المقالات

القانون الخبيث

منذ بداية انتشار فيروس كوڤيد 19، وأنا وغيري من الاقتصاديين ننادي بضرورة تدخل الحكومة لإنقاذ أصحاب المشاريع الصغيرة وتحفيز الاقتصاد لتخفيف وطأة الآثار الاقتصادية لهذه الجائحة، ولكن للأسف تأخرت الحكومة في إصدار القوانين اللازمة ولا نعفي مجلس الأمة من هذا التأخير، فبرأيي الشخصي ان الحكومة والمجلس اليوم شركاء في تدمير ما تبقى من اقتصاد من خلال ضعف الحكومة في الدفاع عن قراراتها وقوانينها، وانشغال النواب بالمكاسب الشخصية الانتخابية على حساب مستقبل وحاضر الاقتصاد الوطني.
قانون الدين العام كان أهم امتحان اقتصادي للحكومة الحالية والمجلس الحالي، ولكن للأسف رسبت الحكومة والمجلس بطريقة مخزية في التعامل مع هذا الملف الخطير، فضعف الفريق الحكومي وتمزق الجسد الاقتصادي الحكومي وعدم قدرتهم على الدفاع عن القانون أو تقديم حلول منطقية جعل القانون صيداً سهلا لنواب جلّهم لايفرق بين أبجديات الاقتصاد، فانبروا بمعارضة القانون إما لأجندات مخفية او لمصالح انتخابية.
في الجلسة الاخيرة لمجلس الأمة تم إقرار قانون الضمان الحكومي لدعم المتضررين من جائحة كورونا، ورغم اني اول من نادى بضرورة ضمان القروض لأصحاب المشاريع الصغيرة، الا اني صعقت من وروود فئة «الافراد والشركات الاخرى المتضررة من الجائحة وبدون سقف اعلى للاقتراض» رغم اني تابعت بعض آراء النواب من مؤيدين ومعارضين للقانون والجدل حول إلغاء هذه الفقرة من القانون، الا انني يرتابني الشك حول كيفية اقحام هذه الفئة ضمن فئات المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فالمشاريع الصغيرة والمتوسطة مشاريع ذات طبيعة خاصة وتحتاج الى رعاية مختلفة سواء في الظروف الاقتصادية الجيدة او السيئة، أما الكيانات الاقتصادية الاخرى فهي في الظروف العادية لديها الإمكانيات للحصول على التمويل المناسب لما تتمتع به من هيكلة وامكانيات تؤهلها لذلك، وفي حال الأزمات لا تحتاج هذه الكيانات إلا تسهيلات ائتمانية من خلال تخفيض الفائدة وزيادة السيولة لدى البنوك وفي احلك الأوضاع تقديم ضمان لايتعدى الـ 20 ٪.
القوانين الاقتصادية التي صدرت في العقد الاخير هي قوانين اتسمت بالخبث والشيطانية حيث ان اغلبها اما صيغت بطريقة حتى لا تطبق او وضعت بها مادة او فقرة او كلمة لتنفيع فئة محددة، القانون الحالي بصيغته الحالية يمكن اصحاب المشاريع الكبرى ممن لهم ملاءة مالية جيدة من الحصول على قروض دون سقف، الخبثاء منهم سيلجأ للاستفادة من هذا القانون، فلو حصلت عشرون شركة على قرض بقيمة مئة مليون لكل منها، فالمجموع ملياران ولن يتبقى الا مليار لبقية الفئات للضمان، وبافتراض سوء النية ان هؤلاء الخبثاء بعد أن حصلوا على المليارين أعلنوا إفلاسهم وخسارتهم ستدفع الحكومة ملياراً وستمائة مليون لسداد ديونهم ولن تطالبهم البنوك إلا بـ 400 مليون يعني اقترض 100 مليون وردهم 20 مليوناً!!
الكيانات الاقتصادية الاخرى بالتأكيد هي بحاجة ماسة للتسهيلات الائتمانية حتى تتجاوز تداعيات الجائحة عليها من خلال زيادة السيولة لدى البنوك والسوق وتسهيل الحصول على القروض من البنوك المحلية، فالمطلوب من الحكومة إنقاذ الاقتصاد وتحفيزه ككل وليس تبديد المال العام على فئات هي بالتأكيد ليست بحاجة لهذا القانون.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى