المقالات

ارحل بكرامة

المحبة ليست اجبارية، وأنت لست مضطرا للبقاء مع أشخاص لا يبادلونك الود نفسه، وإذا لم تكن المودة خالصة ونابعة من القلب فلا خير في هذه المودة ولا خير في هذه العلاقة!

اعلم – رعاك الله – أن من يحبك بصدق سيحرص عليك، وسيتمسك بك، فلا تخدع نفسك بالمحبة الكاذبة، والمعزة الاصطناعية. وفي هذا يقول سيد الحكمة وشاعر الدنيا المتنبي بيتاً في غاية الوضوح والصدق :

إِذا تَرَحَّلتَ عَن قَومٍ وَقَد قَدَروا

أَن لا تُفارِقَهُم فَالراحِلونَ هُمُ

أي إن الخاسر الكبير هو من فرط فيك بعدما كنت في متناول يده، وتحت رهن إشارته، ولكنه آثر تركك، واختار فراقك، ولم يقدر حبك له واهتمامك به، وباعك بثمن بخس دراهم معدودة في سوق الجفاء والفراق، ففي هذه الحالة الرحيل هو الحل الأنسب، فلا تبك نفسك عليه حسرات، ولا تذرف عليه دموع الأسى، فأحيانا الربح يكون في خسارة بعض العلاقات. فالحياة قصيرة وفي الناس أبدال وفي الترك راحة.

يقول الامام الشافعي رحمه الله:

إِذا المَرءُ لا يَرعاكَ إِلّا تَكَلُّفاً

فَدَعهُ وَلا تُكثِر عَلَيهِ التَأَسُّفا

فَفي الناسِ أَبدالٌ وَفي التَركِ راحَةٌ

وَفي القَلبِ صَبرٌ لِلحَبيبِ وَلَو جَفا

فَما كُلُّ مَن تَهواهُ يَهواكَ قَلبُهُ

وَلا كُلُّ مَن صافَيتَهُ لَكَ قَد صَفا

إِذا لَم يَكُن صَفوُ الوِدادِ طَبيعَةً

فَلا خَيرَ في وِدٍّ يَجيءُ تَكَلُّفا

لا شك أن قرار الفراق صعب ولكنه أفضل من البقاء والاستمرار في علاقة كلها ذل ومهانة، فكرامتك هنا أهم! فما أقسى شعور البقاء مع من لا يهواك قلبه وما أصدق قول أحمد شوقي:

هجرت بعض أحبتي طوعًا لأنني

رأيت قلوبهم تهوى فراقي

نعم اشتاق ولكن وضعت

كرامتي فوق اشتياقي

أرغب في وصلهم دوما ولكن

طريق الذل لا تهواه ساقي

حتى تستريح وترتاح طبق هذه القاعدة: «القرب على قدر القرب والبعد على قدر البعد» فمن تقرب إليك شبرا فتقرب إليه باعا ومن زهد فيك وهجرك فازهد فيه واهجره واتركه ولا تكثر عليه التأسفا. نصيحتي، احرص على من يحبك بصدق ولا ترهق نفسك في علاقة لن تثمر ولن تؤتي اُكلها، ستجد البديل والأنيس بإذن الله، اسحب نفسك تدريجيا واترك ذكرى طيبة وارحل بكرامة والسلام. 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى