المقالات

الفار

ليس عيبا ان اعترف بأني شعرت بالخوف والقلق وأصبت بالإرهاق والاعياء وطالني ما غالب النوم، بسبب الوباء المستجد ومصير عائلتي في بريطانيا. مررت بحالات صعبة من قبل واجهت في بعضها احتمال الموت الا اني لم اخف. بل اني اسلم نفسي إلى الله كل ليلة قبل ان استغرق بالنوم. غير أن وجودي بعيدا عن أسرتي وصعوبة اطمئناني عليهم لوجودهم في مدن متفرقة في بريطانيا التي قال رئيس وزرائها بوريس جونسون ان امر الوباء والعدوى والانتشار والموت خرج عن سيطرة الدولة بأجهزتها المعنية. ليس لي اعز من أسرتي فهم كل ما املك. تركت لندن وأنا في أعلى مرتبة اعلامية حلمت بها، بنت لي جسورا من الثقة والصداقة والعلاقات المباشرة مع عدد من كبار الكبار من أبناء قومي العرب ومن الدول الاوروبية الكبرى التي اقمت فيها أو عملت بها. ولعل الغربة جزء من فاتورة القدر التي امتن بها إلى صاحب الفضل. عدت على امل ان اوفق في تزويج الأبناء. كان هذا كل املي ومناي كلهم اكملوا تعليمهم العالي وأتموا فضل الله علي بأدبهم واحترامهم وتقديرهم واعتزازهم بعلاقاتهم مع بعضهم البعض. كتبت هذه المقالة التي تنشر اليوم الخامس عشر من يناير في يوم الاربعاء الثالث عشر من الشهر وبالتالي لا اعرف شيئا وقت كتابة المقال عن مصير الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب، الذي اظهر الوجه الحقيقي لأميركا. فهل فعّل النواب الديمقراطيون وهم اغلبية ومعهم اثنا عشر جمهوريا المادة 25 من الدستور التي تسمح بالاطاحة بترامب جزاء ما افتعل من تصعيد اتاح لجمهور من الأميركيين من غير المتسترين بأقنعة واقية اقتحام مبنى الكابيتول «الكونغرس» واحتلال قاعته الرئيسية ومن ثم اقتحام مكتب رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي وهي كلها افعال لا توازي واحدا بالمليون من الاذى الذي يتعرض له العالم من الولايات المتحدة أو من سياسات قادتها بمن فيهم رئيسها الحالي الذي لا مبالغة في انه الاسوأ في التاريخ. اما بيلوسي التي التقيتها في الكويت عام 2005 لموضوع غلاف لمجلة «المشاهد السياسي» اللندنية، فكان يفترض ان تخوض انتخابات الرئاسة أمام ترامب بدلا من هيلاري كلينتون، فإن لم تكن نتيجة الانتخابات مقررة سلفا كما هو الحال في كل انتخابات الرئاسة الأميركية، فإن بيلوسي كان يمكن ان تكون اول امرأة تدخل البيت الابيض رئيسا للولايات المتحدة. كانت اجاباتها مشبعة بالسياسة والدهاء وبعد النظر والوعي لأبعاد خطورة الدور الأميركي في محاولة الاستمرار في حكم العالم من جانب واحد. واعترفت خلال اللقاء بوجود فراغ في قائمة الزعامات التاريخية للدولة الأميركية الأمر الذي قالت انه جعل القوة بديلا عن العقل في مواصلة واشنطن ممارسة دور القيادة في الغرب وفي مواجهة ورثة دور الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة وسمت روسيا والصين والهند، معربة عن اعتقادها ان التفوق العسكري لن يطول ولن يكون مؤشرا على صواب عقيدة الحاجة إلى نظام عالمي جديد اكثر عمقا بالمبادئ والانسانية وتشبثا بالتقارب بدلا من التباعد والجفاء بين الولايات المتحدة ومن تعتبرهم خصومها الافتراضيين.
في مقال سابق ورد سهوا ان اجتماع الاتحاد العربي للألعاب الرياضية كان منعقدا في الرياض والصحيح انه في الرباط بالمغرب وهنا ايضا اود ان اورد وربما مرة أخيرة ما كان بإمكان الكويت الدولة الصغيرة ان تفعل في اكبر المحافل وتطرقا مرة أخرى لبعض مواقف الشهيد الشيخ فهد الأحمد، ففي بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 1982 التي جرت على ملاعب اسبانيا كان منتخب الكويت الوطني يلعب ضمن المجموعة الرابعة التي ضمت إنكلترا وفرنسا وتشيكوسلوفاكيا وكانت هذه المحموغة ربما الأصعب ليس للكويت فقط وانما لإنكلترا وفرنسا ايضا وللأخيرة تحديدا ويومها خسرت الكويت أمام إنكلترا 1 – صفر وتعادلت مع تشيكوسلوفاكيا بهدف لمثله وقبل مباراة فرنسا استغل الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران ثقله العالمي للتأثير على الاتحاد الدولي لكرة القدم، فتم اسناد المباراة لهيئة تحكيم اوروبية شرقية بدلا من طاقم تحكيم مقرر سلفا من اوروبا الغربية. وكانت نتائج مباريات المجموعة تحتم على فرنسا الفوز على الكويت بفارق ثلاثة أهداف على الأقل اذا ما ارادت الانتقال إلى الدور التالي. في مثل هذه البطولات خسرت البرازيل أمام الارجنتين بفارق اكثر من ستة أهداف وهي التي فازت بكأس العالم اكثر من ايطاليا وفرنسا والمانيا والارجنتين. وكان فهد الأحمد يتقن التحضير للمفاجآت ويحتاط للمؤثرات على الحكام تحديدا فكانت مهمة محمد جاسم وهو ثاني اهم شخصية في اتحاد الكرة الكويتي بعد الشيخ فهد «امين سر الاتحاد»، ان يبحث في تاريخ وسيرة وسلوك هيئات التحكيم التي تناط بها إدارة مباريات الكويت مع بقية الدول. وكان محمد جاسم ذكيا جدا وبارعا جدا في تقصي المعلومات عن حكام العالم بكرة القدم. لذلك كان كلام فهد الأحمد يرحمه الله واضحا للاعبين. تجنبوا قدر الامكان الاحتكاك باللاعبين الفرنسيين لتفادي اعطاء الحكم الفرص لرفع البطاقات الحمراء أو الصفراء. وتعاملوا بدبلوماسية مفرطة مع الحكم تفاديا لإغضابه وتفاديا لمنح الفريق الآخر ضربات جزاء أو «فاولات» في المناطق التي تشكل خطرا على المرمى الكويتي. وعندما قلب المنتخب الكويتي الموازين وسجل هدفا ليتقدم على فرنسا تعقدت مهمة حكم المباراة اكثر مما تأثر مدرب المنتخب الفرنسي ولاعبوه. وبات لزاما على المنتخب الفرنسي ان يسجل اربعة أهداف على الأقل وان يحول دون تمكين الكويت من تسجيل هدف ثان حتى لا يتم اقصاء الديوك «كنية المنتخب الفرنسي» فانتهز الحكم اول فرصة واحتسب خطأ قريبا من منطقة الجزاء على اللاعب الفذ سعد الحوطي وسجل منها الفرنسيون هدفا تسبب بانهيار عزيمة اللاعبين الكويتيين. لم تكن الملاعب قد عرفت كما هو الحال اليوم الحكم الالكتروني«الفار» بالفي وليس بالفاء وهو جهاز للإعادة البطيئة يديره طاقم متخصص ويستعين به حكم المباراة كلما دعت الحاجة وباتت اشارة اليدين التي تصدر عن الحكم علامة على حاجته للعودة إلى تسجيل اللقطة التي تفصل بحقيقة ما حصل في أي واقعة مثيرة قد تلغي هدفا أو توقع ضربة جزاء أو تتسبب بطرد لاعب أو تصحيح قرار الحكم. يومها دخل فهد الأحمد أمام انظار العالم الذي كان يتابع المباراة ومباريات كأس العالم تتم متابعتها من قبل مئات الملايين من البشر في كل مكان في العالم، إلى الملعب واوقف المباراة وهدد بسحب المنتخب الكويتي بعدما توقفت لبعض الوقت وقال انه يعرف ماذا طبخ الاتحاد الدولي للكرة ارضاء لفرنسا ولوح بامكانية فتح ملفات الاتحاد خلال مؤتمر صحافي يستقطب خلاله صحافة وتلفزيونات العالم ووكالات الانباء. كان الفهد لا يخوض معارك خاسرة وكان يعي تماما ان رئيس الاتحاد الدولي يومها جواو هافيلانغ الذي كان حاضرا المباراة سينزل هو الآخر من المقصورة وهذا ما حصل بالفعل وتدخل رئيس الاتحاد الدولي وألغى الهدف واستؤنفت المباراة وأعفيت الكويت تحاشيا لإغضاب أو اثارة فهد الأحمد، من غرامات وجزاءات فرضت على المنتخب الإنكليزي ومنتخبات أخرى بسبب اعتراض لاعبيها أو مدربيها على قرارات الحكام. وينك ابا أحمد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى