المقالات

المواطن المستقر

يقول الكاتب إيتيان دي لابويسيه «1نوفمبر 1530 – 18 أغسطس 1563»، وهو قاض وكاتب وشاعر فرنسي، مؤسس النظرية الفوضوية، ومؤسس الفلسفة السياسية الحديثة في كتابه: «العبودية الطوعية المختارة»:
«عندما يتعرض بلد ما لقمع طويل تنشأ أجيال من الناس لا تحتاج إلى الحرية وتتواءم مع الاستبداد، ويظهر فيه ما يمكن ان نسميه «المواطن المستقر».
في أيامنا هذه يعيش المواطن المستقر في عالم خاص به وتنحصر اهتماماته في ثلاثة اشياء:
1 – الدين.
2 – لقمة العيش.
3 – الرياضة والمسليات الاخرى.
فالدين عند المواطن المستقر لا علاقة له بالحق والعدل، وإنما هو مجرد أداء للطقوس واستيفاء للشكل، لا يمتد غالبا للسلوك، فالذين يمارسون بلا حرج الكذب والنفاق والرشوة، يحسون بالذنب فقط إذا فاتتهم إحدى العبادات!
وهذا المواطن لا يدافع عن دينه إلا إذا تأكد أنه لن يصيبه أذىً من ذلك…
فقد يستشيط غضباً ضد الدول التي تبيح جواز المثليين بحجة ان ذلك ضد إرادة الله.
لكنه لا يفتح فمه بكلمة مهما بلغ عدد المعتقلين في بلاده ظلماً وعدد الذين ماتوا من التعذيب!
لقمة العيش هي الركن الثاني لحياة المواطن المستقر.
فهو لا يعبأ اطلاقاً بحقوقه السياسية ويعمل فقط من أجل تربية أطفاله حتى يكبروا.
أما في الرياضة او المسليات الاخرى مثل كرة القدم، فيجد المواطن المستقر تعويضا له عن أشياء حرم منها في حياته اليومية، فالمواطن المستقر هو العائق الحقيقي أمام كل تقدم ممكن، ولن يتحقق التغيير إلا عندما يخرج هذا المواطن من عالمه الضيق.
ويتأكد أن ثمن السكوت على الاستبداد، أفدح بكثير من عواقب الوقوف ضده!!
ومع الأسف بأن هذا النص المنشور على بعض المواقع الالكترونية وبعض الحسابات الإلكترونية وما ينسبه بعض الكُتاب على أنه اقتباس من مقالة في «العبودية الطوعية» للكاتب الفرنسي «لابويسيه» ليس صحيحا ومن الخطأ إعادة هذا الاقتباس وتحميل «إيتيان دي لابويسيه» سطحية الفكر الموجه نحو العالم العربي فقد كتب هذه المقالة في سنتي دراسته بين عام 1553 1555 مستعينا بمناقشاته مع أقرانه ولم تنشر إلا بعد وفاته حيث غلب على مقال «العبودية» البلاغة التي تلامس الواقع الفرنسي لا فوضوية التوجهات والمفاهيم والقيم والمبادئ!
فقد قرأت كتاب «مقالة في العبودية المختارة» لأكثر من ترجمة ونسخة ما بين العربية واللغة الإنكليزية والفرنسية ولم جد هذه الكلمات والتعابير الانشائية فهو أحد رواد الدعوة إلى العصيان المدني، والمقاومة والنضال غير القائم على العنف والفوضى حيث يعد مثل هذا المقال مرافعة أدبية وتاريخية راقية ضد العبودية والطغيان، فقد طرح مسألة شرعية الحكام الذين يسميهم الكاتب «أسيادًا» أو «طغاة»، مهما كانت ظروف وصولهم إلى السلطة، سواء أكانت «بالقوة، أم بالوراثة، أم بالانتخاب»، ويؤكد على أن العادة أكثر من الخوف في تقبل هذه الحالات وتفسير استمرار الشعب المستعبَد في احتمال وطأة الاستعباد، وأشار إلى «أسباب خضوع الناس لحكم شخص واحد، حيث لا يملك من القوة إلا ما أعطوه»، ويرجح معظم الباحثين: أن الأسباب التي قادت «إيتان» إلى كتابه هذا، تعود إلى ما شهده عصره من اضطهاد بسبب الاختلاف الديني، وإلى المآسي التي وقعت في أثناء الحرب الأهلية الضارية، بين البروتستانت والكاثوليك، إضافة إلى الانتفاضات التي قامت ضد التعسف الضريبي في بعض المقاطعات الفرنسية المحرومة، والقمع الدموي الذي مارسته القوات الملكية لفرض النظام.
والخلاصة بأن: «إتيان دي لابويسيه» الفرنسي لم يكتب مقال عن «المواطن المستقر» ولم ينشر أحد حتى صديقه «مونتني» الذي أوصى وترك مكتبته له بعد وفاته ونشر أعماله مقالا وموضوعا بهذا العنوان لذلك اقتضى التنويه!

اظهر المزيد

عبدالعزيز خريبط

كاتب كويتي عضو جمعية الصحافيين الكويتية وعضو الاتحاد العام للصحفيين العرب والجمعية الكويتية لحقوق الإنسان Akhuraibet@

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى