المقالات

جائحة كورونا ..وماذا بعد؟!

الإنسان يتعلم بالتلقين والتجربة، حتى ظن، في ظل جبروت العولمة والاستغلال المفرط والاستهلاك الجنوني، أن سلطانه لا يقهر، فجاءت الجائحة لتعلمنا قليلا معنى التواضع، معنى الرضوخ لقوانين الطوارئ، معنى التأمل في الزوال بشقيه الديني والفلسفي، معنى الإنصات لصوت الإنسانية في كل أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

 لكن الإنسان لا يتعلم سريعا، فغالبا ما تجتاحه نشوة الفوز ثم التنكر للألآم الماضية بسرعة، وحتى كتابة هذه السطور، وفي خضم موجة ثالثة من الإصابات بكورونا أسرع انتشارًا واجتراءً على فئات كانت مستبعدةً من استهداف الموجة الأولى والثانية، كالأطفال، ومع بدء توزيع اللقاحات الشهيرة المضادة لفيروس كورونا المستجد، الذي أظهر بُطئًا ومحدوديةَ نطاق على غير أحلام مَن تولتهم النشوة بالعثور على إكسير في متناول اليد يُنهي الجائحة، ظهرت ثلاث سلالات جديدة من فيروس كورونا المستجد، واحدة ببريطانيا، والثانية بجنوب إفريقيا، والثالثة باليابان، والحبل على الجرَّار.

قلبت كورونا إيقاع الحياة اليومية، رأسا على عقب، في مختلف أصقاع العالم. فجأة، ارتدت الإنسانية على عقبيها، فاختفت ظواهر وتوقفت أنشطة وعُلقت عادات. مقابل ذلك ظهرت أخرى؛ قديمة أو جديدة، تُجارِي إيقاع الفيروس، في محاولة لاستغلال ما تركه من هوامش محدودة أمام الإنسان.

لقد علمتنا الجائحة وفق ما ذهبت إليه الكاتبة الايطالية «فدريكا موغيريني» أولا: أن ما يحدث بعيدا يخلف أثرا بالغ الأهمية هنا والآن. وعطسة واحدة على إحدى القارات قد تفضي إلى تداعيات مباشرة على قارة أخرى.

نحن متصلون، نحن واحد. وكل محاولات اعتبار الحدود خطوطا تقسمنا، وتصنيف الناس بحسب الجنسية، أو العِرق، أو النوع الاجتماعي «الذكر والأنثى»، أو المعتقد الديني ــ كل هذا يفقد معناه على الفور، لأن أجسادنا معرضة بذات القدر للفيروس، أيا كانت الفئة التي ننتمي إليها بمقتضى هذه التصنيفات.

ثانيا: أنا مهتم برفاهية جاري، فإذا كان أي من جيراني يواجه مشكلة، فإنها تصبح مشكلتي أنا أيضا وبالتالي، فإذا لم تكن مصلحة جاري تشكل لي أي أهمية، فيجدر بي أن أهتم بمصلحتي الشخصية. في عالَم مترابط مثل عالَمنا، تصبح الطريقة الفعّالة الوحيدة لرعاية نفسك هي رعاية الآخرين، أي أن التضامن هو الأنانية الجديدة.

ثالثا: نحن في احتياج ماس إلى حلول عالمية منسقة، وهذا يتطلب الاستثمار في المنظمات الدولية المتعددة الأطراف. وإذا كنت تظن أنك قادر على الاستجابة بفعالية لأزمة كهذه بمجرد اتخاذ تدابير وطنية، فأنت بهذا تفعل ما يشار إليه في الثقافة الإيطالية بمحاولة «إفراغ البحر بملعقة»: قدر هائل من العمل دون نتائج.

رابعا: القرارات السياسية القائمة على العِلم هي الطريقة العقلانية والمفيدة الوحيدة للتحرك. والدليل هو المرجع الوحيد لدينا الذي يمكننا التعويل عليه. ما يدعو إلى التفاؤل أننا نستثمر في العلوم منذ آلاف السنين ــ في مختلف أنحاء العالم، دون استبعاد أي حضارة، ولأسباب بالغة الحكمة. وأي انحراف عن القرارات القائمة على الأدلة العلمية، بسبب اعتبارات سياسية أو اقتصادية قصيرة الأمد، يشكل ببساطة خطورة بالغة.

لقد كان «هيدغر» لماحاً جداً عندما قال: اللا مكان هو مستقبل العالم. ففي عالم فارغ، عالم ما زال يبحلق فيه «دولوز» و»دريدا» في أحذية «فان كوخ»، عالم ما زال «أغامبين» يشيده على المعسكر، أصبح التفكير في الخلاص ليس فقط دورا محصورا على النخبة العلمية والسياسية، بل أصبح دورا محوريا للفكر والفلسفة، فالأزمة يمكن استخدامها كفرصة لتعلم الدروس من أخطاء الماضي، وتعديل طرق التفكير والتحليل، وتغيير المسار، وإصلاح الأشياء التي لم نكن نعترف حتى بأنها مكسورة. الأمر برمته يتوقف على ما يقرر الأفراد في مختلف أنحاء العالم القيام به، بدءا بأولئك الذين يتحملون مسؤوليات مؤسسية وسياسية.

ولكن في نهاية المطاف، سيكون لزاما علينا جميعا أن نقرر: هل نستغل هذه الأزمة لتحقيق مكاسب فردية قصيرة الأمد، في ظل ممارسة تقديم كبش الفداء المعتادة، أم نعتبرها نداء إيقاظ على الواقع؟ لتغيير النهج والمنهج، وهذه ليست مثالية، بل قمة الواقعية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى