المقالات

حقوق الإنسان في أوروبا … لا مساواة ولا حرية «2-2»

كانت هذه الأصوات مهمة جداً لأنها رسمت التغيير الحقيقي للتطور الذي حدث فيما بعد وترسخ في بعض جوانبه العريضة في صورته الحالية. فلقد ظل فولتير «1694 – 1778» أكثر من نصف قرن يبشر برسالة التسامح ويندد بآثار الحروب الدينية رغم تواضعه من الناحية السياسية، بل كان ثائراً من الناحية الأخلاقية بتقبل الجميع بعضهم بعضاً مهما كانت معتقداتهم ومن أقواله الجميلة في هذا الخصوص «ثم ماذا؟ التركي أخ لي، والصيني واليهودي والسيامي، .. ولم لا؟». فلقد كان في أوروبا أكثر من 4 ملايين من السكان لا ينتمون لكنيسة روما فهل يُقضى عليهم؟!
لم يدع الفلاسفة إلى الحرية في المسائل الدينية فحسب، بل ألحوا في المطالبة بحرية التفكير من كل جوانبه، فيكون للإنسان الحق بأن يعتنق الديانة التي يريد، أو لا يعتنق أي دين، وأن يكون له الحق في الدفاع عن آرائه علناً بالقلم واللسان؛ وبالتالي، إن حرية التفكير والتعبير في القرن الثامن عشر سوَّقت لفكرة الحرية الفردية من بابها العريض، حيث بات يحق لأي إنسان أن يحاكم فقط تبعاً لنصوص القانون الدقيقة.
ومن الحرية إلى المساواة، كانت حملة فلاسفة الأنوار في نطاق المساواة كما في الحرية. فلقد خصص جان جاك روسو «1712 – 1778» أهم مقالة له لدراسة مصدر عدم المساواة، خاصة تلك الحالة الواقعية التي يضطر فيها الضعيف لخدمة القوي والفقير لطاعة الغني؛ بالتالي، تتشابك النظريات وتتنامى في تلك الفترة حول الحقوق واحترامها ومنع الظلم ومقاومته والجهة التي تختص بالتشريع.
لقد شهد القرن السابع عشر في أوروبا معركة صراع بين القديم والجديد، لكن القرن الثامن عشر هو الذي تم فيه انتصار أنصار الحديث والتجدد والاندفاع نحو العقل والعلم والتطبيق بكل جرأة، وقد تواصل التقدم في هذا القرن.
أخيراً، إن كل دعاة الحرية والمساواة نظرياً حققوا الكثير، لكن في الواقع العملي لايزال الظلم متربعاً على عرش البشرية. فالتجرد من المصالح ليس إلا ألفاظاً، والفضيلة ليست إلا رذيلة متنكرة، وهذا تترجم على المسرح السياسي منذ الساعات الأولى للثورة الفرنسية.
إن الإنسانيات في القرن الثامن عشر، أخذت تدعو إلى إعلان حقوق الإنسان، فأُرسل فولتير إلى سجن الباستيل، وديدرو إلى سجن فانسين، ومن تثبت إدانته في مهاجمة الدين أو المساس بسلطة الملك أو تكدير النظام والسلام بحسب أوامر الملك تقع عليه عقوبة الإعدام، فهكذا كان شكل حقوق الإنسان في ذاك الزمان.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى