المقالات

من أطاح بالخلافة: النخب أم الشارع؟

في جميع الأمم قديمها وحديثها- أكانت ديمقراطية أم لم تكن- يكون تجديد نظام عتيق قد تعارف الناس على هجرانه، أو إصلاح أمر قائم اتفق العقلاء على حتمية إصلاحه، أمراً في غاية الصعوبة نظراً لمقاومة الشارع لهذا الإصلاح والتجديد.
ففي النظم الديمقراطية يتحجج ممثلو الشعب بأن رفض التجديد أو التغيير مطالب من يمثلونهم، وفي المجتمعات غير الديمقراطية يتعذر مسؤولوها بأن الوضع القائم هو رغبة مجتمعاتهم.
والمتأمل في نقاشات الشارع يجدها لا تتجاوز أن تكون صدى يكرر الطرح نفسه الذي يطرحه ما يُسمى «بالنخب» الفكرية والقيادية التي تدير الوضع القائم وترفض إصلاحه. وتجد هذه النقاشات تدور حول العموميات وتجعل من الأمر المتفق عليه -كتوفير الصحة والتعليم أو اصلاحهما مثلا ً- موضوع الخلاف، فتضيع النقاشات في الحديث عن أهمية توفير – الصحة والتعليم مثلاً- وليس عن موضوع كيفية إصلاح أو توفير التعليم والصحة بطرق قابلة للتطبيق بأقل التكاليف باستغلال الموارد المهدرة «مثالها فكرة اوبر: استغلال لموارد مهدرة في المجتمع، انسان وآلة -خاصة في الغرب».
ومما يدعم هؤلاء مما يُسمى «بالنخب» الفكرية والقيادية هو اشتهارها بين أفراد الشارع، بخبرتها ومعرفتها في موضوع ما. والإنسان يميل عادة إلى قبول رأي من اعتاد عليه ممثلاً وقائماً بهذا الموضوع، بغض النظر عن فهمه لمعطيات رأيه وصحة حجته وسلامة منطقه.
ومن هنا تأتي مشكلة الإصلاح والتجديد في المجتمعات والأنظمة: فنعم، هي بيروقراطية، ولكنها ليست حكومية بل إنسانية اجتماعية. فما يُسمى «بالنخب» الفكرية والقيادية لها تأثير قوي على فكر المجتمع في قبول الوضع القائم لا في فهمه. وهذه التي أسموها «بالنخب» ترفض الإصلاح والتجديد – خصوصاً إذا جاء من خارج محيطها- لأسباب عدة: فمنها، أن ما يُسمى «بالنخب» لا تريد أن تظهر بمظهر الملوم في الوضع القائم الذي وجب إصلاحه. ومنها، أنها تكون عادة قد قضت حياتها في هذا الموضوع بهذه الطريقة وبهذا التفكير، فلا تستطيع أن تفهم أو تتصور كيف يمكن إدخال الإصلاح والتجديد عليه. كما أنه قد يكون مصالح سياسية أو تجارية تجعل ما يُسمى «بالنخب» تقاوم الإصلاح والتجديد.
فالسؤال: من الذي يُشكل فكرة مقاومة الإصلاح والتجديد في المجتمعات البشرية، أهو الشارع أم ما يُسمى «بالنخب» الفكرية والقيادية؟
والجواب كما يظهر لي مما سبق أن الذي يعوق الإصلاح والتجديد في المجتمعات البشرية هو ما يُسمى «بالنخب» الفكرية والقيادية وليس الشارع، فإنما الشارع تبع لها.
وهناك أمر آخر يشكل عائقا عظيما للإصلاحات في المجتمعات غير الديمقراطية، ولا يوجد في المجتمعات الديمقراطية. فالمجتمعات الديمقراطية يغلب عليها أن تكون مجتمعات قوية لا تلجأ إلى التخوين والطعن في وطنية المصلحين والمجددين. بينما نرى في المجتمعات غير الديمقراطية أن أول سلاح يستخدمه المقاوم للإصلاح والتجديد هو تخوين من يدعو للإصلاح واتهام وطنيته.
وهذا سلاح فعال وقوي في قتل اي تغيير او اصلاح. فتهمة خيانة الأوطان والمعتقدات، تهمة عظيمة، تقعد بهمة الهميم وترضخ عزيمة القوي.
ومن الأمثلة الحقيقية لقصة الإصلاح والتجديد، والتخوين للأوطان والمعتقدات، قصة الخلافة العثمانية. فالعثمانيون تبنوا فكرة الخلافة الإسلامية، ثم مارسوا أدوات منع التفكير حولها، فأهملوا العلم وكبتوا الفكر. فكل فكرة إصلاحية لنظام الخلافة كانت تتهم بالخيانة الوطنية والعقائدية. وكانت تقاوم بحجة أن هذه هي سر قوة العثمانيين وأنها هي التي فُتحت بها القسطنطينية وسادت بها الدولة العثمانية. فضاعت دعوة الإصلاحيين – الذين لم يدعوا إلى نبذ الخلافة، بل إلى تصحيح ما طرأ عليها من تجاوزات وتجديد أنظمتها بما يلائم تغيرات الزمان- مقابل حجج تتعلق بتاريخ مضى وواقع تغير، فلم يقدموا شيئاً من الإصلاح والتجديد لنظام الخلافة حتى جاء من أسقط الخلافة وأنهى الدولة العثمانية بإسقاط الخلافة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى