جريدة الشاهد اليومية

مشعل السعيد

مشعل السعيد

وكذلك قوله:
ملك الغرام عنانيه
فاليوم طال عنائيه
من لي بقلب أشتريه
من القلوب القاسية
وإليك يا ملك الملاح
وقفت أشكو حاليه
مولاي يا قلبي العزيز
ويا حياتي الغالية
عرف البهاء زهير بنبل الأخلاق وحميد الخصال والوفاء، ذكره قاضي القضاة ابن خلكان في الجزء الثاني من سلسلة: وفيات الأعيان، قال: أبو الفضل الكاتب الشهير زهير بن محمد بن علي بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن منصور بن عاصم المهلبي العتكي، من فضلاء عصره، وأحسنهم نظماً وخطاً ونثراً، ومن أكبرهم مروءة، اجتمعت به في القاهرة، ورأيته فوق ما سمعت به من مكارم الأخلاق وكثرة الرياضة، ودماثة السجايا، وهو القائل:
كيف خلاصي من هوى
مازج روحي واختلط
وتائه، أقبض في
حبي له وما انبسط
يا بدر إن رمت به
تشبها رمت شطط
قام بعذري وجهه
عند عذولي وبسط
لله، أي قلم
لواو ذاك الصدغ خط
وياله من عجب
في خده كيف نقط
يمر بي ملتفتا
فهل رأيت الظبي قط
ما فيه من عيب سوى
فتور عينيه فقط
يا قمر السعد الذي
نجمي لديه هبط
يا مانعي حلو الرضا
ومانحي مر السخط
حاشاك أن ترضى بأن
أموت في الحب غلط
ثم وقع بالقاهرة، ومصر وباء عظيم، لم يكد يسلم منه أحد، وكان حدوثه يوم الخميس الرابع والعشرين من شوال سنة ست وخمسين وستمئة للهجرة، وكان البهاء زهير ممن مسه منه ألم، فأقام أياماً ثم توفي قبيل المغرب يوم الأحد رابع ذي القعدة من السنة المذكورة، ودفن من الغد بعد صلاة الظهر بالقرافة الصغرى بتربته بالقرب من قبة الإمام الشافعي رضي الله عنه، في جهتها القبلية، وهذا العام الذي توفي فيه البهاء زهير هو عام سقوط الدولة العباسية وقتل الخليفة عبدالله المستعصم بالله، أما مخدومه فهو السلطان الملك الصالح نجم الدين ابن السلطان الملك الكامل محمد بن السلطان الملك العادل أبي بكر محمد بن أيوب، ولد سنة 603 هـ، ذكر أنه كان مهيبا عالي الهمة، عفيفا طاهر اللسان والذيل، شديد الوقار، كثير الصمت، ومن زوجاته الملكة شجرة الدر، له اليد الطولى في جهاد الحملات الصليبية، وقد أعاد تحرير القدس بعد استيلاء الفرنجة عليها، وفي 15 شعبان سنة 647 هـ، والحرب دائرة بين المسلمين والصليبيين، توفي السلطان الصالح أيوب وهو في الرابعة والأربعين من عمره تاركاً البلاد بلا حاكم، بعد أن حكمها تسع سنين وثمانية أشهر وعشرين يوماً، ومن حسن طالعه أن المسلمين فلوا جموع الصليبيين وهزموهم، ودفن الصالح أيوب يوم الجمعة 27 رجب سنة 648 هـ، في عهد السلطان عز الدين أيبك.
أكتفي بهذ القدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

سؤال أطرحه على الجميع: هل يستطيع المرء تحمل الفراق والوجد والاشتياق واللوعة معاً؟ هذا السؤال يقبل الإجابة بنعم والاجابة بلا، لان قدرة الإنسان تختلف من شخص إلى آخر، دعونا نتعرف على معاني هذه الكلمات كل كلمة على حدة، وأبدأ بكلمة الفراق، وما أكثر من يشتكي منه، الفراق أيها الأحبة يعني البعد، والنوى وللبعد وقع شديد في قلوب المحبين، وألم في نفوسهم، أما الوجد فهو الحزن والتحرق واللهفة والشغف لرؤية الأحباب، والاشتياق ورغبتك الشديدة في لقاء من تحب، أما اللوعة فهي حرقة في داخل الإنسان سببها الحب، صاحب هذا البيت البهاء زهير رحمه الله تعالى جعلنا نتحسس معاناته ونشعر لشعوره في تصوير بليغ.
دعونا نتعرف على هذا الشاعر فهو: بهاء الدين زهير بن محمد بن علي المهلبي الأزدي، يرتقي نسبه الى القائد الإسلامي الكبير المهلب بن أبي صفرة، شاعر مبدع وكاتب مجيد، من أهل مصر المحروسة، إلا أن ولادته كانت بالقرب من مكة المكرمة بوادي نخلة 581 هـ فكانت طفولته وشطر من أيام صباه في أم القرى بلد الله الحرام، حيث تلقى تعليمه فيها، وبرع في الحديث والأدب، وظهرت براعته الشعرية في سن مبكرة، هاجر إلى مصر واستقر بمدينة «قوص» وكانت من أعظم مدن صعيد مصر في تلك الأيام، فعمل كاتباً وبدأ بنظم القصائد، وانتقل إلى القاهرة عام 619 هـ، وهناك اتصل بالملك الأيوبي الصالح نجم الدين «637-647 هـ» فحظي عنده، وأعجب به، فولاه ديوان الإنشاء، وهي وظيفة مرموقة في الدولة الأيوبية، ثم أصبح البهاء زهير بعد ذلك أشهر شعراء عصره ومن قصائده الجميلة قوله:
ترى هل علمتم ما لقيت من البعد
لقد جل ما أخفيه منكم وما أبدي
فراق ووجد واشتياق ولوعة
تعددت البلوى على واحد فرد
رعى الله أياماً تقضت بقربكم
كأني بها قد كنت في جنة الخلد
هبوني امراً قد كنت بالبين جاهلاً
أما كان فيكم من هداني إلى الرشد
وكنت لكم عبداً وللعبد حرمة
فما بالكم ضيعتم حرمة العبد
وما بال كتبي لا يرد جوابها
فهل أكرمت ان لا تقابل بالرد
فأين حلاوات الرسائل بيننا
وأين أمارات المحبة والود
وما لي ذنب يستحق عقوبة
ويا ليتها كانت بشيء سوى الصد
ويا ليت عندي كل يوم رسولكم
فاسكنه عيني وافرشه خدي
وإني لأرعاكم على كل حالة
وحقكم أنتم أعز الورى عندي
عليكم سلام الله والبعد بيننا
وبالرغم مني أن أسلم من بعد
وهو صاحب الأبيات الشهيرة المغناة:
دعوا الوشاة وما قالوا وما نقلوا
بيني وبينكم ما ليس ينفصل
لكم سرائر في قلبي مخبأة
لا الكتب تنفعني فيها ولا الرسل
رسائل الشوق عندي لو بعثت بها
إليكم لم تسعها الطرق والسبل
يتبع

دعونا نتعرف على صاحب هذين البيتين الدارجين، هو ناصح الدين أبوبكر أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني، قاضي مدينة تستر ولد عام 460هـ، في خلافة أمير المؤمنين القائم بأمر الله أبوجعفر أحمد بن القادر الخليفة العباسي الثامن والعشرين (422ـ467هـ) وكان أبوبكر الأرجاني حامل لواء الشعر في وقته حتى عد شاعر عصره، مدح أمير المؤمنين المترشد بالله الفضل بن المستظهر «512ـ529هـ» وأرجان المنسوب لها القاضي بلد في الأهواز وهو في الأصل شيرازي، قال ابن خلكان: يعود أصله الى قبيلة الأوس الأنصارية وأثنى عليه العماد في خريدة العصر، وذكره صاحب الوافي في الوفيات، وقال: كان أحد أفاضل الزمان، لطيف العبارة غواصاً على المعاني، له ديوان شعر كبير، وهو القائل:
أنا أشعر الفقهاء غير مدافع
في العصر، أو أنا أفقه الشعراء
شعري اذا ما قلت دونه الورى
الطبع لا بتكلف الألقاء
كالصوت في قلل الجبال اذا علا
للسمع هاج تجاوب الأصدقاء
وكان أبوبكر الأرجاني متبرماً من عمله كقاض وفي ذلك يقول:
ومن النوائب أنني
في مثل هذا الشغل نائب
ومن العجائب أن لي
صبراً على هذي العجايب
وقال في الخال وأبدع:
تأمل تحت ذاك الصدغ خالا
لتعلم كم خبايا في الزوايا
وفي الصاحب يقول:
أحب المرء ظاهره جميل
لصاحبه وباطنه سليم
مودته تدوم لكل هول
وهل كل مودته تدوم؟
ومن جميل أشعاره قوله:
دع العين مني تسكب الدمع أو تفنى
فليس لعين لا أراك بها معنى
حرام عليها ان رأيت بها الورى
ولم تك فيهم ان أجف لها جفنا
لا محو سواد العين بعدك مثلما
محا المرء يوما من صحيفته لحنا
لقد سرقت كف الردى لي درة
أطال لها الأعزاز في مقلتي خزنا
فصيرتها بحرا من الدمع بعدها
لعلي بطول الغوص لقى بها خدنا
وهيهات ما بحر البكاء بمعدن
فمن أين تأميل اعتياضي ومن أنى
ومدينة أرجان المنسوب لها القاضي مدينة تاريخية مندثرة موقعها بين الأحواز وفارس، وتسمى أحيانا في بعض المصادر «أبرمقباذ» أو «أبزقباذ» نسبة لبانيها الملك الساساني «قباذ بن فيروز» وقد فتحت في العصر الاسلامي على يد الصاحبي الجليل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، عام 27هـ في خلافة سيدنا عثمان بن عفان، وقد فتحت صلحاً على الجزية والخراج، وقد اندثرت هذه المدينة في المئة الثامنة للهجرة، وقام مقامها مدينة: بهبهان في مدينة الأهواز على ساحل الخليج العربي، توفي القاضي ناصح الدين الأرجاني في مدينة تستر عام 544هـ، عن عمر ناهز الرابعة والثمانين عاما، في خلافة أبوعبدالله محمد المقتفي لأمر الله بن أحمد المستظهر بالله الخليفة 31 في سلسلة خلفاء الدولة العباسية «530ـ555هـ».
اكتفي بهذا القدر...
دمتم سالمين، وفي أمان الله...

تعرف الشورى بأنها طلب الرأي ممن هو أهل له، وهي أصل من الأصول الأولى للنظام السياسي، ولا تشاور إلا أهل العلم والأمانة والعقل والدين، وقد حث الإسلام على أخذ الرأي، اقرأ ان شئت قول المولى عز وجل: «فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين» الآية 159 - سورة آل عمران.
إذاً فالتشاور في الأمر لا يأتي إلا بالخير، ولأهمية الشورى في المجتمع الاسلامي وردت عشر مرات في القرآن الكريم، الموضع الأول الآية التي ذكرتها لكم، والموضع الثاني، الآية 38 من سورة الشورى، والموضع الثالث، الآية 33 من سورة البقرة، والموضع الرابع، الآية 62 من سورة النور، والموضع الخامس، في سورة يوسف عليه السلام من الآية 8 إلى 10 ثم الآية 15، والموضع السادس، سورة النمل الآية 32، والموضع السابع، سورة الأعراف، الآيات «109 - 110 - 111»، والموضع الثامن سورة الأنفال الآية 30، والموضع التاسع، سورة يوسف، الآية 43، وأخيراً الموضع العاشر في سورة طه، الآية 62.
رأيتم أيها الأحبة كم هي الشورى مهمة في الاسلام، فهي لا تأتي إلا بالخير، ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة، كان كثيراً ما يشاور أصحابه كبيرهم وصغيرهم، وقد شاورهم قبل معركة الخندق وأشار عليه سلمان الفارسي ببناء خندق وأخذ برأيه، وقد تسابق الشعراء على ذكر الشورى في أشعارهم، ومن أفضل ما قيل في هذا الجانب قول القاضي الجليل أبوبكر الأرجاني:
شاور سواك إذا نابتك نائبة
يوماً وان كنت من أهل المشورات
فالعين تنظر منها ما دنا ونأى
ولا ترى نفسها إلا بمرآة
هو يقول شاور غيرك اذا نزلت بك نازلة أو مصيبة، حتى وان كنت ذا رأي صائب، فربما غاب عنك الرأي، وضرب مثلا جميلاً، حيث قال ان العين ترى القريب والبعيد، إلا انها لا ترى نفسها إلا من خلال مرآة، والمرآة هنا تعني الأخذ بالرأي والمشورة.

جاء بعد هذا الإمام الشاعر صفي الدين الحلي أبو المحاسن عبدالعزيز بن سرايا بن نصر الطائفي «677 هـ- 752 هـ» فقال مستخدماً البيت المشار إليه في البداية:
شمس النهار بحسن وجهك تقسم
إن الملاحة من جمالك تقسم
جمعت لبهجتك المحاسن كلها
والحسن في كل الأنام مقسم
أنت المراد، وسيف لحظك قاتلي
لكن فمي عن شرح حالي ملجم
تشكو تفرقنا وأنت جنيته
ومن العجائب ظالم يتظلم
وتقول أنت بعذر بعدي عالم
الله يعلم أنني لا أعلم
فتراك تدري أن حبك متلفي
لكنني أخفي هواك وأكتم
«إن كنت ما تدري، فتلك مصيبة
أو كنت تدري فالمصيبة أعظم»
وربما سأل بعض عن سبب تسمية ابن القيم بهذا الاسم وكذلك ابن الجوزية، والسبب أن والده كان قيما على المدرسة الجوزية بدمشق، ولابن القيم أقوال مأثورة منها:
للعبد ستر بينه وبين الله، وستر بينه وبين الناس، فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله، هتك الله الستر الذي بينه وبين الناس.
إضاعة الوقت أشد من الموت، لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله، والدار الآخرة، والموت يقطعك من الدنيا وأهلها.
أما شيخه وأستاذه ابن تيمية فهو الإمام والعلامة والمفتي والخطيب البارع عالم حران فخر الدين محمد بن أبي القاسم الخضر بن علي بن عبدالله بن تيمية، الحنبلي، ولد في شعبان سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة من الهجرة، وهو من بني نمير بن عامر.
وتعد أسرته من الأسر المشهورة بالعلم، كان أبوه عالماً محدثاً، وابن تيمية مشهوراً في وقته بلقب: شيخ الإسلام، أما عصره الذي عاش فيه، فكان عصر قلاقل لأن خطر التتر داهم من كل ناحية، تعرض لأربع محن في حياته الأولى عام 705 هـ والثانية عام 707 هـ، والثالثة عام 718 هـ، والرابعة عام 726 هـ، كلها يسجن به ثم يطلق سراحه، ذكر عنه شجاعة وبسالة وشدة، ولم يتزوج، ولم يكن له مال، توفي شيخ الإسلام ابن تيمية في ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة للهجرة.
ومن قصائده الجميلة قوله:
يا سائلي عن مذهبي وعقيدتي
رزق الهدى من للهداية يسأل
اسمع كلام محقق في قوله
لا ينثني عنه ولا يتبدل
حب الصحابة كلهم لي مذهب
ومودة القربى بها أتوسل
يذكر أنه سجن في القلعة بدمشق، بعد أن وشي به بعض علماء السوء، فكان سجنه فاتحة خير عليه زاد حب الناس له وأقام في سجنه صلاة الجمعة ولم تكن تقام قبل ذلك، ودعا إلى الله تعالى، وكان قد وجد المحابيس منشغلين باللعب واللهو كالشطرنج والنرد، ولم يكونوا يؤدون الصلوات، فأنكر ابن تيمية عليهم ذلك أشد الإنكار، وحثهم على الصلاة والتوجه إلى الله بالأعمال الصالحة، والتسبيح والاستغفار والدعاء، ورغبهم في فعل الخير حتى صار السجن مكانا لذكر الله والاشتغال بالعلم، وقد أفرج عن بعضهم ورفض الخروج وظل ملازما لابن تيمية إلى أن خلصه الله.
ولما توفي صلى عليه 500 ألف إنسان رحمه الله تعالى.
اكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

شمس الدين ابن القيم الجوزية هو صاحب هذا البيت الذي حاز إعجاب الناس، وحلا لهم ترديده بين الفينة والأخرى، والمعنى الواضح لهذا البيت أنه: إن كنت لا تعلم بهذا الأمر الشديد الأهمية لك فهي مصيبة!! والمصيبة تعني كل مكروه يحل بالإنسان، وإن كنت تعلم بهذا الأمر المهم ولا تعيره اهتمامك فلاشك ان الأمر أشد وأدهى، هذا البيت مثل سائر وصاحبه من الأئمة المشهورين، فهو: أبو عبدالله محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز بن مكي زيد الدين الزرعي، نسبة لبلدة زرع جنوب سوريا، ثم الدمشقي الحنبلي، ولد عام 691 هـ وتوفي عام 751 هـ، من علماء المسلمين في القرن الثامن الهجري وله العديد من المؤلفات، عاش في دمشق، وتتلمذ على يد ابن تيمية، ولازمه ست عشرة سنة، وتأثر به، سجن مع ابن تيمية، وخرج بعد وفاته عام 728 هـ، عرف بشدة صلاحه وتعبده وتهجده وطول صلاته إلى الغاية القصوى، كثير الاستغفار والانكسار لله تعالى، لم ير مثله في أيامه، كما كان على علم واسع بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان، ثم امتحن بعد ذلك وتعرض للأذى وسجن، ثم لما خرج من سجنه جاور بمكة المكرمة شرفها الله، ذكره ابن كثير الدمشقي وقال: لا أعرف في هذا العالم بزماننا أكثر عبادة منه، كان له طريقة في الصلاة يطيلها جداً.
وقال في حقه ابن حجر العسقلاني: كان إذا صلى الصبح جلس مكانه يذكر الله حتى يتعالى النهار ويقول: هذه غدوتي لو لم أفعلها سقطت قواي، ولابن الجوزية 98 مؤلفا منها: أحكام أهل الذمة، الروح، بدائع الفوائد، التبيان في أقسام القرآن، زاد المعاد في هدي خير العباد، الطب النبوي وغيرها الكثير، أما بيته المشار إليه فهو ضمن أبيات كثيرة كلها وعظ وارشاد وحكمه بدأها بقوله رحمه الله تعالى:
وصم يومك الأدنى لعلك في غد
تفوز بعيد الفطر والناس نوم
وهي أبيات رائعة يتشوق بها إلى بيت الله الحرام ويصف من خلالها مناسك الحج ومنظر الحجيج، ثم يصف بعد ذلك انتفاضة البعث، وسبيل النجاة من عذاب الله، ثم يصف تجلى الله تعالى لأهل الجنة «اللهم اجعلنا منهم» بقوله:
سلام عليكم يسمعون جميعهم
بأذانهم تسليمه إذ يسلم
يقول سلوني ما اشتهيتم فكل ما
تريدون عندي إنني أنا أرحم

يتبع

فطلبه أمير العراق الحجاج بن يوسف الثقفي فهرب منه وهو القائل في الحجاج:
أسد علي وفي الحروب نعامة
ربداء تجفل من صفير الصافر
هلا برزت إلى غزالة في الوغي
بل كان قلبك في جناحي طائر
صدعت غزالة قلبه بفوارس
تركت منابره كأمس الدابر
الق السلاح وخذ وشاحي معصر
واعمد لمنزله الجبان الكافر
ويعد عمران بن حطان من أشهر شعراء الشراة ودعاتهم المقدمين في مذهبهم ولكبر سنه ضعف عن القتال فكان يحرض الشراة بلسانه والشراة فرقة من فرق الخوارج سموا بذلك لقولهم: «شرينا «بعنا» انفسنا بالجنة في طاعة الله، حين فارقنا الجماعة الظالمة أما قصة أبيات عمران بن حطان الأخيرة التي عبر بها الحجاج، فقد ذكر ثقاة الرواة ان غزالة الشيبانية زوجة أمير الخوارج شبيب بن يزيد الشيباني أقسمت بالله تعالى لتدخلن الكوفة معقل الحجاج بن يوسف ومركز قوته ثم لتصلين في مسجد الكوفة ركعتين تقرأ بالأولى البقرة وفي الثانية آل عمران وكانت على جانب عظيم من الفروسية والشجاعة والإقدام فاقتحم زوجها شبيب الكوفة وهي معه في سبعين فارساً ومعه أمه جهيزة فهرب الحجاج إلى قصره وتحصن به، فدخلت غزالة مسجد الكوفة ووفت بنذرها وفيها يقول أحد شعراء الكوفة:
وفت الغزالة نذرها
يارب لا تغفر لها
أما عمران بن حطان فقد هرب إلى الشام والتجأ إلى روح بن زنباع الجذامي متخفياً فأجاره على أنه رجل من الأزد ثم ذكره روح لعبدالملك بن مروان وأثنى على فهمه وأدبه، فطلبه عبدالملك ليكون من سماره فهرب إلى عمان وترك رسالة يقول في بعضها:
يا روح كم من كريم قد نزلت به
قد ظن ظنك من لخم وغسان
حتى اذا خفته زايلت منزله
من بعد ما قيل عمران بن حطان
قد كنت ضيفك حولا ما تروعني
فيه طوارق من أنس ولا جان
حتى أردت بي العظمى فاوحشني
ما يوحش الناس من خوف ابن مروان
لو كنت مستغفراً يوماً لطاغية
كنت المقدم في سري وإعلاني
أكتفي بهذا القدر..
دمتم سالمين، وفي أمان الله.

الحياة نقيض الموت وهي بقاء الكائنات بروحها وعمر المرء في هذه الدنيا، ما أشد حرص المرء على الحياة وكأنه مخلد، ينسى أن الموت له بالمرصاد.. بهرجة الدنيا وزينتها تنسينا مالنا «ولتجدنهم أحرص الناس على حياة، ومن الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون» «البقرة 96».
أما البيت عنوان الموضوع فهو من الأبيات المشهورة:
لقد زاد الحياة إلى حبا
بناتي إنهن من الضعاف
هذا البيت واضح المعالم، سهل المأخذ لا يحتاج إلى كثير تفسير، صاحبه أحب الحياة وتعلق بها لا لزخرفها الزائل وانما لمحبته لبناته الضعاف اللاتي لا حول لهن ولا قوة، وماذا يقول أيضاً:
أحاذر أن يرين الفقر بعدي
وأن يشربن رنقا بعد صاف
وان يعرين إن كسي الجواري
فتنبو العين عن كرم عجاف
هو شديد الخوف على بناته من العالة وشظف العيش والماء الكدر ربما لا يجدن ما يلبسنه ويكتسين به كغيرهن من الفتيات لعدم وجوده بينهن حتى أن العين تحتقرهن وتنظر إليهن نظرة إزدراء لتغير حالهم إلى الأسوأ لكل ما ذكرت لكم لا يستطيع ان يتركهن وهو شديد المحبة لبناته ولولا هذه الأسباب ما تراه فاعلاً؟ هو يقول:
ولولا ذاك قد سومت مهري
وفي الرحمن للضعفاء كاف
اتضح لنا ما سيفعله هذا الشاعر لولا بناته، سيرسل مهره وهو على ظهره واضعاً له علامة ليعرف به ويقاتل عليه.
أيها الأحبة عندما يبدأ الرجل كلامه أو شعره بلولا ذاك وذياك لفعلت وفعلت اجزموا بأنه جبان، فكل ما ذكره اعذار واهية لا تبرر تقاعسه عن القتال، خصوصا اذا كان هذا الرجل خارجياً، فالخوارج لا يفكرون بزعمهم إلا بالشهادة لا يفكرون لا ببنات ولا بنين، وهو خارجي حروري لم يمنعه من الخروج مع من هو على شاكلته إلا خوفه من صليل السيوف وتقصف الرماح، صاحب هذه الأبيات رأس الخوارج «القعدة» في وقته «عمران بن حطان بن ظبيان السدوسي الشيباني الوائلي البصري «توفي 84 هجرية» والقعدة من الخوارج يجيزون القعود عن الحرب، كان في بدايته من أهل السنة والجماعة حافظاً لحديث رسول الله «صلى الله عليه وسلم» تزوج بامرأة خارجية زاعماً أنه سيردها عن رأيها إلى رأيها وكانت في غاية الجمال فعدلت به عن رأيه إلى رأيها لشدة حبه لها والله في خلقه شؤون.
يتبع

تزوج الرجل عفراء وارتحل بها إلى الشام وأصبح العم في حيرة من أمره!! ما الذي سيقوله لعروة حين يعود؟ فأرشدته أم عفراء إلى حيلة لتضليل عروة وهي أن يعمد إلى قبر عتيق فيجدده ويقول لابن أخيه إن عفراء ماتت وهذا قبرها وأن يسأل الحي كتمان أمر الزواج، عاد عروة فنعاها أبوها إليه وأراه قبرها ووافقه أبناء الحي، ودلوه على القبر فذهب الى القبر باكيا وهو يقول:
على كبدي من حب عفراء قرحة
وعيناي من وجد بها تكفان
فعفراء أرجى الناس عندي مودة
وعفراء عني المعرض المتوان
ثم مرض مرضا شديدا وأصابه الهزال فرثت لحاله جارية من الحي فأتته وأخبرته الخبر على وجهه فركب ناقته وتوجه الى منزل زوج عفراء ونزل ضيفا عليه وانتسب الى قبيلة أخرى ثم دفع خاتمه الى جارية عفراء وضعه في اناء اللبن فعرفته عفراء وشهقت ثم أخبرت زوجها ان ضيفه ابن عمها عروة فرحب به الزوج واكرمه وبالغ في احسانه وأذن له أن يتحدث مع عفراء وأوصى خادمة له ان تخبره بما يقولان، فاستمعت إليهما فإذا ما بينهما لا يعدو حبا شريفا عفيفا فذكرت ذلك لمولاها وعزم عروة على الرحيل وهو يعلم أن في رحيله موته وحاول زوج عفراء ثنيه عن عزمه ومن ضمن ما قاله له: إن شئت فارقت عفراء وتتزوجها فجزاه عروة خيرا فزوده وشيعه وسار عروة الى حتفه وهو يقول:
فيارب أنت المستعان على الذي
تحملت من عفراء منذ زمان
فآليت محيانا جميعا وليتنا
إذا نحن متنا ضمنا كفنان
ازداد مرض عروة، ثم حمل إلى عبدالله بن العباس رضي الله عنه ليدعو له عشية عرفة، فسأل الله له العافية ورق له ورحمه إلا انه امر قد قضي: «إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت، إن الله عليم خبير» 36 - لقمان. فلم يزل المرض يتزايد عليه حتى مات المسكين ولما وصل خبر وفاته إلى عفراء جزعت جزعا شديدا وطلبت من زوجها أن تذهب إلى قبره لتندبه وتبكيه فأذن لها فخرجت فأتت قبره وبكت بكاء شديدا وقالت:
ألا أيها الركب المحثون ويحكم
بحق نعيتم عروة بن حزام
فإن كان حقا ما تقولون فاعلموا
بأن قد نعيتم بدر كل ظلام
ثم وقعت على القبر ميتة فدفنوها إلى جانبه فصدق قول عروة بن حزام حينما قال:
وما عجبي موت المحبين في الهوى
ولكن بقاء العاشقين عجيب
وهي قصيدة من أجمل قصائد الحب العذري بدأها بقوله:
وإني لتعروني لذكراك رعدة
لها بين جسمي والعظام دبيب
أكتفي بهذا القدر.
دمتم سالمين وفي آمان الله

لا عجب أن نسمع ان محبا قتله العشق والهوى، فهذه نهاية كل عاشق، وهذا امر غير مستغرب، ولكن الأمر الغريب أن يعيش العاشق ولا يموت من أثر العشق عليه، لأن الحب أمر عظيم، تأثيره في جسد العاشق كتأثير السم البطيء الذي تكون نهايته الموت، هذا ما عناه هذا الشاعر العاشق في هذا البيت وهو عروة بن حزام بن مهاصر العذري الذي أحب ابنة عمه عفراء بنت عقال بن مهاصر، وقبيلة بني عذرة مشهورة بالعشق العفيف، حتى سمي العشق الطاهر الحب العذري وكذلك الغزل العذري. يروي أن رجلاً سأل رجلاً: ممن أنت؟ فقال: من قوم إذا أحبوا ماتوا!! فقالت جارية تسمعه: «عذري ورب الكعبة!!» وقال ابن قتيبة الدنيوري: «الجمال والعشق في عذرة كثير» وأشهر حب في بني عذرة حب عروة وعفراء، وهذه القصة في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، عاش عروة في حجر عمه «عقال» بعد ان توفي ابوه «حزام» وهو صغير، وكانت عفراء ترباً له، فألف كل واحد منهما الآخر، وكان العم يقول لعروة وهو يرى ذلك: عفراء لك وأنت لها، حتى كبرا على هذا التآلف الذي أصبح مع مرور الأيام حباً عظيماً، وفي ذلك يقول:
وحدثتني يا سعد عنها فزدتني
جنونا فزدني من حديثك يا سعد
هواها هوى لا يعرف القلب غيره
فليس له قبل وليس له بعد
ثم ذهب الى عمه، وخطب عفراء فسر العم بذلك وفرح لأنه كان يحب عروة، إلا أن النفس أمارة بالسوء، طلب العم مهرا لعفراء لا يقدر عليه عروة «ثمانين ناقة» فوافق العاشق رغم أنه لا يملك إلا ثمانياً، وطلب من عمه أن يمهله عامين حتى يجمع لها المهر، وافق العم وذهب عروة الى اليمن يرافقه صديقان له من بني هلال بن عامر عل وعسى أن يعود بمهر عفراء وفي ذلك يقول:
يكلفني عمي ثمانين ناقة
ومالي والرحمن غير ثمان
وأثناء سفر عروة نزل بحيه ثري من أثرياء «البلقاء» فرأى عفراء وكانت على قدر كبير من الجمال فأعجبته، وتقدم لخطبتها إلا أن أباها رفض ذلك لأنه اعطى عروة وعدا، فذهب الرجل إلى أم عفراء فوافقت لما علمت بثرائه، وألحت على زوجها بأن يقبل بالرجل فوافق عقال، رغم رفض عفراء التي قالت:
يا عرو إن الحي قد نقضوا
عهد الإله وحاولوا الغدرا
يتبع

الصفحة 1 من 35