المقالات

الكثير من الوعي موجع

حياتنا قد تشبه في الواقع أي رواية تمتد بين غلافين، فأسماؤنا هي تماما كالعناوين، تعطي من يقرأها الانطباع الأول، وتكشف بعض المعلومات عن كل فرد منا كالديانة أو العرق او الجنسية مثلا، و عندما يفتح الكتاب تبدأ رحلتنا في هذه الحياة، صفحات تتكئ على ظهر صفحات، وكذلك هي الأيام.
معظمنا يمضي في هذه الدنيا و هو يظن بأنه يعلم التفاصيل الكاملة للحكاية، فنحن نسعى دائما من خلال تصرفاتنا وتفاعلنا مع المجتمع من حولنا نحو كتابة قصتنا الخاصة معتمدين على قناعاتنا وعلى الطموحات التي ترافقها، نعتني بتفاصيلها في كثير الأحيان مما يخلق في داخلنا بعض المشاهد المنتظر حدوثها مع مرور الزمن.
بالمقابل انغماسنا الشديد في هذه الحياة يؤدي إلى تساقط بعض الأحلام والأهداف من جعبتنا دون أن ندرك، وننسى في الكثير من الأحيان أن وتيرتها دائمة التأرجح والتبدل، ما يجعلنا ضعيفين أمام أي حدث طارئ و يولد في داخلنا رهبة من متابعة القراءة في صفحات الأيام.
المشكلة الأكبر تظهر على السطح عندما نكتشف بأن الرواية ليست ملكنا وحدنا، و لن نستطيع ان نملأ صفحاتها كما يروق لنا لنحظى بالنهاية السعيدة دائما، فطبيعة الحياة مليئة بالمفاجآت، والشخصيات التي نعاشرها تؤثر سلبا
أو إيجابا على الأحداث، لذلك كثرة الوعي أحيانا تكون عبأ ثقيلا على صاحبها، فتحرمه أن يتمتع بعطايا القدر السعيدة، و تمد بأمد الحزن في قلبه عند المصائب والخيبات.
لطالما سمعنا الجميع ينصحنا بالتركيز والمثابرة و العمل الدؤوب والتفكير المستمر باليوم و الغد، و لكن لم يأت أحد يوما ليقول لنا «اعط لذاتك قسطا من الراحة»، الوعي الكامل لشتى نواحي الحياة مطلوب وأساسي بلا شك، و لكن محظوظون هم أولئك الذين يملكون القدرة على التقبل او التجاهل في بعض الأحيان، لأن الرواية المحبوكة والتي تترك أثرا لا ينتسى هي تلك التي لا تنتهي ولا تكشف جميع أسرارها إلا في الصفحة الأخيرة، ولكي نصلها نحن بحاجة إلى أن نستريح بين الفصل و الآخر.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى