المقالات

عن معنى الحياة!

عند الحديث عن معنى الحياة، ندخل بملء إرادتنا في نفق مظلم، حيث الإجابات عصية والأسئلة محاطة بالشبهات، والفهم يحتاج إلى فهم، الإجابة عن معنى الحياة، ليس بريئاً من تقمصات الأيديولوجيا واليوتوبيا والنقل والعقل، وتأثيرات التنشئة والثقافة والخطابات السائدة. معنى الحياة، هو استرسال عمدي في نزف جرح غائر يرفض الاندمال، هو مفهوم عدمي مثقل باللغة ومحكوم بالتشكيك والفهم والتمحيص.

كتب «أوغيست كونت» كتاباً، يعتبر بمثابة ملحمة تأسيسية في علم الاجتماع بعنوان «قانون الأحوال الثلاث»، حيث قسم فيه تطور الفكر البشري إلى ثلاث مراحل، المرحلة اللاهوتية ثم المرحلة الميتافيزيقية وأخيراً المرحلة الوضعية، وفي كل مرحلة تختلف الإجابات المرصودة حول معنى الحياة.

يقول المفكر سامي لبيب إن «حياة الإنسان سلسلة متصلة من الحاجة والإشباع، تبدأ لحظة ولادته وتنتهي بموته، ليتبدد حينها كل شيء، وما بين الولادة والموت صراعٌ دائم مع الطبيعة، وبحثٌ لا يتوقف عن إشباع الحاجات، حتى لو كانت هذه الحاجات أفكاراً معقدة وأحلاماً رومانسية وعقائد دينية، فهي لن تخرج عن حدود البحث عن الحاجة، أو الرغبة المرصودة في إشباع الحاجات الثانوية، كالحاجة إلى إثبات الذات، أو الإحساس بالقيمة، أو خدمة أيديولوجيا معينة». لكن الحياة في نهاية المطاف بموت صاحبها تذوب، وتختفي معها كل الذكريات والصور، وتتحول إلى شكل آخر في دورة الطبيعة، كحاسوب معطل تحول إلى منضدة طعام.

معنى الحياة هو حلبة يتصارع فيها الذاتي بالموضوعي، الحسي بالوجداني، الأساسي بالثانوي، المتقن بالركيك، هي أسئلة عميقة لا إجابات جماعية حولها ولا اتفاق مسبق فيها، هي حالة فردية ومصير شخصي، وفهم ذاتي. تلك هي الحياة، وسترى في المستقبل عوائق كثيرة وقساة آخرين، سيخنقك الحسد وستخنقك النذالات وحماقات الناس أكثر مما يخنقك الفقر، فاطمئنوا، الجحيم يتّسع للجميع. الأمر لا يستحق هذه المنافسة بينكم، فيمن سيكون الأسوأ، ستصل يوماً للنضج الذي يجعلك ترفض التعلق بعلاقة مؤقتة، أو صداقةٍ باردة، أو جدال أحمق، أو التعلق بالزائفين. لكن تأكد أن هذا النضج يستلزم تمام اكتمال وعي الإنسان وإدراكه للحياة، حينها إما أن تعيش في صمت إلى الأبد، أو أن تصبح ثائراً في وجه كل شيء. على حد تعبير الرائع دوستويفسكي.

«فيا أيها المار من هنا، كما أنت الآن كنت أنا، وكما أنا الآن ستكون أنت، فتمتع بالحياة لأنك فانٍ»، كانت تلك العبارات منقوشة على قبر الشاعر اليوناني «أرابيوس»، تكفي لوحدها لإعطاء معانٍ فلسفية عظيمة لمعنى الحياة، وهو أنه لا يمكننا أن نستحم في مياه النهر مرتين، فالحياة بواجهة أزمنتها الثلاثة: الماضي والحاضر ثم المستقبل هي كنهر جارف، فنحن نبني ونعمل وندرس ونصنع لنعيش أفضل، لكننا نتنفس في كل الأحوال، وغالباً ما نستهلك الكثير من الوقت ونبذل المزيد من الجهد لتحسن العيش، ونفتقر إلى الحياة التي هي شيء آخر مختلف كلياً عن العيش. فالحياة موجودة في لحظة الآن، لا في الماضي ولا في المستقبل، شريطة أن تكون حراً.

لذلك لا تحاول أن تأسر نفسك في سجن الشعور المرتبط بالزمن كأن تقول: لو رجع بي الزمن لما فعلت ذاك الذي فعلت، فالعودة إلى الماضي إنما تعني العودة إلى الأسباب والدوافع والضغوط التي جعلتك تفعل ما فعلته والذي لم يظهر لك على أنه خطأ إلا بعد ارتكابك له وخوض التجربة المريرة وتعاني من عواقبها. ولا تحاول أن تأسر نفسك في الخوف مما لم يأتِ بعد، خصوصاً الشعور الذي يعدل الحماقة وهو الخوف من الموت، لأنه يجعلنا أمواتاً ونحن أحياء، أن تخشى أن تموت وأن تسعى من ثم في درء خطر الموت عنك فهذه هي الحكمة بعينها، أما أن تخشى الموت بعينه فهذا هو الحماقة بعينها لأن الموت هو المصيبة الوحيدة التي لا تؤلم من حلت به لا جسدياً ولا نفسياً، فالموت والوعي لا يجتمعان. فكما الخوف من السقوط أثناء تسلق الجبال يمنع من تسلقه، فأيضاً الخوف من الموت يمنع من عيش الحياة، فلا تكن كالذين صرخوا أننا سنموت جميعاً ولكن قبل صرختهم لبسوا الأكفان، وابتسم وعش الحياة واتركها تأتي بأعنف ما لديها.

.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى