المقالات

فساد بلا حساب

في الدول التي تعشش فيها طيور الفساد داخل مؤسساتها غالباً ما يتم إخفاء أي جريمة بعود كبريت أو «عقب سيجارة»، أو رش مادة قابلة للاشتعال تؤدي إلى حريق يلتهم كل الملفات والمستندات الدالة على الفساد.

ذلك ما حدث عندنا بالضبط، فقد شب حريق في إدارة المشتريات بوزارة الصحة التهم ملفات الشراء والعقود المباشرة التي تم الاحتفاظ بها على الكمبيوتر وفي ديوان المحاسبة وجهاز الرقابة المالية والتي تمت دون الرجوع الى الجهات الرقابية.

وأغلب هذه العمليات ارتبط بطلبات خرجت عن جهات مسؤولة بـ»الصحة» للحصول على مستلزمات وتجهيزات طبية لمكافحة وباء كورونا، مستغلين حالة القلق العام التي اجتاحت البلاد لتحقيق منافع ومصالح شخصية، لأن الكثير من الشركات الموردة لهذه المستلزمات والتجهيزات تابعة أو مملوكة للمحظوظين من المسؤولين بهذه الجهات، وقد أصبحت مهمتهم سهلة للغاية بعد أن سمحت ظروف الأزمة بعدم اشتراط الحصول على موافقة الجهات الرقابية.

 الحريق التهم وثائق ومستندات تخفي فساداً يقدر بمبالغ خيالية من الدنانير تورط فيه هؤلاء المسؤولون.

 عند وقوع جريمة معينة علينا أن نفتش عن صاحب المصلحة فيها أو المستفيد منها لنشير إليه بأصابع الاتهام.

 في حريق إدارة المشتريات بوزارة الصحة أصحاب المصلحة هم مجموعة المستفيدين وأصحاب المصالح الذين وردوا أدوية وتجهيزات ومستلزمات طبية لا تنطبق عليها الشروط أو المواصفات المطلوبة.

على جهات التحقيق أن تستدعي جميع المسؤولين والمشرفين على المناقصات بوزارة الصحة وكذلك المسؤولين الذين قدموا طلبات توريد المستلزمات والاحتياجات الطبية وسؤالهم فيما يتعلق بتفاصيل هذه الجريمة.

ليس ذلك فقط، بل على وزير الصحة أن يعيد هيكلة المسؤولين عن إدارة المشتريات التي أصبحت واحدة من البوابات الكبرى للفساد بوزارة الصحة.

لقد تجاوز الفساد كل الحدود هذه المرة، فلم يكتف أصحابه بنهب المال العام، بل نهبوه في ملف شديد الخطورة والحساسية وهو ملف كورونا. فلنا أن نتصور النتائج التي يمكن ان تترتب على استخدام المريض أو المواطن للأدوية والمستلزمات الطبية غير المطابقة للمواصفات المعتمده في العلاج أو الوقاية من كورونا.

المسؤولون عن توريد هذه الشحنات ساهموا بطريقة أو بأخرى في إصابة البعض بكورونا، بل وتسببوا في وفاة البعض، بسبب عدم مطابقة أدوات الوقاية أو الأدوية للمواصفات المطلوبة.

الفساد لا يعرف أي حسابات، ولا يأخذ في الاعتبار المآسي التي يمكن أن تترتب على المال الحرام الذي يتربحه، ودوره في الإضرار ببشر وتدمير حياة أسر.

غياب الحساب هو الذي يغري الفاسد بأن يفسد دون حساب.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى