المقالات

‏الديمقراطية تقدم أم تراجع!!

‏ منذ بدايات القرن المنصرم، وخاصة بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، ناهيك عن الصراع السوفييتي-الأميركي والمسمى بالحرب الباردة، برزت الديمقراطية كفكرة عالمية، إذ إنها تحولت من نسق سياسي محلي تتميز بها بعض البلدان الغربية إلى نسق عالمي حاولت بعض القوى الغربية، خاصة الولايات المتحدة الأميركية، فرضه على الواقع السياسي للدول الأخرى. ويجب أن نقر هنا بأن هذا الفرض لم يكن الهدف منه نشر الديمقراطية كحالة سياسية تؤدي إلى سيادة نسق الحكم الصالح، إذ إن معظم غاياته كان يهدف إلى تغيير الأنظمة الحاكمة المناوئة لسياسة القوى العالمية المتنفذة! منذ تلك الفترة، فترة بدايات القرن العشرين، أصبحت الديمقراطية أيضا فكرة يحلم بها الكل، وينادي بها الكل، ويسعى إلى تطبيقها الكل: الديمقراطيون، الدكتاتوريون، الطائفيون، الأصوليون، الفاشستيون، العسكر، وهلم جرا! لقد كان الإنسان يتنفس باسم الديمقراطية، ويجوع باسم الديمقراطية، ويقتل باسم الديمقراطية. بل إن الأسوأ من ذلك هو أن تنادي الأحزاب، خاصة التي تتبنى الديمقراطية كمبدأ سياسي لها، إلى ضرورة إسقاط الحكم الديمقراطي عن طريق الجيش، كما حدث في السودان وموريتانيا وغيرهما!
إلى أين تسير الديمقراطية بعد انتشارها عالميا ولأكثر من مائة عام؟ هل حققت الديمقراطية انجازات تذكر في البلدان التي تبنتها، أم إنها استخدمت لغايات لا علاقة لها بالديمقراطية؟ قفزت هذه التساؤلات إلى ذهني عندما قرأت مقالا تحليليا جيدا قدمه السيد فيدار هيلغسن، السكرتير العام لمجلة International IDEA، وقد كان عنوان المقال «الديمقراطية في القرن الواحد والعشرين: تقدم أم تراجع؟». يبدأ السيد هيلغسن مقاله بذلك الكم الهائل من الأصوات التي بدأت تحذر من الكارثة التي تعاني منها الديمقراطية على مستوى العالم، والتي أثبتت فشل المجتمع العالمي في منع وقوع الكوارث السياسية التي كانت من جراء عقد انتخابات لا تخضع للقيم والمعايير الديمقراطية المتعارف عليها. إن العالم، وكما يذهب السيد هيلغسن، دائما ما يقف كمتفرج فقط إزاء حدوث مثل تلك الكوارث السياسية، ويعطي مثالا عما حدث في زيمببواي وغيرها.
ثم يوضح السيد هيلغسن بعضا من الأسباب التي أدت إلى فشل سيادة النمط الديمقراطي على المستوى العالمي، والتي كانت نتيجة لفهم خاطئ في التنظير والتطبيق، سواء عند السياسي الغربي أو غير الغربي. وبذلك يطرح السيد هيلغسن مجموعة من المعايير التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار حتى تستطيع الديمقراطية الخروج من حالة التعثر التي اصابتها. أولا، لا يوجد حل واحد لجميع التحديات التي تواجه تطبيق الديمقراطية على المستوى العالمي، وهنا يجب أن ننظر لخصوصية كل مجتمع وبعدها يتم تبني النموذج الأمثل له. ثانيا، عند محاولة إقناع الناس، أفراد أي مجتمع ما، يجب ألا تكون القوى الخارجية بالواجهة، بل يجب أن يتم ذلك من خلال الشركات الوطنية، والسياسيين المحليين، والاحزاب المحلية، والمثقفين الوطنيين، وغيرهم. ثالثا، بناء الديمقراطية في أي مجتمع ما يحتاج إلى منظور طويل الأمد مدعوم بالتوعية الإعلامية. ورابعا، يرتكز نجاح الديمقراطية ليس فقط على «معمار المؤسساتي» (المتمثل في: الانتخابات، الدستور، الاحزاب، الرقابة القضائية)، وإنما، وهذا هو الأهم، من خلال تأسيس ثقافة للديمقراطية في المجتمع ذاته، والتي بدورها ستضمن تحقق الممارسة الديمقراطية الجيدة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى