جريدة الشاهد اليومية

مشعل السعيد

مشعل السعيد

الثلاثاء, 22 أغسطس 2017

رضيت من الغنيمة بالإياب «2-2»

وامرؤ القيس اسمه «حندج» واشهر قصائده على الإطلاق معلقته التي بدأها بقولها:

أفاطم مهلا بعض هذا التدلل
وان كنت قد أزمعت صرمي فأجملي
ومن أجمل غزلياته وأغلب الناس لا تعرف أنها له قوله:
تَـعَـلَّـقَ قَلبِـي طَفلَـةً عَـرَبِـيَّـةً
تَنَعـمُ فِي الدِّيبَـاجِ والحُلِـيِّ والحُـلَلْ
لَهَـا مُقلَـةٌ لَـو أَنَّهَـا نَظَـرَت بِهَـا
إِلـى رَاهِبٍ قَـد صَـامَ للهِ وابتَهَـلْ
لأصبَـحَ مَفتُونـاً مُعَـنًّـى بِحُـبِّـهَا
كَأَن لَمْ يَصُـمْ للهِ يَومـاً ولَمْ يُصَـلْ
وكان قد بدأ هذه القصيدة بأبيات يقول فيها:
لِمَن طَلَلٌ بَينَ الجُدَيَّةِ والجبَل
مَحَلٌ قَدِيمُ العَهدِ طَالَت بِهِ الطِّيَل
عَفَا غَيرَ مُرتَادٍ ومَرَّ كَسَرحَب
ومُنخَفَضٍ طام تَنَكَّرَ واضمَحَل
وزَالَت صُرُوفُ الدَهرِ عَنهُ فَأَصبَحَت
عَلى غَيرِ سُكَّانٍ ومَن سَكَنَ ارتَحَل
ويقول واصفاً هذه الطفلة العربية:
ولي ولها في النّاسِ قولٌ وسمعةٌ
ولي ولـــها في كلِّ ناحيةٍ مـــَثلْ
كأنَّ على أسنانـها بعدَ هـَجـعةٍ
سفرجلَ أو تفاحَ في القندِ والعسلْ
ردّاح صَموتُ الحِجلِ تمشي تبخـــتراً
وصرّاخةُ الحِجلينِ يصرخنَ في زَجلْ
غموضٌ عضوضُ الحجلِ لو أنَّها
مَشت بهِ عندَ بابِ السبسبينَ لانفصلْ
حجازيةُ العينـينِ مكّـِيةُ الحــشا
عراقـيَّةُ الأطرافِ روميّــةُ الكَــفلْ
تُـهاميّــَةُ الأبـدانِ عبسـيَّةُ اللَّمَى
خِـزاعـــيـَّةُ الأســــنانِ دُريَّةُ القــبلْ
ولا صحة للحديث الشريف الذي روي عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والذي يقول فيه عن امرئ القيس: «ذاك رجل مذكور في الدنيا، منسي في الآخرة، شريف في الدنيا، خامل في الآخرة، يجيء يوم القيامة بيده لواء الشعراء، يقودهم الى النار».
قال الأرناؤوط: إسناده ضعيف جدا، كما ضعفه الألباني في ضعيف الجامع، لم تكن حياة امرؤ القيس طويلة بمقياس السنين، ولكنها طويلة جدا بمقياس الاحداث، فقد طوف في معظم ارجاء ديار العرب، ثم ذهب بعيداً عن جزيرة العرب حيث وصل الى القسطنطينية ودخل علىقيصر طالبا منه المساعدة في أخذ ثاره، ثم عاد منهكا مريضا، فمات في طريق عودته بأنقرة عام 540م في تلة «هيدير ليك» ربما يقول البعض ان وفاته من حلة مسمومة أهداها اياه قيصر، فقد نفى هذه القصة اكثر من مرجع تاريخي، ثم ان العقل لا يقبل بهذه الحكاية، لانه ذهب لطلب النجدة من قيصر الروم لأخذ ثأره من بني أسد الذين قتلوا والده حجر، فهل كان وهو في مثل هذه الحالة فارغا للتغزل بابنة القيصر؟ وسأذكر لكم الرواية التي تقول انه مات من حلة مسمومة أهداها له قيصر لتروا رأيكم بها: ذكر عبدالقادر البغدادي في خزانة الأدب ان امرأ القيس  نفذ بالجيش من عند قيصر فجاء الطماح بن قيس  الأسدي لقيصر وقال له: أيها الملك، أهلكت جيشك اذا بعثته مع المطرود وليس لك فائدة من انتصاره، فكلما قتل بعض العرب كان خيرا لك، قال قيصر: ما الرأي؟ قال: ان تتدارك جيشك وترده، وتبعث الى امرئ القيس بحلة مسمومة، ففعل ولبسها فتساقط لحمه ونزل الى جانب جبل يقال له: عسيب، فشاهد قبر امرأة فقال:
اجارتنا ان المزار قريب
واني مقيم ما اقام عسيب
اجارتنا انا غريبان ها هنا
وكل غريب للغريب نسيب
دمتم سالمين، في أمان الله

لغنيمة هي النهب والسلب والتي يخاطر أهل الجاهلية بأنفسهم من أجلها، حتى أنهم يتقاتلون على السهم الأوفر منها بعد المعركة، فكيف يرضى من خرج مخاطراً بنفسه أن يعود سالماً لا له ولا عليه، لا يريد إلا سلامته، أخرجه الطمع إلا أنه رأى من الأهوال والمخاطر ما جعله يتمنى لو أنه لم يقدم على مثل هذه الخطوة.
لكل ما ذكرت رضي من الغنيمة بالإياب، مثل هذا المثل لا يقوله إلا من حنكته التجارب لذا جاء مثله صادقاً واقعيا صالحا لكل زمان ومكان، الله عز وجل يقول: «وأنفقوا في سبيل الله، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين» «البقرة 195»، فلا ترمي بنفسك أيها الرجل في التهلكة «وكلنا هذا الرجل» ولا تحمل نفسك فوق طاقتها فتندم  حين لا ينفع الندم، دعونا نطالع الأبيات التي ورد بها هذا المثل الصادق:
أرانا موضعين لأمر غيب
وَنُسْحَرُ بالطَّعامِ، وَبالشَّرابِ
عَصافيرٌ، وَذُبَّانٌ، وَدودٌ،
وأجْرأُ مِنْ مُجَلِّحَة ِ الذِّئابِ
فبعضَ اللوم عاذلتي فإني
ستكفيني التجاربُ وانتسابي
إلى عرقِ الثرى وشجت عروقي
وهذا الموت يسلبني شبابي
ونفسي، سَوفَ يَسْلُبُها، وجِرْمي،
فيلحِقني وشيكا بالتراب
ألم أنض المطي بكلِّ خرق
أمَقَ الطُّولِ، لمَّاعِ السَّرابِ
وأركبُ في اللهام المجر حتى
أنالَ مآكِلَ القُحَمِ الرِّغابِ
وكُلُّ مَكارِمِ الأخْلاقِ صارَتْ
إلَيْهِ هِمَّتي، وَبِهِ اكتِسابي
وقد طَوَّفْتُ في الآفاقِ، حَتى
رضيتُ من الغنيمة بالإياب
أبعد الحارث الملكِ ابن عمرو
وَبَعْدَ الخيرِ حُجْرٍ، ذي القِبابِ
أرجي من صروفِ الدهر ليناً
ولم تغفل عن الصم الهضاب
وأعلَمُ أنِّني، عَمّا قَريبٍ،
سأنشبُ في شبا ظفر وناب
كما لاقى أبي حجرٌ وجدّي
ولا أنسي قتيلاً بالكلاب
هذه الأبيات قالها ذو القروح الملك الضليل كبير شعراء الجاهلية امرؤ القيس بن حجر الكندي، أشهر شعراء العربية على الإطلاق، يتذكر في هذه الأبيات هلاك آبائه، ومنهم أبوه حجر الذي قتلته بنو أسد، ويتذكر أخذ الملك المنذر بن ماء السماء 48 نفساً من بني أكل المرار منهم: عمرو ومالك ابنا الحارث عما امرئ القيس وقتلهم أيضاً، وفي ذلك يقول:
ألا  يا  عين  بكي  لي  شنينا 
وبكي  لي الملوك الذاهبينا
ملوكا من بني حجر بن عمرو
يساقون  العشية  يقتلونا
فلو في يوم  معركة  أصيبوا
ولكن  في  ديار  بني مرينا
لم تغسل  جماجمهم  بغسل
ولكن   بالدماء  مرملينا
تظل  الطير عاكفة عليهم
وتنتزع الحواجب والعيونا
امرؤ القيس ولد في نجد عام 520م، يعد رأس الشعراء العرب، نشأ ميالا إلى الترف واللهو، حاله حال أولاد الملوك في ذاك الزمان، اتخذ لنفسه سيرة لاهية تأنفها الملوك، منها انه كان يسير في أحياء العرب ومع شذاذ العرب من طي وكلب وبكر بن وائل. فإذا صادف غديراً أو روضة أو موضع صيد، أقام فذبح وشرب الخمر وسقاهم وتغنيه قيانه، ولا يزال كذلك حتى يذهب ماء الغدير وينتقل عنه إلى غيره، مما جعل أبوه يرده إلى حضر موت، بين أعمامه وقومه، أملا في تغيير طباعه إلا أنه ظل على حاله.

كنا نعيش وحتى فترة قريبة من الزمن مع عمالقة الفن الكويتي الذي أدوا رسالتهم الفنية بكل أمانة وإخلاص، ثم فرطت المسبحة وتوالى رحيلهم واحداً تلو الآخر في زمن متقارب، كأنهم على موعد بألا يتأخر الأول عن  الثاني، وهذه سنة الحياة ولا راد لقضاء الله تعالى، والآن لم يبق من هؤلاء الرواد إلا عدد أصابع اليد، سعد الفرج، إبراهيم الصلال، خالد العبيد، محمد جابر، محمد المنصور، جاسم النبهان، ومن النساء: حياة الفهد، مريم الصالح، سعاد عبدالله، لذا أتوجه برسالتي إلى معالي وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء، وزير الإعلام بالوكالة، والعارف لا يعرف يا معالي الوزير أرجو شاكراً أن تجمع البقية الباقية من جيل الرواد، وتسألهم عن كل ما يريدون فهم يستحقون منا الكثير، واتمنى على معاليك أن تحقق أمنية عملاق الفن الراحل عبدالحسين عبدالرضا رحمه الله تعالى، وأعلم كم كنت تحبه وتحترمه، وهي جمع هؤلاء الرواد في عمل واحد مسرحياً كان أو تلفزيونياً، حتى يبقى هذا العمل في ذاكرة الأجيال، وهو بنفس الوقت رد جميل لمسيرتهم الحافلة بالعطاء والنجاح، وأنت يا شيخ محمد غصن من أغصان الشجرة المثمرة، ورافة الظلال التي نتفيأ ظلها أبناء هذا الوطن العزيز، وإن قيل أين النص الذي يجمع هؤلاء الكبار أقول إنني على استعداد لكتابته دون مقابل، وفاء لهذا الجيل الرائع، وهناك غيري من الكتاب مستعدون لذلك بكل رحابة صدر، وأرجو الا يكون لسان حال هؤلاء الفنانين قول عبيد بن الأبرص الأسدي:

لألفينك بعد الموت تندبني
وفي حياتي ما زودتني زاد
دمتم سالمين وفي أمان الله.

ما أشد حزن الناس على موت فنان العرب الكبير عبدالحسين عبدالرضا رحمه الله تعالى, ولا عزاء للفن ووالله أهلا بهذا الحزن، فكل اسرة عربية تفرح وتبتهج عند رؤيته وقد دخل قلوب الناس قبل ان يدخل بيوتهم حتى اصبح من ضروريات الحياة عند أهل الخليج خاصة ولو كان غير الموت لدفعه الناس عنه:

فكل ذخيرة لابد يوما,, وان بقيت تصير إلى نفاد
ولو يفدي من الحدثان شيء,, فديتك بالطريف وبالتلاد
فلا تبعد فكل فتى سيأتي,, عليه الموت يطرق أو يغادي
عبدالحسين عبدالرضا السني والشيعي والبدوي والحضري والكويتي قلبا وقالبا اعرف ابا عندنان تمام المعرفة فهو أخ وصديق سافرت معه وعرفت معدنه الطيب اما الفن فكل الناس يعرفون انه تربع على قمته اكثر من نصف قرن, واما صفاته فربما لا يعرفها الكثير فهو انسان بمعنى الانسانية كريم الاخلاق كويتي صرف ذو أحاسيس مرهفة شاعر يصيغ أجمل العبارات يشارك في التلحين مؤلف متمكنو يكره الحسد والقيل والقال وفي لاصدقائه غيور على وطنه مطيع لولاة أمره محب لاسرته وللناس حريص على القيام بواجباته الاجتماعية خلق لإسعاد الناس والعجب كل العجب من هذا الشيخ الذي أطل علينا مغردا وهو يقول: لا تترحموا على عبد الحسين عبدالرضا فهو رافضي ولا يجوز الترحم عليه.
وأقول له: هل أنت وصي على الناس, ألا تستحي من إثارة الفتن والنفخ في بوق الطائفية والخليج يغلي؟ وهل قامت دولة الكويت إلا على السني والشيعي؟ وان كان عبدالحسين عبدالرضا رافضيا فهو رافض للطائفية والحزبية طول حياته وتعرضت حياته للخطر لمواقفه الوطنية الصافية والحمد الله ان الرحمة ليست بيدك وانما بيد الودود الرحيم.
وصدق من قال «كل إناء بما فيه ينضح» اما نحن فنقول: اسعدك الله تعالى يا عبدالحسين عبدالرضا عنده كما اسعدت ملايين البشر ولعدنان وبشار اقول: عظم الله أجرنا واجركما بفقيد الكويت الغالي نسأل الله له الرحمة والمغرفة ولمن يتابع إذاعة الكويت فقد سجلت ساعة كاملة حول مسيرة هذا الفنان الكبير تبث يوم الجمعة 18 اغسطس الساعة الثانية ظهراً.
دمتم سالمين وفي أمان الله

ويعد عنتر بن شداد في طليعة الشعراء الفرسان، وهو من أصحاب المعلقات، وتسمى معلقته «المذهبة» لرصانة أبياتها، هناك حديث شريف ضعفه الألباني يقول ان ابن عائشة روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أنشد قول عنترة:
ولقد أبيت الطوى وأظله
حتى أنال به كريم المأكل
فقال: «ما وصف لي إعرابي قط فأحببت أن أراه إلا عنترة»، وقد عاصر عمرو بن معد يكرب عنترة وذكره ضمن أشداء العرب حيث قال: لو طفت بظعينة أحياء العرب ما خفت عليها، ما لم ألق عبديها وحريها- يعني بالعبدين: عنترة بن شداد والسليك بن سلكة، والحرين: عامر بن الطفيل وربيعة بن المكدم، وقال أيضاً في عنترة: قليل الكبوة، شديد الجلبة، والحقيقة أنه لا يوجد مرجع تاريخي يذكر زواج عنتر من عبلة، كما ذكر ابن الكلبي أن شداداً عمه وليس أبوه، نشأ في حجره فنسب إليه، وذكر أنه «عنتر بن عمرو بن شداد» اعترف به بعد أن دافع عن عبس وحول هزيمتهم إلى نصر، في قتال لهم ضد حي من أحياء العرب، وعنتر أحد أغربة العرب وهم ثلاثة: عنتر وأمه زبيبة، وخفاف بن عمير وأمه ندبه، والسليك بن عمير وأمه السلكة، وعنتر بن شداد، ولد هذا الفارس المشهور عام 525 م لأب عربي من سادات قومه، وأم حبشية، ورث عنها السواد.
وكانت العرب في الجاهلية إذا ولد لها ولد من جارية استعبدوه، إلا أن عنتراً ظهرت عليه مخايل الشجاعة منذ صغره، فكان أشما أبياً شديد الفتك، ومع ذلك لم يعترف أبوه به، «قال ابن الكلبي» أغارت قبيلة من قبائل العرب على بني عبس، فأصابوا منهم واستاقوا إبلا، فتبعهم العبسيون فلحقوهم وقاتلوهم، فقال أبوه له: كر يا عنتر، فقال: العبد لا يحسن الكر، إنما يحسن الحلاب والصر، فقال له: كر وأنت حر، فكر عنترة وارتجز قائلاً:
أنا الهجين عنترة.. كل امرئ يحمي حرة
أسوده وأحمره.. والواردات مشفرة
وقال أيضاً:
إني امرؤ من خير عبس منصبا
شطري واحمي سائري بالمنصل
وقاتل قتالاً شديداً، فدعاه أبوه بعد ذلك، والحق به نسبه.
قيل لعنترة: أنت أشجع العرب وأشدها، قال: لا، فقيل له: فبماذا شاع لك هذا في الناس؟ قال: كنت أقدم إذا رأيت الإقدام عزما، وأحجم إذا رأيت الإحجام حزما، ولا أدخل موضعاً إلا أرى لي منه مخرجا، وكنت اعتمد الضعيف الجبان فأضربه الضربة الهائلة، يطير لها قلب الشجاع، فأنثني عليه فأقتله، وفي النهاية أغر عنترة على بني نبهان وهو شيخ كبير، فطرد لهم طريدة، فرماه فتى منهم اسمه زر بن جابر بسهم وقال: خذها وأنا ابن سلمى، فقطع مطاه، فتحامل عنترة على نفسه حتى أتى أهله فمات، وذكر ابن الكلبي أن الذي قتل عنترة يلقب بالأسد الرهيص، وهذا يختلف عما ذكره أبوعمرو الشيباني الذي قال انه غزا طيئاً مع قومه فانهزمت عبس، فخر عن فرسه ولم يقدر من الكبر أن يركبها، فدخل غاراً وابصره عين لطيء فنزل إليه، وهاب أن يأخذه أسيراً فرماه وقتله، أما أبو عبيدة فقال: أسن عنترة وعجز عن الغارات، فخرج إلى رجل من غطفان له عليه بكر، فهاجت عليه ريح صيف وهو بين شرج وناظره فأصابته فقتلته.
ملاحظة: بعض الناس يروي بيت عنتر كالتالي:
لو كان قلبي معي لاخترت غيركم
ولارتضيت سواكم بالهوى بدلا
وهذا خطأ شائع، أحببت أن أنوه له.
اكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

ثمة سؤال يتبادر إلى الذهن عندما نتأمل هذا البيت الجميل:
لو كان قلبي معي لاخترت غيركم
ولا ارتضيت سواكم بالهوى بدلا
أيهما أكثر تأثيراً على الإنسان قلبه أو عقله؟ والحقيقة أنه قد يتفق القلب والعقل في أمور كثيرة إلا في حالة استثنائية واحدة هي الحب، في هذه الحالة لا يقتصر الأمر على الاختلاف، وانما التباعد والقطيعة، لأن المرء إذا أحب حباً صادقاً، تملك هذا الحب مشاعره وأحاسيسه، ولعبت به هذه المشاعر والأحاسيس، وجعلته يسير وفق ما تريد، والقلب مخلوق ضعيف يطيعها في كل ما تأمره، هذا هو الحب يا سادة، فإذا أحب المرء رأى نعيم الدنيا بقربه من حبيبه، حتى لو كان حبيبه قاسياً عليه، ألا ترى أبوالشيص محمد بن علي بن عبدالله الخزاعي يقول:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي
متأخر عنه ولا متقدم!
أشبهت أعدائي فصرت أحبهم
إذا كان حظي منك حظي منهم
الحب أعمى أصم، إذا وقع المرء في شباكه لم يعد يستطيع الخروج منه، وفي ذلك يقول الخبز أرزى نصر بن أحمد بن نصر:
الحب أول ما يكون لجاجة
تأتي به وتسوقه الأقدار
حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى
جاءت أمور لا تطاق كبار
من هنا قال الفارس الشاعر عنترة بن شداد العبسي:
لو كان قلبي معي لاخترت غيركم
ولا ارتضيت سواكم بالهوى بدلا
لكنه راغب في من يعذبه
فليس يقبل لا لوما ولا عذلا
هو يقول ان قلبه ليس بيده، ولو كان بيده لاختار غيرها، ولرضي بسواها، لكن هذا القلب الضعيف يحب من يعذبه لا يتزحزح قيد أنملة عنها رغم الألم الشديد الذي تسببه له، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك هذا الأمر، ولا ينفع معه لا لوم ولا عذل هذا اللوم يزيده اصراراً على التمادي في حبها، رأيتم ما فعل الحب بعنترة بن شداد وهو الفارس المغوار، فكيف الحال بمن هو لا يمتلك صفات عنتر، ها هو يخاطب ابنة عمه عبلة بنت مالك قائلاً:
لا وعينيك وأعظم بالقسم
وفم عن غرة الصبح ابتسم
لو أنم يا عبل عن عهد الهوى
من رعى أمراً عظيماً لم ينم

وما هذهِ الأيامُ إلا صحائفٌ
لأحرفها ، من كفِّ كاتبها بشرُ
بنَفسي مِنَ الغَادِينَ في الحَيّ غَادَة ً
هوايَ لها ذنبٌ ، وبهجتها عذرُ
تَرُوغُ إلى الوَاشِينَ فيّ، وإنّ لي
لأذْناً بهَا، عَنْ كُلّ وَاشِيَة ٍ، وَقرُ
بدوتُ ، وأهلي حاضرونَ ، لأنني
أرى أنَّ داراً ، لستِ من أهلها ، قفرُ
وَحَارَبْتُ قَوْمي في هَوَاكِ، وإنّهُمْ
وإيايَ ، لولا حبكِ ، الماءُ والخمرُ
فإنْ كانَ ما قالَ الوشاة ُ ولمْ يكنْ
فَقَد يَهدِمُ الإيمانُ مَا شَيّدَ الكُفرُ
وفيتُ ، وفي بعضِ الوفاءِ مذلة ٌ
لآنسة ٍ في الحي شيمتها الغدرُ
وَقُورٌ، وَرَيْعَانُ الصِّبَا يَسْتَفِزّها
فتأرنُ ، أحياناً ، كما يأرنُ المهرُ
تسائلني: «منْ أنتَ ؟» ، وهي عليمة ٌ
وَهَلْ بِفَتى ً مِثْلي عَلى حَالِهِ نُكرُ؟
فقلتُ ، كما شاءتْ ، وشاءَ لها الهوى :
قَتِيلُكِ! قالَتْ: أيّهُمْ؟ فهُمُ كُثرُ
فقلتُ لها: «لو شئتِ لمْ تتعنتي
وَلمْ تَسألي عَني وَعِنْدَكِ بي خُبرُ!
فقالتْ: «لقد أزرى بكَ الدهرُ بعدنا!
فقلتُ: «معاذَ اللهِ! بلْ أنت لاِ الدهرُ،
وفيها يقول وهي 54 بيتاً:
سَيَذْكُرُني قَوْمي إذا جَدّ جدّهُمْ
وفي الليلة ِ الظلماءِ ، يفتقدُ البدرُ
قال عنه الذهبي: الأمير أبو فراس الحارس بن سعيد بن حمدان التغلبي الشاعر، المفلق، كان رأسا في الفروسية والجود، وبراعة الأدب، قال الصاحب بن عباد: بدئ الشعر بملك وهو امرؤ القيس، وختم بملك وهو أبو فراس، وأضاف الذهبي: أسرته الروم جريحاً، فبقي بقسطنطينية أعواماً، ثم فداه سيف الدولة منهم بمال، وأعطاه أموالاً جزيلة وخيلا ومماليك، كانت له منبج، ثم تملك حمص، ثم قتل بناحية تدمر وهو في طريقه لتملك حلب بعد وفاة سيف الدولة سنة سبع وخمسين وثلاثمائة للهجرة وعمره سبع وثلاثون سنة، وأقول إن الحمدانيين أسرة عربية قامت بأسيس دولة ذات نفوذ واسع ينتمون إلى قبيلة تغلب العربية، ومؤسس دولتهم جدهم حمدان بن حمدون، حكم الموصل منهم أبو محمد ناصر الدولة الحسن بن أبي الهيجاء «318-358هـ» وأبو تغلب عضد الدولة الغضنفر فضل الله بن الحسن «358-369 هـ» وأبو طاهر ابراهيم بن الحسن «379 - 389 هـ»، وابو عبدالله الحسين بن الحسن، وتملك حلب منهم سيف الدولة علي بن عبدالله «333 - 356 هـ»، وابو المعالي شريف بن علي «356-381هـ» وأبو الفضائل سعيد الدولة سعيد بن شريف «381-392 هـ» وأبو الحسن علي بن سعيد بن شريف وأخوه شريف بن سعيد حتى عام 394هـ.
أكتفي بهذا لقدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

هذا الشاعر المحب صور لنا لذة الدنيا وسرورها وهناءها في رؤية وجه من يحب، عندما ينظر إلى وجهها الجميل يتراءى له كل ما هو جميل في هذه الدنيا، ينسى واقعه ويحلق في هذا الأفق الرائع، هذا كله عندما يراها، فما حاله عندما يفارقه هذا الوجه الجميل؟ لقد ذكر حاله وبين أن فراق من يحب عظيم، أمر جلل، شديد الوقع على نفسه، تأملوا:
نظري إلى وجه الحبيب نعيمُ ... وبعاد من أهوى عليّ عظـيمُ
هذا البيت الرائع اختلف الرواة على صاحبه، والرأي الراجح أن صاحبه أبو فراس الحمداني ولا أجزم بذلك، ومن ضمن هذا البيت ثلاثة أبيات هي:
يازارع الريحان حول خيامنا
لاتزرع الريحان لست مقيمُ
ما كل من ذاق الهوى عرف الهوى
ولا كل من شرب المُدام نديم
ولا كل من طلب السعادة نالها
ولا كل من قرأ الكتاب فهيمُ
وهي أبيات فيها من الحكمة الشيء الكثير، فهل كل من دخل الهوى يعرف معنى الهوى؟ ليس بالضرورة ان يكون كذلك، وحتى ندماء الخمر فيهم من يسرك وفيهم من يضرك، ربما لعبت الخمر برأس هذا النديم وأساء إليك بلسانه أو بيده، وأيضاً ليس كل من قرأ كتاباً استوعبه ووصف بالفهم والذكاء، وإن كانت هذه الأبيات لأبي فراس فهو الأمير الفارس الشجاع الحارث بن سعيد بن حمدان بن حمدون التغلبي الربعي أمير مدينة منبج في الشام، وهو من أسرة عربية كان لها شأن عظيم في القرن الرابع الهجريي، حيث بسطوا سلطانهم على شمال سوريا، عاش أبو فراس في كنف ابن عمه سيف الدولة بحلب، لأن والده توفي وهو في سنين عمره الأولى، حتى أصبح فارساً شاعراً شارك في الحروب ضد الروم، وفي السلم يشارك في مجالس الأدب، ولد هذا الأمير عام 320 هـ في خلافة أبو منصور القاهر بالله محمد بن أحمد المعتضد الخليفة التاسع عشر في الدولة العباسية، واشتهر شهرة واسعة، وأسره الروم أكثر من مرة، وأشهر قصائده «أراك عصي الدمع» والتي يقول فيها:
أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ 
أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ؟
بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة ٌ  
ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ !
إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى 
وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ
تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بينَ جَوَانِحِي 
إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَة ُ والفِكْرُ
معللتي بالوصلِ ، والموتُ دونهُ  
إذا مِتّ ظَمْآناً فَلا نَزَل القَطْرُ!
حفظتُ وضيعتِ المودة َ بيننا 
وأحسنَ ، منْ بعضِ الوفاءِ لكِ، العذرُ

السبت, 05 أغسطس 2017

صباح الخير يا عرب «2-2»

صباح الخير يا عرب، هذه الرسالة العجيبة ذكرتني برسالة بعث بها ملك الروم نقفور الأول إلى هارون الرشيد يقول فيها: من نقفور ملك الروم إلى ملك العرب، أما بعد: فإن الملكة التي كانت قبلي إيريني، اقامتك مقام الرخ «طائر خرافي يعرف بالقوة» وأقامت نفسها مقام البيدق «الضعيف» فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أضعافه لها، لكن ذلك لضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا، فاردد ما حصل لك من أموالها، وافتد نفسك بما تقع به المصادر لك، وإلا السيف بيننا وبينك. «صباح الخير يا عرب» ماذا رد هارون الرشيد، رسالة شديدة الايجاز واضحة، من هارون الرشيد، إلى نقفور كلب الروم، قد قرآت كتابك يابن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه، ثم سار إليه هارون الرشيد بجيشه ولقنه درساً لا ينساه ودفع الجزية صاغراً، «صباح الخير يا عرب» عندما صرخت مسلمة في عمورية «وامعتصماه» وجاء خبرها إلى المعتصم وقف ونادى بأعلى صوته: لبيك لبيك، ثم كتب إلى ملك الروم رسالة يقول فيها: من أمير المؤمنين إلى كلب الروم، أخرج المرأة المسلمة من السجن وإلا اتيتك بجيش أوله في عمورية وآخره في بغداد، فلم يستجب له ملك الروم، فسار إليه المعتصم وخرب مدينة عمورية وأطلق سراح  المرأة وكسر الروم كسرة هائلة، وأحضر المرأة وسألها: هل أجابك المعتصم؟ قالت نعم، «صباح الخير يا أبناء عدنان وأبناء قحطان» وإليكم رسالة سيف الله. خالد بن الوليد إلى الفرس: من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس، أما بعد، فالحمد لله الذي جل نظامكم، ووهن كيدكم، فإذا أتاكم كتابي فأسلموا تسلموا، أو اعتقدوا منا الذمة، أجيبوا إلى الجزية، وإلا والله الذي لا إله إلا هو، كما ترغبون في الدنيا، «صباح الخير يا غرب» أين كنا وإلى أين وصلنا، وبعث الفونسو السادس إلى السلطان يوسف بن تاشفين برسالة يتوعده فيها، فكتب السلطان يوسف له: أما بعد فإن الجواب ما تراه بعينك لا ما تسمعه بإذنك، والسلام على من اتبع الهدى:
ولا كتب إلا المشرفية والقنا.. ولا رسل إلا بالخمسي العرموم
ثم كانت معركة الزلاقة، فسحن الفونسو السادس وجيشه ولاذ بالفرار بعد ان كاد أن يقتل، وفي النهاية لن أقول لأبناء جلدتي صباح الخير يا عرب، ولكن عمتم صباحاً.
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله،

الخميس, 03 أغسطس 2017

صباح الخير يا عرب «1-2»

صباح الخير يا عرب لمن يقرأ هذه المقالة صباحاً، ومن يقرأها مساء من أبناء يعرب أقول له مساء الخير، إليكم هذه الرسالة الخطية التي بعث بها ملك انكلترا والسويد والنرويج والغال جورج الثاني، إلى الخليفة ملك المسلمين في مملكة الأندلس، صاحب العظمة: هشام الثالث، الجليل المقام، بعد التعظيم والتوقير، فقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم، لنشر أنوار العلم في بلادنا، التي يسودها الجهل من أربعة أركان، ولقد وضعنا ابنة شقيقنا «درباند» على رأس البعثة من بنات أشراف الانكليز، تتشرف بلثم أهداب العرش، والتماس العطف لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم، وحماية الحاشية الكريمة، وحدب من اللواتي سيتوافرون على تعليمهن، ولقد أرفقت مع الأميرة الصغيرة هدية متواضعة لمقامكم الجليل، أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب والاخلاص، «من خادمكم المطيع جورج ملك انكلترا» فرد عليه هشام الثالث جواب رسالته كالتالي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه سيد المرسلين وبعد، اطلعت على التماسكم فوافقت على طلبكم بعد استشارة من يعنيهم الأمر من أرباب الشأن، وعليه نعلمكم أنه سوف ينفق على هذه البعثة من بيت مال المسلمين، دلالة على مودتنا لشخصكم الملكي، أما هديتكم فقد تلقيتها بسرور زائد، وبالمقابل أبعث لكم بغالي الطنافس الأندلسية، وهو من صنع أبنائنا، هدية لحضرتكم وفيها المغزى الكافي للتدليل على التفاتنا ومحبتنا والسلام، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ديار الأندلس هشام الثالث. «المصدر: كتاب الاستذكار لابن عبدالبر» صباح الخير يا عرب، كيف كان حالنا وأين وصلنا، وإلى أين نحن سائرون، ملك على أربع دول غربية يذيل رسالته بخادمك المطيع لملك الأندلس، ولمن لا يعرف بلاد الغال فهي جزء كبير من فرنسا، ولمن لا يعرف هشام الثالث فهو آخر الحكام الأمويين في الأندلس، ولقبه المعتد بالله هشام بن محمد بن عبدالله بن عبدالرحمن الناصر لدين الله بن محمد بن عبدالله بن محمد بن عبدالرحمن بن الحكم بن هشام بن عبدالرحمن الداخل بن معاوية بن هاشم بن عبدالملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمش بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، حكم الأندلس من 1026 الى 1031م.

الصفحة 1 من 32