المقالات

إن شر الناس من يكشر لي حين ألقاه وإن غبت شتم

العدو يكاشرك إذا رآك وإن غبت عنه قرض لحمك وأظهر عيوبك وهذا نحو قول سويد بن أبي كاهل:
ويحييني اذا لاقيته
وإذا يخلو له لحمي رتع
مزبد يخطر ما لم يرني
فإذا أسمعته صوتي انقمع
يقول الأحنف بن قيس: يا ذا الوجهين لن تكون عند الله وجيها، وشر الناس من يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، ومن يظهر خلاف ما يضمر، وهذا الذي يقال له منافق، والفطن يعرف المنافق من فلتات لسانه وحتى من النظر اليه وقد قال زهير بن أبي سلمى وأحسن ما شاء:
متى تك في صديق أو عدو
تخبرك الوجوه عن القلوب
والبيت الأول يقوله المتلمس العبدي، والمكاشرة التي ذكرها هي التبسم الكاذب، والمتلمس لقب واسمه جرير بن عبدالمسيح بن عبدالله بن زيد الضبعي كما ورد في طبقات فحول الشعراء، ولد في البحرين وهو خال طرفة بن العبد وقد لقب المتلمس لقوله:
فهذا أوان العرض جن ذبابه
زنابيره والأزرق المتلمس
ويعد أجود المقلين، جاهلي العصر، وعندما أحاط الخوارج، لعنهم الله، بمنزل عثمان بن عفان رضي الله عنه أرسل لعلي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، أبياتا نادرة قالها المتلمس منها:
تروح وتغدو ما یحل وضينها
إليك ابن ماء المزن وابن محرق
وأنت عميد الناس مهما تقل يقل
ومهما تضع من باطل لا يلحق
أحقا أبيت اللعن أن ابن فرتنا
على غير إجرام بريقي مشرقي
فإن كنت مأكولا فكن خير آكل
وإلا فأدركني ولما أمزق
وقد نجا هذا الشاعر من الموت بأعجوبة والسبب هجاؤه وابن أخته طرفة للملك عمرو بن هند، فقد علم الملك بذلك فأظهر لهما أنه سيبرهما عن طريق واليه على البحرين فأرسلهما إليه وأعطى كل واحد منهما رسالة مختومة يأمر واليه بأن يقتلهما، فأوجس المتلمس خيفة من رسالته وأحس بأنه يساق الى حتفه ففض الرسالة وأعطاها غلاما يقرؤها له فوجد فيها أن الملك يأمر بقتله وصلبه فرماها في نهر الفرات وطلب من ابن أخته أن يفض خاتم رسالته فرفض وقال: لا يجرؤ على قتل طرفة وهرب المتلمس الى الشام، وكان المتلمس لا يعترف بالأوثان التي يعبدها قومه بل يستهزئ بمن يسجد لها، لذلك عاداه قومه وقد توفي قبل الهجرة بنحو أربعين سنة وقد عده الجمحي في الطبقة السابعة من فحول الشعراء لقلة أشعاره، وذكر أنه توفي بالشام بمدينة بصری وفي هذا القدر كفاية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى