المقالات

القاضي «طيّرها» !

في أدبنا العربي، هناك حكايات شعبية جميلة علينا ان نعيد قراءتها بين الفينة والأخرى لأنها تحمل بين طياتها الكثير من المعاني والفكاهة ايضا. إحدى الحكايات الشعبية تقول:

جاء رجل إلى محل دجاج ومعه دجاجة مذبوحة يريد تقطيعها، فطلب منه صاحب المحل تركها والعودة بعد ساعة لأخذها وخلال هذه الساعة، مرَّ قاضي المدينة على صاحب محل الدجاج وقال له : أعطني دجاجة، فأجابه: ليس عندي إلا هذه الدجاجة، وهي لرجل سيرجع ليأخذها، فقال القاضي : أعطني إياها وإذا جاءك صاحبها فقل له إن الدجاجة طارت، فإن اعترض فدعه يشتكي ولا يهمك. ثم أخذ القاضي الدجاجة وذهب الى منزله واعطى الدجاجة لزوجته وأكمل طريقه الى محكمته.

‏‎رجع صاحب الدجاجة إلى محل الدجاج كي يأخذ دجاجته، فأخبره صاحب المحل بأنها طارت، فغضب صاحب الدجاجة وقال : هل أنت مجنون؟ لقد أحضرتها وهي مذبوحة فكيف تطير وهي ميتة؟ سوف اشتكي عليك عند قاضي المدينة، وعلينا ان نذهب للقاضي، حتى يحكم بيننا ويظهر الحق!  وأثناء ذهابهما للقاضي مرُّا بمسلمٍ ويهودي يقتتلان، فأراد صاحب محل الدجاج أن يفصل بينهما، ولكن اصبعه دخلت بالخطأ في عين اليهودي ففقأتها.

‏‎تجمع الناس وأمسكوا بصاحب محل الدجاج وجرّوه إلى القاضي، وعندما اقتربوا من المحكمة أفلت منهم وهرب ودخل مسجداً وصعد فوق المنارة فلحقوا به… فقفز من فوق المنارة ووقع على رجل كبيرٍ عجوز فمات الرجل الكبير.  جاء ابن الرجل العجوز ولحق بصاحب محل الدجاج وأمسكه هو وباقي الناس وذهبوا به إلى القاضي!!

‏‎فلما رآه القاضي تذكر حادثة الدجاجة وضحك، وهو لا يدري أن على صاحب محل الدجاج ثلاث قضايا: سرقة الدجاجة، وفقء عين اليهودي، وقتل رجل كبير في السن!! عندما علم القاضي بالقضايا الثلاث أمسك رأسه وجلس يفكر، ثم قال: دعونا نأخذ القضايا واحدة واحدة .. نادوا أولاً على صاحب الدجاجة.  قال صاحب الدجاجة : هذا سرق دجاجتي وقد أعطيته إياها وهي مذبوحة، ويقول انها طارت، كيف يحدث هذا يا سيادة القاضي؟ قال القاضي : هل تؤمن بالله، قال: نعم، قال القاضي: ان الله يحيي العظام وهي رميم .. قم …اذهب فما لك شيء عند الرجل… احضروا المدعي الثاني.

‏‎جاء اليهودي وقال: هذا الرجل فقأ عيني …! فقال القاضي لليهودي :هل تفهم بالشرع الإسلامي؟ فأجاب نعم، فقال القاضي حسب الشرع فالعين بالعين والسن بالسن، لكن دية المسلم لأهل الذمة النصف …! يعني نفقأ عينك الثانية حتى تفقأ عيناً واحدة للمسلم، فقال اليهودي : لا لا أنا أتنازل عن الادعاء عليه. فقال القاضي: أعطونا القضية الثالثة.

‏‎جاء ابن الرجل المسن الذي توفي وقال : هذا الرجل قفز على والدي من فوق منارة المسجد وقتله …! فقال القاضي : اذهبوا بالمتهم الى نفس المكان، واصعد أنت فوق المنارة واقفز عليه …! فقال الشاب : لكن ياحضرة القاضي إذا ما تحرك يمنة أو يسرة يمكن أن أموت أنا، قال القاضي : والله هذه ليست مشكلتي، لماذا لم يتحرك والدك يمنة أو يسرة؟ فقال الشاب : لا.. لا أريد شيئا منه وأتنازل عن الادعاء عليه.

‏‎خلاصة الحكاية الشعبية العربية يمكن حصرها على النحو التالي: هناك دائما من يستطيع إخراجك من مشاكلك – كإخراج الشعرة من العجين – إذا كان عندك دجاجة تعطيها لأحد اصحاب السلطة! ولكن لا ننسى ان قوة تأثير الدجاجة في ذلك الامر او غيره .. يعكسه قيمتها واهميتها في زمان ما ومكان ما، فإذا كانت دجاجة العصر القديم طارت وانقذت صاحب محل الدجاج من ثلاث تهم خطرة  فإن دجاجة اليوم قد تنقذ الرجل من المصائب، وقد تغنيه مادياً،  وقد تجعله وزيرا في حكومة من حكومات بني يعرب .. والله من وراء القصد!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى