المقالات

في ذكرى معري اليمن

في قرية صغيرة تسمى البردون شرق مدينة ذمار اليمنية، ولد الشاعر البصير عبدالله البردوني عام 1929 وفي الخامسة من عمره أصيب بالجدري، هذا الوباء الذي سلب حياة الآلاف واكتفى من البردوني بمغنم بصره، لكنه قطعاً لم ينجح في سلب بصيرته، قيل إن الطبيعة لم تهب اليمن نهرا فكان البردوني نهره الخالد لاتقف في وجهه سدود الصد ولاعزائم الأمور، وصفه الدكتور عبدالعزيز المقالح بأنه شاعر ثوري عنيف في ثوريته جريء في مواجهته ثائر على منظومة الجهل والظلم، لم يداهن ولم يرض الهوان ولم يقترب يوماً من السلطة ولم يرم عطاياها، بل سعى لهدم أسوار الحكام وطغيانهم وإنارة دروب المشتاقين إلى الحرية، لذا لا غرابة أن تعيش اعمال البردوني على مر الزمان، ومن عيون قصائده الغزو من الداخل، قال فيها:
فظيع جهل ما يجري وافظع منه أن تدري
وهل تدرين ياصنعا من المستعمر السري
غزاة لا أشاهدهم وسيف الغزو في صدري
وقصيدة تميمية تبحث عن بني تميم من روائع اشعاره استنكر فيها ومنذ الاسبوع الاول الغزو الصدامي عام 1990
كلهم ينطقون «ماكو» كنطقي
هل غزاتي أنا دمي ذوب نصلي؟
قيل قدما: جار العزيز عزيز
أي أمر اغرى العزيز بذلي
كذلك صور البردوني في قصائده معاناة اليمنيين وما تعرضوا له من ظلم وفقر وجهل وكتب عن احلام البسطاء وأحزانهم بأسلوب إبداعي فريد واطنب الشاعر في تصوير ما عاشه الوطن، فكانت كلماته مرآة لآلام الشعب وهمومه، داعياً من خلالها إلى استرداد الحقوق ورفع المظالم عن اليمنيين والى ثورة شعبية تعيد هيبة ومجد المنسيين.
أعذر الظلم وحملنا الملاما
نحن ارضعناه في المهد احتراما
نحن دللناه طفلا في الصبا
وحملناه إلى العرش غلاما
يا زفير الشعب حرق دولة
تحتسي من جرحك القاني مداما
رحل البردوني في الثلاثين من اغسطس تاركاً لنا كنزاً ادبياً أثمن من شذور الذهب، ثماني دراسات نقدية واثني عشر ديوانا، من ارض بلقيس وفي طريق الفجر ومدينة الغد، لعيني ام بلقيس والسفر الى الايام الخضر وجوه دخانية في مرايا الليل وزمان بلا نوعية وترجمة رملية لاعراس الغبار وكائنات الشوق الآخر ورجعة الحكيم بن زايد.
خلاصة القول نحن العرب بحاجة إلى استحضار شخصية البردوني الأسطورية خاصة في هذه المرحلة الدقيقة على أمل ان يتحقق حلم الشاعر في غد مخضوضر.
وغدا تخضر ارضي وترى في مكان الشوك وردا وخزامى

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى