المقالات

عصر البهلوانات

بدأت أؤمن بمعتقدات الذين يروّجون لقيام الساعة وظهور المخلص، فعندما اتأمل ما يجري على الأرض العراقية من عجائب وغرائب يسحق فيها الحق، وتداس الفضيلة بالأقدام، وتنتصر الرذيلة ويشمخ السماسرة والمزورون في كل المواقع، فأذعن برغم علمانيتي بمعتقدات الطرف الآخر، وأقول حقا إن ساعة القيامة قد اقتربت، وهم كما يدعون فانتصار الدجالين هو من علامات الساعة!
وما أقول ليس ادعاء، بل وقائع يدركها المواطن العراقي، وسجلتها المنظمات الدولية، فبعض الذين يتربعون على السلطة من الوزراء وفوقهم أيضا وحتى أدنى موقع وظيفي، يجسد بما لا يقبل الشك الفوضى والمحاصصة واستغفال الشعب وسرقة المال العام، ويقترن مع ذلك في هذا العصر الذي يسمونه ديمقراطيا من منظمات شبحية وقيادات وهمية، همها الأول والأخير النصب والاحتيال.
وحين ندقق مليا في المشهد نرى رايات ترتفع وأشخاصا يتقدمون وآخرين ينسحقون ويتوارون عن الأنظار، ونعرف جيدا أن الرايات دائما ترتفع للدجالين والراقصين على الحبال من أصحاب الأوراق والأقنعة المتعددة، أما الذين يمثلون الشرف والفضيلة فتراهم في مواقف لا يحسدون عليها .. لا أحد يناصرهم وليس هناك من يسمع خطاباتهم وآراءهم، فالكل إستساغوا المهرجان، ووجدوا في الرذيلة ضالتهم في نهش ما يستطيعون به من مكاسب في عصر الفرهود الذي يسمونه كذبا عصر الديمقراطية.
أسماء وقصص عن بطولات وهمية، هي المشهد الذي يطغي على الساحة العراقية، فأبطال من دون بطولة، وأشراف من دون مواقف، ورجال بلا رجولة، البعض منهم يتصدرون الواقع الآن، والآخرون أعلنوا انهزامهم، فبعضهم من هرب إلى خارج البلاد، والبعض الآخر اعتكف ليكتب مذكراته يعبر من خلالها عن هزيمة الفضيلة وانتصار الرذيلة، وهذا دليل على أن النخب تعوزها الوسيلة والتصدي.
لذلك كانت المعركة غير متوافقة بين عناصر تؤمن باتباع كل الوسائل، وآخرين اكتفوا بالحديث عن القيم والمبادئ من دون إدراك لمتطلبات المعركة لمحاربة الفساد وحاملي الرايات الحمر على طريقة عاهرات الجاهلية.
إننا في مفترق طرق بين النصابين والمتأقلمين، وشرفاء يمتلكون الحقيقة، وبعضهم جبناء للمجاهرة والبعض الآخر لا يمتلكون القوة في محاربة المفسدين، وما دامت المعادلة قائمة فاقرأ السلام على ما نسميه عراقا ديمقراطيا، وحكومة تكنوقراط، ومجتمعا مدنيا من أصحاب الكفاءات والاختصاصات.
إن العصر أعلن عن نفسه بأنه حصرا للبهلوانات الذين يجيدون فن النصب والاحتيال، وينتصرون في كل المواقف وعبر كل الأزمنة، لانهم يمتلكون أبرع فنون خداع الآخرين، ولكن خصومهم عاجزون عن ملاقاتهم، وهكذا ينبئنا التاريخ بان شجاعة ونبل وعظمة «علي» لم تصمد أمام الألاعيب، وصدق من قال إن التاريخ يعيد نفسه، ولعلنا نطلب المستحيل بإنقاذ الموقف، فكيف يمكن لنا أن نجد رجلا صالحا يحمل هم الناس، في وقت نرى النفاق متجذرا في صدور رجال يحمل كل منهم ضمير «علي»، ويطبق في ذات الوقت أساليب أخرى؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى