المقالات

إلى المجهول

بادئ ذي بدء نوجه النداء إلى أرباب الأسر أولاً وإلى الآباء على وجه التحديد، ومن ثم إلى المسؤولين بالدولة، كل في موقعه ومنصبه، وخاصة وزارتي التربية والأوقاف ومؤسسات المجتمع المدني والقائمين عليها من منطلق  هدي ديننا الحنيف وتعاليمه، ومن حديث الحبيب المصطفي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، ومن باب الأمانة والمسؤولية الصحافية ودور الإعلام المحوري والهام في المجتمع ومن واجباتنا الدينية الأخلاقية المجتمعية وبالأخص الأسرية ننبه، إن لم نكن نحذر، أيضاً إلى ذهاب المجتمع إلى المجهول وإلى ما لا تحمد عقباه من التنمر أولاً  والازدراء ثانيا والهمز واللمز وصولاً  إلى الاعتداءات آخراً وليس أخيراً فما ساد بالمجتمع خلال الفترة الأخيرة وبالذات خلال الأيام القليلة الماضية ومع انطلاقة العام الميلادي الجديد 2021 حيث استبشر الناس وتفاءلوا ببداية عام جديد فتوالت الأحداث المؤسفة بالمجتمع من إجرام واعتداء وتهديد لمنظومة الأمن المجتمعي وعدم الاكتراث أو الاهتمام لقوانين الدولة من قبل قلة قليلة ارتضت أن تكون أداة ومعول هدم بالمجتمع، الأمر الذي أدى الى تمادي وتغطرس البعض وعدم احترامهم لأي أعراف وقيم وأخلاق دينية أو إنسانية أو اجتماعية لهو الانزلاق والانحدار للمجهول ولهي نُذُر العودة إلى الجاهلية الظلماء المقيتة، ولهي محور انطلاق الفوضى والانفلات فما شهده المجتمع الكويتي الإنساني خلال الأيام الماضية من بعض الأفراد والسلوكيات الخطيرة من اعتداء على الأنفس والحرمات تقرع جرس الإنذار وتذهل الألباب ويشيب من هولها الصغار، وحَرِيٌ على المجتمع ككل وبكل مؤسساته وكل فرد أن يستيقظ من سباته ويتنبه لمآل الأمور وانحراف البوصلة باتجاه العنف وغلظة النفس وقساوة القلب وتقبل ظلم الآخرين، فأين دور رب الأسرة وأين دور هيئات ومؤسسات المجتمع المدني؟ بل الأهم أين دور وزارة التربية ومناهجها ودور المساجد ودور العبادة ممثلة بوزارة الأوقاف من كل ذلك؟ جيل بحاجة إلى وعي وإدراك وزرع القيم والمبادئ، جيل بحاجة إلى تضافر الجهود لغرس مفهوم الاختلاف وليس الخلاف، جيل يعاني من مجاعة فكرية أخلاقية دينية سمحة، جيل له الحق في إطعام فكره وعقله وخلقه بالإرث العظيم الذي بين أيدينا من الصبر والتواضع والحلم والحكمة واللين والتسامح والتي يزخر بها ديننا الحنيف في المعاملة مع الآخرين وليس الاهتمام فقط بمأكله ومشربه وملبسه ولن يتحقق ذلك إلا بالتعاون بين جميع فئات المجتمع ومؤسساته، فالأسرة هي الانطلاقة الأولى والأرض الصلبة التي يقف عليها كل فرد من أفراد المجتمع، فمنها يأخذ قيمه وأخلاقه ويتعلم حقوقه وواجباته تجاه نفسه وتجاه المجتمع، ومن ثم يأتي دور المؤسسة التربوية أولاً ومن بعدها التعليمية المتمثلة بوزارة التربية وبمعلميها ومن ثم مناهجها، فالمعلم قبل كل شيء هو القدوة والمثل الأعلى وهو المنبع لأبنائنا بالمدرسة، كما الأب بالمنزل إن لم يكن أكثر من ذلك للبعض حيث يقضي مع أبنائه الطلبة جل وقته فيؤثر بسلوكياتهم وأخلاقياتهم وأفكارهم ومن بعد ذلك تأتي المناهج التي تضعها وزارة التربية والتي غالباً وللأسف تفتقر إلى حدٍ ما لثقافة الأخلاق وكيفية توظيفها وغرسها بالنشء أو ثقافة الاختلاف بالرأي والرأي الآخر أو ثقافة الإقصاء للآخرين أو معاداتهم لمجرد مخالفتهم أو عدم توافقهم بالرأي أو اختلافهم باللون أو الدين أو الجنس، وأما دور العبادة والمساجد فدورها المحوري الأساسي أصبح ثانويا على كثرتها بالدولة، ففي كل حي يوجد مسجد إن لم يكن أكثر أصبح و للأسف الدور المنوط بها هو فقط لإقامة الصلاة ومن ثم تغلق الأبواب، فأين حلقات تحفيظ القرآن وتعليم الحديث والتفسير؟ أم أنها اقتصرت فقط على بعض الجمعيات والتجمعات الدينية التي وللأسف ما إن تستفرد بالنشء حتى توظفه لأهدافها  الخاصة وتهيئتهم لخدمة الحركة أو الجمعية أو قد تكون هناك بعض التجمعات الخاصة لتعليم وتحفيظ القرآن وغالباً ما تكون ارتجالية من قبل بعض المشايخ في البيوت أو الدواوين لغايات ونوايا حسنة وسعياً للأجر والمثوبة، جزاهم الله كل خير، فلم لا تكون كالسابق تحت رعاية وإشراف وزارة الأوقاف إدارة المساجد أو حتى وإن كانت بالمنازل بشرط أخذ موافقة الدولة ممثلة بوازرة الأوقاف والجهات المسؤولة فهناك الكثير من الأسر ترغب في انخراط أبنائها وبناتها في مثل هذه الحلقات، وللأسف تركنا فلذات أكبادنا لوسائل السوشيال ميديا والمقاهي والأسواق واستغلت عقولهم البيضاء البريئة وأخذت تخط وتنقش عليها ما تشاء من اللهو والضياع والانجراف لمكامن ومصائد الشيطان فبذلك تركنا القارب في وسط البحر تتلاطمه الأمواج وتغمره المياه ليغرق، فكذلك تُرِكَت الأجيال فتاهت وسط أمواج الحياة والإبحار إلى المجهول فلا يعتقد كائن من كان بأنه في مأمن هو أو أحد أفراد أسرته عما يحدث بالمجتمع فقد يكون اليوم الضحية بعيد وغداً يكون أحد المقربين، فنداؤنا إلى الجميع وبلا استثناء وبأقصى جهد ووقت لوضع الحلول الناجعة والعمل على إصلاح المسار الأخلاقي الديني الاجتماعي والحفاظ على منظومة المجتمع الأخوية الإنسانية وإلا فالعواقب كارثية وقوافلنا تسير إلى المجهول!

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى