المقالات

من يضبط تمويل حملات المرشحين؟

أمسكت بالقلم والورقة ورحت أحسب مدخول النائب طيلة فترة السنوات الأربع التي يجلس فيها على كرسي النيابة.

استعنت بالآلة الحاسبة وأعطاني الرقم 110 آلاف دينار على أساس الراتب الشهري، والذي يتقاضاه النائب بخلاف «الامتيازات» الأخرى هو 2300 دينار!

قد يسأل أحدكم: وما الداعي الى ذلك؟

أصارحكم القول، اتصل بي أحدهم عارضاً خدماته التسويقية والدعائية علي كمرشح، وبعد أن استطرد بالشرح وسألته: ما هي الكلفة المالية؟ أجاب وبدون تفكير، بحدود الـ 80 ألف دينار! طبعاً اعتذرت منه وشكرته على خدماته تلك وأبلغته: من أين لي هذا المبلغ؟ يا أخي حتى لو فزت بالكرسي النيابي وهذا شرف لي، فمعنى ذلك أنني سأبقى أربع سنوات لكي أسدد ثمن حملتي الانتخابية!

الموضوع يطرح الآن من زاوية أخرى! نحن نفتقر الى تشريع أو نص مادة بقانون الانتخاب لتحديد سقف الانفاق الانتخابي وبالتالي بقيت العملية مفتوحة ومشرَعة، والبقاء لمن يملك المال أكثر، هذا اذا لم تكن هناك جهة تدعم هذا المرشح أو ذاك أو يستند الى أحد المتنفذين او التجار الدفيعة الساعين لزيادة نفوذهم! اذا تركنا الحبل على الغارب ولم نصحح هذا الوضع فمعنى ذلك إما ستترك الساحة لعدد من التجار لبسط سيطرتهم على العمل السياسي، وبالتالي سيتم خلق «أشباه نواب» يباعون ويشترون، وهؤلاء سيفقدون ثقة المواطن ويتحول الى دمية وسيكون عالة على المجلس والحكومة معاً، لأن من يقبض المال ليشتري الأصوات وينفق على حملته الانتخابية، سيبيع نفسه لمن اشتراه!

بقيت مسألة تمويل الحملات الانتخابية مثار جدل مستمر، نظرا لما لها من تأثير على أدوات التواصل السياسي، فالإنفاق الانتخابي يبقى «مضروباً» وغير نزيه باعتباره مالا سياسيا، تم التلاعب به.

الواقع عندنا في الكويت أن عددا من المرشحين ليس بإمكانهم مجاراة من يملك المال بالصرف على حملته الانتخابية، وكم من المرشحين وجدوا أنفسهم عاجزين عن دفع مبالغ ضخمة للنجاح بالانتخابات لأن المقتدرين والمرتشين كان صوتهم وماكينتهم الاعلامية لها دور بإنجاحهم وعلى حساب غيرهم.. معنى ذلك أن العملية الانتخابية انعدم فيها مبدأ تكافؤ الفرص وهو أحد المعايير الرئيسية بنزاهة أي انتخابات نيابية.

الانفاق الانتخابي محكوم بمبدأين، الأول تكافؤ الفرص أي ايجاد فرص متساوية في امكانية التعبير والثاني الشفافية، أي أن يتم الزام مرشح بتقديم تقرير بذمته المالية!

ليس ذلك فقط، بل على أي نائب عندما تبدأ وتنتهي مدة عضويته، عليه أن يتقدم بإقرار الذمة المالية، وهذا ما نطالب به كافة الهيئات الرقابية والمخولة بهذه الصلاحيات، مثل «نزاهة» أو غيرها. الكلام لم يتوقف، عن تضخم أرصدة حسابات عدد من النواب! والذين أثروا بطرق غير مشروعة، والا فما دور «نزاهة» اذا لم تبادر الى التأكد من عدم استغلال أي نائب لمنصبه البرلماني؟

نادرة الدول العربية التي نصت في قوانينها على تحديد سقف الحملات والانفاق الانتخابي، كما فعلت مصر والجزائر وحتى فلسطين، فلماذا لا تقدم الكويت على هذه الخطوة؟

سبق لي أن طالبت بإنشاء هيئة عليا مستقلة تشرف على الانتخابات النيابية شرط تمتعها بالاستقلالية والحيادية ولهذا افترض أن يتم تبني هذا التوجه من العقلاء والغيورين على الديمقراطية وسمعة الكويت، ولهذا أجد أن هذا الدور منوط بالهيئة المكلفة بكل ما له علاقة بالانتخابات. علينا التذكير بأننا بحاجة الى آليات لتنظيم الانفاق الانتخابي، والتي تستهدف الحد من دور المال السياسي والمشبوه في العملية الانتخابية، هذه فرصة مواتية للدعوة الى ضرورة اعتماد قانون يضبط وبشكل مقبول ومستقل التمويل والانفاق الانتخابي. فاذا كانت تجربتنا الديمقراطية هي الأقدم في المنطقة، وبقدر ما فيها من ثقوب تسيء اليها، بقدر ما فيها من بعض المزايا والحسنات، تستدعينا الى أن يأخذ بلدنا المبادرة ويمشي بها فقد تكون خطوة الى الأمام من شأنها تحسين الأداء الانتخابي وجعله بعيداً عن التزوير وشبهة الفساد السياسي.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى