية الصفات التي تجعله أقرب إلى ديكتاتور مبتدئ. عماده  المال الذي يجمع إليه الآن أقوى سلطة في العالم،  وهذه خصائص تساهم في تكوين شخصية فاشية سلطوية وتبرر له الكذب  ،أضف الى حشد  غير مسبوق من الجنرالات في ادارته.
آخر الأمثلة على الكذب، عندما فاجأ ترامب العالم قبل اسبوعين وهو يتحدث أمام أنصاره في فلوريدا عن خطر الهجرة وارتباطها بالإرهاب، ليحثهم على دعم إجراءاته ضد المهاجرين إلى أميركا: « انظروا كيف عانت ألمانيا... وماذا حدث أمس في السويد.. من كان يتوقع أن يحدث هذا؟ السويد؟!».
ذهلت السلطات السويدية، فلم تكن لديها معلومات عن اي حادث امني حصل أمس. شَغَل المسؤولون السويديون رؤوسهم دون نتيجة. حتى وزير الخارجية السويدي السابق كارك بدلوت علق مستغرباً:«السويد؟ هجوم إرهابي؟ هذا الشخص ماذا يدخن؟!». واستفسرت ستوكهولم رسمياً من واشنطن عما جرى.
بدا أن ترامب يكذب كعادته. لكن بعد مضي 48 ساعة وبحلول الاثنين، وقعت أحداث عنف بين مهاجرين والشرطة في إحدى المدن السويدية .. فطغى احتمال آخر أن المخابرات الأميركية كانت بحوزتها معلومات عن حدث ما، لكن ترامب أفشاها قبل وقوعها.
هذا النموذج غير المسؤول في التعاطي، سيعممه ترامب تجاه أزمات أكبر.
معروف ان نظرية « الركاب المجانيين» تعود إلى الرئيس السابق باراك اوباما، كان يقصد بها دول الخليج، فأخذها ترامب ووسعها لتشمل كل اصدقاء أميركا وحلفائها. فالخليجيون«ليس لديهم إلا المال» وعليهم أن يمولوا مشاريعه، أولها الآن مناطق آمنة يريدها في سوريا، كذلك دول حلف الأطلسي التي عليها أن تدفع مقابل تأمين الحماية الأميركية لها. وان تدفع الاثنين في المئة من دخلها القومي الإجمالي لميزانية الحلف.
السذاجة التي يقارب فيها ترامب الأوضاع الدولية والضغوط التي يمارسها على حلفائه وغيرهم من الدول للتخويف والابتزاز، تكشف عن نهج أكثر خطورة، وتحديداً إطلاق جولة جديدة من سباق التسلح الذي ارتاح منه العالم لحوالي ربع قرن منذ انتهاء الحرب الباردة، وما سينتج عنه من حروب ساخنة إضافية حول العالم، يواكبها حتما تأجيج حرب باردة جديدة غير معروف مداها بعد.
ترامب نفسه أعطى إشارة البدء لسباق تسلح جديد، وباخطر أنواع الأسلحة وأكثرها فتكاً أسلحة الدمار الشامل. عندما أعلن « إن المخزون النووي الأميركي يتخلف... علينا أن نعيد بناءه ليكون الأفضل مما لدى الجميع»، واتهم موسكو بأنها «تخرق معاهدات الحد من التسلح وتخفيضه»، وفي الوقت نفسه نشر أنظمة صواريخ أكثر تطوراً في اليابان وكوريا الشمالية، ودول البلطيق المجاورة لروسيا.
أوروبا بدأت ترضخ . أعلنت ألمانيا أنها سترفع ميزانيتها الدفاعية إلى 2 في المئة من اجمالي انتاجها. وستزيدها تالياً 30 مليار يورو. وستكون برلين  نموذجاً يدفع دولاً أوروبية أخرى كي تحذو حذوها، وتنخرط بحجم أكبر في سباق التسلح.
موسكو المنتشية بالتطورات العالمية لم تتأخر في الرد. فأحيت مقولة قديمة كان يرددها القيصر إلكسندر الثالث:«حليفان وفيان لروسيا..الجيش والأسطول..».
وزادت روسيا بوتين حليفاً قويا هو المجمع الصناعي العسكري: ليصبح الحلفاء ثلاثة: قوة وحرب واستعداد لخوضها.
أما الجديد الذي سيزيد سباق التسلح اشتعالا، هو أن الجيش الصيني استطاع اللحاق بالآلة العسكرية الغربية، نمر من ورق وبلا أنياب أصبح مستعدا  لمقارعة الخصم بكفاءة، بعدما وظفت فيه ميزانيات كثيرة لجزء من النمو الذي شهدته الصين خلال السنوات الثلاثين الماضية، فأصبح قوة صاروخية وجوية خاصة. وفرض شبه سيطرة كاملة على بحر الصين الجنوبي بإنشاء جزر اصطناعية حولها إلى مخازن صواريخ وقواعد عسكرية جوية.
الشرق الأوسط، حتماً، جزء لا يتجزأ من هذا التوتر المستجد المتصاعد، وصعب أن يكون الخليج بعيداً عنه.
المنطقة أمام سباق تسلح، وإعادة تقاسم نفوذ.

الصفحة 1 من 12