المقالات

نهاية الدولة وصعود الـ«فورِس»

تقول الطرفة الشعبية ان موظفا قبض راتبه، وركب الباص المزدحم ليصل إلى بيته ويفرح أطفاله، وكان هناك من يراقبه، ركب خلفه وسرق راتبه. وعندما طلب «جابي التذاكر» ثمن التذكرة، لم يجد الموظف في جيبه شيئاً، فاحمر وجهه خجلاً وارتبط لسانه، فقال له «الجابي» مستهزئاً عيب عليك، أن يسلك رجل محترم مثل هذه التصرفات غير المحترمة، فضربت النخوة اللص وقال للجابي: أجرة الأستاذ المحترم علي، فابتسم الموظف الشريف وقال للحرامي: بارك الله فيك وكثّر من أمثالك يا رجل يا شهم، وأخذ الركاب يمدحون الحرامي ويثنون عليه ويدعون له ولأمثاله بأن يبارك الله فيهم ويزيد في أعدادهم، ومنذُ ذلك الحين وأعدادهم بازدياد!
قد تكون هذه الطرفة الموجعة، شكلا ومضمونا، مجرد حكاية غير واقعية، وتأليف عابر وذكي، الا انها -حقيقة- تعكس واقعا معاشا في عالم اليوم – زمن العولمة التي اضحى بها الفساد ايضا معولم ما زاد – وبشكل مروع – من اعداد الـfures «ومعناها اللصوص في اللاتينية» .. وللدرجة التي اصبحت بها «ظاهرة اللصوصية» حالة متجذرة في العالم الاول او الثاني او الثالث، وسواء كان هذا المجتمع متقدماً او متخلفاً!
ففي الولايات المتحدة الاميركية، حذرت مجلة فورين بوليسي الأميركية من أن الفساد متجذر في الولايات المتحدة أكثر مما يعتقد الأميركيون بحيث صار مشكلة تهدد الأمن القومي للبلاد. ووصفت المجلة في تقرير لها الرئيس دونالد ترامب بأنه أحد «أعراض» مشكلة الفساد الذي تحول إلى «فساد منهجي في المؤسسات المالية الرئيسية» في الولايات المتحدة.
وفي تقرير عرضه موقع إيلاف الإلكتروني، شهدت اليابان مؤخرا سلسلة فضائح ارتبطت بأسماء سياسيين كبار، وهزت المجتمع الياباني، منها فضائح فساد مالي أو بيروقراطي، وفضائح جنسية وحالات تجاوز على قوانين الانتخابات. وقد خصص ماثيو م.كارلسون وستيفن ر. ريد لهذا البلد ومغامراته مع الفساد كتابًا يحمل عنوان «الفساد والفضائح السياسية في اليابان» Political Corruption and Scandals in Japan .
وفي المانيا، أظهرت دراسة حديثة نشرتها منظمة الشفافية الدولية تراجعا واضحا في مكافحة الفساد والرشوة على مستوى العالم، فيما تحتل الدول العربية ذيل القائمة لأسباب كثيرة، لعل اهمها سهولة الاستيلاء على المال العام من قبل المتنفذين سياسيا وتجاريا، كما ان الدراسة اكدت على تراجع مخيف لمكافحة الفساد وخاصة في دول الخليج العربي، والتي شهدت عمليات فساد ممنهج يتلقى معظمه رعاية وحماية حكومية!
شخصيا لا أستغرب ان تنشأ منظمة عالمية جديدة في المستقبل القريب، وتحت مسمى «عصبة اللصوص»، والتي قد تتحول فيما بعد الى «منظمة الـ فورِس المتحدة»، وسيكون لها امين عام من اللصوص، ولكل دولة موفدون خاصون بها من لصوصها المحليين! وستتحول الحروب والصراعات عالميا ليس بين الدول المختلفة وانما بين لصوص الدول، وستكون الجيوش والترسانة العسكرية خاضعة لخدمة اللص وليس الدولة، كما أن الشعوب سيتم تربيتها وتعليمها لخدمة اللصوص وليس الأوطان، وهذا معناه دخول البشرية الى مرحلة جديدة نتيجة لأفول ظاهرة الدولة وصعود ظاهرة اللصوصية، التي ستكون حالة عالمية جديدة، لها سماتها وشكلها الخاص، وستكون مدعومة بافكار ومؤسسات مزيفة، لكنها مؤثرة مجتمعيا، مثل القيم المزيفة والأخلاقيات المزيفة والبرلمانات المزيفة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى