المقالات

فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها فأول راض سيرة من يسيرها

هذا بيت حكمة له قصة، قال الإمام التبريزي ان أباذؤيب الشاعر كان له صديق يبعثه برسائل الى فتاة يحبها، فلما ترعرع أبو ذؤيب أفسد الفتاة على صديقه وأمالها عنه إليه، ثم حجبت عنه ومنع منها، فكان يبعث رسائله اليها مع فتى اسمه خالد فلما كبر خالد، أفسدها على أبي ذؤيب وكما تدين تدان، فقال يؤنب المرأة:

تريدين أن تجمعيني وخالد

وهل يجمع السيفان ويحك في غمد

ثم جعل يؤنب خالدا فقال له خالد:

فلا تجزعن من سيرة أنت سرتها

فأول راض سيرة من يسيرها

وقد روي أنه في خلافة عبد الملك بن مروان كان رجلا يسمى منازل بن فرعان له ابن يدعى خليج ، فعق خليج أباه منازلا وآذاه فاشتكاه الى والي اليمامة ابراهيم بن عربي وقال له:

تظلمني حقي خليج وعقني

على حين كانت كالحني عظامي

لعمري لقد ربيته فرحا به

فلا يفرحن بعدي امرؤ بغلام

وكيف أرجي التفع منه وأمه

حرامية ماغرني بحرام

ورجيت منه الخير حين استزدته

وما بعض ما يزداد غیر حرام

فاستشاط الوالي غضبا وأمر بجلده تأديبا له فقال له خليج: أصلح الله الأمير لاتعجل علي، أتعرف أبي هذا؟ قال: لا، قال: هذا منازل من فرعان الذي عق أباه وفيه يقول أبوه:

جزت رحم بيني وبين منازل

جزاء كما يستنزل الدين طالبه

وربيته حتى إذا آض شيظما

يكاد يساوي غارب الفحل غاربه

فلما رآني أبصر الشخص أشخصا

قريبا وذا الشخص البعيد، أقاربه

تغمد حقي ظالما ولوی پدیا

لوى يده الله الذي هو غالبه

وكان له عندي إذا جاع أو بكى

من الزاد أحلي زادنا وأطايبه

فقال الوالي: ياهذا عققت فعققت، فما لك مثل إلا قول خالد لأبي ذؤيب الهذلي:

لا تجزعن من سيرة أنت سرتها

فأول راض سيرة من يسيرها

وأبوذؤيب الهذلي هو خويلد بن خالد بن محرث بن مخزوم بن صاهلة بن كاهلة الهذلي شاعر متقدم مجيد مخضرم عاصر الجاهلية والإسلام، وحضر الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من الفحول لاغميزة في شعره، ولا وهن، وهذيل أشعر الناس وأشعر هذيل أبوذؤيب وهو صاحب القصيدة العينية التي يرثي بها أبناءه ومطلعها:

أمن المنون وريبها تتوجع

والدهر ليس بمعتب من يجزع

وفيها أيضا:

وإذا المنية أنشبت أظفارها

ألفيت كل تميمة لا تنفع

وهذه يقولها في بنين له خمسة أصيبوا في عام واحد بالطاعون، وقد توفي في طريق مكة قريبا منها، ودفنه وصلى عليه عبدالله بن الزبير وكان صديقا له، واكتفي بهذا القدر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى