المقالات

بين الحركة والثبات

في أكثر من مرة جادلت على أن العلاقة فيما بين «العولمة» و«المحافظة» لا تشير مطلقا إلى علاقة فيما بين «الحركة» و«الثبات»، لأن العولمة قد تكون حركة في حين وثباتاً في حين آخر، وهذا ينطبق أيضا على مفهوم وفكرة المحافظة. إن العولمة حركة تهدف إلى تثبيت مقاصد معينة، كما أن المحافظة هي عبارة عن ثبات يهدف إلى التأكيد على مقاصده الخاصة من خلال الحركة. إذاً نحن أمام ظاهرتين متناقضتين أيديولوجياً ومتداخلتين عملياً، إذ ان كلاً منهما يستخدم الآخر لتثبيت أفكاره وآرائه ولتحقيق أهدافه الخاصة.
وفي ظل هذا التناقض والتداخل يكون التعايش أمرا مسموحا في بعض الأحيان، والتنافر مسألة مسلماً بها في أحيان أخرى.. وفي زعمي الخاص أنه لا يمكن فصل العولمة والمحافظة عن بعضهما فصلا تاما. فإذا كان التنافر يعكس في غالبه أبعادا أيديولوجية بحتة، فإن التعايش يمثل في معظمه سلوكيات عملية وواقعية.
على المستوى الأيديولوجي، يجادل كثير من المحافظين في ادبياتهم المتعددة وخطبهم الجماهيرية على أن العولمة، ومن خلال نشر القيم والعادات والسلوكيات الليبرالية، تسعى إلى القضاء على التباينات والتمايزات الثقافية-الدينية، وذلك بقصد خلق ثقافة وديانة عالمية واحدة تقوم مبادئها الاجتماعية والإيمانية على روح الاقتصاد الحر، ما ينتج عنه (1) إخضاع النظم الاجتماعية لمتطلبات وقوانين سوق العمل، (2) تمجيد الجنس وانفلات المرأة تحت ستار التحرر والإباحية وتغيّر النظرة العامة تجاه الشواذ.
أما على المستوى العملي، فيلاحظ أن من يحاربون العولمة من المحافظين دائما ما يستخدمون أدواتها لتحقيق أهدافهم المتعددة. إن معظم الحركات المحافظة تعتمد اعتمادا تاما على تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات المعولمة لأنها تمنحهم استقلالية الموقع وتورية المكان، كما أنها تمكنهم من خلق تحالفات داخلية وخارجية، ما يؤدي ذلك إلى «توسيع جغرافيا» هذه الحركات المحافظة. ناهيك عن أن التقارير الاقتصادية لعام 2004 بينت أن معظم الحركات السياسية المحافظة تلعب دورا ناشطا وفعّالا في الأعمال الاستثمارية المالية العابرة للقارات.
النقطة الأخرى التي يجب أن يتم التأكيد عليها هنا هي أن الانعزال والانغلاق في عصر العولمة لا يمكن له أن يتحقق. فالمجتمعات الإنسانية تعيش الآن، وبفضل تكنولوجيا الاتصالات، حالة من «التشبيك» العميق وعلى المستويات كافة. إن القول بضرورة الانعزال والانكفاء ينافي الواقع، لأن تطور الثقافة المحلية يقوم دائما على عنصري «الإشباع» و «النضج»، والذي يأتي معظمه من الخارج، ولذلك يلاحظ أن المحليين دائما ما يغيرون من أساليب حياتهم لتتماشى مع العناصر الجديدة المستوردة التي، ودون وعي بمصدرها، يعتقدون أنها محلية الصنع.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى