المقالات

جرائم

لاسباب كثيرة اسمح لنفسي بأن اختلف مع توماس فريدمان الكاتب الاميركي الشهير الذي وجه رسالة للرئيس الاميركي المنتخب جو بايدن في «الواشنطن بوست» ينبئه فيها بأن الشرق الاوسط لم يعد هو نفسه الذي يعرفه يوم ان غادر البيت الابيض قبل اربع سنوات نائبا للرئيس الاسبق باراك اوباما. موضع اعتراضي او ملاحظتي ما ورد في مجمل الرسالة من ان اسرائيل تخشى من دقة الصواريخ الايرانية وليس من قنبلتها النووية. في تصوري، لا موجب ولا مبرر للقلق من اي مواجهة محتملة بين ايران واسرائيل وبالتالي فإن فريدمان يضخم حادث اغتيال كبير العلماء النوويين الايرانيين محسن فخري زادة في إحدى ضواحي طهران يوم الجمعة السابع والعشرين من نوفمبر الماضي. صحيح ان زادة ابو القنبلة النووية الإيرانية، وصحيح انه عالم مسلم فذ في نهاية المطاف، الا ان قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني اكبر مكانة فهو احد الشخصيات التاريخية في العهد الايراني الحالي ولم تنكر اميركا انها هي التي صفته مع شخصية عراقية شبيهة الى حد ما بأهمية سليماني في العراق. ومع ذلك لم تفعل طهران شيئا. ما اريد ان اقوله ان ايران مستفيدة من قوة اسرائيل ونفوذها في المنطقة المتسبب في انقسام العرب وتقوقعهم وسخفهم الطائفي وضعفهم وانكبابهم على شراء الاسلحة وهي مفرغة من القوة الحقيقية. ذلك ان الدور الاسرائيلي الحالي هو الذي يسمح للدولة العظمى في المنطقة بأن تفعل ما تفعل الآن من تمدد في اربع دول عربية والتدخل في شؤون نصف الدول الاخرى. اما الخلافات بشأن حزب الله والنشاط النووي وبعض الاغتيالات في سورية والعراق بالطائرات المسيرة، فهي اشبه بالخلافات بين الشركاء بما في ذلك خلافات الأزواج، اي انها مسألة عادية ومبررة ومقبولة وهي من ادوات اللعبة، اما المصالح فهي مقسمة وفق خارطة طريق متفق عليها بخطوط حمراء لا تسمح بتضارب المصالح. تعتقد ايران ان من حقها الخلاص من علماء الذرة العراقيين، لذلك تنيط مهمة تصفيتهم بالميليشيات الموالية لها والتي تطيعها وتنفذ ارادتها بشكل اعمى وعن ايمان او مصلحة. وبالمقابل تغتال اسرائيل علماء الذرة الايرانيين تباعا. وفي كلتا الحالتين هي جرائم بحق العلم والانسانية وبحق العرب والمسلمين والكاسب الحقيقي فيها هو إسرائيل، اذ ان الخلاص من علماء الذرة العراقيين يصب لمصلحة كيان الاحتلال وكذلك جريمة اغتيال العلماء الإيرانيين، علما بان ليس كل علماء الذرة العراقيين سواء الذين تمت ابادتهم او الاحياء الموجودون منهم بالداخل او الخارج، اعداء لايران وربما حتى ليسوا اعداء لاسرائيل ولا هم اتباعا لنظام انقرض من العراق بعد الغزو الاميركي في مارس 2003. وكذلك الحال مع العلماء الايرانيين الذين ادرجتهم اسرائيل في قائمة اغتيالاتها. فهم في نظر إسرائيل، سواء العراقيون او بقية العلماء العرب او المسلمين بمن فيهم الايرانيون، اعداء لها ووجودهم واعمالهم تشكل خطرا على نزعتها الاحتلالية الاستعمارية العنصرية. ويقينا وقد تعاملت وأنا في لندن مع علماء عراقيين وآخرين ايرانيين، لا علاقة لهم بالانظمة لا ولاء ولا عداء وكل اهتمامهم ينصب على العلم والموهبة التي منّ الله بها عليهم. خسرت ايران نحو 11 عالما من هذه الفئة المتميزة جدا يعتقد انهم كانوا ضحية جرائم الموساد الاسرائيلي الناشط بقوة في ايران وبالتالي فإن منظمة مجاهدي خلق المعارضة لا تتحمل وزر مسؤولية الخلاص من اي عالم نووي إيراني، بغض النظر عن مدى قربه او بعده عن النظام، فيما خسر العراق اكثر من 200 عالم ومساعد عالم وباحث مرموق منذ عام 1979 وحتى الآن، اثنان منهما اعدما على يد النظام لاتهامهما بالخيانة. ومازال لدى العراق قرابة ثلاثين عالما نوويا موجودين في الخارج ويعمل اغلبهم في جامعات عالمية عريقة في مجال تطوير الابحاث النووية وتحت رقابة صارمة تشترك فيها اطراف عدة وليست جهة مخابراتية عالمية واحدة. وبعض هؤلاء العلماء يستحقون التنافس على جوائز نوبل الا انهم عراقيون وحتى الحكم الحالي في العراق لا يريدهم لانهم ليسوا صنيعة نفس اللعبة التي اوجدت المحاصصة الطائفية الامية الجاهلة التي تعاقب العراق على عروبته وتفوقه العلمي والثقافي والادبي. وسبق ان اغتيل عشرات العلماء العرب النابغين على ايدي الموساد باستثناء حالات نادرة حاولت الهرب من بلدانها الا انها لم تفلح فعاقبتها دولها خشية ان يكون باب الهرب بقصد التعاون مع العدو. وفق الارقام والتقارير غير المؤكدة فإن عدد العلماء النابغين في العالم في هذا المجال لا يتجاوز 5 الاف من الجنسين من اختصاصات متنوعة، لكن على علاقة بأخطر انواع البحث العلمي. ومن ضمن هذا العدد هنالك على الاقل 180 عالماً عربياً ارواحهم وأسرهم جميعا محفوفة بالمخاطر حتى العاملين منهم في المختبرات الاميركية والبريطانية والفرنسية والالمانية. وتعتبر هذه الفئة من البشر عملة صعبة تتسابق اجهزة المخابرات على محاولة تجنيدها او اختطافها او ابادتها اذا صعب عليها اقناعها بالعمل معها او اذا ما كانت درجة تقدم ابحاث هذا العالم او ذاك او تخصص بحثه يشكل تطورا مهما للبشرية غير مسبوق عن سواه.. خسر العرب بسبب غباء عنصرية وهمجية إسرائيل، نخبة من العلماء الذين كان يمكن ان تعم خدماتهم البشرية برمتها. المشكلة الآن ان الرأي العام العربي انساق في عهد الوفر النفطي وراء سباق التباري لجمع اكبر قدر من المال على حساب العلم والمعرفة والتكنولوجيا والبناء التنموي. لذلك من البديهي جدا ان يكون النظام السياسي العربي وليد هذه النخبة المتخلفة التي فشلت في استثمار ما توافر من عائدات في بناء دول متحضرة على قواعد علمية واقتصادية واجتماعية توفر العدالة وتعالج مسببات الفقر والامية السياسية. والوجه الاخر للمشكلة يكمن في ان اسرائيل وبقية اعداء الامة في المنطقة أكثر جهلا منا. غرقنا في البذخ والترف والتجهل والطائفية، وغرقوا في القتل ومشاريع التوسع والاستعمار العقلي.  منذ العام 2000 قتلت فرق النخبة الاسرائيلية «قوات خاصة مما تسميه اسرائيل منظمات المجد «الموساد والشاباك» مهمتها تنفيذ جرائم الاغتيال» نحو 70 فلسطينياً في عمليات تصفية مركزة، مخطط لها مسبقاً، منهم نشطاء سياسيون تماماً. ما الذي قاله بنيامين نتنياهو أول أمس بابتسامة ماكرة تحمل في طياتها سراً؟ «إنه أسبوع الإنجازات». احد الكتاب الاسرائيليين اثار تساؤلا قبل ايام قائلا: ما الذي كان سيحدث لو قام عملاء أجانب بتصفية بروفيسورات إسرائيليين مثل يسرائيل ديستروفسكي وآرنست ديفيد بيرغمان وشلهيبت فراير، أو الدكتور شاؤول حورف، النظراء الإسرائيليين في الماضي للقتيل الإيراني؟ ماذا كانت إسرائيل ستقول في حينه؟ وكيف كانت سترد؟ هل كان هذا سيوقف برنامجها النووي؟ ألم تكن لتشن حملة انتقام في أرجاء العالم؟

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى