المقالات

ليس ينكر السواد فينا

«كنت أرى الحافلة تمرّ في كل يوم… لكن بالنسبة لي كان هذا أسلوب حياة لم يكن لدينا خيار إلا قبول العُرف، كانت الحافلة المدرسية أول ما جعلني أدرك وجود عالمٍ أبيض وعالمٍ أسود».

هذا ما قالته روزا لويس باركز المرأ ة السوداء التي تحدت عام 1955 نظام ركوب حافلات النقل العام برفضها الانصياع لتعليمات سائق حافلة عامة بالنهوض ليجلس مكانها أحد الركاب من البيض، وتبع ذلك أن استدعى السائق رجال الشرطة بعد إصرار باركز على عدم ترك مقعدها، وتم إلقاء القبض عليها بتهمة مخالفة القانون. كان للحادث أثر كبير في تأجيج مشاعر السود ضد الظلم والتمييز العنصري، فقاطع السود حافلات الركاب لمدة سنة. كما قام الطلاب باعتصامات في عام 1960 بالإضافة إلى مسيرة واشنطن الكبرى التي ساهم فيها نصف مليون أميركي أسود عام 1963 كانت من المؤشرات لبداية الفصل العنصري في الولايات المتحدة. 

 والى اليوم يعاني السود في بلاد تدعي الديمقراطية والعدالة  والمساواة، والاحداث الاخيرة خير دليل على همجية الساسة ورجال الشرطة، ومن أوكلاهوما واحداثها ومقتل جورج فلويد نعود بضع مئات من السنين لنلقي نظرة على  مكانة اصحاب البشرة السوداء في ظل الدين الاسلامي  وتحديداً الى زمن المقوقس الذي أرسل لعمرو بن العاص رسالة جاء فيها : إنكم قوم قد ولجتم في بلادنا، وألححتم على قتالنا وإنما أنتم عصبة يسيرة وقد أظلتكم الروم، وجهزوا إليكم، ومعهم العدة والسلاح، وقد أحاط بكم هذا النيل فابعثوا إلينا رجالاً منكم نسمع من كلامهم فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب. وعندما أتت رسل المقوقس إلى عمرو بن العاص رد عليهم، أنه ليس بيني وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال إما الدخول في الإسلام أو إعطاء الجزية أو القتال.

وعندما رجعت رسل المقوقس إليه سألهم عن حال المسلمين. فقالوا: رأينا قوماً الموت أحب إلى أحدهم من الحياة والتواضع أحب إليهم من الرفعة وأميرهم كواحد منهم ما يعرف رفيعهم من وضيعهم ولا السيد فيهم من العبد.  فقال المقوقس: والذي يحلف به لو أن هؤلاء استقبلوا الجبال لأزالوها وما يقوى على قتال هؤلاء أحد. ثم بعث رسلة مرة أخرى إلى عمرو بن العاص يقول له: ابعثوا إلينا رسلاً منكم نعاملهم ونتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم.

فانتهز ابن العاص هذه الفرصة ليعلم المقوقس وحاشيته درساً يبقى أثره على مر الأزمان في نفوس المسلمين وغيرهم، فبعث إليه بعشرة من الصحابة والتابعين، على رأسهم عبادة بن الصامت وكانت بشرته سوداء وطوله يتجاوز المترين. وأمره أن يكون المتحدث باسم الوفد و عندما دخلوا على المقوقس في مصر تقدم عبادة فهابه المقوقس وقال: نحوا عني هذا الأسود وقدموا غيره يكلمني، فقالوا جميعاً إن هذا الأسود أفضلنا رأياً وعلماً وسيدنا وخيرنا والمقدم علينا. فقال المقوقس: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم وإنما ينبغي أن يكون هو دونكم! قالوا: إن كان أسوداً كما ترى فإنه من أفضلنا موضعاً، وأفضلنا سابقة وعقلاً ورأياً، وليس ينكر السواد فينا. ثم وجه المقوقس حديثه إلى عبادة قائلا له: تقدم يا أسود وكلمني برفق فإني أهاب سوادك، وإن اشتد كلامك علي ازددت لذلك هيبة. فتقدم إليه عبادة وقال: قد سمعت مقالتك وإن فيمن خلفت من أصحابي ألف رجل أسود كلهم أشد سواداً مني وأفظع منظراً، ولو رأيتهم لكنت أهيب لهم منك لي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى