المقالات

نحن والحشرة

مرحباً بك عزيزي القارئ، تخيل معي لو استيقظت ووجدت نفسك تحولت إلى حشرة! ماذا ستكون ردة فعلك وما هي ردة فعل أقاربك ومجتمعك القريب الذي تعرفه؟ هذه كانت حبكة الكاتب التشيكي فرانز كافكا في روايته العظيمة «التحوّل»، عندما استيقظ بطل الرواية غريغور ووجد نفسه حشرة عملاقة، فلم يستطع الذهاب إلى عمله كالمعتاد بل وحتى حاول أن يخفي ما أصابه، ولكن خسر عمله الذي كان يعيل به عائلته، ونفَر منه جميع أسرته حتى حاولوا التخلص منه وقتله لأنه تحوّل فقط إلى حشرة عملاقة في شكله الخارجي رغم أنه إنسان في داخله مشاعره وفكره ووعيه.

جميعنا بلا استثناء ربما سنكون مثل غريغور في رواية التحول، حشرة، نعم ربما اليوم أو غداً سنكون حشرة، وهذا ما حصل أصلاً لكثيرين، فلا شرط أن نكون حشرة عملاقة في هيئتنا الخارجية المادّية بل أن الجانب الآخر سيرانا بهذه الهيئة في مخيلته وسيحاول اقصاءنا بكل الطرق، فكم من إنسان تم ابعاده عن مكان ما وعدم سماحه لدخول مكان معين بحجة أن لباسه غير مناسب وفق عادات ومعتقدات المانع فيريد فرض ما يراه صحيحاً ، وكم من إنسان تم مضايقته أو حتى محاولة اقصائه بسبب فكره أو آرائه التي تخالف الطرف الآخر، وكم من امرأة تم الانتقاص من مواطنتها وحقها كإنسانه بسبب أنها امرأة فقط، وكم من سياسي تم اعتقاله أو سجنه أو تهجيره بسبب توجهاته، وكم من بدون يحرم من التعليم ومن أبسط مقومات الحياة على الرغم أنه مستحق للجنسية، وكم من إنسان تتم معاملته بعنصرية وبكراهية بسبب عرقه وأصله أو لأنه فقط مقيم، وكم من فتاة يتم تعنيفها أسرياً لأنها لم تطيع أوامر ذكوري، ومن الأمثلة الكثير، فكلنا حشرات كغريغور في رواية التحول لفرانز كافكا، ولكن بدرجات متفاوتة في هذا المجتمع،  إذ نحاول إقصاء كل من لا يتوافق معنا ولا نتقبل تغيراتهم واختلافاتهم وتنوعاتهم بكافة أشكالها، فلسان الحال يقول إن لم تشبهني فأنت ضدّي، فنريد من نراه أن يكون نسخة كربونية منّا متناسين أن الاختلاف بكافة صوره وأشكاله هي طبيعة بشرية والتعايش فيما بيننا هو الأساس، وهذا سبب تقوقعنا على ذواتنا إلى اليوم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى