المقالات

ثقب السفينة

في كل زمان ومكان ومنذ أن دبت حياة البشرية على هذه المعمورة ومنذ وُجِدَ الإنسان في أي بقعةٍ من بقاعها لازمه العقل والجهل، والخير والشر، والايمان والكفر، والعدل والجور، والشكر والكفر، والأمانة والخيانة، والحب والبغض، والظلمة والنور، والكثير من طباق الكلمات وأضدادها لتعينه على حمل الأمانة التي كُلِّفَ بها، وهي وحدانية الله، جل جلاله، وعبادته بإخلاص، ومن ثم إعمار الأرض واستغلال مواردها وخيراتها وأنعُمِها التي منَّ الله بها على عباده وسخَّرها لهم، فمنهم شاكر وجاحد وراضٍ وساخط وصابرٌ وجازع وغني وفقير، وهذا من رحمة الله بعباده، فقسَّمَ الأرزاق وآتى الحكمة لمن يشاء وتمايز بخلقهم بالألوان واختلاف الألسن والصور، حتى لا يكاد اثنان منهم يجتمعان بصفة واحدة، وذلك من صور رحمته بخلقه ليتعارفوا فيما بينهم في تعاملاتهم وحياتهم، وميَّزَهُم عن بقية مخلوقاته بالعقل الذي به عقابه وثوابه وطريق جنته أو ناره، فتكاثرت البشرية على المعمورة، وتعاقبت جيلاً بعد جيل، بتداول الزمان والأيام، فخرجت من أصلاب وأرحام متعاقبة منهم الصالح ومنهم دون ذلك، وسفينة الأرض تقلهم على ظهرها وتكرمهم بعطائها فتشيطنت نفوسٌ استهوت الغواية وتمكنت منها شهوات النفس والهوى وأمرتهم بالسوء واستحوذت على قلوبهم زخارف الدنيا وزينتها، فأخذوا بثقب السفينة وسعوا في الأرض فساداً وعتوا وتجبروا واستكبروا وتمادوا في غيهم لإحراق الحرث والنسل، فما نراه اليوم من عبث العابثين ومكر الماكرين على مستوى العالم من تعدد الثقوب وكثرتها لإغراق الأرض في محيطات وبحار الجهل والقتل والتدمير ليبعث في النفوس الخَيِّرَة النَيِّرة الألم والحسرة والحزن والأسى، فغلب الجهل العلم، والانتقام الصفح، والعداوة المودة، والغدر الوفاء، والبغض الحب، والظلمة النور، وارتوى المنكر من المعروف حتى الثمالة، فاستبدلنا الأخوة بالعداوة والبغض والإيثار بالأنانية والتواضع بالتكبر والغرور، وارتدينا سرابيل الشيطان والهوان، فنحن بني البشر سبب ثقب السفينة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى