جريدة الشاهد اليومية

أسامة سرايا

أسامة سرايا

السبت, 21 يناير 2017

استقبال رئيس ووداع رئيس

يحلو للكتاب العرب وصف الرئيس الاميركي بالامبراطور والرئيس الروسي بالقيصر رغم سقوط الامبراطورية وانسحاب القياصرة على اعتبار ما كان، برغم ان ما فيهما شيء من رائحة الماضي ولكن الاختزال عادة معيبة خاصة في ذاكرة العامة ونحن هنا لن نودع امبراطورا او نستقبل امبراطورا جديدا لاربع سنوات قادمة على أميركا والعالم.
ما اقصده هو ان ما بين وداع اوباما واستقبال القادم الجديد دونالد ترامب كنا امام حقبة انتهت سريعا ولم تسجل في التاريخ الانساني او السياسي او العالمي ما كانت تستحقه أو ما طمحت إليه أو ما كانت مؤهلة له، ما أقصده هو في وداع الرئيس باراك حسين أوباما، حيث كنا نتصور أن أميركا البيضاء والعنصرية في الماضي أفرزت أو ارادت أن تصالحنا فاختارت رئيسا لونه مثلنا أو من جلدتنا - نحن الأفارقة أو العرب أو شعوب العالم الفقير - وابن افريقي مسلم، هاجر وعاش منا الكثير وسط الأميركيين أو في العالم المتقدم وتزوج منهم فقلنا عنه - أقصد أوباما - أو تخيلنا أو ظن بعضنا في عالم الأوهام أن مانديللا الثاني ابن افريقيا صار على رأس الامبراطورية الأميركية العتيدة التي تؤثر في كل العالم وتقود الدنيا.
جلدته سوداء أو سمراء مزيج خمري ثمرة التزاوج بين الحضارتين الأميركية أو الغربية والافريقية، لكن الرجل الرئيس السابق أو الراحل آثر السلامة واختار أن يكون للاميركيين فقط ونسي تاريخه ولون بشرته وجيناته، واقتصر على ثقافته الكامنة أو تراثه الحضاري الكامن في جيناته واكتفى أن ينجح كرئيس أميركي ولا يدخل تاريخ الانسانية أو البشرية كعظيم، كان رئيسا فقط ومن هذه الزاوية فهو من أنجح رؤساء اميركا او انه خاف من الاميركيين فسار كما يريدون لا كما يريد، أراد ان يقول ان لون بشرته وثقافته وامتداد والده الحضاري والانساني وتعليمه لم تؤثر فيه ولم يتغير واقتصر ان يكون لاميركا ولاميركا فقط ومن هنا لم يقتل مثل كيندي ولم يتعرض لأي محاولات اغتيال واكمل مدة حكمه كاملة وان كان لم يسلم من الكراهية والبغضاء من البيض والعنصريين الاميركيين القدامى الذين عذبوا السود واضطهدوا البشرية من قبل، فكان رد فعلهم العلني قاسيا في توديع اوباما ولم يقدروا له أنه كان لهم فقط وانسلخ من جلده وتاريخه واهله ولم يكن لغيرهم او للعالم كما كنا نحن في الشرق وافريقيا نتصور ونظن، وخاب بالقطع ظننا في الرئيس المغادر وعرفنا ان الثقافة المكتسبة او الحضارة الاميركية قادرة على نسخ صاحبها وجعله صورة منهم مهما كان اصله او دينه وتغير صاحبها فينسى تاريخه وحضارته وثقافته وكل موروثاته ويكون كما اراد من انتخبوه ونصبوه امبراطورا او رئيسا عليهم.
ونحن في وداع اوباما لن نبكي عليه كثيرا لانه لم يكن منا بل كان علينا ولم ينصف اهله، بل رحل وترك خلفه سياسات عاجزة مهزومة وشرقا ممزقا وترك العالم وهو على أبواب حروب عنصرية وبغضاء وكراهية عصية قاتلة وكذب علينا وباع لنا الأوهام او الخطابات الرفيعة بانكليزية جميلة تعيش في العقول ولكنها لم تقل أو تفعل شيئا.
خاطبنا نحن العرب في جامعة القاهرة وقال ان عصرا جديداً يولد على يده وان الحلول قادمة وفلسطين في الطريق وترك الشرق العربي وهو يعاني في فلسطين أزمة وجودية خطيرة وترك في سوريا كارثة اخرى أقوى من سابقتها أو تعادل فلسطين بل وتتفوق عليها من حيث الخسائر والفظائع البشرية، ملايين السوريين مشردون والشعوب تبكي على سوريا والعراق والصراع محتدم بين العرب السنة والفرس الشيعة وبين السنة والسنة أو المعتدلين والدواعش، والخليج استأسد عليه وتعبث فيه السياسات التوسعية الايرانية وحال العرب في المشرق صعب وفي المغرب يقتربون والخليج تحت حالة الانتظار والحروب المحتدمة في اليمن والغليان في البحرين وهكذا الصورة صعبة في وداع الرئيس السابق.
أما الرئيس الجديد أو القادم ترامب فهو حالة جديدة علينا وعلى العالم بل على بلاده نفسها، فالأميركيون منقسمون حوله ولاول مرة في تاريخنا يستقبل الاميركيون رئيسهم أو امبراطورهم الجديد بمظاهرات حاشدة ورافضة والاعلام الاميركي يراه ظاهرة نشازا مرفوضة في تاريخه، واوروبا غاضبة وروسيا تتصور أنه حليفها وصديقها.
ترامب يعادي الحلفاء التقليديين ويحاول جذب المنافسين ويحولهم من اعداء الى حلفاء، رئيس صعب لم تنتخبه مؤسسة الحكم او النخب التقليدية بل جاء من مؤسسة الاعمال او التجار، يقولون عنه انه لا يخسر يريد ان يحول السياسة الى تجارة او صفقة رابحة فماذا سيفعل معنا؟ ماذا ستكون سياسته في الشرق؟ جاء بنظريات جديدة بلغ عداؤه للمتطرفين الاسلاميين ان يتهم الاسلام نفسه، كيف سيتعامل معنا؟ هل يؤجج الصراعات الاسلامية - الاسلامية او الفتن بين الاديان؟ أكبر مخاوفنا من الرئيس القادم أنه لا يدرك معنى السياسة ومتعصب وانفعالي وصعب المراس وصعب التنبؤ بسياساته ويغضب، بل وعفوي، سياساته مازالت كامنة في عقله ولكني لا اخفي اعجابي بمعاونيه، فقد اختار نائبا ممتازا للرئيس ووزيرين للخارجية والدفاع لا غبار عليهما يمتلكان قدرات سياسية وخبرات متميزة، والاهم لنا يعرفون الشرق الأوسط والمنطقة العربية وقادرون على ادارة دفة السياسة فيها وتلافي الاثار السلبية لـ «سياسات اوباما» التي دمرت ودحرت الشرق العربي واطلقت يد ايران في المنطقة العربية وتركت القيادة والريادة لروسيا بوتين بلا وعي او مشاركة! وقد تعوض ادارة ترامب مخاوفنا او انتظارنا لسياسات الرئيس الجديد.
وقبل ان انتهي من هذه الرسالة في وداع رئيس واستقبال الامبراطور الجديد اقول له احذر من نقل السفارة الاميركية من تل ابيب الى القدس فإنه عمل ليس سهلا وخطير لأنه يفتح افاقا للمتطرفين والارهابيين ان يتسيدوا او يسيطروا على الشرق الاوسط والعالم الاسلامي فيحولون الحرب الكامنة في فلسطين بين قوتين الى حرب دينية بين الاسلام واليهودية، وبدلا من خلق تعايش بين الاديان تنفجر المنطقة الى صراعات دينية لا قبل لأحد بها تفجر ما بقي في الشرق العربي او الاسلامي من تعايش.
اننا ندعو الى التعايش والتسامح بين الاديان في مهبط الاديان، سيادة الرئيس الامبراطور القادم اقرأ عن الاديان وعن الشرق الأوسط وصراعات الاديان قبل ان تتخذ القرار الخطير، هذا القرار ينتظره منك الدواعش وكل من يناصرهم او يتبنى افكارهم من المتطرفين من القاعدة والجماعات المتطرفة المتأسلمة.
ستقول جملا بسيطة ولكنها ستفجر صراعا عنيفا لا قبل لاحد به، تريث وعد الى الرشد واسأل المؤسسات السياسية في أوروبا واميركا والمؤسسات الامنية وتحر الدقة قبل ان تنزلق بنا وبالعالم الى هوة سحيقة لن يستطيع أحد أن يوقفها، إنها الشرارة التي تنتظرها القاعدة والدواعش ومن على شاكلتهما.


 

للتاريخ أحكامه، والتاريخ لا يعود بأحداثه، ولكن للتاريخ عبرا ودروسا، والذين لا يتعلمون من تاريخهم يفقدون الكثير ولا يتقدمون، فالأمم والشعوب كالأفراد تمر بها أحداث وملمات وكوارث والتعلم من التاريخ يعطي العبرة والحكمة عبر الزمن ما كشف عنه أخيرا الأرشيف الوطني البريطاني من وثائق سرية حملت مداولات الزعماء العرب عقب الكارثة المفزعة التي ارتكبها صدام حسين في حق العرب كلهم قبل أن تكون في حق الكويت عقب الاجتياح العراقي لها في 2 أغسطس 1990، لم تقدم رغم أهميتها التاريخية والتوثيقية جديدا للخبراء والمراقبين لهذا الحدث?الكبير، الذي شكل امتحانا لقدرة دولة وشعب الكويت على ادارة صراع سياسي وعسكري، بل وثقافي صنعت بعده نصرا غاليا استرد الوطن ثم عززت اللحمة والهوية الكويتية الخاصة لهذه الدولة العزيزة في مضمونها سواء خليجيا أو عربيا، وأعطي مثالا نادرا على قدرة أبناء الوطن وقيادته اذ تلاحما ضد هزيمة العدوان واعادة الوطن والدولة قوية بعد أن كانت في مهب ريح عاصف غادر مخيف، لم تكن تهدف فقط إلى اقتلاع الكويت من خلال عدوان غاصب واعتداء شقيق على شقيقه مستغلا ظروفا دقيقة وأوضاعا قلقة تمر بها المنطقة، بل كان في مضمونه ضرب كل البلاد العر?ية واعلان انهاء النظام العربي ككل وتقويضه لمصلحة زعامة فردية دكتاتورية غاشمة، بل جاهلة لا تجيد أي نوع من القراءات السياسية.
زعيم صور لها خياله أنه بمجرد أن دخل حربا مع إيران لمواجهة طموحاتها في العراق أو في المنطقة العربية والخليجية أن هذا يعطيه حقا في أن يفرض نفوذه ويوسع حكمه، أو ينصب نفسه امبراطورا جديدا ليس للعراق وحده ولكن للخليج، ان لم يكن للمنطقة العربية كلها.
وبدأ تطبيق خيالاته بالجار الأولى بالرعاية والحب أو الشقيق «الكويت» الذي لم يؤخر عنه شيئا، وكان سندا له في كل حروبه بل وشطحاته.
في تلك اللحظة الحساسة والدقيقة ليس في تاريخ دولة الكويت فقط انتفضت العقول الثلاثة القادرة في العالم العربي، الكويت ومصر والسعودية ليس لضرب العدوان وتحجيمه واعادة الكويت فقط إلى الصف العربي والعالمي عضوا فاعلا مؤثرا ذا دور ومكانة لا يمكن لأي مراقب أن يتجاهلها أو يقلل من شأنها، فالكويت تمارس الوزن والدور الكبير والمؤثر برغم كونها دولة صغيرة في محيطها الاقليمي والدولي ببصيرة، وأصبحت في عهدها الراهن رقما عربيا صعبا مؤثرا في مسار المنطقة واستقرارها بالكامل، تحتاج من العقول الراجحة استبصارها بدقة وتسليط الضوء عن?ما يصبح الدور كما يقولون في قراءة الأسلوب السهل الممتنع أو الصعب، ولكن حركة الدول الثلاث كانت من أجل حماية النظام العربي والمنطقة كلها من التوغل الصدامي وهزيمة الطموحات غير المشروعة، وكانت المقدمة من خلال تكوين تحالف اقليمي ودولي أعاد الكويت وأعاد الاستقرار للمنطقة كلها.
وادارة صراع بهذا الحجم والقوة ذكرني بحادثة أخرى في تاريخنا العربي كانت ما بين عامي 1967 و1973، في الأول كانت كارثة أو هزيمة صعبة لمصر وسوريا والأردن وفلسطين أو العرب كلهم بهزيمة قاسية احتلت فيها سيناء المصرية والجولان السورية وأراض أردنية وكل الأراضي الفلسطينية، ولكن ما بين التاريخين كانت هناك ادارة للصراع العسكري انتهت بانتصار وعبور القناة، وكان للتعاون العربي دور كبير في تحقيقها على أرض الواقع برغم الظروف العربية والعالمية  غير المواتية والدقيقة والصعبة، ولأن لحظة الهزيمة قاسية على الشعوب، لكنها على القا?ة يجب أن تكون أكثر من قاسية، فهي لحظة التوحد والعمل والمواجهة، ولذلك أتذكر لقاء القمة في الخرطوم  بعد هزيمة 67 بحضور قادة العرب الذين رفضوا الهزيمة وأعلوا من الشأن العربي، واتجهوا للتعاون والمواجهة، فصنعوا نصرا عزيزا ومؤزرا وتغلبوا على الكارثة أو النكسة، وللمشابهة بين الحدثين كان لقاء قمة القاهرة للزعماء العرب بعد كارثة صدام في الكويت الخطوة الأولى لتصحيح النكسة العربية الثانية، وصناعة نصر جديد للكويت والعرب على العدوان وتبعاته أدى إلى التحرير واعادة الاستقرار للمنطقة.
ولكن تظل زيارة التاريخ ضرورة وحتمية لأخذ العبر والاستدلال منها أو الاستبصار والتعلم من خلالها والتعرف على المسارات أو القدرة على صناعة النصر وتجاوز الخلافات، سواء كانت عميقة أو سطحية بين الدول والشعوب العربية، وأظن والحالة العربية الراهنة لا تسر أحدا أننا في حاجة إلى قمة جديدة لاعادة سوريا إلى الخريطة العربية لشعبها والمنطقة، وحماية العراق من الاحتلال وتقوية ظهره أمام الأطماع  من القوى العالمية أو الاقليمية المستغلة للظروف والتطورات العراقية الداخلية، وأخيرا مواجهة الإرهاب والتطرف والدواعش بكل أشكالهم المت?وعة والأهم لحماية مستقبل المنطقة والعالم العربي، وايجاد سياسة عربية موحدة للتعامل مع القوى الكبرى في عهدها الجديد «أميركا» والقوى الأخرى البازغة «روسيا»، والقوى الكامنة «أوروبا والصين».
ووحدة العرب في هذه اللحظة القاسية في التاريخ العربي والإسلامي ضرورية، فالإنسان في كل البلاد العربية  يشعر بالهزيمة والضياع بين قوى كبرى متربصة وقوى اقليمية «بازغة» وباحثة عن الدور والمكانة «تركيا وإيران» على حساب العرب وتاريخهم، وقد شرعتا سياسات وجيوشا وميليشيات لتكريس احتلال أو فرض النفوذ الإيراني والتركي في الشام «سوريا والعراق» ولبنان، مستغلين الظروف غير الطبيعية التي مرت بالبلدين، الأول بعد الثورة والثاني بعد الاحتلال الأميركي، والثالث بعد حرب أهلية وصراع طوائف وظهور حزب الله الإيراني.
أعود إلى الوثائق البريطانية التي كانت السبب في هذه الزيارة للتاريخ على أهميتها في كل الأحوال والتطورات، تتحدث الوثائق عن زيارة وزير الخارجية البريطانية في ذلك الوقت دوجلاس هبرد ولقاءاته مع عدد من الزعماء العرب خلال جولة في المنطقة ما بين 31 أغسطس و5 سبتمبر 1990، فهي تكشف الدول التي تحركت لحماية النظام العربي ولم تأبه لضغوط أو رشاوى حاكم العراق المغرور والجاهل صدام خلال تلك الفترة.
في الكويت هناك وضوح للرؤية لدى الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح أمير دولة الكويت حينها، والشيخ صباح الأحمد الصباح أمير دولة الكويت الحالي - وزير الخارجية وقتها- الذي خطط لادارة هذا الصراع الاستراتيجي بنجاح وكان له دور كبير في جهود تحرير البلاد حيث ان صدام حسين لن ينسحب من الكويت الا مرغما، ثم تحليله للمواقف العربية بدقة والاختلافات في الرؤى خاصة في البلدين «الأردن واليمن» اللذين كانا حليفين لصدام، وهذا ما تحقق بالضبط وعكس القراءة الصحيحة للأحداث، وكذلك ادراك أمير الكويت للدور الذي تلعبه الدول المترددة في ال?علان صراحة عن رفضها للعدوان الصدامي، كما حدث من الرئيس اليمني في ذلك الوقت علي عبدالله صالح، الذي كرس سياسته للتبرير والتخفيف من الحدث والتخويف من الردع، وكذلك الرؤية الصائبة للادارة الكويتية للتفريق بين الرئيس صالح ودوره المشبوه وبين موقف اليمنيين جميعهم سواء في الجنوب وكثير من القبائل الشمالية الذين يختلفون مع موقف صالح، وكذلك القراءة بين موقف الملك حسين عاهل الأردن وولي عهده الأمير حسن، وكيف كان موقف الأول متأثرا بصدام وطموحاته، وهو الموقف الذي ظل لغزا محيرا لدى الكثيرين في ذلك الوقت الصعب والدقيق في ال?اريخ العربي.
وكانت المعرفة الاستراتيجية لدولة الكويت والسعودية وراء حقيقة تلخصت في الوثائق البريطانية التي كشف عنها، كما قال سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي الراحل ان الحل غير المشروط واعادة الحكومة الشرعية إلى الكويت ورفض الحديث بأنه يجب أن يكون هناك حل عربي، وهذا الأمر جرب من قبل وأن دول الخليج والسعودية خاب أملهم بأقلية من الدول العربية أراحت الصداميين.
أما الدور المصري فقد كشفت عنه الوثائق في سرعة رد الفعل لدى الرئيس مبارك والحكومة المصرية في رفض العدوان والتصميم على انسحاب صدام، وكشفت الوثائق البريطانية مداولات صدام مع مبارك ومحاولة اغرائه بالمشاركة في العدوان عبر اسقاط الديون وكيف كان الدور المشبوه الذي لعبه علي عبدالله صالح الذي وصفه مبارك بأنه عميل لدى صدام، استخدمه لرشوة مبارك ومصر عبر ترك مبالغ مالية للرئيس والحكومة، وكشفت الوثائق أن العدوان لم يكن له هدف الا سرقة ثروة الكويت وشعبها، كما قال صدام لمبارك عندما رفض مبالغ الرشوة التي طرحها قائلا له هذ? الأموال ستحتاجها لاطعام شعبك، وأبلغ مبارك صدام باستعادة المبالغ التي تركها ولكنه أصر على تركها، قائلا انه سيكون لديهم الكثير من المال قريبا في اشارة صريحة إلى توقع صدام أنه سيجني أموالا ضخمة نتيجة اجتياحه الكويت وسيطرته على ثرواتها.
وكشفت الوثائق أن مبارك شن هجوما لاذعا على صدام قائلا ان الرئيس العراقي يكذب وانه أرسل جنوده لاحتلال الكويت بعد تأكيده أن جيشه بعيد أكثر من 70 كم عن حدود الكويت.
وهنا يجب الاشارة إلى أن الوثائق أعلنت أن موقف مصر لم يكن موقفا من الرئيس مبارك وحده، ولكنه كان موقفا مبدئيا من الشعب لرفض العدوان  وحماية النظام العربي، ولم تكن تلك هي المرة الأولى، فقد كان هناك موقف سابق في الستينيات عندما لوحت حكومات العراق بالعدوان على الكويت بالرفض المصري القاطع والتدخل الصريح لحماية الكويت من أي تغول عراقي، وهو ما كشف عنه الدور الذي لعبته في قمة القاهرة بتشكيل تحالف عربي أولا شاركت فيه مصر وسوريا ودول الخليج العربي كلها لمواجهة العدوان، وكان هذا التحالف النواة للتحالف الدولي لاعادة الاستقرار الاقليمي بعد عدوان صدامي غير أخلاقي وليس له أي تبرير الا العدوان والعبثية، والزيارة للتاريخ مفيدة لنعيد قراءة الواقع العربي وهو يخوض حربا جديدة اقليمية صعبة ضد التطرف والإرهاب الداخلي والتدخلات الاقليمية المعيبة في الشأن العربي.

أما حصاد العام المنقضي في مصر فهو استمرار الحرب القاسية على الإرهاب وانخراط الجيش فيها سواء على الحدود في سيناء، أو على الحدود الغربية المتاخمة لليبيا التي سقطت هي الأخرى في لجة الانهيار، وتتصارع داخلها 3 حكومات والفوضى والإرهاب القاتل في كل المجالات، والصورة أن العام الجديد لن يحمل لها مؤشرات مختلفة.
أما مصر فبجانب الإرهاب تطل أزمة اقتصادية واجتماعية بعد انهيار سعر الجنيه، بالاضافة إلى أزمة ومخاوف مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية تلازمها أزمة سابقة عليها مع قطر التي تقف مع الاخوان في صراعهم مع الدولة منذ تغيير عام 2013 وسقوط حكم الاخوان.
أما دول الخليج العربي فتظل الأقل تضررا بشكل مباشر من الانخراط في المشاكل التي نجمت عن الحرب الشاملة في المنطقة، بالرغم من الحرب في اليمن التي تلقي بظلال مخيفة على كل المنطقة، ولا يمكن فصل اليمن عن الخليج برغم عدم انضمامه لمجلس التعاون الخليجي، الذي ظل مؤسسة اقليمية مهمة لشعوبها برغم الضعف البادي على كل المؤسسات المناظرة له مثل الجامعة العربية، التي انضمت إلى الدول الفاشلة الكثيرة في المنطقة، والمتضررة من الكوارث والحروب والفوضى الناجمة عن أحداث ما عرف باسم الربيع العربي، التي وصلت إلى ذروتها مع نهاية هذا العام في سوريا والعراق واليمن وليبيا وحتى مصر ولبنان والبحرين وتونس، ومن قبلها الصومال الذي كدنا ننساه من كثرة المشاكل وتداعياتها.
أما أزمة فلسطين الوطن والشعب بالرغم من طغيان الأزمات والحروب واللاجئين الجدد في حلب والموصل وكل سوريا وليبيا الذين يهددون أوروبا ويغرقون يوميا في المتوسط، فقد كان للقضية الفلسطينية ومضة في الأمم المتحدة قبل نهاية العام في قرار مجلس الأمن برفض الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والأراضي المحتلة والقدس، وهو القرار الذي نجا من الفيتو الأميركي لتستفيد القضية العتيدة بأول قرار دولي يجرم ويرفض الاستيطان وسرقة أراضي الفلسطينيين بواسطة جحافل المستوطنين الذين يهددون حل الدولتين والسلام الاقليمي.
القرار الذي خرج من فم الرئيس الأميركي الجديد ترامب، والذي مرره أوباما في محاولة للتخفيف من جرائمه في حق المنطقة التي أشعلها نارا قبل رحيله في أسوأ سنوات وأضعف حالات الادارة الأميركية، التي يحسب عليها اشعال فتنة وحروب الطوائف في السنوات الأخيرة وأنهت 8 سنوات حكم وقد أطلقت يد إيران في العراق، وتركتها تسيطر على لبنان وتحارب في سوريا وتدعم الحوثيين في اليمن وتخلت عن حلفائها التقليديين مقابل اتفاق هزيل مع طهران ينهي عزلتها ولا يضمن تخليها عن التسلح النووي.
عام انقضى كله حروب لم تتوقف، ويبدو أنه يزرع لحروب قادمة لم تنته فيه برغم دخول الموصل، فهناك أزمة ما يعرف بدولة الدواعش أو الدولة الإسلامية التي تحشد جيشا جديدا يفوق الخمسين ألف مقاتل في ادلب، ويتحصنون في الرقة وأرياف سوريا أصبح لا يمكن دخولها برغم انتشار قواعد أميركية في سوريا والعراق وقتال إيران وتركيا، فالمسرح الحربي خطير بدون حل للطائفة الكبرى السنة التي تشعر أن العالم يحاربها أميركا وروسيا والقوى الإيرانية تتسارع بالدعاوى الطائفية المخيفة.
لذا يجب اصلاح الحال في العراق ووقف الحرب في سوريا ومنع إيران وتركيا من التدخل في شؤون المنطقة اذا كنا نريد الانقاذ في العام المقبل.
واصلاح الحال بين مصر ودول الخليج خاصة السعودية وقطر، ولجم التيارات الدينية بكل أشكالها عن ممارسة السياسة واصلاح ديني يوقف حرب الإرهاب ومواصلة التطرف بكل الأشكال الثقافية قبل السياسية، والقبول بصيغة التعايش بين الأديان والطوائف واعلاء صيغة المواطنة والحقوق المتساوية للجميع ودولة القانون والمؤسسات.
والأهم أن يفكر الكبار والأغنياء في بناء نظام اقليمي جديد للمنطقة يشمل الخليج والمشرق العربي، ولا يغيب المغرب العربي الذي يعيش هو الآخر على بركان، ولا أنسى أن أذكر أن حروب الجماعات المتطرفة وتطلعها إلى السياسة بدأ في الجزائر، كما أن ثورات الربيع والفوضى انطلقت شرارتها من تونس وجرت إلى مصر ثم ليبيا  ثم سوريا ثم البحرين واليمن.
أخيرا، دعوتنا أن يستيقظ الجميع إلى العوامل المشتركة بينهم ويلجأوا إلى الاتفاق وسرعة اللقاء لتلافي النيران والفوضى والإرهاب الذي يكتنف العالمين العربي والإسلامي، وعام سعيد للجميع ولنتفاءل بالخير لعلنا نجده.
 

في رحيل عام واستقبال عام جديد يجب أن يتحلى الإنسان بروح التفاؤل والأمل، ولكن هذه السلعة أو الأمنية عصية الآن على إنسان منطقتنا العربية، فقد تحالف الشرق والغرب القوي علينا لتفتيت بلادنا وتشريد العربي في كل مكان، وتخويف العرب والمسلمين من بعضهم البعض، وعزلهم في كانتونات وكهوف مخيفة، إما داخل أوطانهم أو مناطق مجهولة في تاريخهم السحيق، عالم ممزق فعلا ولا يدري أو يعرف من ينتظر دوره، حالة مفزعة حدثت على الأرض، والأكثر اخافة أننا لا نراها أو نراها ولا نريد أن نعترف بها أو نريد أن نعيش يوما ونهرب من مسؤوليتنا تجاه بلادنا وأوطاننا والأجيال القادمة.
لا أريد أن أحبط أحدا أو اعكر الاحتفالات لدى البعض، ولكن أردت فقط أن أقترب من الحقيقة وأنا أهنئ الكل بعام جديد 2017، وأنا أراه عاما مميزا يتصدره عنوان السبعة، وأنا أحبه وأريد أن أعيش داخله، فهو عنوان النصر، وما أملكه لعالمي ووطني وديني أن أفكر وأحلم وأدعو، خاصة في كبر السن وقلة القدرة على العمل ومقاومة الواقع، ليس هذا اعترافا بالهزيمة أو قلة الحيلة وانعدام المقاومة، فهذه كلها ينهانا عنها ديننا وايماننا بالخالق عز وجل الذي وعد بنصرة المظلوم واعلاء قيم الحق والعدالة في كونه.
ويكفي للتدليل على هذا الرأي في وداع عام الحروب، الخوف من مستقبل غامض ومظلم، ليس لنا وحدنا ولكنه للعالم كله،  لأن الضعفاء والفقراء والمظلومين لا يموتون وحدهم ولا يجوعون وحدهم ولا يتشردون وحدهم، ولكن يأخذون معهم من يتشدقون بالنصر ويرفعون رايات الانتصار، الكل سيلقي مصيرا صعبا ما دام هذا العالم غاب عنه العقلاء.

مصير سوريا
في عام منقضٍ وعام قادم قدمت صورة صنعها الإنسان ومعه القدر، أرض ومدينة محروقة، وهي مدينة فيها تاريخ العرب وأعظم أيامهم وفتوحاتهم، فتدمير مدينة حلب وتشريد أهاليها لا يمكن أن يكون نصرا لنظام أو قوة كبرى أو قوة اقليمية أو طائفة دينية على حساب أخرى، أو أن يكون قتل الدبلوماسيين أو اسقاط الطائرة ردا، ولكنه القدر يقول رسالة واضحة للعقول التي تقدر على التقاطها بأنه لا يمكن أن يكون احتفالا للعسكرية الروسية في حميميم بفريق الجيش الروسي وفخرها، بينما الناس يموتون بلا ذنب اقترفوه في حلب، نبكي على الأبرياء من الجانبين الموسيقيين الروس وأطفال حلب ونسائها البريئات، وندعو على أو إلى الجناة أن يفيقوا ويصنعوا السلام العادل للجميع في عام جديد.
سوريا تحالف عليها الجميع حكوماتها والشرق والغرب والطائفية المقيتة في تركيا وإيران معا، والعرب لا حول لهم ولا قوة، ولم نر لهم أصواتا، والمخاوف تكتنفها في العام الجديد، كل من أميركا وروسيا وصلتا إلى مبتغاهما في العام المنقضي على أنقاض العراق وسوريا، فالقواعد العسكرية الجوية والبحرية شيدت، والقواعد البرية موجودة وتقودها طوائف متناحرة وقوميات سلمت مقاليدها لتلك القوة لاستخدامها في الوقت المناسب لمعاقبة الخارجين أو الرافضين لتقسيم الأمر الواقع، الأكراد في سوريا والعراق هم الجيش الأميركي على الأرض، والطوائف السنية والشيعية تجد من يدربها على الحرب وقتل الآخر، والطوائف الأخرى تبحث عن ملاذ آمن في تركيا وإيران وقطعا إسرائيل، وهكذا حدث التفتت وتقسيم الأمر الواقع الذي يحمي قواعد الأميركان والروس المنتشرة على الأرض ولا يعلم عنها سكان البلدين أي شيء، ولا يستطيعون تغيير أي شيء بعد تفكك وذوبان الجيشين العربيين العراقي والسوري، وأصبحا فرق أمن أو درك أو ميليشا، اختر عزيزي القارئ الاسم الذي يروق لك حسب مذهبك أو انتمائك الطائفي ولكنها الحقيقة المرة التي أفرزها هذا العام الفارق في التاريخ العربي والإنساني.
قوات الاحتلال سيطرت على الفرات بشقيه العراقي والسوري، وبقي لنا أن ندعو لتخفيف آلام الإنسان وتقليل معاناة البشر من تداعيات الحرب القاسية والدامية وغير الآدمية التي حدثت وتحدث في المشرق العربي.


 

الثلاثاء, 20 ديسمبر 2016

حلب.. من المنتصر ومن المهزوم؟

صورة العالم الإسلامي والعربي تعكسها الأوضاع في حلب، فخراب المدينة وتدمير مسجدها الكبير وقلعتها التاريخية وتهجير سكانها ومقتل الأطفال والنساء وحالات الخوف والفزع للكل أصبحت لدى البعض انتصاراً وهزيمة للآخر، لكن الواقع يقول ان القتل والدمار الأهلي ليس انتصارا لأحد أو هزيمة للآخر، بل هزيمة مقيمة للكل وتنكيس حاد لكل الرؤوس وخوف مطبق لكل حاضر أو مستقبل قادم.

حلب لم تكن أرضا للكفار، بل هي بلد للمسلمين الأبرياء المتطلعين إلى حياة كريمة وحرية معقولة يعيشها كل العالم من حولهم، مأساة حلب أنها مخزن للسكان العرب المسلمين الذين آمنوا بسنة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فتكالب عليهم الكل لإخضاعهم، الكل أراد حلب خرابا لتكون عنوانا للعربي والمسلم المعاصر، أرادوا منها صورة لكل العالم لتحكي حاضرا وتشير إلى المستقبل.
حلب عنوان وصورة فظيعة، حلب تشير إلى ما سيحدث في باقي المدن العربية والإسلامية، حلب تحكي لنا عن طهران واسطنبول والقاهرة والرياض والدوحة وباقي العواصم ليست غائبة بل هي مرشحة للمصير نفسه، محاولة اللعب على التحالفات الصغيرة والمتوسطة أصبحت مخيفة وترشح المنطقة كلها إلى نيران مشتعلة لن تتوقف، فالعقلاء خائفون والجهلاء يلهون بالنيران ويرون فيها فرصة للصعود وتبوء مكانة الحكام، لكن النيران ستلتهم الجميع وتدخل المنطقة في حالة مخيفة من الممكن أن تستحضروا شكلها باعادة قراءة العالم بعد الحرب العالمية الثانية، لن ينفعنا ترامب ولا بوتين، فعواصمهم بعيدة عن النيران، والأوروبيون في حالة من انعدام الرؤية والضعف، فهم عاشوا سنوات طويلة في الحلف الأميركي الذي يغير جلده الآن، فلا تنتظروا أي رؤية من الغرب أو من روسيا، فهدفهم توسيع شقة الحرب واستغلال الأرض الرخوة في تجريب الأسلحة واقامة القواعد الجوية والأرضية على أراضينا بعد أن سيطروا على المنافذ البحرية.
التحرك يجب أن يكون اقليميا لتحديد مناطق النفوذ، فالطموح للحرب الطائفية أصبح كبيرا جدا وانظروا إلى ما يقول الطائفيون من أنصار حزب الله، يقولون إن حربنا المقبلة في البحرين واليمن، ألا يعني ذلك غياب عواصم أخرى في بعض المناطق الأخرى الرخوة؟ التي بها من يمكن تجنيدهم لتوسيع رقعة الحرب، والحلف الذي يرفض هذه الحرب الطائفية مخترق من داخله، والكل يفكر في نفسه وعدم امتداد النيران اليه، انها حالة غريبة ومتشابكة لا يمكن لأي طرف أن يحقق فيها نصرا، والشيء الوحيد المرشح للحدوث هو مزيد من الخراب والتدمير للمنطقة والشعوب العربية والإسلامية والمدن في المنطقة واحدة تلو الأخرى، أي مخطط غريب هذا الذي انجرف فيه الجميع بلا أي وعي أو رؤية لمنطقة تنتحر بأيدي أبنائها والبعض يصرخ بالنصر على أشلاء الآخر؟ أي عته وأي عقلية نراها الآن في منطقتنا وبين أهالينا؟ هل هي وليدة الحاضر أم صناعة الماضي القريب أم السحيق؟ الصورة تغرقني في التساؤلات والاجابة عليها لا تجدي ولا تفيد فلن توقف القتل والتدمير، وترصد الاخ لأخيه، فالكل أصبح ضحية ولن ينجو الشيعي ولا السني والأقليات ستطحن في نيران حرب وقودها أقلية تريد أن تستأسد على أغلبية بالاستعانة بقوى من الشرق أو الغرب، صورة مخيفة ومفزعة ولا نرى في الأفق صوتا حكيما، بل كل الأصوات تريد أن تبعد نيرانا مشتعلة عن أقدامها فقط وبأساليب عقيمة.
الحل في رأيي يتمثل في قيام حلف عربي يبرز كقوة رادعة للحرب وليست قوة حرب، إلا اذا فرض عليه في هذه الحالة ستكون حربا مشروعة حتى ولو كانت القوى الكبرى معهم، ولا أظن  تشخيص الأحداث والخوف منها حلا حتى لو كانت دقيقة، التساؤلات المخيفة ليست حلا حتى لو كانت صحيحة، يجب أن تتحرك الأغلبية في المنطقة بقوة وشكل موحد وبلا تناقضات أو لعب على الحبال وبين المعسكرات لتحقيق مكاسب صغيرة  حتى تعرف القوة الباغية موقعها وتلزمه، وتسلم بالسلام العادل للجميع، والا فانها الكارثة والفوضى وينفلت الزمام من الجميع لأن الباغي لا ينتصر حتى وان بدا له ذلك وكان على حساب أبناء الشعب.
التيارات الإسلامية أو المتأسلمة لا تصلح أن تكون جزءا من أي حل، لأنها التي فجرت الصراعات وأخلت بالالتزامات، والصراع على سلطة لا تستحقها وليست مؤهلة لها، وهزيمة الجهادية المتأسلمة في حلب لا تعطي الفاشية السياسية أو القوة الخارجية حق احتلال سوريا أو قمع أغلبية الشعب لمصلحة أقليات دينية أو طائفية، السوريون عانوا ويجب أن يقف معهم كل العرب والمسلمين، والحل لن يأتي من موسكو وطهران، كما لن يأتي من أنقرة، الحلف الذي أدعو اليه يجب أن يبني من العرب، بل من المسلمين ولنشرك معنا الآخرين لوقف الحرب واعطاء الحقوق للجميع وأن نتكلم بصوت واحد.
كيف لبلد كبير كمصر أن يعطي ويشارك في وقف نيران صراع اقليمي بهذا الحجم والجبروت وهو يرى تآمرات وتدخلات خطيرة في سياساته، انها صورة ووضع شائك وضعت فيه مصر، والاندفاع في اشعال المنطقة ووقف الحروب والصراعات يحتاج إلى القدرة على تحكيم العقل وتلجيم ألعاب الصغار والقدرة على الوحدة والتحرك السريع.
هذا اجتهاد قلته من حبي للجميع ورغبتي في وضع حد للصراع أو الهزائم التي ينجرف لها الجميع.
 

ودعت الكنائس المصرية ضحايا الكنيسة البطرسية العريقة - المجاورة للكاتدرائية، وهي كنيسة صغيرة تنتمي للكنيسة اليونانية- المسيحيين المصريين الأرثوذكس والبطرسيين.

وقد حرص بابا الكنيسة المصرية على احتضان القداس، فعقب الصلاة والقداس الغربي حضر القداس بجوار الأنبا أنياسيوس، رأس الطائفة، كما حرص الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على أن يترأس الجنازة الشعبية من أمام قبري الجندي المجهول والرئيس السادات.
لقد ودع المصريون الضحايا من السيدات المسيحيات بالكثير من الاحترام، في رسالة فحواها أن الوطن أكبر من الإرهاب، وأن القنابل المدسوسة لن تفت من العزيمة المصرية، ولن تضعف الأقلية المسيحية أو تجعلها تنزوي، أو تخاف.
فحادث الكنيسة وضحاياه الخمسة والعشرون أوقد شرارة مصرية مختلفة عن الشرارة التي أشعلها حادث كنيسة القديسين بالإسكندرية، هذا الحادث الذي ارتكبه أحد الفلسطينيين القادمين من حماس في غزة في نفس توقيت هذا التاريخ من شهر ديسمبر 2011، حيث كان مقدمة لأحداث يناير، أو ثورة 25 يناير، وما أعقبها من تولي الإخوان المسلمين السلطة والسيطرة على البلاد حتى ثورة المصريين عليهم في 2013، وما يحدث من اضرابات وعمليات إرهابية لا تتوقف في الداخل المصري، والحرب المشتعلة في سيناء، والطائرات التي تقع، والسياحة التي توقفت، والاقتصاد الذي تدهور.
الشرارة الجديدة ليست للثورة ولكن ضد حركة الإخوان المسلمين، بل ضد كل تيارات الإسلام السياسي، بل ضد الحركة السلفية التي تحاول أن تخفي نفسها منذ سقوط الإخوان المسلمين، وتحاول استفزاز المجتمع بأفكارها الدينية المتشددة، أو المتعصبة.
الشرارة الجديدة ارتكبتها الجماعات الدينية متصورة أنها مقدمة لكي يرتعد المجتمع ويخاف ويسلم بما يطرح من مصالحات أو تخفيف الأحكام وعودة المياه إلى مجاريها القديمة، متصورين أن الأزمة الاقتصادية الحادة، التي تؤثر على حياة الناس في كل مكان، ستجعل الشرارة الجديدة، والخبيثة، توقد، خاصة أنهم يقرأون الأحداث القادمة من الخليج العربي خطأ تماما، فهم يتصورون أن المنطقة العربية في حاجة اليهم، فهم المقاتلون على الأرض في الشام واليمن وليبيا، وأن الضغوط المقبلة، خاصة من السعودية، ستصب في مصلحتهم، وهي قراءة لا تراعي الأبعاد الدولية للحرب الدائرة في المنطقة، ومازالوا يقرأون أن الرئيس السيسي، والنظام في مصر، حلقة ضعيفة من الممكن التأثير فيها بالطريقة نفسها التي حدثت في يناير 2011، غير مدركين الصورة الحقيقية للشارع المصري المسلم، الذي يتصورون أنه من الممكن، تحت تأثير انخفاض مستوى المعيشة، وانهيار الأسعار، أن يقع تحت تأثيرهم مرة أخرى.
وما أستطيع أن أؤكده أن الجريمة، التي طالت الأقلية المسيحية في الكنيسة، قد أطلقت شموعا مختلفة عما تصورته الجماعة، أو الجماعات المتأسلمة، فقد ولدت عناصر كثيرة من التحدي، بل زادت من مقاومة الناس لارتفاع الأسعار والانهيارات الاقتصادية.
حادثان إرهابيان خسيسان يجمع بينهما الشبه والتفكير نفسه المتـآمر، ولكن تختلف الاستجابة وحدود الرؤية المختلفة، فالأول أدى إلى حشد الأقلية المسيحية وتجهيزها للتمرد والثورة، والثاني الاستجابة له تختلف من التمرد إلى التحدي والتصميم على التخلص من آفة التمرد والانخراط مع الأغلبية المسلمة في مكافحة الأقلية المتأسلمة والمنظمة والطامحة إلى السلطة والتفرد والنفوذ على الجميع.
صورة مختلفة تماما أردت قارئي العزيز أن أنقلها مكتوبة لك حتى تراها معي، فقد عشت التجربتين، عشت الأولى وشهدت البريق يلمع مصمما على التغيير والتلويح بعصا التمرد، وشهدت في الثانية العيون تبرق والدموع تملؤها ولكنها مصممة على الصبر، على الصراع ودفع الثمن، ولكنها تقول: «لن نرتكب أخطاء الماضي القريب، ونحن معكم صابرون محتسبون الشهداء»، وكأنهم يدركون أن القنبلة أو القنابل التي وضعت في صحن الكنيسة الصغيرة لقتل المصليات لم تقصدهن لذاتهن كمسيحيات، ولكنها قنبلة وضعت لتقتل الوطن كله بمسلميه ومسيحييه، فهي قنبلة حرب وليست تعصباً دينياً أو طائفياً، إنها قنبلة لقتل الوطن واجباره على تسليم مقاليد الحكم لجماعة منظمة تأخذ من الدين الإسلامي اطارا فلسفيا يبرر لها القتل والجريمة من أجل الحكم والتسلط.
لقد عرف المسيحي المصري كيف أنه انجرف وراء مقولات جاءت من الغرب للتسلط، واستخدام الغرب هذه الجماعة المنظمة في لعبة خبيثة جرت البلاد إلى خسائر فادحة في الأموال والأنفس، وانهيار المؤسسات، وكانت صورة جماعة 6 أبريل ومظاهراتها أمام الكنيسة بعد الحادث المفجع اشارة إلى افلاسهم.
خرج المسيحيون ليقولوا: لسنا المتظاهرين، ولا نريد أي مكاسب سياسية من هذا الحادث البشع، ونحن مع الرئيس ومع الشعب، وان الإرهاب لا يفرق بين مسيحي ومسلم، فبالأمس مات الجنود بجوار جامع واليوم ماتت السيدات داخل الكنيسة، توقفوا يا أبناء التمرد عن هذا الابتزاز الاجرامي، فأنتم أشقاء الارهابيين، بل أنتم من تبررون للإرهاب، أنتم مقدمات الفوضى الخبيثة غير الخلاقة التي أطلقتها جماعات أميركية على بلادنا بحجج مختلفة، ومقولات باطلة، ولكنها كانت مقدمات الربيع التي قوضت معظم العواصم العربية.
وأخيرا لا يسعني إلا أن أقدم التحية لأرواح الشهداء، فهم الرموز أو الشموع التي توقد روح الحرية أو الخلاص لمجتمعاتنا التي أنهكها الصراع والفوضى والحروب، التحية لأرواح الشهداء لأنها التي توقظ الشعوب لحماية مصالحها والحفاظ على الأوطان.
 

لا يسع المرء المراقب لاجتماع القمة لدول مجلس التعاون الخليجي في المنامة إلا أن يرفع يده للتحية، أو كما يقول الغربيون القبعة، فقد ذهبت الدول الخليجية الست إلى القمة متحدة، وكانت قبل أن تذهب قد حسمت أولا أي خلافات داخلية، وأظهرت الوحدة ودعت الحليف البريطاني القديم والقوي الذي يفهم المنطقة لكي يحضر الاجتماع.
وبقي أن تحسم القمة باقي تحالفاتها مع دول المنطقة وتحديدا مصر، لأن التحالفات مع الأردن والمغرب قوية ومتصلة، ونجحت أخيرا الدول الخليجية في مؤتمر تونس لإعلان نيات قوي بأنها لن تتخلى عن أي دولة عربية حتى تقف على قدميها ويعود النظام العربي قويا، كما يبقي أن تحسم دول الخليج المواجهة والحرب المشتعلة باليمن، خاصة أن دول الخليج لن تتخلى عن الشعب اليمني ولن تقبل بوجود إيراني على حدودها، كما أن اليمن وشعبه هو المخزون التاريخي للعروبة والإسلام، ولن يقبل باحتلال إيراني بحجج مختلفة، وتعمير اليمن وإعادته إلى حياة مستقرة أصبح واضحا بلا أي لبس يتمثل في خروج عبد الملك الحوثي والرئيس السابق علي عبدالله صالح، أما الشرعية التي يمثلها الرئيس هادي فهي تسلم بحق اليمنيين في انتخاب رئيس جديد يمثل الكل ولا يلغي أحدا ويحمي اليمن من احتلال إيراني أو نفوذ تحت حكم أقلية باعت بلادها من أجل الحكم والتسلط، سواء كانوا ميليشيات صالح أو الحوثي.
هذا الوضوح الذي يستبق إدارة جديدة في واشنطن من اللازم أن يعلن، ويكون هناك شهود عليه وليس هناك شاهد أفضل من رئيسة وزراء بريطانيا حليفنا القديم وحليف الأمريكان الصادق الأمين، أما سوريا الغالية فإن العرب الأوفياء وفي مقدمتهم دول الخليج العربي الصادقة الذين يضعون القيم العربية والدينية في مكانة تسبق السياسة وألاعيبها يدركون أن التاريخ سيحاسب الكل، وأنه السؤال الكبير سيكون هل يبيع العرب سوريا؟
سوريا لن تكون صفقة على مائدة الطامعين، ويجب أن تظل سوريا لكل أبنائها وطوائفها المختلفة، ولكن من حق الأغلبية أن تحكم وتحتضن الأقليات كلها، كما أن سوريا لن تسقط في أيدي ميليشيا حوثية جديدة، أو في أيدي حزب الله أو أيدي إيران، كما لن تكون سوريا أداة للمقايضة بين روسيا وأمريكا لتسوية في القرم أو أوكرانيا.
والشرق الأوسط العربي ليس للبيع سواء لإيران أو تركيا أو روسيا، لأننا لم نكن محتلين من أمريكا وهي اليوم تتنازل عنا إلى روسيا أو الصين، التاريخ هنا لن يعود إلى أيام سايكس - بيكو أو مابعد الحرب العالمية الثانية، كل العالم الآن قد تحرر فلماذا يريد الطامعون في العرب وثرواتهم أن يفرضوا مناطق نفوذ وسيطرة جديدة، لأن العرب وقعوا فريسة لصراعات داخلية وطائفية جعلت الكل يتآمر على الآخر مستغلا البعد الخارجي، ولذلك نحيى كل المبادرات والإصلاحات الداخلية حتى نتفرغ للاطماع الإقليمية والدولية للسيطرة على البلاد العربية وتصفية عناصر قوتها تمهيدا لنوعية جديدة من الاحتلال والنفوذ، الذي يلغي هويتنا وسيادتنا على إقليمنا وبلادنا.
رسالة قمة الخليج تحافظ على وحدة الدول والإقليم للرد على التدخلات الخارجية وأطماع الدول الكبرى والإقليمية في السيطرة وإلغاء العرب في دولهم، وستحمي سوريا والسوريين ووحدة الدولة وكل أبنائها، ستكون رسالة قوية للتهديدات التي تواجه العراق ولبنان ونحن ندرك أن يقظة أبناء العراق وكل أحزابهم وطوائفهم قادرة على حماية البلاد من التدخلات والاحتلال الإيراني الذي يستغل الضعف الداخلي لفرض نفوذه، ولنا في السوابق التي واجهت العراق ما يساعدنا في الحكم على العراقيين الذين وقفوا عبر تاريخهم ضد كل مستعمر، والروح والقومية العراقية أقوى من استغلال إيران لبعض السياسيين الطامحين أو الطامعين في سلطة لا يستحقونها ويلعبون على الأوتار الطائفية، الذين سرعان ما يكتشفهم الناس والمجتمع ويسقطونهم، ولكن المهم الآن أن يبعث العرب والخليجيون برسالة اطمئنان ومحبة لكل العراقيين على انتماءاتهم وطوائفهم، وأولهم الشيعة العرب الذين يقعون بين مطرقة الأوضاع الداخلية واستقطاب إيران المخيف.
أما لبنان فقد استطاع جزئيا أو نسبيا الحفاظ على تماسكه، وما على العرب إلا أن يعودوا لدعم الجيش وصيغة التماسك القديمة المبنية على اتفاق الطائف ووحدة وتقاسم السلطة بين اللبنانيين، مع تغذية الروح العربية بين اللبنانيين وأنهم جميعا، مسيحيين وسنة وشيعة، نسيج واحد، وأن الوطن هو الباقي، وأن التدخلات الخارجية لن تكون مؤثرة على أحد، وأن تأثيرها مؤقت وسيتلاشي.
ويبقى أن دول المغرب العربي كلها في انتظار رسالة مودة وحب من الأشقاء في الخليج، لأنهم جزء لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير، وأنهم لن يفرطوا في ذرة رمل واحدة سواء في المغرب أو المشرق، لأنهم إقليم واحد.
القمة الخليجية ترسل رسالة للعالم أجمع أن العرب ما زالوا أقوياء ولهم صوت واحد، وأنهم لن يتركوا الجزائر بعيدة، ولن يتركوا مصر وحيدة، ولن يتركوا ليبيا ضائعة، ووحدة الدول العربية في هذه اللحظة التي كشف فيها الجميع عن أطماعهم المخيفة لم تعد الفريضة الغائبة.
 

العالم يستعد لما بعد أوباما، أو العالم يستعد للمقبل في البيت الأبيض،الرئيس ترامب، الذي استبق انتخاباته برؤى متغيرة قد تحدث متغيرات عالمية جديدة، ونحن في الشرق الأوسط عموما، وفي المنطقة العربية خصوصا، من أكثر الذين يترقبون المتغيرات العالمية والاقليمية، واذا كانت أوضاعنا الداخلية في كل البلدان الشرق أوسطية تؤثر في هذه المتغيرات وتضع أنواعا معينة من الرؤى، فيجب أن نحيي بلداننا التي استبقت تلك التحولات الكبرى بتعزيز الوحدة الداخلية للدول العربية قبل أن يهل عام 2017، فكل المتغيرات وتحولاتها مخيفة وصعبة وتستدعي وحدة بلداننا وتجمع اقليمنا، ويهمني من خلال هذا المنبر أن أشيد بتجربة الانتخابات في الكويت التي تستقبل عامها الصعب والجديد «بحكومة وبرلمان» ضما أطياف الوطن بكل رؤاه المختلفة، فقد تم حل مجلس الأمة، وفي غضون أقل من شهرين انتخب المواطنون برلمانهم الجديد وجاء الناخبون بوجوه جديدة في المجلس جددت الدماء بنسبة 60 %، وتعامل الناخبون كذلك بذكاء وحرفية تجعلني أختلف مع كل من لم يرحب بالمجلس الجديد سواء في الداخل أو الخارج، فالاعتراف بحق الناخب من قبل الدولة ومسؤوليها الحكماء هو قمة العقل والنضوج، الأمر الذي يشير لنا نحن المراقبين في الخارج إلى أننا نستقبل العام الجديد ونرى الديمقراطية القديمة في الخليج قد أفرزت حالة سياسية تشير إلى اكتمال نضوجها، وأنها ستلعب دورا في مصلحة الخليج، بل لكل الدول العربية، لأن قوة الكويت كبيت العروبة والنضج سيكون لها تأثير في كل الدول العربية والخليجية، ومبعث قوتها هو أوضاعنا الداخلية المتماسكة، وما نراه من تحركات سياسية في الخليج العربي، وفي مقدمتها رحلة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى كل بلداننا الخليجية قبل قمتهم في البحرين، فهي اشارة أخرى للتحركات الايجابية للم الشمل، واحداث التعاون والتكامل بين البلدان التي تشكل الحجر الصلب الذي يستند اليه العرب في معركتهم مع الأحلام الامبراطورية التي انبعثت من القبور في محاولة للسيطرة ووراثة بلداننا واعادة الاحتلال للدول العربية مستفيدة من تحلل بلداننا وتفكك دولنا والانهيار العربي.
• إسرائيل كقوة اقليمية تستفيد مما يحدث في منطقة الشام من تحلل سوريا وتفكك العراق وتجمد لبنان وانقسام فلسطين وصراعاتها الداخلية سواء في غزة بين «حماس وفتح»، أو في الضفة الغربية بين فتح وأعضاء مجالسها الداخلية وتفكك المنظمة وصراعات خارجية وداخلية لا حد لها.
• أما تركيا فقد كشفت المتغيرات عن أن الوجه التركي الأردوغاني ينظر إلى ماضي الامبراطورية وعينه على أمجاد الخلافة العثمانية في ظل تطلعات «العدالة والتنمية» لاستعادة الموصل وكركوك وجزء كبير من سوريا، والامبراطورية التي يبعث بها رجب طيب أردوغان من ركام التاريخ هي لقطع الطريق أمام قيام دولة كردية تأخذ من تركيا وسوريا، والعراق وإيران في المستقبل كل أراضي الأكراد، فأردوغان يقول ان بلاده كانت مساحتها في عام 1914 مليونين ونصف المليون كيلو متر مربع، وفي عام 1923 تراجعت إلى المساحة الراهنة 780 ألف كيلو متر مربع، وأردوغان سيذكر لكل العالم ولنا في الشرق العربي والمسلم أن تركيا الحالية جاءت من ماض مساحته عشرون مليون كيلو متر مربع، ويستدرك أردوغان أننا في عام 2016 لا يمكن أن نفكر أو نتحرك بعقلية 1923، فماذا تريد أيها الامبراطور الجديد منا في الشرق الأوسط، وكيف ستتوسع؟
• أما الطموح الإيراني فهو يرنو إلى نفوذ اقليمي في المنطقة يجري توظيفه لاستعادة أمجاد النزوع الامبراطوري الفارسي عبر نظام ولاية الفقيه، وهو ينجح في توسيع دوره على امتداد دول ومنظمات عسكرية على امتداد المنطقة في لبنان والعراق وسوريا واليمن، ويتحرك في الخليج باستخدام لعبة الطائفية، ويوظف الخلافات الإسلامية والطائفية لمصلحته على امتداد المنطقة العربية.
• أما بوتين في روسيا فهو يرنو ويسعى إلى تجسيد ماضي روسيا القيصرية أو الشيوعية معا، وكلهم مستفيدون من الحالة السورية والصراع العسكري الدائر هناك.
• أما أوروبا فهي تسعى جاهدة وخائفة من التوجهات الأميركية الجديدة لاستمرار نفوذها وسيطرتها على الشرق العربي ككل، فماذا ستفعل دولنا العربية للحفاظ على هوية الشرق العربية والإسلامية المعتدلة وسط هذا الصراع الدائر؟
اننا نعول على حكمة دول الخليج العربي وتحرك الملك سلمان خادم الحرمين الشريفين لإحداث تنسيق خليجي قوي يمتد إلى الدول العربية ليكون رسالة إلى القادم الجديد في البيت الأبيض مفادها أننا لن نسلم مقاليد المنطقة ونفوذها إلى أصحاب النيات الامبراطورية الجديدة سواء في تركيا أو إسرائيل أو إيران، وأن حالة الحرب والتفكك التي نشبت في أجزاء من دول المنطقة الكبرى عقب أحداث ما سمي بـ «الربيع العربي» لن تكون سببا في انقسام بلداننا أو تفكك دولنا وسيطرة اقليمية بغيضة على الدول العربية من محيطها الاقليمي.
كما أننا نعول على التحرك الخليجي لتلجيم أي خلافات عربية - عربية أو أي فتنة طائفية دينية أو أي صراعات داخلية على السلطة في البلدان العربية لكي لا تكون سببا في تحقيق هذه الطموحات الامبراطورية الجديدة التي بزغت من القبور للاستيلاء على المنطقة وتوظيفها لمصلحة قوة جديدة،فعلينا أن نمسك بهذا الخيط لنبعث للقادة العرب الخليجيين برسالة مفادها أن قوة الاستعمار الجديد والقديم بعثت من قبورها لعدم قدرة النظام العربي على التجدد وبناء نظام اقليمي جديد، وأن العرب وقعوا في فخ فلسطين ثم العراق ثم سوريا الآن لأننا لم نبن نظاما اقليميا عربيا يلبي طموحات الأجيال الجديدة ويبني المنطقة على أسس من العدالة والدولة المدنية الحديثة التي تلبي طموح الأجيال وتتطلع للمستقبل، وأن الانقسامات بين المغرب العربي والمشرق العربي والخليج العربي لم تعد مجدية، وأن نظام الجامعة العربية الحالي عفى عليه الزمن ويجب تجديده على أسس جديدة ومعالم مختلفة، ونثق أنه بالتعاون بين الدول العربية ومصر والأردن ودول الخليج والمغرب العربي سنكون قادرين على تجاوز أزمة سوريا والعراق واليمن واعادة الروح للقضية الفلسطينية، والله المستعان.
 

الخميس, 01 ديسمبر 2016

التهنئة للكويت وللشاهد

هزتني الانتخابات البرلمانية الكويتية لمجلس الأمة الجديد، التي تمت في ظروف صعبة ودقيقة تمر بها المنطقة، فلم تمنع الحروب والفتن الاقليمية والدولية التي تمر بها المنطقة العربية والشرق الأوسط خصوصا من أن يمر الاستحقاق الانتخابي بلا مقاطعة من كل التيارات، واستمع الكويتيون إلى الرأي والرأي الآخر بكل جدية واحترام، ولم ينزلقوا إلى الصراعات والحروب المشتعلة في الجسم العربي، وكانوا قادرين بالحكمة على «تلجيم» التيارات الدينية والمتعصبة من أن تجر الانتخابات والخلافات في الرأي والرؤية إلى صراعات لا تنتهي ونجحت الانتخابات كما أراد أمير البلاد أن يسمع إلى الصوت الكويتي في لحظة دقيقة على الصعيدين المحلي والاقليمي في الرؤى الداخلية لمواجهة المتغيرات الجديدة في الشأن الاقتصادي، وتلاحم الكويتيون على اختلاف الانتماءات السياسية والطائفية خلف الدولة بعيدا عن الاستقطابات الحادة التي تسود المنطقة نتيجة الحروب والخلافات بين الدول، حتى أصبحت الكويت المكان والملجأ السياسي الذي يلجأ اليه العرب لوقف الحروب و«تلجيم» الصراعات الاقليمية، وهي منطقة حساسة ودقيقة أن تظل حامية للمصالح العربية، ورمزا ايجابيا للعرب ومصالحهم، وفي الوقت نفسه المكان الذي يلتقي فيه الأضداد أو المتصارعون.
فالكويت أصبحت نقطة الحكمة البالغة والنضوج الناتج عن الخبرة والمعرفة الذي تحقق للقيادة هناك في الزمن العربي الصعب، فلم يكن من خلال هذا المنظور الا أن نفهم قرار الأمير باللجوء إلى الانتخابات ليسمع رأي الشعب ويكون هناك مجلس جديد يكون مع الكويت في المرحلة المقبلة من التاريخ الخليجي والعربي الصعب والدقيق، ولذلك فقد سعدنا نحن العرب بالعرس الديمقراطي الذي جاء بمشاركة الجميع بلا أي مقاطعة أو اقصاء، وتحقق فيه الشعار الذي رُفع «صوتي لوطني» وليس لطائفة أو انتماء خارجي، أو حتى رؤية أيديولوجية أو قبلية. فهنيئا للكويت مجلسها الجديد، وليبارك الله لأقدم ديمقراطية في الخليج التي ظهرت في ستينيات القرن الماضي، ولترتفع تقديراتنا لأداء هذا المجلس إلى مرحلة النضوج الكامل، وليساعد الحكومة على أن تتبوأ الكويت مكان الصدارة والقيادة خليجيا وعربيا، حيث انها مؤهلة له وجاءت في أوانها ولحظتها التاريخية والحاجة اليها والي دورها الريادي الذي لا تخطئه العين، خاصة في لم الشمل العربي وايجاد المناخ التصالحي وتمهيد الأرض للعمل المشترك لمجابهة القوى التي تريد ضرب الهوية العربية في صراع قوميات لا طائل من ورائه، وتبديد الهوية الإسلامية في صراع طائفي بغيض عفى عليه الزمن، وأصبح لا يليق بالإنسان المعاصر أو المسلم الصحيح الذي يعرف دينه وربه حقا، ويسعى للاصلاح وبناء الأوطان والخير بين البشر في عالم نصب فيه أعداؤنا لنا مسارح الحروب حتى ينتهوا منا جميعا ويتفرغوا لبناء عالمهم على أنقاض قوميتنا وديننا.
وتتمازج تهنئتي للكويت بإنجاز الاستحقاق الانتخابي مع سعادتي الغامرة باحتفال جريدة «الشاهد» بالعيد التاسع لصدورها، ذلك المنبر الكويتي المتميز الذي يعبر عن الهوية الوطنية للكويت ممزوجة بعروبتها بروح عصرية غير متعصبة، ولكنها معتدة بمعين ثقافتها الخليجية العريقة باعتبارها أحد الروافد الثقافية والشرايين القوية التي تغذت بها الثقافتان العربية والإسلامية، ويرجع ذلك إلى قوة وقدرة ربان هذه السفينة الشيخ صباح المحمد على صياغة الرؤية والتعبير عنها بشجاعة واقتدار، ولا تعوزه الجملة الرشيقة أو التعبير الصريح، والتحية لجهازه التنفيذي الراقي والمتمكن بقيادة نبيل الخضر، أما شبكة الكتاب فهي الأرقى والأكثر تعبيرا عن الكويت والمنطقة العربية، فلهم مني جميعا التقدير، ولا يفوتني التعبير عن سعادتي أنني جزء من هذه المنظومة الكفوءة والهادئة التي تعرف ما تعمل وأهدافها سامية وراقية.
وأختم بتعبيري عن عميق شكري للكاتب والأخ عبد العزيز التميمي من مقالته يوم الأحد الماضي بعنوان «من مصر ينطلق التميز والنجاح»، الذي سرد فيها بأريحية عربية وبحب حقيقي كيف أن مصر تحتضن كل عربي مبدع بلا أي تعصب عرقي أو ديني ليبدع ويعبر عن فنه وثقافته، وعندما قرأتها أثلجت صدري وقارنت بينها وبين الكويت فوجدت الشبه بين القطرين كبيرا في حب العروبة وثقافتها، بل في حب الإسلام بلا طائفية أو تعصب، ووجدت المناسبتين، الانتخابات البرلمانية وعيد ميلاد الشاهد، فرصة لبعث رسالة حب لأهل الكويت وصوتهم الجميل «الشاهد» جريدة وتلفزيونا وانترنت، كل عام وأنتم بخير، وتجمعنا مناسبات جميلة وخيرة وتقدم وقدرة على وقف الحروب والتدمير وانهيار المدن والأوطان.

خطت مصر مع بداية شهر 11، أو نوفمبر، خطوات قاسية في  تاريخها الحديث كله، ليس منذ صعد السيسي رئيسا للجمهورية، وبعد سقوط الإخوان، الذين صعدوا في غفلة من الزمان، وعقب فوضى ما بعد 2011، أو ما عرف باسم «الربيع العربي»، عقب الاستيلاء على السلطة، حيث بدأوا بالبرلمان، ثم رشحوا رئيسا فاز بصعوبة وبالتهديدات بحرق البلد.
وفي الوقت الذي يترقب الجميع التاريخ الذي ضربه الإخوان لثورتهم الجديدة لاسترداد الحكم على أكتاف الغلابة، أو المتضررين من غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، أي يوم 11-11، كما دعت له الجماعة عبر محطاتها، أو أبواقها الاعلامية، التي تبث من تركيا، عبر الجزيرة في قطر، أو عبر الوسائط الاعلامية المختلفة، أو التواصل الاجتماعي، جاء الرد من الدولة عبر مؤتمر للشباب عقد بمدينة شرم الشيخ وانتهى إلى مشاركة الشباب في الكثير من القرارات، وتشكيل لجنة منهم لدراسة حالات المعتقلين السياسيين من الشباب، وتغيير واصدار قانون جديد للتظاهر، والحريات الاعلامية، ولم تكن هناك أي توقعات لقرارات اقتصادية جديدة تحمل الناس أي تبعات أو ارتفاعات في الأسعار حتى ينتهي التاريخ المضروب لثورة الغلابة المرتقبة من الجماعة، أو التيارات المعارضة، وانشغل الكل، حتى ان المحطات العامة والمتنوعة والخاصة جعلت من هذا التاريخ مادة للحديث والتكهنات: ماذا سيحدث؟ وكيف ستخرج الجماهير الغاضبة من كل أنحاء مصر لاقتلاع الحكومة والنظام واعادة الإخوان من المنافي والسجون لحكم البلاد؟ ووسط هذا المناخ الصاخب والتكهنات التي ما أنزل الله بها من سلطان اتخذت الحكومة المصرية قرارات اقتصادية، وصفت بأنها الأصعب في كل تاريخها، بل انها حقيقة هي الأدق، لا يجرؤ على اتخاذها الا أولو العزم من الأقوياء أو الصقور، الذين يتمتعون بشجاعة وجسارة نادرة كان أولها وأكثرها اثارة وتأثيرا على مجمل السياسات الاقتصادية، رفع الحكومة يدها عن دعم الجنيه أو العملة الوطنية وتركته منذ مساء 4 نوفمبر حرا للعرض والطلب بل تركت للبنوك هامش 10 ٪ للتحرك في السعر الذي يقره السوق للتنافس على جلب العملة والنقد الأجنبي وهذه من القرارات الكبرى التي لا تلجأ لها أي حكومة في ظروف مصر الاقتصادية الصعبة والمؤلمة، بل انها تمر بظروف دقيقة مواردها من العملات الأجنبية منخفضة للغاية خاصة موارد السياحة التي تضررت بظروف الإرهاب والفوضى عقب الثورات، واستنزاف موارد البلاد عبر 6 سنوات من عدم الاستقرار السياسي وانخفاض مداخيل الدولة ثم وفي أقل من عامين مع حكومة وانتخاب الرئيس السيسي تكون مصر قادرة على قفزة تحرير سعر الصرف بشكل كلي وليس طبقا حتى للأسلوب المتبع في السنوات الأخيرة من حكم مبارك عبر نظام التعويم الجزئي، والذي عبره حققت استقرارا نسبيا للسعر، وقد زادت السوق السوداء لجنيه واحد في البنك وآخر في السوق الحرة أو السوداء، إلى أن كان قرار التحرير الكامل للسعر في ظهيرة 4 نوفمبر 2016 قبل نهاية العام الحالي بأسابيع ليدخل الاقتصاد المصري مرحلة جديدة تماما تترك الحكومة عملتها الوطنية الجنيه للسوق الحرة غير خائفة أو مضطربة لانخفاض السعر أو انهيار العملة، بل ان الحكومة أو البنك المركزي بدأ بسعر أعلى للدولار بما اتفق عليه معظم الخبراء الذين قدروا أن يكون السعر بما لا يزيد على 12 جنيها للدولار، فبدأت الحكومة بسعر 13 ونصف ثم ارتفع التداول في نهاية اليوم إلى 14.50 جنيها للدولار وعملت البنوك طوال يومي الاجازة الجمعة والسبت بلا توقف وكأنها تقول للمتعاملين نحن جادون في ترك العملة أو الجنيه المصري حرا في الأسواق، وهذا القرار يخفض سعر الجنيه الرسمي لأكثر من 45 ٪ من سعره في البنك المركزي والذي لم يتعد 9.50 للدولار هذا القرار عجزت كل الحكومات المتعاقبة على اتخاذه أو جبنت في تحمل هذه المسؤولية الدقيقة، عملتنا الوطنية حرة لأول مرة منذ 60 عاما رسالة إلى أن الحكومة الحالية أو العهد الراهن لن يلجأ بعد الآن إلى الحلول الجزئية ولكنه في طريقه إلى الحلول النهائية لسعر الصرف لن ندعم الجنيه في التعاملات وعلى المصريين أن يحموا عملتهم عبر الانتاج وزيادة المنتجات والتقليل من الاستيراد واستهلاك السلع الصينية والغربية لأن أسعارها بعد الآن لن تدعم، ومن يريد أن يستهلكها عليه أن يدفع تكلفتها أو ثمنها بالكامل عملة أو جمركا، هذا قرار استراتيجي بالنسبة لأي بلد في العالم ولا يتخذ الا في ظروف طبيعية أو مرحلة قوة تمر بها البلاد وليس مرحلة مهزوزة أو انتقالية وهناك حرب على الإرهاب معلنة في سيناء، وعدو متربص بالداخل أو الخارج اسمه الإخوان يمارس كل الألاعيب لاسقاط الحكومة ودفع البلاد إلى الفوضى وعدم الاستقرار، ويتهم العهد الحالي بالفشل أو عدم القدرة على تلبية احتياجات البلاد، جاء القرار ليكشف بقوة أن العهد الحالي ليس ضعيفا ولا يخاف من أعداء الداخل والخارج ولكنه على اليقين بأن أغلبية المصريين معه وسيدعمونه، بل سيتحملون الغلاء وسيبنون البلاد والأهم أنهم سيغيرون من أنماط استهلاكهم.
هذا القرار كشف أن الحكومة الحالية والعهد الراهن برغم ظروف وقلاقل وأوضاع اقتصادية صعبة يتجهان إلى اقامة مشروعات قومية كبرى لا تتحملها البلاد القوية، فما بالكم بمجتمع أو بلد خرج منهكا وضعيفا من ثورتين و6 سنوات عجاف توقفت فيه البلاد عن الانتاج والعمل، فشقت قناة السويس الجديدة وقامت بتنفيذ أكبر شبكة طرق في طول البلاد وعرضها، بل تبني عاصمة جديدة ادارية لانقاذ العاصمة «القاهرة» المنهكة بالتزايد السكاني والنمو العشوائي، بل ان البلاد تربط سيناء بالدلتا والنيل عبر أكبر شبكة أنفاق تحت الأرض في ماضي وحاضر البلاد ووسط كل ذلك تعوّم العملة وتتركها للسوق الحرة وللمعاملات، أي جبروت تتصرف به هذه الحكومة التي لا تخشى أحدا، ويبدو أن عينها بالفعل على المستقبل فعلا، وتثق في الشعب إلى حد كبير  بل أكثر مما يتوقع أحد أو يراهن.
وقد سألني مراقب بعد قرار التعويم ماذا ستتوقع أن تلجأ اليه الحكومة بعد ذلك، قلت عليها أن تنتظر وتراقب ولا تقدم على شيء آخر حتى يهضم المجتمع الاصلاحات أو القرارات التي اتخذت ولم أذهب إلى سريري للنوم الا وفاجأني قرار جديد بتغيير أسعار البنزين، الحكومة تحصد من جيوب الناس وأصحاب السيارات 22 مليار جنيه بقرار آخر مفاجئ يزيد الأسعار 35 و45 ٪ عن الأسعار الحالية، قرار تصورت أنه مستعجل أو سريع وأن المجتمع سيتملل منه والمخاوف كثيرة، ولكن يبدو أن الرئيس وحكومته يراهنون على أن الشعب معهم، والحكومة أعطت لكل أعدائها والمتربصين لها قبل 11-11 الموعود لثورة الغلابة أو الفقراء كل الأسلحة للمزايدة أو الكروت الناجعة المؤثرة، وبالرغم من كل ذلك يبدو لي أن الرئيس والحكومة دخلوا في الرهان أو المباراة بين الفوضى والاصلاح قبل التاريخ الذي وضعه الفوضويون، وأنهم لم يخسروا فقط، بل ان الحكومة قامت أمام الرأي العام في الداخل والخارج ووضعت أقدامها بثبات على طريق الاصلاح والتغيير الاقتصادي الصعب والمؤلم، وأن الشعب قبل أن يسير معها برغم ظروفه القاسية، وأن الفوضويين وأنصارهم والإخوان وأعوانهم لم يصبح أمامهم الا أن يسلموا بتلك الحقائق  المؤلمة عليهم.
وأخيرا، ما علينا الا أن نهنئ الرئيس والحكومة وننتظر الرهان، من يكسب أخيرا هو من يعمل للصالح العام والاصلاح الحقيقي، ولا يبالي حتى بالشعبية المزيفة،فالحقيقة ستكون للمخلصين الجادين الذين في النهاية سيحصلون على الثمرة.
 

الصفحة 1 من 5