المقالات

صناعة المجد «2-2»

تحولت دراسات الشباب نحو الاختصاصات العلمية كالطب والهندسة وإدارة الأعمال، وأصبح التفكير منحصراً بالكسب المادي والصعود نحو ربط هذه الأنواع من العلم مع ما تدرّه من أرباح، وجعلوا علامات الاختصاص هي الأعلى، بينما الاختصاصات الأدبية اضمحلت وأصبحت أمراً ثانوياً، على الرغم من أنها هي الأرفع مكانة، وبالتالي، نقدر دور الأطباء والمهندسين ورجال الأعمال وكل الفروع العلمية، لكن الأدب برأيي هو الأول، ولطالما قلت أن الكلمة أبلغ من الرصاصة وأقوى مفعولاً من جيوشٍ زاحفة.

إن هدف الاستعمار الحديث أن ينسف، كما أشرت أعلاه الأدب والأدباء، التعليم والمعلمين، لكن هناك مسؤولية تبدأ من الأسرة ومن الأم، وكما قال الشاعر حافظ إبراهيم «الأم مدرسة إذا أعددتها.. أعددت شعباً طيب الأعراق»، فمسؤولية الأم والأسرة والجميع هي التربية الصحيحة ومعرفة هوايات واهتمامات أبنائهم، فلو رغب الأدب عليهم تشجيعه، ولو رغب الطب والهندسة فله ما يريد، فإذا كان الطبيب يعالج الجسد، فالمعلم يعالج الفكر، وأكرر إننا لا نقلل من أهمية أو قيمة أي مهنة من تلك المهن، فجميعها مهن نقدّرها، لكن المفارقة العجيبة أن الدول الغربية تولي اهتماماً بالعلم والتعليم والمعلم، على عكس بلادنا، وأكرر أيضاً هذا الأمر هو من ضمن مخطط استعماري لتهديم العقول والتعليم والتربية، لإضعاف الشعوب للسيطرة عليها والتحكم بها.

أذكر أن القضاة في ألمانيا خرجوا في مظاهرة يطالبون برفع رواتبهم أسوةً بالمعلمين، فكان رد الحكومة على هذا الطلب بالقول «كيف نساويكم بالذين علموكم؟!»، تأملوا هذا القول، المعلم هو الشخص الذي أعد جيلاً جديداً من المبدعين في مجالاتهم، وفي اليابان فإن المعلم يُلقب بلقب «السعادة» من باب التقدير المعنوي لهذه الشريحة المهمة في مجتمعه، وللدور المهم الذي يقوم به لخدمة مجتمعه وبناء أجيال المستقبل، فما جعل اليابان من الدول المتقدمة هو الاهتمام بالتعليم والمعلم اولاً، حيث يأتي موقع المعلم بعد الإمبراطور مباشرة، والجميع يعلم تطور اليابان تكنولوجياً، لكنها لم تتنكر للمعلم الذي هو أحد أعمدة النهضة فيها، قال تعالى: «يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات».

إذاً، إن رسالة التعليم أهم من المهنة، فرسالة المعلم أولاً هي التربية، ومن ثم التعليم، لكننا وللأسف فنحن نعاني اليوم أزمتين، التربية والتعليم، فالمعلم مسؤول لأن على عاتقه مسؤولية الأجيال الجديدة، خاصة طلاب وتلاميذ المراحل الأولى، فلنهتم بالتعليم وبالعلم، ونعيد للمعلم هيبته وعنفوانه، وتقديره، قال تعالى: «وقل ربي زدني علماً».

أخيراً، كان العلم من أهم سمات الحضارة الإسلامية، حيث اهتم القرآن الكريم اهتماماً كبيراً بالعلم والعلماء، قال تعالى: «اقرأ باسم ربك الذي خلق»، ومن يعلم القراءة له الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في تطوير الحضارة والحفاظ عليها، فلنهتم بالمعلمين وبالأدب وباللغة، ولتكن هي العليا ليعود المجد الكبير لأمة لا يراد لها أن تصعد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى