المقالات

إن يحرمونا

اسمحوا لي أن أقدم لكم اليوم أعزائي القراء أعظم متاهة في تاريخ البشرية، مجموعة من علامات الاستفهام تشكل خريطة محكمة ومفصلة للتوهان، مرحبا .. من أين جئت؟ ما اسمك؟ إلى أي عرق تنتمي؟ من اين ينحدر اسلافك؟ ما هو دينك؟ لأي طائفة تنتمي؟ أين تسكن؟ في اي شارع؟ في أي جادة؟ على الجانب الأيمن أم الايسر؟ وتستمر الأسئلة ..
تفاصيل كثيرة تفرقنا وتجعلنا مشتتين غرباء عن بعضنا البعض، بل وتصل بنا أحيانا للعداوة .. لكن الحقيقة تشبه تماما أحد أبيات القصيدة المغناة التي كتبها الشاعر عبد العزيز المقالح « كلنا في الهوى دم .. كلنا ولاد آدم»، الحقيقة بأن التراب الذي خلقنا منه وجد ليجمعنا، لكننا مع الأسف احترفنا كل أساليب الفرقة منذ بدء الخليقة تقريبا.
كثيرا ما تتملكنا رغبة التقدم في العمر والارتفاع بالقدر، نريد ان نسابق الزمن نحو أهدافنا، دائما نبحث عن الكبر، سواء بمجهودنا أم على حساب غيرنا، على حساب أنفسنا أحيانا. ولكن ما هي النتيجة؟ وإلى أين وصلنا؟
بحثت كثيرا وطويلا في دفاتر ذاكرتي عن ذاك التوقيت الذي فقدنا به «حب الإنسان» لكونه من لحم ودم مثلنا تماما وفقط، ولا تنفك مخيلتي بالعودة إلى صور قديمة وقليلة، فتارة أرى نفسي جالسا على مقاعد الدراسة بين زملائي «المحاربين القدامى»، لا اذكر ملامحهم جميعا ولا حتى اسماء بعضهم، ولكني اذكر تماما أصوات ضحكاتهم واجمل الاوقات بصحبتهم .. لم أكن أعرف عنهم أجوبة الأسئلة التي طرحتها في مقدمة هذه المقالة، ولم تكن تهمني حتما ولن تعنيني يوما !
وتارة أعود إلى أيام كنا نقضيها في الفريج «الحي»، حيث كانت بيوت أهالينا تبدو وكأنها مجرد غرف عديدة لبيت واحد أكبر .. للوطن .. وكنا جميعا لا نسأل عن عناوين المنازل، فجميعها ملاذ آمن لنا .. كان الوطن بأكمله منزلنا وربيع أحلامنا، لم يكن لاختلافنا دور يباعد بيننا.
كان ما يجمعنا هو فطرتنا السليمة المزروعة بشكل طبيعي في روح كل طفل يخلق على وجه هذه الأرض على اختلاف الأزمنة، فهذا حق لكل إنسان منا حفظه الله لنا على تعدد أصولنا وتبعياتنا، لكن هذه الفطرة مع الأسف تبدأ بالتلاشي شيئا فشيئا بين عواصف التفرقة التي لا تتوقف عن ضرب سنين عمرنا.
ما زلنا كذلك، لست قلقا، نحن خلقنا لنعشق الحياة .. لنعطيها، لنتعايش فيما بيننا، وكل الظروف التي تحاول تفرقتنا عابرة .. علينا فقط أن نعيد إحياء تلك الطفولة في قلوب وعقول الأجيال الجديدة وأن نتمسك بها حتى نهاية رحلتنا في هذه الدنيا، لا يجب ان نستمع للأصوات التي يرعبها ذاك المزيج الذي يصنع من اختلافه قوة .. «لا تصدق فتندم».

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى