المقالات

أفٍ أفٍ لحرية بلا سقف

الحرية جميلة ورائعة وكلنا يريدها، ولكنها في الحقيقة سلاح ذو حدين، فإما أن تكون لك وإما أن تكون عليك، خاصة ونحن نمر بظروف استثنائية مع تفشي هذا المرض الخبيث والصراعات القائمة حولنا، فلم لانجعلها لنا لا علينا، لا أحد في هذا البلد وبلدان العالم يحب تكميم الأفواه، إنما يريد أن يتحدث بحرية حول ما يدور حوله، والذات الإنسانية أساسا لا يمكن لها أن تحقق صميمها إلا بالحرية ولا نختلف على ذلك، فنحن أحرار نقول ما نريد، نحب هذا ونكره ذاك، لنا حرية اختيار من نراه أهلا لعضوية مجلس الأمة، نتحدث في مجالسنا في كل شاردة وواردة دون خوف أو قلق، فالديمقراطية تأصلت في نفوسنا، وهذا فضل من الله تعالى ونعمة تستحق الشكر، ولكن الحرية لها ضوابط يتجاهلها البعض ويغض النظر عنها مع أنها من الأهمية بمكان، كما أن هناك حرية مسؤولة ولا مسؤولة وهي كالسلم الذي ينتهي عند آخر درجة وبعد ذلك الهاوية، كما أن الحرية لها أخلاق يجب أن نتحلى بها، وهناك أيضا حرية مسؤولة ولا مسؤولة والفرق بينهما كبير، لأن الأولى فارطة فرط المسبحة والثانية منضبطة، فلا أشتم أحدا وأقول حرية، ولا أتلفظ بألفاظ نابية وأقول حرية ولا أتدخل في خصوصيات الناس وأقول حرية، والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها التدخل في شؤون الأسرة الحاكمة وهذا التدخل بات واضحا وضوح الشمس في ضاحية النهار، فما شأني وشأنك في هذا الأمر الذي لا يعنيني ولا يعنيك، وما الذي تستفيده من هذا التدخل السافر، إذا كان مجلس الأمة وهو الذي يمثل الشعب كله لايتدخل في هذا الشأن، فما أنت وذاك؟ لقد وصل الأمر الى التدخل فيمن يختاره الأمير لولاية العهد وهذا أمر خطير للغاية ويخالف ما نص عليه الدستور، ولكن البعض يأخذ ما شاء من الدستور ويرمي ما لايريد وراء ظهره فيفصل الدستور على مقاس فكره وتوجهه،
ويقولون إنها حرية! فأف أف لحرية بلا سقف، فلا يمكن ترك الحبل على الغارب باسم الحرية، وقد زادت الحرية عن حدها وزاد التمادي حتى تحول بعض من يدعيها كذبا وزورا الى معول هدم لقيمنا وثوابتتا التي نشأتا عليها، ويقولون حرية تعبير وإبداء رأي، لزعزعة الاستقرار وبث الفرقة بين أبناء المجتمع الواحد، وزرع العداء، وليس من الحرية التفرد بالرأي ومصادرة الرأي الآخر والفجور في الخصومة، لقد شربنا الحرية في الكويت حتى طفحناها فلدينا من الحرية ما يزيد عن حاجتنا، فلا نحمل الحرية فوق طاقتها، وهنا تأتي مسؤولية الدولة وأهل الفكر والرأي والمحطات الفضائية لتوعية الناس من مخاطرها، فقد شبعنا من الحرية، والخوف كل الخوف مما بعد الشبع، فهل الحرية أن نكون أحزابا متحزبة كل حزب يعادي الآخر؟ والمؤسف حقا ما نراه في وسائل التواصل الاجتماعي من مهازل يندى لها الجبين باسم الحرية، والأدهى أن معظم رواد هذه المواقع شباب في مقتبل أعمارهم يجهلون مفهوم الحرية الحقيقي ويتمادون في غيهم ويرمون بأنفسهم في التهلكة ثم في النهاية يتحملون جريرة ما فعلوه، أيها السادة: لا توجد حرية منفلتة لاضابط لها ولا أشبه الحرية إلا بإشارة المرور القديمة خضراء وصفراء وحمراء الخضراء للعبور والصفراء تحذيرية والحمراء للتوقف، فمن لايتوقف عند الحمراء وكسرها تعرض لما لايحمد عقباه، ثم علينا ألا نخلط بين حرية التعبير والتعدي على الآخرين تحت أي مسمى كان، الفضاء مفتوح لك فلا تجعل كلامك بلا فرملة وراع مشاعر غيرك، وعلينا جميعا قطع الطريق على كل من يريد تعكير صفو مجتمعنا الآمن المسالم وأن نحذر من هذه المواقع الخبيثة ونحذر أبناءنا منها، فهم يدسون لنا السم بالعسل ويدعون الى الفرقة، ولو فكرت وتأملت في الحرية لوجدتها إيجابية، إن أردت لها أن تكون إيجابية، وسلبية إن أردت لها ذلك، والحق أن الحرية أصبحت في خطر محدق مبعثه استخدامها في غير محلها والحرية بلا وعي طرشاء عمياء صماء، خصوصا إذا استخدمت «الأنا» ضمن حريتك، فلا نجعل منها ماردا لايمكن لنا احتواؤه، والله الله في أنفسكم أيها الشباب، فلا تميتوا الحرية وتكرهونا فيها ولنتحل بأخلاق الفرسان في نقدنا وإبداء آرائنا ولا نتدخل فيما لا يعنينا، وخافوا الله في هذا الوطن، وإن الفتنة لنائمة لعن الله من أيقظها، والله الهادي الى سواء السبيل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى