المقالات

الذنوب تميت القلوب

كثرة الذنوب والسعي قدما في معصية الله تعالى دون النظر لآخرتنا تميت قلوبنا عما سواها، وقد قال الرجل الصالح عبدالله بن المبارك :
رأيت الذنوب تميت القلوب
ويخترم العقل ادمانها
إن إدمان الذنوب أيها السادة يجعل صاحبها كمن لاعقل له، ولو كان له عقل لفكر في مآله وحاسب نفسه على معصية الله وتاب وأناب وارعوى، لاشك أن كل بني آدم يخطئ، فلسنا بمعصومين عن الخطأ، ولكن خير الخطائين التوابون، والمعاصي يجر بعضها بعضا، فمن تجرأ على ارتكاب ذنب جرته نفسه الأمارة بالسوء إلى ذنب آخر ويستمر في غيه حتى يموت قلبه ويصبح الذنب بالنسبة له عادة مألوفة، والعياذ بالله، كقول المولى، عز وجل: «كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون» «المطففين- 14». وفي مثل هذه الحالة يكون الذنب على الذنب حتى يعمى قلب الانسان وبصيرته، فيندم حين لا ينفع الندم ولا تقال عثرته، فلا يكون له نصيب في الخير، أما صاحب البيت الذي استشهدت به فهو شيخ الإسلام في وقته وعالم زمانه التقي الورع عبدالله بن المبارك بن واضح أبو عبدالرحمن الحنظلي التميمي بالولاء التركي ثم المروزي، كما ذكر ذلك الذهبي في سير أعلام النبلاء، من كبار أعلام الإسلام، أمه خوارزمية ومولده سنة ثمان عشرة ومئة في خلافة هشام بن عبدالملك، تعلم من بقايا التابعين، وأكثر من التطواف والترحال طلباً للعلم، وكان كثير الغزو والحج جامعا للعلم شاعرا، وقد ألف كتبا منها: الزهد والرقائق وكتاب الجهاد وغيرها، ومن زهدياته قوله :
أرى أناسا بأدنى الدين قد قنعوا
ولا أراهم رضوا بالعيش بالدون
فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما
استغنى الملوك بدنياهم عن الدين
وكذلك قوله:
يا جاعل الدين له بازيا
يصيد أموال المساكين
احتلت للدنيا ولذاتها
بحيلة تذهب بالدين
وصرت مجنونا بها بعدما
كنت دواء للمجانين
أين رواياتك فيما مضى
عن ابن عون وابن سيرين
أين أحاديثك والقول في
لزوم أبواب السلاطين
وهذه الأبيات قالها ابن المبارك للفقيه اسماعيل بن علية بعد أن تولى صدقات البصرة وخالف رأيه في الابتعاد عن السلطان، قال رجل لابن المبارك: أوصني، فقال:
احفظ لسانك إن اللسان
حريص على المرء في قتله
وإن اللسان بريد الفؤاد
دليل الرجال على عقله
ولم يكن في زمانه أعقل وأعبد منه، وكان يطعم أصحابه الخببص ويصوم الدهر، قدم الى الرقة أيام هارون الرشيد، فانجفل الناس خلفه وازدحموا وتقطعت النعال وارتفعت الغبرة، فأشرفت أم ولد لهارون من برج قصر الخشب، فقالت مندهشة: ماهذا؟ قالوا: عالم أهل خراسان قدم، قالت: هذا والله الملك لا ملك هارون الذي لا يجمع الناس إلا بشرط وأعوان! (تاريخ بغداد)، وقد عدت خصال الخير في أبواب الخير فعجز الناس عن الإحاطة بها، ومنها: العلم، الفقه، الورع، التقوى، الأدب، النحو، اللغة، الزهد، الفصاحة، الشعر، قيام الليل، العبادة، الغزو، الحج، الشجاعة، الفروسية، الإنصاف.
وقد توفي في خلافة هارون الرشيد سنة مئة واحدى وثمانين للهجرة. وفي هذا القدر كفاية وبلوغ المقصود. دمتم في رعاية الله.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى