المقالات

لست أدري

جملة طالما قلناها وسمعناها، وهي تعني الكثير لمن عقل، وقبل الاسترسال في هذا الموضوع اقول: عذرا للعندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، والعذر موصول لموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب والشاعر الكبير إيليا أبي ماضي على استعارتي لمطلع الأغنية الشهيرة «لست أدري»، فهي وإن كانت ملكية فكرية لهم، إلا أن العنوان ليس ملكا لأحد، لأن العرب استخدموا هذه الجملة كثيرا، وقد قال الإمام ابن القيم رحمه الله :
إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة
وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
وعندما يقول الإنسان «لست أدري»، فقد وضع نفسه في خانة الأمان وأراح واستراح، ولو فكر من يستحي من قول «لا أدري» لعلم أنه لا يدري أمورا كثيرة، فهو لايعلم متى يموت، ولايعلم عن رزقه شيئا ولا يعلم عن الغيبيات شيئا ولايدري عن غده ماذا يكون، فلم الحياء والخجل من هذه الجملة المريحة؟! انظر أيها المرء حولك تجد كثيرا من الناس يتفنون في تفسير ما لا يعلمون ويبحثون فيما لا يفقهون ويدورون في حلقة مفرغة، والأدهى والأمر أنهم “لا يعلمون أنهم لا يعلمون»، فتبا لهذا الصنف من الناس ولا حياهم الله، كان إمام دار الهجرة «مالك بن أنس الأصبحي» يقول: من قال لا أدري فقد أفتى، وكان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يوصي أصحابه فيقول: لا يستحي من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول : «لا أعلم» فلم لا نسير على هذه القاعدة والقسمة السوية، ولم يظن البعض أن قول لا أعلم عيب؟!
لقد قرأت من كتب التاريخ ما لا يعد ول ايحصى، حتى أصبح التاريخ شغلي الشاغل، ومع ذلك فأنا أجهل أكثر مما قرأت أضعافا مضاعفة، وعندما أسأل عما لا أعلمه أقول بلا تردد «لا أعلم»، والخوض فيما لا تعلمه جدل عقيم وكلام بلا حاصل، وفي الحقيقة أنني لست أدري سبب خوض الناس في أمور لا يعلمون عنها شيئا، ولست أجد تفسيرا لهذا الأمر الغريب المقزز إلا ما نقوله في الكويت وهي «اللقافة» ولمن لا يعرف معنى هذه الكلمة أقول: هي الخوض بكل شاردة وواردة بلا «كنترول» والهروب المتعمد من قول لا أدري، وكأنه أمر مخجل، فكن على حذر من الخوض فيما لا تدري، ولا تجعل من هذا الأمر ديدنا لك، وكن شجاعا، وقل لا أدري.
أكتفي بهذا القدر، دمتم سالمين، في أمان الله.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى