المقالات

آه منك يا زمن

لا شأن للزمن فيما يحدث لنا ولكنا تعودنا على صب جام غضبنا عليه وكأنه المحرك لكل ذلك، ولا شأن له، فهي مشيئة الله وقضاؤه وقدره، ولا تخرج «الآه» من فم الإنسان إلا إذا ضاقت به الدنيا وأحس بالحزن، فهي توجع وتأوه، فكثير من الناس تطوح بالآه تلو الآه عند الحزن الشديد وعند فراق الأحبة وحتى عندما يشتد الألم بالمريض، وربما اتبعت الآه بالزمن، وقد بين لنا الإمام الشافعي رضي الله عنه أن الزمن لا ناقة له ولا جمل في مجريات حياتنا فقال:

نعيب زماننا والعيب فينا

وما لزماننا عيب سوانا

ونهجو ذا الزمان بغير ذنب

ولو نطق الزمان لنا هجانا

لقد أصبحت شكوى الزمان ديدناً للناس بغير قصد على الغالب، وقد صنع الناس جملة «آه منك يا زمن» كجملة افتراضية تقال عند الشكوى والزمن سامع مطيع لمن بيده كل شيء وهو العزيز الجبار، فما مضى لا يعود بأمر الله تعالى وما سيأتي علمه عنده «إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت، إن الله عليم خبير «34 – لقمان». قضى بذلك الحكم العدل فرفعت الأقلام وجفت الصحف، ونحن بني البشر نتأثر بالأحداث ونعتصر ألماً عندما تعود بنا الذاكرة الى زمن مضى وانقضى فنتذكر أناس ألفناهم وألفونا كانت لهم المنزلة العالية في قلوبنا فرق بيننا وبينهم هادم اللذات ومفرق الجماعات والآمر بالشتات فنتألم ونشعر بالأسى والحسرة فنقول «آه منك يا زمن» حتى الأماكن التي ألفناها وغابت عن أعيننا تظل ذكراها في وجداننا لا تفارقنا، كقول أبي تمام:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى

وحنينه أبداً لأول منزل

نحن لا نعني عتاب الزمن ولومه ولكن الزمن هو من جمعنا بأحبابنا في وقت معين وساعة محددة، إن مرور الزمن يحني الظهور ويأذن بالدبور ويصل بنا الى نهاية آجالنا لأن أعمارنا محددة، نتمنى أن يطول الزمن وليس لنا ذلك، نريد أن يظل أحبابنا بيننا ولا نستطيع ذلك، فالأيام والشهور والسنين تجري بمقدار، هذا لسان الدين ابن الخطيب يفصح لنا عما يشعر به من ألم فيقول مخاطبا الزمن بكل وضوح :

جادك الغيث إذا الغيث همى

يا زمان الوصل بالأندلس

لم يكن وصلك إلا حلماً

في الكرى أو خلسة المختلس

وهذا شيخ شعراء الجاهلية يبكي على الدار التي فارقها عشرين سنة وعاد لها بعد هذا الزمن فقال متأثرا :

وقفت بها من بعد عشرين حجة

فلأيا عرفت الدار بعد توهم

وخاطب الأديب الوزير ابن زيدون الزمن فقال:

إن الزمان الذي مازال يضحكنا

أنساً بقربهم قد عاد يبكينا

آه منك يا زمن بل آه على آه فلن تعيد لنا ما مضى ولو عدت بي الى ذلك الوقت لاعتذرت لكل من أخطأت في حقه وقبلت رأسه، آه منك يا زمن فلو كنت أعلم بما خبأته لي الأيام لأحسنت التصرف في قابلها، آه منك يا زمن وآه منا على الزمن ولقد أحسن النمر بن تولب العكلي حيث يقول:

فيوم علينا ويوم لنا

ويوم نساء ويوم نسر

فلا وأبي الناس لو يعلمون

للخير خير وللشر شر

يقول المولى عز وجل: «إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين» « 14-آل عمران». وآه منك يا زمن رغم مظلوميتك. ودمتم في سلام الله وأمانه.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى