المقالات

كلب الرئيس

يحكى أن صدام حسين اشترى عربة من الذهب الخالص، واختار لها حصانين أبيضين يجرانها، وبدأ يتجول بها في حدائق قصوره، وذات يوم جلس طارق عزيز وعزت إبراهيم في الحديقة وبدآ يفضفضان عما يشعران به من الأسى والحسرة، فالشعب العراقي لا يجد ما يأكله بينما الرئيس يبدد ثروات الدولة على ملذاته ورغباته الشخصية، واستنكرا شراء هذه العربة الذهبية التي استنزفت الخزينة العامة، بينما الناس يتضورون جوعا.
وفوجئا بصدام يقف خلفهما، وسألهما عما كانا يتحدثان به وأخبرهما بأنه سمع «طرطشة» من كلامهما عن العربة الذهبية، فقال عزت إبراهيم: سيدي القائد، اتفقت أنا وطارق على أن نقف مكان الحصانين ونجر العربة، فذلك أكثر راحة لسيادتك.
تذكرت هذه الحكاية عندما شاهدت خبراً مصوراً يظهر فيه رئيس دولة آسيوية في عاصمة بلاده، متهلل الوجه منبسط الأسارير وهو يحضر احتفال شعبه بمناسبة إنجاز تمثال ذهبي لكلب الرئيس، وهو من سلالة نادرة – الكلب طبعاً-.
بينما كان الناس في قمة الفرح وهم ينظرون إلى تمثال الكلب الشامخ، ويشعرون بالسعادة الغامرة لأنهم أدخلوا السرور إلى قلب رئيسهم.
ولأني نكدي، أعشق جلد الذات، فقد نظرت إلى الأمر من الزاوية الأخرى، وتساءلت: كيف وصلت شعوبنا إلى هذه الدرجة من الخنوع والنفاق والسلبية؟
لماذا نصر على أن نكون أبواقا تمجد الطغاة، وأكفاً تصفق للقتلة والسفاحين؟
لماذا لم نكن شعوباً حرة، لا تساوم على كرامتها، ولا نرتضي المذلة والهوان؟
لماذا لم نصبح كتلك الملايين المتحضرة من البشر، نهدم قصور الطغاة فوق رؤوسهم، ونرسم لبلادنا طرقاً مشرقة نحو المجد والعزة والازدهار؟
ما نوع الجينات التي تتشكل منها أجسادنا، وأي ثقافة تعلمناها؟ وأي مبادئ آمنا بها، تدفعنا إلى هذا الوهن والخور والانكسار؟
الآن عرفت سر ذلك البيت الذي قاله عمرو بن كلثوم في معلقته:
اذَا بَلَـغَ الفِطَـامَ لَنَا صَبِـيٌّ
تَخِـرُّ لَهُ الجَبَـابِرُ سَاجِديْنَـا
اظنه كان يتحدث بلسان كلب الرئيس، الذهبي وقد فاته أن يبدل كلمة «جرو» بكلمة «صبي» لكنه لم يفعل، وأظن أن الوزن – وحده – هو الذي منعه من ذلك.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى