المقالات

بابا نويل الكويتي «1-2»

عشية عيد الميلاد كنت جالسا حول المدفأة وحدي على ذلك الكرسي الهزاز أتذكر ما فات من سنوات جميلة قضيتها بين شعب لطيف وهواء نظيف وثلج يكسو الشارع وقد زينت تلك المدفأة بتقاليد عيد الميلاد كما تعودت أن أفعل فيما مضى من السنوات الجميلات الماضيات حين كان الثلج ينهمر على باحة المنزل الخضراء التي تكتسي بلون السكر وأشجارها التي تحمل بفرح كل بياض السماء من ندف الثلج المتساقط لتغطي نفسها بعد أن شبعت في شهور السنة من أشعة الشمس وجاري الذي لا يكل ولا يمل من الصعود والنزول من على أغصان شجرة الأرز التي تتوسط الحديقة والتي تكتسي في الشتاء حلة البياض وأنا في روعة هذا المنظر وهيبة الشتاء ومشيب خيوطه التي أعشقها كنت جالسا بذلك الطقس البارد وقد شغلت المدفأة الكهربائية أمامي وما ان غفلت عيني حتى سمعت جلبة وصوت أجراس فوقي وطرطقة وكأن أحدهم سينزل من المدفأة القديمة المعطلة.. وهووبا واذا بالغبار يملأ المكان وتنطفئ الأضواء بما وصل لي من غبار ليخرج لي من تلك المدفأة بابا نويل بما نعرف من صورة للشيخ الكبير بالسن ذي اللحية البيضاء وثوبه الأحمر ليسألني ماذا تفعل وأنا حضرت لأضع لك الهدايا التي تمنيتها السنة الماضية فقلت له تكفى مابي الهدايا ساعدني على ما أفكر فيه.. فسحب المسكين كرسيا قريبا وجلس بجانبي .. وتنهد قائلا: ماذا بك يا ولدي؟.. فقلت له: حجي بابا نويل.. أنت شايف الحال في الكويت.. فقال .. لذلك أنا ما عندي بيت مع أني بابا نويل كويتي أصلي بس ساكن بالقطب الشمالي لان ما طلع لليوم بيت من هيئة الرعاية السكنية وأردف: وما زال أبنائي خريجو أرقى الجامعات بتفوق لا يجدون عملا يتناسب مع شهاداتهم لأن الهيئات والمنظمات وغيرها من الوزارات السيادية حكر على أبناء الطبقة المخملية وأكمل: ولا تسألني لماذا اذا تسألني عن تحقيق أمنياتي وأنت غارق في التحسر على ما لم تنل من حق في الحياة.. فقلت له: كيف عرفت أني سأسألك هذا السؤال؟ .. فأردف وقال: أنا بابا نويل كويتي .. يفترض أني فاهم كل اللي تبيه وكل اللي تتمناه لأني من خمسين سنة وأنا أدابج بالحياة وأصارع الظروف حتى أجعل أبنائي يعيشون بأمان ولكن أين الأمان ونحن نرى كل السرقات التي تجري في الحياة .. سرقوا الاستثمارات .. وسرقوا المليارات .. وسرقوا حتى أحلام الشباب .. وبات كل شاب وشابة في مهب الريح بعد الحياة بما فعلوا من سرقات بدأت صغيرة ولم تنته حتى بالكبيرة .. فاندهشت .. فقال لي: لا تندهش يا بني فأنا مثلي مثلك عاطل عن العمل من بعد أن تقاعدت وأصبحت عالة على المجتمع .. فقلت له: لكني بدأت حياة أخرى ولست عالة على أحد .. قال: أنت واحد من مليون ولكننا كمتقاعدين لا نجد غير الاحباط والتحلطم على من معنا في البيت أو في الشارع تجدنا نفتعل المشاكل باحثين عن احترامنا بين مجتمع بعضه لا يحترمنا .. فقلت له: وماذا بعد؟ فقال: هل لديك وقت؟ فقلت له: عندي متسع من الوقت قبل أن تنتهي ليلة الميلاد التي طبيت لي فيها من هذه المدخنة، فقال: اذا اسمع يا ولدي .. جيب لي واحد شاي وشوف لي بقصم معاك وخلينا نسولف ما مضى وما فات في هذه الحياة.
يتبع

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى