المقالات

رؤى العلمانية الإقصائية

ما عبر عنه رئيس الجمهورية الفرنسية ماكرون من دعمه لاستمرار نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، في إطار ردة فعل عن مقتل أحد المدرسين بصورة بشعة ومرفوضة، فهو بالمقابل دعوة مبطنة لتشجيع مختلف مكونات المجتمع الفرنسي الغير مسلمة لنشر الرسومات، وإقحاما للدولة في فرنسا كطرف في صراع ديني مفتعل يعتقد به جزء كبير من المكون الاجتماعي الفرنسي، وبالتالي الانقلاب على قيم العلمانية الفرنسية.
تاريخياً تطلب فكُّ الارتباط عن الفكر القروسطي فكَّ ارتباط من نوع آخر بين الدين والسياسة أو الكنيسة والدولة، وهو فصل ما كان ليتم لولا المحاولات الفكرية المترافقة مع ثورات دموية.
وليست عملية الفصل هذه «أو العلمنة» سوى محاولة لإنكار سلطة السماء المتسامية على الشؤون الدنيوية، تلك العملية التي بدأت مع دانتي ودونس سكوت ومحاولته نسف التصور الثنائي القروسطي للوجود، إلى مارسيل دوبادو ومحاولته فصل الدين عن الدولة وإرجاع الجماعة السياسية إلى جماعة اجتماعية، إلى توماس مور والتشديد على القوة الطبيعية والعمل الإنساني بصفتهما أساسا للترتيب السياسي.
وانتقلت من ديمقراطية الطوائف عند مارتن لوثر وأتباعه، إلى القوة السيادة عند بودان، والجهاز السياسي المتسامي والعقد الاجتماعي عند هوبز ولوك وروسو، إلى وسطية العقل عند ديكارت، وإفراغ التجربة من الظواهر عند كانط، إلى شوبنهاور وإعادة توحيد مظهر الشيء مع الشيء نفسه، إلى هيغل وفيبر وفوكو… إلخ.
وباختصار؛ لقد أدى الصراع الذي عرفته أوروبا في العصور الوسطى بين الكنيسة والدولة إلى الفصل الحاد الذي نشهده اليوم في المنظومة الثقافية الأوروبية بين ما هو ديني وما هو دنيوي.
هذه المكاسب التي تتباهى بها فرنسا وأوروبا، بدأ ينسفها التصور الفرنسي الحالي للعلمانية، وخطاب الرئيس ماكرون الذي جعل من العلمانية انتقائية واقصائية.
فمن خلال كتابات كبار المفكرين الفرنسيين حول العلمانية من أمثال برودون وروسو، فهي ترتكز على الجوهر الإنساني للطبيعية غير المسيسة من المساواة والتضامن بين البشر، وجوهرها أخلاقي وهو العدالة والحرية ورفض التمييز والقمع، أما جوهرها المعرفي فهو عقلانية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي تتفاعل في إطارها وفق المصالح الواقعية وبمعزل عن الهويات الدينية.
العلمانية لا تعادي الدين ولا تحابيه إذ لا تحتاج إلى صك غفرانٍ من أي دين، لأن بحثها عن شرعية دينية يتناقض مع أصول مفهومها القائم على استقلالية الدين عن الحياة العامة، فهي تفصل بين الدين والسياسة وتمنع تغوّل أي دين على الأديان الأخرى، إنها تحمي الأديان ولا تستبعدها.
وحماية العلمانية للأديان لا تعني انحيازها للتدين أو الفكرة الدينية، ولكنها تعني انها تنحاز لحقوق الإنسان الذي يعتنق هذه الأديان، فالفصل بين الدين والسياسة يمنع استغلال الدين لأغراض سياسية ويمنع إقصاء الدين أو التمييز ضد أتباعه، ويصون الحقوق الثقافية والدينية وحرية الاعتقاد للمواطنين كافة، وتضمن التعايش السلمي والاندماج الاجتماعي، وتخلق القيم المشتركة وتفرض الاحترام والمصالحة على المجتمع.
هذه القيم التي قامت عليها فرنسا عبر تاريخها الطويل، أصبحت تطبق بانتقائية فئوية، ففي الوقت الذي يمنع فيه القانون الحديث عن المحرقة اليهودية أو انكارها حفاظاً على مشاعر الضحايا، فهو بالمقابل يرى أن الرسومات المسيئة للرسول، صلى الله عليه وسلم، من صميم حرية الرأي والتعبير ولا تدخل ضمن استفزاز مشاعر المسلمين.
العلمانية الفرنسية تعاني اليوم من أزمة فكر وتحصيل وابداع وتطبيق، فالعلمانية لا يمكن تجزئتها، بل تطبق بصورة واحدة ومقاس واحد وليس حسب الأهواء.
للأسف ماكرون ربما وقع في زلة تستلزم مراجعة فورية لتصريحه الانفعالي، حفاظاً، ليس على صورة فرنسا أمام المسلمين, بل على صورة العلمانية الفرنسية بالأساس.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى