المقالات

تقتل أبناءها

امر مؤسف، بل في غاية الاسف، ان تعيش الشعوب على وقع الانتقام والرغبة بالقتل والتصفية وإبادة ابناء الوطن. قد لا تكون سمة عربية او اسلامية فقط لعامل الولاء الطائفي والمذهبي او القبلي المتعصب، الا انها في كل الاحوال سمة غير مشرفة وليست حميدة . في العراق كان النظام الديكتاتوري لا يرحم خصومه وكانت هناك تعليمات حزبية بإحالة المنتمين الى حزب الدعوة الى محاكم الثورة التي لا حكم آخر لديها غير الاعدام. لا رحمة ولا درجات للقصاص ولا قوانين تظلم أو استئناف أو نقض. فكان الاعدام نهاية حياة حتى من يشتبه به انه على صلة بهذا الحزب المتهم حتى الان بالتبعية لإيران وبخدمة ما يسمى بالولي الفقيه. الأمر الاكثر ايلاما للنفس وأسفا ان تمارس جماعات وميليشيات حزب الدعوة التي تحكم العراق الآن بعد ان اسقطت اميركا، لا إيران ولا حزب الدعوة، كل العراق في احضان طهران، نفس الاسلوب في تصفية من تعتقد انهم على صلة بالماضي ومعهم كل من يرفض ولاية الفقيه او الدولة الدينية على الطريقة الايرانية. وهي في نهاية الأمر لا توفر حريات عامة ولا تضمن كرامة ولا تختلف في مصادرة الحقوق بما في ذلك حرية الرأي والمذهب والعقيدة، عمن حكم افغانستان وأعاده الى الوراء آلاف السنين ومن هم على شاكلته من التنظيمات الارهابية التي استظلت باسم الدين الحنيف مثل داعش والقاعدة. ما الفارق بين من يقتل باليمين او بالشمال، بالسيف او بالمشنقة او رميا بالرصاص؟ ما الفارق الثقاقي او الديني او الانساني بين من يمارسون القتل بدون حق. سواء بأسلوب الاغتيال الفردي او القتل الجماعي او بالابادة؟
في وقت ما كان نبيل شعث، احد ابرز المقربين من الرئيس الفلسطيني التاريخي لهذه القضية ياسر عرفات، مستشار الرئيس الحالي محمود عباس ومعه عفيف صافية احد افضل سفراء فلسطين في اوروبا وربما العالم في مرحلة التسعينات، وفشل في إقناع الحكومة البريطانية بإصدار قرار اعتذار تاريخي بريطاني باسم الملكة والحكومة والشعب البريطاني، للفلسطينيين تحديدا والعرب والمسلمين عامة والعالم اجمع، عن وعد بلفور الذي صدر في 2 نوفمبر 1917 ومنحت بموجبه الحكومة البريطانية آنذاك يهود العالم فلسطين وطنا قوميا لهم. التقارب الفلسطيني البريطاني بلغ أوجه في عام 1998 عندما جمع الرئيس الاميركي بيل كلينتون عرفات مع رئيس وزراء اسرائيل آنذاك ايهود باراك في بوتقة اتفاق جديد، كان يمكن، لولا سوء نوايا قادة الحركة اليهودية في العالم وطمعهم في كامل ارض فلسطين والارض العربية وهو ما يفعلونه الآن، ان تقود لسلسلة تفاهمات تؤدي الى حل ثنائي لأزمة الشرق الاوسط، من بين اهدافه وخططه البديلة يومها حل الدولة الواحدة، لكن ليس على طريقة رئيس وزراء اسرائيل الحالي بنيامين نتنياهو «الدولة القومية» المقتصرة على المستوطنين الذين يفدون الى فلسطين للتملك والاقامة والحكم دون ان تكون لهم علاقة سابقة بالارض. كانت المفاوضات التي اتعب كلنتون نفسه لايصالها الى حد ضمان مطالب الطرفين فيها ، ستقود الى إعادة الانتشار الثالثة: «انطلاقاً من بنود الاتفاق الانتقالي ورسائل وزير الخارجية الأميركي الأسبق كريستوفر» للطرفين في 17 يناير 1997 المتعلقة بعملية إعادة انتشار إضافية. على ان يضع الطرف الفلسطيني خطة عمل يبدأ تنفيذها على الفور لضمان مكافحة منهجية وفاعلة ضد المنظمات الإرهابية وبنائها. فضلا عن قيام تعاون أمني ثنائي بشكل تام على ان يكون متواصلاً ومكثفاً وشاملاً. كان كل التركيز في الصيغة اعلاه وفي فقرة اخرى ذات علاقة قد اشار الى موضوع الارهاب، محملا المقاومة الفلسطينية مسؤولية التعنت والشره الاسرائيلي وهو ما تنص عليه البيانات والتصريحات الصادرة اليوم من قبل اسرائيل في موضوع اتفاقات التطبيع التي توصلت اليها اسرائيل مع ثلاث او اربع دول عربية خليجية في وقت تواصل واشنطن الضغط على ثلاث دول عربية اخرى لتوقيع اتفاقات مماثلة دعما لوضع الرئيس الاميركي الحالي انتخابيا. المشكلة ان طهران المعنية بكل هذا والتي تحارب في العراق ولبنان وسورية واليمن اقليميا وعربيا ودوليا، تعتبر انها انتصرت على الولايات المتحدة في حرب الاخيرة على الشعب الايراني . ليس في وارد ايران ان تعيد النظر فيما يجري في المنطقة، ومثلما تريد اطراف الازمة اليمنية حلولا للازمة على حساب الشعب اليمني فإن ايران والاطراف المختلفة معها تريد حلولا بمقاسات مطالبها وقناعاتها. لذلك رفضت واشنطن وهي المستفيد الاول من الحرب العراقية الايرانية ومن خطيئة غزو الكويت ومن حرب التحرير ومن المؤامرة التي تتعرض لها سورية ومن ازمة الخليج الحالية بين قطر وجاراتها ومن الحرب في ليبيا ومن الخراب في لبنان ومن تردي الوضع الاقتصادي في الاردن، مبادرة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن النظام الامني المشترك في الخليج العربي وهو نفس موقف اسرائيل التي باتت شريكاً للعرب في كل شيء حتى في عضوية الجامعة العربية، فهناك من يمثلها الان شئنا أو أبينا. في قضية مثولي ووزير الخارجية البريطاني الاسبق امام القضاء البريطاني متهمين بالاساءة للكيان الاسرائيلي بعد نشر كاريكاتير في المجلة يصور جنديا اسرائيليا يعتصر خارطة لبنان دما، قال الوزير كوك للقاضي: إنها وإن كانت مجلة الهيئة البريطانية إلا أنها ناطقة باللغة العربية ويديرها طاقم اعلامي بريطاني من اصول عربية. هذا الطاقم يتمتع بكامل ثقة الحكومة البريطانية ورئيس تحرير المجلة مفوض بكتابة افتتاحية العدد باسم الحكومة وانسجاما مع مواقفها ولم يحصل قط ان اساء الادب او استخدم عبارات او مصطلحات عنصرية. سألني القاضي عن اول قصة او رواية عالمية غير عربية قرأتها، أجبت: البؤساء. وتسمى أيضا اليائسون. سألني: هل تعرف اسم المؤلف؟ قلت: الفرنسي فيكتور هيغو وأكملت: هكذا نلفظ اسمه في العراق ولأن غيرهم يلفظه هوغو. قال: كم كان عمرك يومها؟ اجبت: 10 سنوات. استخدم مطرقته برفض الدعوى ورفع الجلسة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى