المقالات

وما كل هاوٍ للجميل بفاعل ولا كل فعّال له بمتمم

كثير من الناس يودون فعل الجميل فتقصر هممهم عن ذلك، وربما فعلوه إلا أنهم لم يكملوه لضعف نفوسهم وندمهم على الفعل الحسن، وفعل الخير واتمامه صفة جميلة وهبها الله للخيرين من عباده، وبيت الشعر هذا يدور حول هذا المعنى، وهو للمتنبي الذي عرض بسيف الدولة وهو متوجه إلى كافور يدور حول هذا المعنى، وهو للمتنبي الذي عرض بسيف الدولة وهو متوجه الى كافور الإخشيدي بمصر، كأنه يقول لسيف الدولة أنه لم يتمم إحسانه، وبيت الشعر ضمن قصيدة بدأها بقوله:

فراق ومن فارقت غير مذمم

وأم ومن يممت خیر میمم

لقد غادر المتنبي حلب متوجهاً إلى مصر والنفس بها ما بها، وقد اعتبر هذه الرحلة فراق ومن فارقه ليس بمذموم يقصد سيف الدولة، وفراقه هذا القصد انسان آخر وهو خير مقصود وهو كافور، ومع ذلك فسيف الدولة لا ينكر فضله إلا أنني راحل لأفضل مرجو ومؤمل، ثم يقول:

وما منزل اللذات عندي بمنزل

إذا لم أبجل عنده وأكرم

وهذا بيت عتاب، فهو يقول إنه لا يقيم بمكان للذة العيش وطيب الحياة والرغد إذا لم يكن مكرماً معظما مبجلاً فنفس الشاعر عزيزة وكبرياؤه لا يسمح له بالبقاء إلا إذا كان مكرماً عظیم القدر، وهو يشير الى سيف الدولة هنا فهو وإن خصه بسابغ فضله فإنه لم يوفه حقيقة بره، ويقول بعد ذلك:

سجية نفس ماتزال مليحة

من الضيم مرمياً بها كل مخرم

والمليحة في هذا البيت المشفقة الخائفة، والمخرم الطريق في الجبل والمعنى: أن هذا الفراق سجية نفسه وطبيعتها التي تكون دائماً خائفة من أن تظلم ويبخس حقها من الإكرام لذلك فأنا أرمي بنفسي كل طریق هرباً من الذل والضيم والحيف، لذا فأنا أتحمل مشقة السفر وأقطع المفاوز رغبة في العز، ومن أبيات هذه القصيدة الرائعة قوله:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه

وصدق ما یعتاده من توهم

وهذا البيت حكمة نادرة، فالمسيء يسيء الظن بغيره لأنه لا يأمن من أساء إليه ويصدق كل ما يخطر بقلبه من أوهام وهذا كما أخبرتكم مثل سائر، والمثل من أرفع أنواع البديع وهذا نظير قول ابن داود الظاهري:

وما فسدت لي يشهد الله نية

ولكنما استفسدتني فاتهمتني

فإذا ساء ظن المرء ماذا يكون؟ يقول المتنبي:

وعادى محبيه بقول عداته

وأصبح في ليل من الشك مظلم

نعم، فإذا أساء الرجل الى صديقه ظن أنه قد تغير، فيتنكر له في مودته ويعاديه بقول أعدائه، فمن تقدم بقبيح الفعل وأكسبه ذلك سوء الظن عادى من يحبه بقول من يبغضه وتنكر لمن يوده بوشاية من يكرهه وهنا يصبح من الشك في ليل حالك السواد. وفي ما ذكرته كفاية، دمتم سالمين في أمان الله.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى