المقالات

إذا تم أمر بدا نقصه توقع زوالا إذا قيل تم

العمر ينقص مع مرور الزمن والصحة كذلك، فالكمال لله وحده الحي القيوم، ولا بد من النقصان بعد التمام والضعف بعد القوة، ومن بلغ غاية ما يحب فليتوقع غاية ما يكره، وقد قال الله تعالى: «فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون» «الأنعام-44» ولأحد الأعراب بيتان كأنه أخذهما من هذه الآية، يقول فيهما:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت
ولم تخف غب ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها
وعند صفو الليالي يحدث الكدر
وقد قال لبيد بن ربيعة في هذا المعنى وأبدع:
وما المال والأهلون ألا ودائع
ولا بد يوماً أن ترد الودائع
والدنيا لا يدوم فيها فرح ولا ترح، وقد قيل لأعرابي : كيف حالك؟ فقال : ما حال من يفنى ببقائه، ويسقم بسلامته ويؤتى من مأمنه. يقول أبو البقاء الرندي:
لكل شيء إذا ما تم نقصان
فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول
من سره زمن ساءته أزمان
وقد نسب إلى الإمام علي بن أبي طالب هذه الأبيات:
هون الأمر تعش في راحة
كلما هونت أمراً سیهون
ليس أمر المرء سهلاً كله
إنما الأمر سهول وحزون
ربما قرت عيون بشجی
مرمض قد سخنت منه عيون
تطلب الراحة من دار العنا
خاب من يطلب شيئاً لا يكون
ونسب إليه أيضاً كرم الله وجهه ورضى عنه:
إذا تم شيء بدا نقصه
توقع زوالا إذا قيل تم
وقد نسب البيت الى أبي بكر الخوارزمي أيضاً، وفيها :
فكن موسرا أو تكن معسرا
فما تقطع الدهر إلا بهم
حلاوة دنياك مسمومة
فما تأكل الشهد إلا بسم
ولو فكر المرء لوجد مغفرة الله تعالى ورحمته خير من الدنيا بحذافيرها، وقد أحسن وصف الدنيا النمر بن تولب حيث يقول:
فيوم علينا ويوم لنا
ويوم نساء ويوم نسر
فلا وأبي الناس لو يعلمون
للخير خير وللشر شر
وروي أنه لما جاء سعد بن أبي وقاص أميراً على الكوفة أيام عمر بن الخطاب أتته حرقة بنت النعمان بن المنذر وكانت قد ترهبت ومعها جوارٍ في مثل زيها يطلبن صلته، فلما وقفن بين يديه قال: من منكن حرقة؟ قلن: هذه، فقال لها: أنت حرقة؟ قالت: نعم فلم تكرارك استفهامي، إن الدنيا دار زوال، ولا تدوم على حال، إنا كنا ملوك هذا المصر قبلك، يجبى إلینا خراجه ويطيعنا أهله زمان دولتنا، فلما أدبر الأمر وانقضى صاح بنا صائح الدهر فشتتنا، وكذلك الدهر يا سعد، إن بعد السرور حسرة، ثم قالت:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا
إذا نحن فيه سوقة نتنصف
فأف لدنيا لا يدوم نعيمها
تقلب تارات بنا وتصرف
فقال لها سعد بن أبي وقاص: قاتل الله عدي بن زيد كأنه ينظر إليها، حيث يقول:
إن للدهر صولة فاحذرنها
لا تبيتن قد أمنت السرورا
قد يبیت الفتى معافى فيرزا
ولقد كان آمنا مسرورا
ثم أكرمها وأحسن جائزتها. والدنيا أيها السادة لا تصفو على حال، فدوام الحال من المحال. وفي ما ذكرته كفاية، دمتم سالمين في أمان الله.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى