المقالات

ورطة شاعر

ورطة الشاعر ربما تسببت له بالأذى وقد يصل الأمر إلى رأس الشاعر والشواهد كثيرة على ذلك، أما معنى الورطة لغوياً فهو كل أمر تعسر النجاة منه، وربما نجا الشاعر من ورطته بفطنته وذكائه، وقد تورط أحد شعراء الدولة العباسية وهو المؤمل بن أميل المحاربي مع الخليفة أبي جعفر المنصور، ولم يكن مذنباً إلا أن بخل هذا الخليفة كان سبب تورطه، فقد روى الطبري وغيره أن هذا الشاعر دخل على محمد المهدي وكان ولي عهد أبيه المنصور وامتدحه بأبيات منها:
هو المهدي إلا أن فيه
مشابه صورة القمر المنير
تشابه ذا وذا فهما إذا ما
أنارا يشكلان على البصير
فهذا في الظلام سراج نار
وهذا بالنهار سراج نور
ولكن فضل الرحمن هذا
على ذا بالمنابر والسرير
فیا بن خليفة الله المصفى
به تعلو مفاخرة الفخور
فأمر محمد المهدي له بعشرين ألف درهم، فأخذ المال وفرح به فرحاً شديداً، ثم علم المنصور بذلك فوبخ ابنه ولامه واستكثر العشرين ألفاً، وقال له: ما هذا السرف؟ إنما كان سبيلك أن تعطي الشاعر بعد أن يقف ببابك سنة أربعة آلاف درهم، ثم بعث في طلب المؤمل فجيء به ترتعد فرائصه من الخوف، فقال له
المنصور: لا خوف عليك، ولكن أتيت غلاما غرا فخدعته! قال : نعم يا أمير المؤمنين أتيت غلاماً غراً كريما فخدعته فانخدع لي، فأعجب المنصور كلامه وطلب منه أن ينشده ما قال فأنشده، فقال له: أحسنت إلا أن هذا لا يساوي عشرين ألف درهم، أين المال؟ فقال : هاهو ذا، فالتفت المنصور الى حاجبه الربيع بن یونس وقال: خذ المال منه واعطه أربعة آلاف، فمرت على الحكاية سنين وتوفي المنصور وتولى الخلافة المهدي فرفع المؤمل إليه شكاية يذكر له ما حدث، فضخك المهدي وأمر له بأربعين ألف درهم، وقال : هذه مظلمة أنا بها عالم. ومن عجائب هذا الشاعر أنه كان يهوى فتاة اسمها هند وفيها يقول:
شف المؤمل يوم الحيرة النظر
ليت المؤمل لم يخلق له بصر
قتلت شاعر هذا الحي من مضر
والله يعلم ما ترضى بذا مضر
فرأى في نومه قائلا يقول له : أنت القائل تتمنى أن تكون أعمى :
شف المؤمل يوم الحيرة النظر
ليت المؤمل لم يخلق له بصر
فأدخل الرجل أصابعه في عينيه، وقال : هذا ما تمنيت، فانتبه المؤمل من نومه خائفاً فإذا هو أعمى، ومثلما يقال: البلاء موكل بالمنطق، وقد عاصر هذا الخليفة آخر الدولة الأموية وعاش حتى خلافة هارون الرشید، فكانت وفاته سنة مئة وتسعين للهجرة وقد تجاوز الثمانين. وفي هذا القدر كفاية، دمتم سالمين في أمان الله.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى