المقالات

عدالة الأسد

سنعود اليوم لكم بقصة وعلى القارئ أن يستخلص العبرة، فالواضح أن وراء كل رواية نسردها حكاية نرويها للقراء الأعزاء وعليهم أن يستوعبوا ما بين السطور، فما عادت تلك الصراحة تنفع أو قولها بالمشرمحي على قول أخونا الدمشقيين وبلا مجاملة وبتهذيب للحرف كي يصل الى المقصود فما عدنا نطيق أن نرى بلدنا تجري به كل جارية وحادثة دون أن يتصرف العقلاء في فضها أو حلها، منتظرين من الزمن أن يمحو ما احتوته الذاكرة وتعود الحياة لتدور الدائرة .. ولنا بقصة الثلاثة عبرة، فلما لا نقصها على القراء فقد يرون منها فائدة ويستنتجون منها الفكرة ليستخلصوا بعدها الدبرة؟ يحكى أنه ذات يـوم اختلف القرد مع الحمار حـول لون العشب في الطبيعة ولون السماء، فصاح القرد قـائلا إن لـون السماء أزرق ولون العشب على الأرض أخضر .. فصاح الحمار مجاوبا: لا ليس صحيحاً ما تقول فالسماء بيضاء .. ولون العشب اسود فاختلفا واشتد الخصام بينهما وذهبا الى الاسـد ليحتكما اليه فسمع الاسـد القضية كاملة ثم أمر بحبس القـرد بل ومعاقبته، فاعترض القـرد على الحكـم واشتد الخصام بينهما وقال: حكم غير منصف أيها الأســد العادل، أنا من قلت إن الطبيعة خضراء والسماء زرقاء فهل أخطأت؟ فقـال الأســـد: لا، كلامـك صحيح، لكنـك أخطأت حين ناقشت الحمار وجادلته في الرأي، فقد كنت على حق في المكان الخطأ، لذا قررنا نفي القرد خارج الغابة وأخلينا سبيل الحمار، وبينما يغادر القرد تنفيذاً للقرار اقترب منه الأسد بهدوء وهمس في أذنه قائلا: أعلم كما تعلم بأن لون العشب أخضر وليس أسود لكنني عاقبتك بسبب قبولك للنقاش مع الحمار، فهل يناقش العاقل الجاهل الذي أمامه؟ هذه الرواية التي فيها من الحكمة شيء كثير لو تمعنا في أحداثها وما يجري الآن في النقاشات التي تدور بين الأفراد بالمجتمع والناس في شبكات التواصل لوجدنا أن القصة تكرر نفسها بين شخصين وأكثر، تجدهما قد اختلفا في رأي وكل منهم على رأي مغاير للآخر يكون أحدهما صحيحا والآخر إما جاهلا أو مكابرا في قول الحقيقة ويرتفع الصراخ بين المتناقشين لتكون الحصيلة بينهما في بعض الأحيان قطيعة وشحناء وعلى ماذا .. يكون الخلاف على رأي وتطلع ولا يكون في بعض الأحيان من شأن الاثنين فأراء الاثنين لا تقدم ولا تؤخر في اتخاذ القرار ولكن حب الجدال واثبات الرأي، هذا ما تفشى وترك في نفوس الضعاف منفذا متى أرادوا استخدامه في أي حادثة أو قضية، فهل يناقش من أصر على رأي خطأ وهل يجادل من عرف بالجدال العقيم؟ لو ترك الإنسان ما لا يخصه في مسائل كثيرة واختار قراره بشكل صادق وصحيح ما ظهرت علينا بوادر الصراخ وحب الجدال في العامل والبطال، فهل ينفع النقاش في أمور حسمتها الظروف؟ وهل ينفع الجدال في استقرار الناس وعلاقاتها فيما بينها .. نصيحة اتركوا عنكم ما لا تستطيعون الحكم فيه ولا ينفع الرأي العام القول بشكل جدال، فما يكون الرأي محسوما فيه ولا يقدم رأيك ولا يغني في حسم القرار .. دعه عنك واتركه لأصحاب الرأي ولا تجادل كما جادل القرد ذلك الحمار .. وأعلم أن نقاش من يصمم على رأيه دون معرفة وبجهل واقتناع يعتبر من .. الغباء.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى