المقالات

برميل مليء بالحكمة

قبل اكثر من الفي عام كان هناك رجل طوال حياته يحمل مصباحاً مضيئاً ويتجول به نهاراً بحثاً عن إنسان نزيه . لا عجب في ذلك فهو الحكيم ديوجين الذي عاصر الإسكندر المقدوني ونظرا لأسلوب حياته لقب بديوجين الكلبي المعروف بازدرائه للغنى وذمه لمظاهر الترف والإسراف والتبذير والاكتفاء بما يتفضل به الناس عليه من مأكل ومشرب .
ومن أقواله: ان أولئك الذين اعتادوا على الحياة الناعمة.. سيشعرون بالتذمر عندما يجربون الوجه الآخر. أما الذين اعتادوا حياة خالية من المتع.. فيبدو أنهم سيجدون متعة أكبر في ازدراء مباهج الحياة .
ويقال إن الاسكندر الأكبر مر يوماً بديوجين وهو جالس في برميله يستحم بأشعة الشمس، فوقف الاسكندر أمامه قائلاً:
أنا الملك الإسكندر الأكبر
فرد عليه : وأنا ديوجين الكلبي
ثم سأله الاسكندر: هل تعيش في هذا البرميل فقط لكي تلفت انتباه الناس وإعجابهم بك؟
قال ديوجين: وهل فعلاً تريد أنت فتح بلاد فارس وتوحيد كل بلاد الإغريق.. أم تفعل ذلك فقط لتنال الإعجاب؟
ابتسم الإسكندر وقال: هذا برميل مليء بالحكمة.
فقال ديوجين: أتمنى لو كان لدي بدل هذا البرميل المليء بالحكمة.. نقطة واحدة من الحظ الجيد.. للحكمة طعم مر.. وأحياناً تؤدي بك إلى الهلاك.. بينما الحظ يفتح لك أبواباً ويحقق لك سعادة ما كنت تحلم بها.
أعجب الإسكندر الذي يعرف جيداً معنى الحظ.. بكلام ديوجين، ثم أخبره بأن يطلب منه ما يشاء ليلبيه له … فأجابه ديوجين بهدوء: أريد منك شيئاً واحدا إنك الآن تقف أمامي وتحجب عني أشعة الشمس، لذا لا تحرمني من الشيء الوحيد الذي لا تستطيع منحي إياه . لا تحجب شمسي بظلك.
ديوجين زهد في كل شيء الا في طلب العلم، فذهب الى الفيلسوف اليوناني أنتيثينس «وهو أحد أتباع سقراط» لعله يقبل به كتلميذ بين تلامذته فرفض الأستاذ.. وعندما ألح ديوجين بطلبه ضربه أنتيثينس بعصاه، فقال ديوجين:
اضربني كما تشاء لكنك لن تجد أبداً عصاً أصلب من تصميمي على البقاء والاستماع لما تقوله طالما أنه يستحق الاستماع.
ومنذ ذلك الوقت اعتبر ديوجين أحد أهم الفلاسفة الكلبيين الذين يرون أن السعادة هي المقدرة على التخلي عن كل شيء.. وأن تحقيقها بالعيش وفقاً للطبيعة وعبر تحقيق الاكتفاء الذاتي بالاستغناء عن كل ما هو زائد عن الحاجة.
طبعاً لا يعتبر المذهب الكلبي مدرسة فلسفية منظمة بكل معنى الكلمة وإنما كان طريقة حياة أكثر من كونه نظاما فلسفيا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى