المقالات

العين تبدي الذي في قلب صاحبها من الشناءة أو حب إذا كانا

إنها لغة العيون يا سادة، فما في قلب الإنسان تنبئك به عینه دون مقدمات وهذا الأمر يحتاج الى الذكاء والفطرة والحدس، والمحب لك لا يخفى عليك إلا إن كنت سقيم عقل، وكذلك من يكرهك تعرفه من نظراته، لذا قال هذا الشاعر في بيته الآخر:

إن البغيض له عين تكشفه

لا تستطيع لما في القلب كتمانا

والبغيض هو الحاقد عليك الشديد البغض لك، هذا الرجل تعرفه من خلال نظراته لك وبسهولة، فمثل هذا الصنف من الرجال لا تخفى خافيته، وكل ذلك نعرفه بالعين التي هي مرآة حقيقية لما تخفي القلوب وهي هبة رب العالمين وأغلى ما يملكه الإنسان وقد بيّن هذا الشاعر ذلك في قوله:

فالعين تنطق والأفواه صامتة

حتى ترى من ضمير القلب تیانا

فيا للعين من صامتة ناطقة تبدي لك خفايا القلوب، هذه الأبيات الرائعة يقولها أبو الفوارس سعد بن محمد بن سعد بن الصيفي التميمي الملقب شهاب الدين المعروف بحيص بيص الشاعر العباسي المشهور، جمع بين الشعر والأدب فكان جزل اللفظ وله رسائل فصيحة بليغة، وأخذ الناس عنه الأدب، وكان خبيرا بأشعار العرب واختلاف لغاتهم، إلا أنه تياه لا يخاطب أحدا إلا باللغة العربية الفصحى ويلبس الزي العربي ويتقلد سیفا، وقد لقب بحيص بيص لأنه رأى الناس يوما في حركة مزعجة وأمر شديد فقال: ما للناس في حيص بيص؟ فلزمه هذا اللقب، وكان الذي لقيه بحيص بيص أبوالقاسم هبة الله وبن الفضل، وهو القائل في مدح الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله أبومحمد الحسن بن يوسف المستنجد:

يا إمام الهدی علوت على الجود

بمال وفضة ونضار

فوهبا الأعمار والأمن والبلدان

في ساعة مضت من نهار

فبماذا يثنى عليك وقد

جاوزت فضل البحار والأمطار

إنما أنت معجز مستمر

خارق للعقول والأفكار

جمعت نفسك الشريفة بالجود

وبالبأس بين ماء ونار

ويعد هذا الشاعر امتدادا لمدرسة التجديد في البناء الفني للقصيدة العربية بل هو نسيج وحده بين الشعراء المجددين والمقلدين خاصة فيما يخص مطلع القصيدة، وقد مدح الخلفاء والسلاطين والأمراء والوزراء والأكابر مع اعتزازه بنفسه وعروبته الأصيلة، ومن أشهر قصائده على الإطلاق قوله:

ملكنا فكان العفو منا سجية

فلما ملكتم سال بالدم أبطح

وحللتم قتل الأسارى وطالما

غدونا عن الأسرى نعف ونصفح

فحسبكم هذا التفاوت بيننا

وكل إناء بما فيه ينضح

وكان إذا سئل عن مولده قال: أنا أعيش في الدنيا مجازفة لانه لا يحفظ تاريخ ولادته، كما كان يقول إنه من سلالة حكيم العرب أكثم بن صيفي التميمي وقد توفي بحسب رواية ابن خلكان في شعبان سنة أربع وسبعين وخمسمئة للهجرة، وأكتفي بهذا القدر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى