المقالات

ألم تنه نفسك عما بها بلى عادها بعض أطرابها

شاعر يلوم نفسه ويؤنبها عن التصابي والمجون، فلماذا يلوم نفسه؟ هو يلوم نفسه لعودة شوقها القديم، ومادام الشوق كامناً في القلب فهو وان اختفى، سيظهر وإن حاول لوم نفسه وعتابها، فلا فائدة في ذلك، فما الذي جرى لهذا الشاعر الذي يظهر من بيته الأول تقدمه في السن لنر:
لجارتنا إذ رأت لمتي
تقول لك الويل أنى بها
لقد رأت جارته لمته فقالت له لك الويل من أين لك هذا الشيب الذميم؟ واللمة الشعر الذي جاوز شحمة الأذن، لقد رأته جارته شيخاً متقدماً في السن، فما الذي قاله لها؟ هو يقول:
فإن تعهديني ولي لمة
فإن الحوادث ألوى بها
لقد أجاب على سؤال جارته إجابة واضحة فقال: ذهب بسواد لمتي الحوادث والأرزاء، لقد تغير عهدك فلا تتعجبي فكل صغير يكبر وكل فتى يهرم ثم يقول:
وقبلك ساعيت في ربرب
إذا نام سامر رقابها
والمساعاة هنا تعني الفجور وهو خاص بالإماء، والربرب القطيع من بقر الوحش يشبه به النساء، والسامر اجتماع القوم للحديث ليلا، ومعنى البيت انه كم سعى للفجور بعد أن نام السمار والرقباء، هذه الأبيات التي شرحتها ضمن قصيدة عدد أبياتها تسعة وعشرون بيتا لصناجة العرب الأعشى الكبير ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل بن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس البكري الوائلي، احد فحول الشعراء العرب المشهورين، وكان يقال: استاذ الشعراء في الجاهلية الأعشى واستاذهم في الإسلام جرير، وهو أيضاً من أصحاب المعلقات ومعلقته التي بدأها بقوله:
ودع هريرة إن الركب مرتحل
وهل تطيق وداعاً أيها الرجل
وهريرة التي أشار اليها قينة كانت لرجل من آل عمرو بن مرثد اهداها لقيس بن ثعلبة، والركب لا يستعمل إلا للإبل، وقوله: وهل تطيق وداعا يمعنى انك تفزع ان ودعتها، والأعشى أول من سأل بشعره وانتجع به أقاصي البلاد وكان يغنى بشعره فأطلق عليه لقب صناجة العرب، وكان قد سار الى النبي، صلى الله عليه وسلم، ليسلم فاعترضته قريش في الطريق وقالوا هذا صناجة العرب مامدح أحدا قط إلا رفع من قدره، فقالوا له: الى أين يا أبا بصير؟ قال: أردت صاحبكم هذا لأسلم، قالوا: على رسلك فإنه ينهاك عن خلال  عليك، وكلها موافق لك، قال: وما هن؟ فقال أبوسفيان بن حرب: الزنا، قال: لقد تركني وماتركته، ثم ماذا؟ قال: القمار، قال: لعلي إن لقيته أن أصيب منه عوضا من القمار، ثم ماذا؟ قال: الربا، فقال الأعشى: مادنت وماأدنت، وماذا أيضاً؟ قال: الخمر، فقال : أوه أرجع الى صبابة قد بقيت لي في المهراس فأشربها، فقال له أبو سفيان: نحن في هدنة مع محمد ونعطيك مئة من الإبل على أن تعود الى قريتك حتى تنتهي الهدنة وترى ما يصير اليه أمرنا، فقال: ما أكره ذلك، فأخذها وعاد الى قريته منفوحة فرمى به بعيره فقتله. ودمتم سالمين.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى